بسم الله الرحمن الرحيم
تشهد الرِّسالة التي بُعِثَ بها النبي محمد ﷺ - مما تلاه من القرآن ومن السنة (فِعله النَّبَوِي) - علي صدقها، ومما يدعو للدهشة - حتي دون النظر إلي عظمة الرسالة الأخلاقية والفكرية - هو مجرد اعتبار حجم ما دُوِّنَ عن محمد ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عاماً من الدعوة. ولا يمكن مقارنة هذا التدوين بالإنجيل علي سبيل المثال لأنه لا يحتوي لا علي تعاليم موسي بل هو مرجع تاريخي تراكمي استغرق تكوينه قروناً. وإذا ما نظرنا إلي أهمية ما دعانا إليه ﷺ من ناحية قيمته المتأصلة واتساع نطاقه سنجد أن هذه الدعوة قد حددت علاقة البشر بخالقهم وبمن حولهم حتي مع الحيوانات والجمادات، كما أنها منحتهم حكمة مُلائمة لكل زمان عن كل ما يتعلق بسلامة الفرد أو الجماعة. ومما يدعو لتصنيف هذه الدعوة علي أنها مثيرة للاهتمام بشكلٍ فريد بل حتي أنها مُعْجِزَة جَلِيَّة هو اتساقها أي تناغُم مثل هذا المرجع الشامل الذي يَتَعَرَّض لكل من علم التوحيد والسلوك الفردي والجماعي والقوانين المدنية والسياسات الخارجية والعبادات الشعائرية والمعتقدات الروحانية. ويتضح هذا الاختلاف أكثر عند مقارنته مع المذاهب الدينية والقانونية الأخري التي بهتت مع مرور الوقت أمام النقد، ولذلك فإن عدم قدرة البشر المستمرة علي إيجاد نظام يَصْلُح لكافة الأزمنة ويُوَفِّر التوازن والمنفعة الشاملة يجعلنا نُقَدِّر رسالة النبي الخاتم ﷺ تقديراً كبيراً. ويَعْرِض هذا البحث عشر نقاط هامة من رسالته ﷺ ويركِّز علي تلك النقاط التي يُقَدِّرُها معاصري القرن الواحد والعشرين.

التوحيد الخالص

{قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يُوسُف 12: 108)
لم يطلب الرسول ﷺ من الناس أبداً أن يعبدوه، كما أنه لم يسمح أبداً لأي منهم أن يُظهِر له مهابةً زائدة عن الحد. فقد كان دائماً ما يُفَرِّق بوضوحٍ بين كل ما هو إلهي وطبيعته البشرية، فكان يمنع الناس من الوقوف له عند دخوله واعترض ضمنياً علي مساواته بالله في خُطَبِهِم كما حذََر وهو علي فراش الموت من أفعال الأمم السابقة التي اتخذت من قبور أنبيائِها مساجد.
ولم يَبْرُز شيئا في خُطَبِهِ أكثر من حرصه علي الحفاظ على أنقى صور الفَهْم للتوحيد في القلوب، وإزالة أي عائقٍ يحول بين العباد وصِلَتِهِم بالله.
نشأ ليو تولستوي (توفي 1910) في عائلة روسية أرستقراطية ووصفه البعض بأنه من أعظم الروائيين علي مدار التاريخ، كما نقل بعضهم إعجابه الشديد بالإسلام وهذا مما نُسِبَ إليه في هذا الشأن:
              محمد كان دائما يقف على مستوى أعلى من المسيحية. إنه لا يعتبر الله كإنسان ولا يجعل نفسه
        مساوياً لله. المسلمون لا يعبدون إلا الله ومحمد رسوله. ليس هناك أي سر أو غموض فيه.
وفي سياقٍ آخر كتب "أدركت بعد قراءة القرآن أن الإنسانية لا تحتاج سوي هذا القانون الرباني".[1]
إن تحديد إله واحد حق لهو الحاجة الوجودية الأساسية للإنسانية، والإيمان به وحده يتماشى مع كل من المنطق والحدس. ولما كان البشر كائنات هادفة بطبعها، فكان إله واحد ذو منطق وحكمة بإمكانه أن يُكَلِّفهم بمهمة. ولابد أن يكون الخالق قد أوضح لنا هذه الغاية ولذلك كانت الحاجة ماسَّة لنموذج ديانات "الوحي الإلهي" أي من "الرُّسُل المُوحَي إليهم". وعلي النقيض تتضمن الديانات الأخري فلسفات محدودة تعجز عن الإجابة عن أسئلة البشر الأكثر إلحاحاً حول غاية وجودهم وما يُعطي معني للحياة. ويصبح تأكيد الإسلام المنفرد علي وحدانية الله أكثر وضوحاً عند تركيز البحث علي العقائد الإبراهيمية، ففي الإسلام وحده يجد الإنسان إلهاً مطلق الوحدانية والكمال، ومنزَّهاً عن أن يُشبِه أحداً من خلقه، ورحيماً بالإنسانية جمعاء حيث أرسل لهم جميعاً نفس الرسالة.

