Yaqeen Institute for Islamic Research
The-Fate-of-Non-Muslims-Perspectives-on-Salvation-Outside-of-Islam-HeroImage

مصير غير المسلمين: رؤى حول نجاة من هم من غير المسلمين

مُلَخَّصٌ

ما هو مصير من هم من غير المسلمين بعد الموت؟ يعرض هذا المقال ثلاثة أجوبة مختلفة اقترحها المسلمون حول ما يتعلق بغير المسلمين الذين عُرضت عليهم رسالة الإسلام على نحو موثوق به (ذلك من منطلق أن أولئك الذين لم تُعرض عليهم رسالة الإسلام غير مسؤولين عنها): 1) وجهة النظر القائلة بأن الإسلام هو الدين الحق الوحيد وأن الذين يرفضونه لا يستطيعون النجاة إلا إذا أراد الله؛ و 2) الإيمان الخُلُقِيّ، الذي ينطوي على أن النجاة تنتظر كل أولئك الذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات؛ و 3) الفلسفة المعمرة، الاعتقاد بأن جميع الأديان التي أنزلها الله هي المسارات الصحيحة نحو الحق والنجاة.

يتناول هذا المقال الأدلة الرئيسية التي ينطوي عليها كل منهج، إلى جانب الانتقادات الرئيسية المطروحة في مقابل كل منها، ويختتم بالقول بأن القلق على مصير المسلمين وغير المسلمين بعد الموت يرتبط باليقين في عدل الله ورحمته الواسعة.

هل كل الصالحين سيدخلون الجنة؟

عندما توفي والدي قبل نحو عامين، سألني ابني الصغير “أين ذهب “سيدو جوناثان؟، كان ابني في ذلك الوقت يكاد يكون كبيراً بما يكفي ليستجمع ذكريات حول جده “سيدو جوناثان”، وكل ما جال في خاطري آنذاك أن أقول إن جده ذهب إلى الآخرة.  ثم سألني: ما هي الآخرة؟ فأجبته بقولي “إنه مكان جميل، ولكن في عالم آخر”.  كان والدي مسيحي، وكان نادراً ما يتحدث عن الدين، ولكنه كان رجلًا صالحًا، اعتاد الذهاب إلى الكنيسة أسبوعياً، فماذا كان مصيره عندما خرجت روحه من جسده؟ والحقيقة هي أنني لا أعرف. فلماذا أخبرت ابني أنه ذهب إلى الجنة؟ فماذا عساي أن أقول حينئذ؟

وضع عالم الاجتماع الفرنسي البارز إميل دوركهايم (توفى 1917)  نظرية تنص على أن الدين والمجتمع كانا بالفعل جسد بروح واحدة.   فلم تتأثر الهوية المجتمعية والوحدة الجماعية فقط بالدين أو جوانب منه، بل كان هو روحها وغايتها، والأديان تعمد إلى توحيد المجتمع وجعله نسيجًا واحدًا، وتقسم الناس إلى “نحن” و “هم” باستخدام لغة الحلال والحرام؛ الجنة والنار. قبل قرن من الزمان، قام عالم تشيكي متخصص في وصف الأجناس البشرية يدعى ألويس موسيل (توفى 1944) بالسفر حول ما يطلق عليه اليوم شمال المملكة العربية السعودية والعراق وسوريا، بهدف توثيق حياة وثقافات البدو خلال رحلته. لاحظ ألويس موسيل أن بدو الرولة يؤمنون بأن الآخرة تنقسم إلى الفردوس، التي تمثل مكانًا “تحت الأرض” ذي أمطار وفيرة، حيث يذهب إليه بدو الرولة ويتنعمون فيها ؛ والنار، التي تمثل، في ذات الوقت، مكانًا فوق الأرض، تحرقه حرارة الشمس، حيث يكون مآل جميع من هم من غير بدو الرولة. (لمعلوماتك: أشار موسيل إلى أن بدو الرولة لم يعترفوا بالإسلام آنذاك، بل رفضوه على أنه دين “ضعيف” لا يمكن أن يخفف من معاناة من تبعوه من سكان المدينة المستقرين.[1]