القَدَر

يقول الله تعالي:
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد 57: 23)
يقول هربرت بنسون، دكتور في الطب، ومؤسس مُشارِك في معهد بنسون هنري لطب العقل والجسم: "إن الإيمان بالله هو أفضل أداة وقائية لمثل هذا الضغط ولتقوية الجهاز المناعي. فالإيمان بأن يداً واحدة لديها مقاليد الأمور يريح العقل".[2] فالأمان الذي يتحدث عنه هو الإيمان بأن يداً عُلْيا واحدة تتحكم في مقاليد الأمور، وهو ما عَبَّرَ عنه النبي محمد ﷺ عندما عَرَّف القَضاء والقَدَر: "أن تؤمن بالقدر خيره وشره".[3] وبدون هذا الاعتقاد سيُسيطِر علي الإنسان إحتمالية الازدواجية ( تنازع القوى الكونية)، وهذا بدوره يُدَمِّر سلامة الإنسان الرُّوحيَّة لأنه حتي إذا عَبَدَ الله سوف يُلازِمه القلق حول  تنازع القوى الكونية. ويمكن الحصول علي السلام الداخلي فقط بالاعتقاد أن كل شيء يَقَع بإرادته ومشيئته وأنه هو وحده من يَخلُق الحَوادث.
وبالمثل، وَصَفَ إدوارد T. كريجان بمايو كلينيك، دكتور في الطب،وهو عضو في مجلس إدارة   جمعية السرطان الأمريكية أفضل أداة للتحكُّم في الضغط باعتبارها "التسليم بأن هذه الحياة ليست دائماً عادلة، وأن الخَيِّر لا يكون رابحاً دائماً".[4] وبعبارةٍ أخري، إن المصدرين اللذين يجعلان الحياة ممتعة وممكنة هما الإيمان بأن كل شيء كائن وسيكون دائماً بيد الله، وأنه تعالي قد خلق الحياة بمنعطفات هو وحده يعلم تمام العلم حكمتها. وعَلَّمَ الرسول باستمرار هذه المعتقدات ويجد أتباعه فيها سلوي عندما يواجهون الخوف أو المرض أو أيه تحديات أخري.  

الصَّلاة

إن الصلاة الشعائرية هي ثاني ركنٍ من أركان الإسلام بعد الشهادتين. وتعني لُغَوِياً صِلَةً، فهي بمثابة فرصة للبشر لإخراج أنفسهم من ماكينة هذه الحياة الدائرة لتقوية صلتهم بخالقهم، ولري شجرة إيمانهم وترطيب أرواحهم التي من الممكن إذا لم يُصَلُّوا أن تجف وتتصدَّع في صحراء هذا السعي اللانهائي وراء وفرة وملذات الجسد. فتعتبر الصلاة بالنسبة للروح الاستظلال بشجرة في وسط يوم عمل حار، فهي فرصة لإعادة شحذ روحانيَّاتِنا وتذكرة بأصلنا وخالقنا والغاية التي وُجِدنا من أجلها. وإذا ما أُدَّت بإخلاص صارت أكبر رادعاً للخطأ والاعتداء.[5] 
طالب النبي محمد ﷺ المسلمين بالصلاة خمس مرات كل يوم. وعلى الرغم من أن بعض الناس قد يعتبرون هذه مهمة مرهقة، فإن العديد من المسلمين - بعد تجربة الصلاة في الواقع - يختارون طوعاً استكمال هذه الصلوات الخمس بأكثر من ذلك. ويجب أن تكون هذه القوة المغناطيسية لهذا العمل التعبدى الفريد علامة واضحة على قيمتها. الصلاة هي الفاكهة (والبذرة) الأكثر وضوحاً للاعتقاد، وكما نُقِل عن المسيح: "يجب أن تعرفهم بثمارهم. هل يجمع الرجال العنب من الشوك، أو التين من الشوك؟ "[متى 7:16]
وعلى الرغم من خلافاته اللاهوتية مع الإسلام، أعرب الراحل البابا يوحنا بولس الثاني مرة واحدة عن هذا الشعور الدقيق قائلا:
إن تدين المسلمين يستحق الاحترام. فمن المستحيل عدم الإعجاب، على سبيل المثال، بإخلاصهم للصلاة. إن صورة المؤمنين بالله الذين لا يهتمون بالزمان ولا بالمكان ويجثون على ركبتيهم ويزجُّوا بأنفسهك في الصلاة تبقى نموذجاً لجميع الذين يستدعون الإله الحق، ولا سيما بالنسبة للمسيحيين الذين هجروا كاتدرائياتهم الرائعة، صَلِّ فقط قليلا أو لا تُصَلِّ على الإطلاق.[6]
إن أعظم فائدة للصلاة هي التواصل مع الله دون شك، فهذا الارتباط يغذي المقاومة الروحية التي تساعد المرء على تحمُّل الاستمرار في تحقيق غرضها في هذه الحياة ويؤهلهم للخلاص في الآخرة. ومع ذلك، فإن حتى الفوائد الجسدية والعقلية لصلاة المسلم اليومية مذهلة. وعلى الجانب العقلي / النفسي، تشير البحوث إلى أن الصلاة تعزز ضبط النفس، وتعوض الآثار الصحية السلبية الناتجة عن التجارب اليومية المجهدة. وبالنظر إلى تصاعد القلق والاكتئاب وإساءة استعمال العقاقير والانتحار من حولنا، يشهد العالم المتألم على جدوى صلاة المسلمين اليومية: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (القلم (68): 43).

الصَّوْم

يمارس أكثر من مليار مسلم في جميع أنحاء العالم على الأقل خلال شهر رمضان أحد الأشهر القمرية فريضةالصوم  وهي ركن آخر من أركان الإسلام. ويمتنع المسلم من الفجر وحتى غروب الشمس عن الطعام والشراب والعلاقات الزوجية إخلاصاً لخالقه. ويغذي هذا التقييد للشهوات الجسدية روحانية المرء كما يُعَزِّز الضمير الديني، ويزرع الصدق في مراقبة الله فهو الوحيد الذي يراقبك في جميع الأوقات. كما أنه يعلم ضبط النفس في مناحي أخرى من الحياة، وبالتالي فقد أعلمنا النبي محمد ﷺ "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْل فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".[7] وبطبيعة الحال، يسمح الصوم أيضاً للمسلم أن يُجَرِّب الجوع وعدم الراحة مما يُوَلِّد تعاطفاً مع المحرومين والمظلومين، ولهذا السبب كان النبي محمد ﷺ أجود ما يكون خلال شهر رمضان[8]، وألزم أتباعه بزكاة الفطر في نهاية الشهر.
أما عن الفوائد الصحية المكتسبة من الصيام فهي فوائد جسدية ونفسية. ففي دراسة أجراها ماتيسون ولين (2003) في المعهد الوطني للشيخوخة في بالتيمور، وجد أن الحد من السعرات الحرارية يطيل العمر ويقلل من حدوث الأمراض المرتبطة بالعمر. وبالمثل، وجد كليف ماكاي، حصل علي الدكتوراه بجامعة كورنيل، أن الفئران المختبرية التي أبقت على نظام غذائي منخفض السعرات الحرارية عاشت تقريباً ضعف العمر المتوقع بشرط توفر المواد الغذائية المناسبة. ونشر باحث مكافحة الشيخوخة ريتشارد ويندروتش، دكتوراه في كلية الطب والصحة العامة بجامعة ويسكونسن، في "تجربة كانتو وأوين" الشهيرة ورقة رئيسية تعرض قردين من فصيلة ريسوس من أعمار مشابهة ولكن يتناولون وجبات غذائية مختلفة جداً. وأثمرت أبحاثه عن رسالة واضحة: "تحديد السعرات الحرارية" و "الصوم" يعكس ويُبطئ التدهور الخلوي المرتبط بالشيخوخة. وفيما يتعلق بالآثار العلاجية للصوم على الصحة النفسية تعقَّبَ الدكتور يوري نيكولايف من عيادة الصوم في معهد موسكو للطب النفسي مدي فعالية الصوم لآلاف مرضى الفُصام الذين كانت الأدوية غير فعالة لهم.

تناول الطعام الصِّحي

قال الله تعالى:
ولم تُتْرَك هذه التعليمات الإلهية دون تحديد، بل قدَّم النبي محمد ﷺ تفاصيل دقيقة بشأن الطعام والشراب والملبس. فعلى سبيل المثال، يُمنَع المسلمون من تناول لحم الخنزير[9] ما لم تكن هناك حاجة ماسة، كما أنه من غير المحبذ (ليس ممنوعاً) تناول لحوم البقر لتجنب المضاعفات الطبية. ففي أحد الأحاديث جاء "عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ ، فَإِنَّهَا ترُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ ، وَهُو شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ"، وفي حديثٍ آخر ذات صلة: "وَإِيَّاكُمْ وَلُحُومَهَا، فإنَّ لُحُومَهَا دَاءٌ".[10] فلم يحدد نوع الطعام فقط، بل أيضاً كميته، قال النبي ﷺ :
"مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".[11]
ولم يقف النبي ﷺ عند هذا الحد، بل أعطي المسلمين خارطة طريق لتناول طعاماً أقل، ونَقَلَهُم من الفكرة مُجَرَّدةً إلى تشرُّب هذا التوجيه. نقل أنس (رضي الله عنه) أن النبي ﷺ منعهم من الشرب وقوفاً،[12] وأضاف أنس أن تناول الطعام وقوفاً يُعَد أسوأ من ذلك، وقد ثَبُتَ أن هذه النصيحة حول الأكل والشرب مفتاحاً[13] لتجنُّب مخاطر الإفراط في تناول الطعام والسمنة.