قد نرى أن اقتناع بدو الرولة أمر مثير للضحك، إلا أنه في نهاية المطاف، تتألف الأديان من معتقدات وإيمان وأخلاق، وما إلى ذلك من قيم وفضائل. لكن حتى أتباع معتقدات العالم العظمى يسقطون بسهولة في “الجماعانية” على غرار دوركهايم. في عام 2015، أثار برنامج حواري على اليوتيوب بعنوان “ما وراء الكواليس”، وكان يعرض صورة هذا التفكير في المجتمع المصري، ف بعد وفاة أكثر من اثني عشر شابًا في حريق ملهى ليلي، أجرى مضيف البرنامج مقابلة مع صاحب الحانة، وقد وصف صاحب الحانة الضحايا بصوت أجش “هؤلاء الشباب شهداء، وسيدخلون الجنة”. وعندما سأله المضيف كيف استنتج ذلك، أجاب: “أليسوا مصريين؟ أليس عندما يموت المصريون نسميهم شهداء؟ فلماذا لا يكون هؤلاء كذلك؟! “

إذا كانت معتقدات بدو الرولة تدعو للضحك، فإن هذا الهجاء يشير إلى القومية المفرطة التي تقف وراء الزعم الشائع بأن من يموتون من أجل الوطن / الأب / الأم هم شهداء. لكن العديد من الأمريكيين ليسوا بعيدين عن ذلك. فقد كشف استطلاع أجرى في عام 2005 للمراهقين الأمريكيين أن الشباب الأمريكيين من جميع المعتقدات يميلون إلى مشاركة الفهم المشترك للدين. وقد أطلق عليه المؤلفون “الربوبية العلاجية الأخلاقية”، وكانت ميزاته الرئيسية:

  • وجود الإله الذي خلق العالم ويراقب البشر.
  • يريد الله من الناس أن يكونوا صالحين ورحيمين ومنصفين لبعضهم البعض، وفق تعاليم معظم الديانات العالمية.
  • الهدف الرئيسي من الحياة هو أن نعيش سعداء.
  • ليست هناك حاجة لأن يكون الله ملازماً لحياة المرء، إلا عندما يكون وجوده لازمُ لحل مشكلة ما.
  • الصالحون يدخلون الجنة بعد موتهم.[2]

بالطبع يمكننا بسهولة استبدال “الصالحين” بـ “من نحبهم” أو “من هم مقربين منّا”؛ أي – باختصار –  جميع الناس في مجتمعنا. وقد أشار المؤلفون إلى أنه انطلاقًا من الاعتقاد بأن أتباع دين المرء فقط هم الذين يدخلون الجنة  كان من بين أولئك الشباب الأمريكي.[3] 

وفي الوقت الحالي، لا أعرض رأي دوركهايم، ولا أؤمن بأن “الربوبية العلاجية الأخلاقية” هي أفضل طريقة للتقرب إلى الدين. لا يقتصر دور الدين على كون المرء “صالحًا” فحسب، ذلك أنه من الصعب للغاية معرفة ما يعنيه أن الله قد أرسل الوحي ليساعدنا على القيام بذلك – فالأمر بالغ الصعوبة.  كما أن الدين لا يعني أن “جماعتنا” هم الأخيار وأنهم سيدخلون الجنة، وأن السيئون سيُزج بهم في النار. إذا كان المرء يعني بالدين الاعتقاد بأن كيان واحد هو السرمدي والقوي وأن النظام يكمن وراء عالمنا المخلوق، سواء تجاوزه أو كان أقرب إلينا من حبل الوريد (القرآن الكريم:16:50)، مما يتيح لنا تحقيق غايتنا وإيجاد السلام في الاعتراف به وطاعته، فالدين لا يرتبط بالمجتمع فحسب. إن المجتمع مجرد جانب من جوانب العالم المخلوق وعنصر من عناصر الحياة البشرية. وإذا بدا لنا أنه من الصعب التفكير في غرض أي شيء أكثر من المجتمع – أو تجريده إلى أقصى بُعدِ وأكثر عمقِ – من العلاقة بين الوالد والطفل، فهذا فقط لأن حياتنا الدنيا ليست سوى حجاب مغرِ يوري هذه الحقيقة المطلقة، بل إنها ليست أكثر من كونها “لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ” (القرآن 57: 20).