 تحريم الزِنا

وكانت الإباحية الجنسية بالتأكيد طريقاً مظلماً للعالم العلماني الحديث. ومع ذلك تجد خبراء من جميع الأطياف الأيديولوجية - على الرغم من كونهم سياسيين - لا يزالون يتقبلون أدوار العِفَّة، والامتناع عن ممارسة الجنس، والإخلاص في العلاقة الزوجية من أجل الوقاية من الأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي. وترتبط هذه القيم الوقائية التي عَلَّمَها النبي ﷺ بانخفاض معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة في الدول ذات الأغلبية المسلمة.
قال الله تعالى:
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}  [الإسراء( 17): 32]
لم يكتفِ النبي بنقل هذه الآیة التي تحظر الزنا أو الفاحشة، بل أورد لنا منهاجاً للسلوك لمنع المنحدر الزلق المؤدي إليهما. ودائماً ما تعثَّرت كل الحضارات التي لم تحترم هذا المنهاج فوصلت لنقطة اللاعودة. إن التجاوز السافر يُفَجِّر أحاسيسهم، وكما تقول الآية، فإن الزنا هو طريق شر وليس نهاية شريرة، ويبدأ مع العلاقات خارج نطاق الزواج، ثم تحديد وجودك على أساس توجهك الجنسي، يتبعه قبول جميع أشكال التعبير الجنسي حتى البهيمية واللواط. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، ويظهر تقدير آخر لكيفية بدء هذه الآية - "لا تقربوا الزنا ..."، كما لو كان حريقاً كبيراً يجتاح أولئك الذين يقتربون منه. وهناك طريقة أخرى يُعرقِل بها الإسلام هذا التهديد من خلال التأكيد على نظام الأسرة. إن الزنا ليس مجرد دعوة للأمراض الجسدية، وإنما يمثل عقلية أنانية لا تهتم بالأسر التي يدمرها، والأطفال المولودين المحرومين من الحب والرعاية، والملايين من حالات الإجهاض المتأخرة، ونُظُم السجون التي ندفعها جميعاً، وما شابه ذلك. ويضع الإسلام ضمانات ضد كل هذا من ضمنها التزام العفة والمسؤولية الاجتماعية. ويؤثر الزنا حتى على كبار السن الذين يموتون بمفردهم ويعانون من الأسي حيث أن أولئك الذين ينفصل أبويهما (أو يكونان غير معروفين للطفل) فسوف ينفصلون بالتأكيد عن أجدادهم. ونتيجةً لذلك، يجد المسنون أنفسهم مهجورين في سنهم الضعيفة - وهو وقت يتطلب عادةً وجود الأسرة الممتدة لتحمُّل العبء معاً. أبرز النبي ﷺ هذه الأخطار في كثير من المناسبات. فعلى سبيل المثال، قوله للشاب الذي كافح مع شهوةٍ له، "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟…. أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟…... أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟…..".[14] وبالمثل، عزَّزَ ﷺ الترابط بين العائلة الممتدة بقوله: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ".[15]

تحريم المُراباة / الفائدة

عن جابر بن عبد الله قال:" لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ". [16]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}[البقرة (2): 278-279]
نلاحظ في الوقت الحاضر مباشرةً كيف أن المؤسسات المصرفية القائمة على الفائدة دمرت كل من دولٍ وأفراد بدرجةٍ يَصْعُب إصلاحها. وتتضح الطبيعة السيئة للربا حيث أنها وسيلة للحصول على أموال سريعة، ولكنها في الواقع تُغرِق الناس في الديون حيث يقع الخطر بالكامل على المَدين ولا تنطوي على أي خطر على الدائن الذي يستثمر عن طريق الإقراض. كما أنها تُنقِص من قدر العمل، لأن المال هنا هو ما يولد المال وليس الجهد أو الحرفية. وفي المقابل، فإن الأغنياء يزدادون ثراء بثبات في حين يزداد الفقراء فقراً باطِّراد - إلى أن نصل لنقاط الدمار التي لا يمكن تصورها، والتي قد تصبح فيما بعد مُحَفِّزاً للأزمات المالية والانتفاضات التي التهمت علي مدار التاريخ العديد من الدول حتى القُوَى العُظْمَى. وفي إطار تسليط الضوء على هذا النوع من عدم المساواة، قال الله عن المال: " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ"[الحشر (59): 7]، ولذلك حَرَّمَ النبي محمد ﷺ الرِّبح [بالمعنى اللغوي] من القروض بقوله: " ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك"[17]

[18] وفي أماكن أخرى يُقَدِّر كيف تُقدِّم الأنظمة المالية الإسلامية بديلاً مُنعِشاً وعلاجاً للمشكلات الاقتصادية.