تعتبر الربوبية العلاجية الأخلاقية هي – أولا وقبل كل شيء – من قبيل البراغماتية “الواقعية”، إذ يقول الشباب إنه لا بأس بالدين، طالما أنه يساعدك ويمنحك الغرض، وإلا، من نحن حتى نحكم على الآخرين؟ [4] لكن هذا ليس منحى الأديان العالمية العظمى، أنها ليست برامج للمساعدة الذاتية، بل إنها (أو على الأقل تدعي أنها) النوافذ الصحيحة الوحيدة المطلة على الحقيقة المطلقة. وكما قال المؤرخ العظيم مارشال هودجسون ،إنهم يطالبون “الإلتزام التاريخي الحصري”. [5] إن محبتي لشخص ما أو اعتقادي بأنه شخص صالح ليس ذي معنى عندما يأتي الحديث عن وقوفه أمام الله ونجاته من عذابه، لذا فلا يزال السؤال قائمًا، والألم حقيقيًا: أن قلبي يتوق لأولئك الذين أحبهم، لأولئك الذين أعرف عنهم أنهم صالحون، بأن أضمن لهم السلام المنشود في الأبدية والخلود. لكن هل كل ما يقوله الدين سيحدث؟ كيف يمكننا التوفيق بين شعورنا المتمثل في أنه من قبيل الخطأ أن الصالحين لا يُمنحون النجاة بعد الموت لمجرد أنهم يتبعون الدين الخاطئ وادعاء العديد من الأديان في نفس الوقت بأن أتباعهم فقط هم الذين سيُمحنون النجاة؟

كيف للمسلمين حل هذا اللغز؟

الجاهلون بالإسلام

قبل أن نتمكن من الإجابة على هذا السؤال، يجب تناول ثلاث نقاط مهمة. أولاً، بغض النظر عما يعنيه مصير المرء في الآخرة، فإن تقسيم المسلمين وغير المسلمين له معنى ملموس في الحياة اليومية للمسلمين. وبغض النظر عن مصير المرء الأبدي، فإن كونه مسلماً يستوجب وجود واجبات و علاقات وحقوق ومسؤوليات معينة في هذه الحياة الدنيا. ومع ذلك، على الرغم من كون الله الرحيم كذلك، فنحن في هذه الحياة الدنيا ننظر إلى الظاهر من الآخرين. لتحقيق الأغراض الدنيوية في الشريعة الإسلامية، فإن من يدينون دين الإسلام يُسمَون بالمسلمين، ومن لا يدينون به يُسمَون بالكفار. هذا التمييز ليس له صلة وثيقة بالدين أو المصير الفعلي في الآخرة. كما رفض عقيدة الإيمان الظاهرة للآخر لا تقتضي بأي شكل من الأشكال إنكار تفاعلاتنا معهم أو حتى صباغتها بلون قاتم. وكما يذكر القرآن “لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ” (القرآن الكريم:60 :8)، وكما أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن الجار له حقوق سواء أكان مسلماً أم لا. حيث قال:

“أتدرون ما حق الجار، إن مرض عدته وإن مات اتبعت جنازته وإن استقرضك أقرضته وإن استعان بك أعنته وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها”. [6]