قانون العقوبات

لم يُحَدِّد النبي محمد ﷺ سوي خمس عقوبات، وخلافاً للأسطورة الشائعة يُشَكِّل فصل  قانون العقوبات (الحدود) حوالي 2٪ من أي كتاب عن التشريع الإسلامي والذي غالباً ما يزيد على عشرة مجلدات، وهو في الأساس مجموعة من التوجيهات النبوية المنقولة أو المستنبطة. وعلاوة على ذلك، فبالتدقيق في هذه النسبة (2٪) يتضح لماذا نادراً ما تُنَفَّذ هذه العقوبات الخمس في المجتمعات الإسلامية التي تُطبِّق الشريعة الإسلامية، ولماذا تصلح هذه العقوبات فقط جيداً ضمن نظام كلي يُعَزِّز القيم التي تهدف هذه العقوبات إلى حمايتها. ومع ذلك، فحتى هذه العقوبات الخمس تَنُم عن عبقرية تشريعية. لماذا النبي ﷺ حدَّدَ عقوبات للسرقة والزنا، ولكنه لم يحدِّد أي عقوبة لتناول لحم الخنزير والمُقامرة والربا؟ ويُستَدَل من هذا علي أن قانون العقوبات لم يُشَرَّع لمجرد انتقام الله مِمَّن يتعدى حدوده، بل يتعلق الأمرفي الواقع  بحماية الفرد والمجتمع من رذائلهم. فالسرقة والزنا يقدِّمان مكسباً مباشراً أو متعة لكونهما قوة دافعة لا يستطيع البعض مقاومتها دون الخوف من العقاب إذا لم يكن رادعاً بما يكفي لتثبيط الجشع أو الشهوة. ومن ناحيةٍ أخرى، فعلى الرغم من أن الإسلام يُدين المعاملات المالية الربوية أكثر من السرقة أو الزنا، إلا أنه لا يُعاقَب عليها. ولا يُعَد هذا تناقضاً، بل فارقاً ذو دلالة: الاعتراف بأن الفائدة هي جريمة تُقَوِّض ببطء المجتمع ككل، علي عكس السرقة التي يرتكبها الناس إجبارياً لأنها تُمِدُّهُم  بثروات فورية. وقُدِّمَ اقتراح مراجعة نظرية الردع في مقال نشر في مجلة الدراسات السياسية (Policy Studies Journal)، فهي تقترح نظرياً في الأساس أن الجريمة يمكن منعها على نحوٍ أفضل من خلال تغيير نسب التكلفة والفوائد التي يحسبها المجرمون. ويقول كاتبي المقالة:
ونجد في كل من الدراسات ذات الصلة وتحليلنا العملي أنه في حال كانت العقوبة التي يُعزَى إليها العقاب مبررة بشكل صحيح في نموذج ما، فإن شدة العقوبة لها تأثير سلبي واضح على الجريمة وتُحدث فرقاً كما توضح نظرية الردع.[19]
وبعبارة أخرى، ينظر المجرم عادة إلي احتمالية اكتشاف جريمته فضلاً عن شدة العقوبة حال القبض عليه. وبالتالي، فإن تحقيق التوازن الصحيح بين هذين العاملين سيؤدي إلى الحد من الجريمة إلى أقصى حد ممكن.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أن فعالية نظريات الردع المختلفة لا تزال موضع نقاش في منتديات علم الجريمة، إلا أن العديد من المؤشرات تدعم العلمانية في محاولة جديرة بالثناء منها للتخلص من القوانين الصارمة وذلك من خلال الاهتمام الشديد باعتقال المجرمين عن طريق تحسين طُرُق المراقبة والشرطة العدوانية واعدادات الطب الشرعي المُدَعَّمة. وقد تمكنوا من ذلك على حساب إعادة تقييم العقوبة الفعلية فور القبض على المجرم. ونتيجة لهذا التسامح في غير محله في بعض الأحيان بدافع الحضارة، فُقِدَت العديد من الأرواح ودُمِّرَت. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يحتل نظام السجون الفاشل المرتبة الأولى في عدد الاعتقالات (يزيد على مليوني سجين)، الأولي في جرائم السلاح  واستخدام الحشيش (والثالثة في استخدام الأفيون). وعلاوة على ذلك، أشار أستاذ القانون الأمريكي بيتر موسكوس في كتابه "الدفاع عن الجَلْد" أن الاعتقاد بأن حبس شخص ما في زنزانة هو فعل أكثر آدمية من إخضاعه لآلام جسدية لفترة قصيرة ولكن شديدة لهو موروث خيالي ثقافي جماعي. ومن الغريب أنه عند استعمار الهند الإسلامية شعر المسؤولون البريطانيون في أوائل القرن الثامن عشر أنه من الممكن مقارنة الشريعة الإسلامية جيداً مع "العدالة الدموية" في إنجلترا وأوروبا.[20] بعد ذلك تدخل المسؤولون بحجة أن "الشريعة الإسلامية كانت مُتساهِلة في كثير من النواحي بشكل مفرط، وأن الغرض من التشريع البريطاني هو الحد من هذا التساهل".[21] ويُلاحَظ مثل هذا التساهُل في هذه القوانين في مَنحَيَيْن: أولاً، أن عقوبات السجن مدى الحياة وأساليب الإعدام المفزعة كانت غائبة، وثانياً، أنه كان من النادر أن يتم تنفيذ العقاب ضد السرقة كما لاحظ مسؤول بريطاني آخر في أواخر عام 1700.[22] وباختصار، حدَّد النبي محمد ﷺ فقط خمس عقوبات تهدف إلى ردع المجرمين المحتملين للامتناع عن ارتكاب جرائم مُغرية على الرغم من أن هذه العقوبات كانت نادراً ما تُطَبَّق. وعندما كانت تُطَبَّق، كانت لا تزال أكثر اعتدالا بكثير من أية عقوبات جنائية حديثة.