وهنا يليق المقام للإشارة إلى ذلك التمييز الذي أقامه العلماء المسلمون بين “الإيمان الفطري” و “الإيمان الشرعي”. [7] فالإيمان الفطري يمثل الطبيعة الحقيقية والفعلية لإيمان المرء، التي يعلمها المرء والله وحده. أما الإيمان الشرعي يمثل هويته التي يعرفها المجتمع عامة. لذلك فإن المسلم العشوائي (دعنا ندعوه أحمد الدوي) يُفترض أنه مسلم لأغراض قانونية: أحمد الدوي لديه حقوق وعليه مسؤوليات كمسلم، وسيدفن في مقابر المسلمين وما إلى ذلك. سواء أكان هذا الوضع القانوني يعكس حقيقة أحمد أم لا، فإن الإيمان الداخلي أمر منفصل لا يتسنى لنا أن نحيط به، إذ قد يكون ملحدًا في الواقع. إن الرسول صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين لقبول المجاهرة بالدين، وليس السعي إلى التنقيب في نفوس الآخرين. فعندما طلب رجل من أهل المدينة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعض المنافقين، أولئك المنافقين في المدينة الذين زعموا أنهم اعتنقوا الإسلام لكن القرآن وصفهم بالمنافقين ( القرآن الكريم:63:4:-60)، ولكن النبي ﷺ أمره بألا يفعل، حيث قال له “أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ”. لقد كانت المجاهرة بالدين والرياء بالصلاة، بغض النظر عن مدى صدق ذلك، سمة لتمييز المسلمين من غير المسلمين.  [8]

وعلى النقيض من ذلك، فإن المرء ذي الهوية القانونية المسيحية يُصنّف على أنه كافر وفقًا للشريعة الإسلامية؛ فهو لا يُدفن في مقابر المسلمين، وما إلى ذلك. لكنه قد يكون نموذجًا أخلاقيًا وموحدًا حقيقًا ولم يسمع أبدًا برسالة الإسلام وسيجازيه الله مكانًا في الجنة. نشأ هذا التمييز بين الإيمان الفطري والإيمان الشرعي في فتوى جديرة بالاهتمام طرحها العالم التونسي الجليل محمد طاهر بن عاشور (توفي 1973). فقد سُئل ذات مرة حول ما إذا كان بإمكان المسلم الزواج من مسيحية حتى لو كانت ملحدة، فأجاب أنه طالما أنها لا تقول صراحة أنها ملحدة، فيفترض أنها تنتمي إلى المجتمع الديني الذي نشأت فيه. [9]

النقطة الثانية المهمة هي أن الجنة والنار ليستا درجتين بسيطتين، مثل الدرجة الأولى والاقتصادية. وفي الوقت الذي يلمح فيه القرآن إلى الإشارة إلى مستويات مختلفة من الجنة والنار، تختلف العقوبة والثواب حسب إيمان المرء وأفعاله. كما عرض العالم الجليل الغزالي (توفي 1111) “ثم تتفاوت طبقات الناس في درجات الألم واللذة تفاوتاً غير محصور”. فهناك العديد من الطبقات المتفاوتة للجنة والنار حسب طبقات الناس، حيث سُيحكم على الجميع بالعدل المطلق والرحمة الواسعة. [10]

وأخيراً، نتطرق إلى النقطة الثالثة، وربما هي الأكثر أهمية، إذ هي مبدأ أساسي في التشريع الإسلامي: فالناس ليسوا مسؤولين عن تلك الأمور الخارجة عن سيطرتهم. في هذه الحالة، ما يعنيه ذلك السؤال “هل الأديان الأخرى غير الإسلام صحيحة؟” لا ينطبق ببساطة على الذين لم يسمعوا عن الإسلام قط. تنص إحدى مدارس التشريع الإسلامي، مدرسة الماتريدي، على أنه حتى لو عاش المرء في جزيرة نائية بدون أي تعليم ديني، فلا يزال احتمال وصوله إلى الإيمان بالخالق قائمًا باستخدام العقل وحده، لكنه لن يكون مذنبًا لعدم إتباع الإسلام كما نعرفه لأنه لم يُخبر به، وتذهب مدارس التشريع الأخرى في الإسلام إلى أبعد من ذلك: فالله لا يعذب الناس لعدم الإيمان به أو لعدم اتباع دينه المختار إذا لم يصل إليهم بطريق موثوق من خلال وحي مُنزّل من عنده. كيف يحدد الله مصير هؤلاء في الآخرة، على وجه التحديد، من ينكرونها، مع وجود بعض الأحاديث المشكوك في صحتها التي تصف كيف أنه سيُطلب منهم القفز في النار يوم القيامة، ويذهب علماء آخرون بأن الله سيحكم فيهم بالعدل ووفقًا لشروط منصفة ليس لنا أن نحيط بها. [11]