النظافة الشخصية

يقول النبي محمد ﷺ:
عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ،وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ
وقال راوٍ تابع، "ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة".[23]
فبالتأمل في حكمة مثل تلك التعاليم، يمكن للمرء أن يرى تأثير تطبيقها، وفهم قوانين الإسلام من منظور أهدافها العُليا، فلا يسع المرء سوى أن يتأثر بمثل تلك الكلمات عقلياً وروحياً. فلا تشهد هذه التعاليم العشر المذكورة أعلاه على سبيل المثال فقط علي أن خاتم الأنبياء قد سبق أكثر الحضارات تقدماً في عصره بقرون، ولكنها تشير أيضاً إلى صفة الله الرحمن؛ وكيف أنه الرحيم بخلقه، وهو القدير.
كتب جورج برنارد شو (توفي عام 1950)، كاتب مسرحي وناقد أيرلندي ذو تأثير كبير:
واضعي الديانات الأصلية الناسخة، مثل محمد، كان لديهم ما يكفي من التنوير لطرح واجبات دينية مثل التدابير الصحية كالوضوء والمعاملة الأكثر حذراً وتوقيراً لكل ما يتخلص منه الجسد البشري، حتى تقليم الأظافر والشعر؛ بينما قام مبشرينا بدون تفكير في تجاهل ذلك  المذهب الإلهي دون استبداله بغيره، وهو ما  حدث على الأرجح بسبب تكاسُلهم وإهمالهم.[24]
لم يعتد الأوروبيون الاستحمام في أوروبا وحتى القرن الحادي عشر، وقد اعتادت الأوبئة ارتياد مساكنهم غير النظيفة بانتظام ، وقد كانوا يرتدون ملابسهم المغطاة بالأوساخ حتى تتساقط من فوق أجسادهم. وفي الوقت ذاته، كان المسلمون يتوضؤون للصلاة ويستحمون لإزالة أثر الجنابة ولأداء الطقوس الدينية، وحتى يُغسِّلون موتاهم – لأكثر من 400 عاما! "في العام 1000 بعد الميلاد، عاد الصليبيون من الشرق يحملون أخبار تلك العادة الجديدة الرائعة – الحمام التركي. وقد بُنِيَت بيوت مخصصة للاستحمام في أنحاء أوروبا."[25]
ومنذ بدايات الإسلام لم يَحُث علي تناول البصل النيِّء مُشجعاً على مضمضة الفم بانتظام وغسل الأسنان بشكلٍ متكررٍ. فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ".[26] وقد عَلَّم نبي الإسلام الخاتم محمد ﷺ أن هذه من وسائل التقرُّب إلى الله ولراحة الناس والملائكة التي تسوءها أيضا الروائح الكريهة. ومع التقدم التكنولوجي اليوم، نفهم مدى فائدة غسيل السكريات من أفواهنا – على سبيل المثال – وذلك لوقاية الأسنان من التسوس والآلام الناتجة عن عدوى اللثة.
أمر النبي محمد ﷺ المسلمين بالاستنشاق كركن من الوضوء قبل الصلاة. وقد بدأت الأبحاث اليوم تكتشف مدى قيمة مثل تلك الممارسة البسيطة؛ فتوصلت دراسة " إلى أن الاستنشاق لديه القدرة على تحسين القيمة الحياتية لملايين من المرضى بشكل مكلف وفعال جداً".[27] يشير أطباء الأنف إلى تلك العملية ب"ري الأنف" وذلك لأن إرسال كميات قليلة من المياه من البداية للنهاية هي الطريقة المناسبة للمعالجة والوقاية من إصابة الجيوب الأنفية من بين أمراضٍ أخرى. وهذا بالضبط ما نص عليه النبي ﷺ حين قال "وَبَالِغْ فِيالِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا".[28] وبعبارةٍ أخرى، يجب أن تصل المياه إلى الحلق تقريباً في عملية الاستنشاق ولهذا لزم الحذر أثناء الصوم.
حتى في عالمنا الحديث علي الرغم من أن النظافة الشخصية تَبرُز  بين مثيلاتها من العادات الصحية الأخرى، لا زال ليس لدى الناس الحافز القوي للحفاظ على نظافتهم الشخصية كما اعتاد المسلمون منذ ما يقرب من 1500 سنة. المقطع التالي من على الموقع الالكتروني مايو كلينيك الأكثر إعجابا:
على الرغم من الفوائد المُثبَتَة لغسيل الأيدي، لا يمارس الناس هذه العادة بالقدر المطلوب – حتى بعد دخول الحمام. وفي خلال اليوم، تتراكم الجراثيم على يديك من مصادر متعددة مثل التلامس المباشر مع الآخرين .. في حالة لم تقم بغسل يديك بشكلٍ متكررٍ بصورةٍ  كافية، هناك احتمالية أن تصيب نفسك بتلك الجراثيم إذا ما قمت بلمس عينيك أو أنفك أو فمك، كما أنك قد تنشر تلك الجراثيم وتعدي الآخرين.

العلم والطب

ربما تكون هذه أكثر التعاليم النبوية التي تغاضينا عنها، إلا أننا نُدين له ﷺ بالكثير بسببها: حقيقة أنه علَّم العالم أهمية المعرفة! حَرَّر ﷺ أتباعه من غيابات الجهل والخرافة، وعلّم أتباعه أهمية أن يستثمروا حياتهم في التعلُّم، وكنتيجةً لهذا أصبحوا رواداً في جميع المجالات. وقد صدَّق ﷺ على مدى قدرات أتباعه الفكرية قائلاً: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".[29] وعلَّمَت أحاديث كهذه المسلمين الأوائل أن عليهم احترام وتشجيع التجارب والخبرات الحياتية وألا يلتفتوا إلى عقائد لا أساس لها.
وانطلاقاً من تلك النظرة العالمية، صار الإسلام رائداً بين ما يعتمد عليه الأطباء، وقد وضع أهله المعايير الفكرية لعدة قرون. ولم يحدث هذا بالمصادفة البحتة، ولكنه نتاج حديث نبيهم ﷺ "من تطبَّب ولم يُعلَم منه طِبٌّ، فهو ضامن".[30] وُضِعَ امتحان الترخيص الطبي في بغداد (العراق) القرن العاشر وكان على جميع الأطباء أن يأخذوه قبل ممارسة الطب بناء علي هذا الحديث.[31]
وفي حديثٍ آخر "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُشِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ".[32]  وبعبارةٍ أخرى، أخبر النبي ﷺ الناس أنه يمكن الكشف عن هذه العلاجات وبذلك فلتبدأ إذاً نهضة البحث. وقد كان المسلمون متقدمين جداً في مجال الطب حتى أن وليام أوسلر، المؤسس والرئيس الثاني لجمعية المكتبة الطبية، قال أن "كتاب "القانون" لابن سينا ظل مرجعاً طبياً في أوروبا لمدة أطول من أي كتاب آخر".[33]
في الواقع، قدَّم النبي محمد ﷺ مفهوم الحَجْر الصحي الطبي الحديث، فحينما وصل سيدنا عمر رضي الله عنه، خليفة رسول الله الثاني، إلى مكان يُدعى سرغ أثناء أسفاره أخبروه أن هناك وباء في البلد الذي يتوجه إليه (الشام). أخبره عبد الرحمن بن عوف، أحد أكبر صحابة النبي ﷺ، أن رسول الله قال "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ، فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ".[34]
وعن نهضة المعرفة التي أطلق شرارتها هدي محمد ﷺ، يقول فرانز روزنتال بجامعة ييل، في كتابه "المعرفة منتصرة"،
فالعلم هو أحد المفاهيم التي سادت الإسلام ومنحت الحضارة الإسلامية شكلها المميز ومظهرها العام. في الواقع، فليس هناك مفهوم آخر يُحَدِّد الحضارة الإسلامية بجميع جوانبها بنفس قدر "العلم" ... لا يوجد فرع في الحياة الفكرية الإسلامية و الدين الإسلامي والحياة السياسية والحياة اليومية للمسلم العادي لم يمسَّها الموقف الشامل المنتشر نحو المعرفة كشيء ذو قيمة مطلقة من أجل وجود المسلم. العلم هو الإسلام، حتى لو كان اللاهوتيون مترددين في قبول الصفة التقنية لهذه المعادلة. فحقيقة نقاشهم المتحمس لهذا المفهوم يشهد على أهميته الأساسية للإسلام.[35]
يؤكد روزنتال في كتاب آخر له  "تاريخ علم التأريخ الإسلامي" أن القرآن لم يحث فقط على البحث التاريخي، ولكنه غير مسار التاريخ بأكمله حينما تعلق الأمر بعلم التَّأريخ. والسبب أن تصرفات الأفراد صارت فجأة (مثل الأنبياء)، وأحداث الماضي والظروف التي مرت بها شعوب الأرض ذات أهمية دينية، بالإضافة إلى وفرة البيانات التاريخية في القرآن الذي أتى به محمداً مُحفِّزاً السعي وراء المزيد من المعلومات التاريخية الإضافية الأكثر تفصيلاً.
 قال روبرت بريفولت، (توفي في 1948)، جراح بريطاني ومؤلف في الأنثروبولوجيا الاجتماعية،
العلم هو أهم ما ساهمت به الحضارة العربية في العالم الحديث ... لا يتكوَّن ما نَدين به من علم لدينا للعرب من اكتشافات مذهلة أو نظريات ثورية؛ يدين العلم بأكثر من هذا للعرب؛ وجوده في حد ذاته ... الملاحظة والتجريب هما مصدري المعرفة العلمية .. كانت تعتمد الطريقة اليونانية في اكتساب المعرفة في الأساس على التأمل؛ ولهذا كان العلم يُحرِز تقدمًا طفيفاً .. وليس لروجر بيكون أو أيا من الأسماء في مجاله الفضل في تقدُّم منهج التجربة .. لم يكن روجر بيكون إلا واحداً من حوارييّ العلم الإسلامي والطريقة لأوروبا المسيحية؛ وهو لم يسأم أبداً من إعلانه أن معرفته باللغة العربية والعلم العربي كانا السبيل الوحيد لمُعاصِريه نحو المعرفة الحقيقية.[36]

الخاتمة

لم يكن النبي محمد ﷺ فقط يتيماً تبنى العالم برحمته، ولكنه كان راعياً أُمِّيَّاً قدَّمَ منظوراً غير عادياً يُجِيب علي كل التساؤلات اللاهوتية أوالأخلاقية أو الحضارية حتى نهاية الزمان، وطَرَحَ رسالة ذات مضمون عميق مقترنةً بقوانين دقيقة صارت مرنة بما فيه الكفاية بحيث تظل الرسالة ذات مغزي إلى الأبد ولا تفقد صلاحيتها أبداً. وتعكس هذه الحيوية التوازن الذي لا يشوبه شائبة الذي تجلَّي  في تعاليمه دون أي محاكمةٍ أوخطأ مرحلي. لقد قدَّمَ للعالم رسالةً فاصلة ولكنها أيضاً تنوعا بما فيه الكفاية لاستيعاب التحولات في ديناميكيات العالم التي كانت لا تتصورها أذكي العقول قبل 1400 سنة.
وبذلك نكون قد أكملنا جولتنا لما يَصِفه البعض بالمعجزة الفكرية للنبي محمد ﷺ حيث أن رسالته كانت أكثر الأوجه لنبوته إلحاحاً وأقوى مؤشر لمنبعها الإلهي.
 

[1] انظر: حِكَم النبي محمد، الكونت ليف نيكولايفيتش تولستوي.

[2] انظر: تيمليس هيلينج، هربرت بينسون ومارج ستارك، فاير سايد بوك نيو يورك، 1997.

[3] جمعه مسلم: (8)

[5] حاتم الحاج، دكتور في الطب،  فقه العبادة: تعليق على "عمدة الفقه" لابن قُدامة، المعهد الهندي للصحة العامة (2011)

[6] عبور إلى الرجاء: يوحنا بولس الثاني عن الإسلام، 1994

[7] جمعه البخاري (6057)

[8] "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"جمعه البخاري(3554)

[9] هذا التحريم في الكتاب المقدس أيضاً: "وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا". [تثنية: 14 / 8]

[10] انظر: صحيح الجامع (4061)

[11] جمعه الترمذي (2380) وابن ماجه (2/1111)

[12] جمعه مسلم (2024)

[13] انظر: وضع حد لتناول الطعام دون تعقُّل، وول ستريت جورنال، بقلم ميليندا بيك - دورهام، نورث كارولاينا.

[14] جمعه أحمد (21705)

[15] جمعه الترمذي (1904) وابن داوود (2278)

[16] جمعه مسلم (1598)

[17] جمعه الترمذي (1303)

[18]انظر: " ورقة بحثية من الفاتيكان  تدعم النظام المالي الإسلامي. فرنسا تريد حصتها من النظام المصرفي الموافق للشريعة"، المجلة الدورية بروكسل، 3/12/2009 - البحث الأصلي:

 http://rassegnastampa.mef.gov.it/mefnazionale/PDF/2009/2009-03-04/2009030412006886.pdf

[19] مندس، سيلفيا م.، ومايكل د. ماكدونالد. 2001. إعادة شدة العقوبة في حزمة الردع، مجلة الدراسات السياسية 29 (4): 588-610.

[20] يورغ فيشش، حياة رخيصة وأطراف عزيزة: التحول البريطاني للقانون الجنائي البنغالي 1769-1817 (فيسبادن: فرانز شتاينر، 1983)، ص.88.

[21] المرجع نفسه ص.7.

[22] المرجع نفسه ص.88.

[23] جمعه مسلم (1/233)، أبو داوود، ابن ماجه (1/107)، الترمذي (5/91)، والنسائي (5/405).

[24] معضلة الطبيب، مقدمة عن الأطباء، جورج برنارد شو، 1908.

[25] الأسرار الملوثة لوقت الاستحمام، تايمز أونلاين، 26 مارس، 2009.

[26] جمعه أحمد (6/47) والنسائي (1/50).

[27] دراسة سريرية ومراجعة أدبية للاستنشاق، منظار الحنجرة، توموكا ل. وآخرون (2000).

[28] جمعه أبو داوود (142/143)، الترمذي (38)، النسائي (1/66، 69) وابن ماجه (448).

[29] جمعه مسلم (2363) وأحمد (24964).

[30] جمعه أبو داوود (4576)، ابن ماجه (3466)، والنسائي (4845)

[31] فراس الخطيب، التاريخ الإسلامي المفقود (ص. 72)، مطبعة جامعة أكسفورد (2014)

[32] جمعه احمد (3578). في رواية أخرى، أسامة ابن شريك، روى أن الاعراب قالوا، " يا رسول الله، أنتداوى؟" قال، " تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد." قالو، "يا رسول الله، وما هو؟" قال، "الهرم" جمعه أبو داوود (2/331)، الترمذي (3/258)، وابن ماجه (2/1137)

[33] "أهمية كتاب ابن سينا للطب في العالمين العربي والغربي". العلم وأزمانه: فهم الأهمية الاجتماعية للكشف العلمي. Encyclopedia.com 11 يناير 2017.

[34] جمعه البخاري (5729) ومسلم (98)

[35] روزنتال، فرانز . المعرفة منتصرة. بوسطن: بريل، 2007. ص. 2.

[36] انظر: صنع الإنسانية، كتبه روبرت بريفولت.