يُطلق على الذين لم تكن لديهم إمكانية حقيقية للوصول إلى دين الله باسم أهل الفترة. أولئك الذين كانوا يعيشون في زمان ومكان لم تصل إليه رسالة أنبياء الله بشكل موثوق. [12] يستند تعريف أهل الفترة إلى وصف القرآن الكريم (19:5) والمبدأ المنصوص عليه في القرآن الكريم (15:17) أي “وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً”. وفيما يتعلق بأولئك الذين ماتوا في فترة نبوءة واهنة، سيُحكم عليهم بمنأى يوم القيامة، فإن ذلك يترسخ كذلك في حديث يشير إلى أهل الفترة، في صحيح ابن حبان (توفى 965) ومقتطفات أخرى أقل حزمًا (اعتبر السيوطي أن رواياته المختلفة حسنة الإسناد وصنفها الألباني على أنها صحيحة). [13] 

هناك العديد من الأسئلة المثارة حول مسألة أهل الفترة. فإذا لم تبلغ الناس الرسالة على الإطلاق، فلن يكونوا مكلفين، ذلك أنهم لم يعرفوا بها. ولكن ماذا عن الذين سمعوا عن رسالة أي نبي أو رسول من الأنبياء أو الرسل، لكن ليس لديهم معلومات موثوقة حولها، أو لاقوا تحريفات فيها؟ هذا أمر وثيق للغاية عندما يأتي الحديث عن أهل الفترة منذ زمن النبي ﷺ. ربما كان بعض الأمريكيين الأصليين في العقود الأولى من تاريخ الولايات المتحدة قد سمعوا مستعمرين بريطانيين يتحدثون عن بعض الديانات الأجنبية التي يطلق عليها الإسلام، لكن ما سمعوه ربما لم يكن دقيقاً أو إيجابياً. هل يعتبر هذا أنهم سمعوا برسالة الإسلام حتى أن الله سيحاسبهم على عدم الإذعان لها؟ ذكر الغزالي وعلماء مسلمين آخرين أنه حتى يحاسب المرء، عليه أن يعلم برسالة الإسلام بوسائل موثوق بها ودقيقة إلى حد معقول.[14]

إذن ماذا عن بعض الأمريكيين الذين يعيشون في المناطق الريفية في نبراسكا الذين يسمعون فقط كلمة الإسلام ترد في سياق الإرهاب واضطهاد النساء وصور العنف المصور؟ هل يمكننا القول حقاً إنه من المتوقع أن يسعى هذا الشخص للحصول على معلومات أكثر موثوقية عن الإسلام، ناهيك عن اعتناقه للدين؟ خلص مقبل الوادعي (توفى 2001)، أبرز دعاة السلفية في اليمن، إلى أن الجواب كان لا، وأن شعب الولايات المتحدة وأوروبا كانوا أهل فترة حديثة. [15] وقد أُخذ موقف أكثر دراماتيكية من قِبل أحد علماء القرن العشرين المؤثرين، رشيد رضا (توفى 1935). حيث ذهب إلى أن الناس لا يمكن اعتبارهم قد سمعوا عن رسالة الإسلام ما لم يسمعوا عنها بطريقة مستقطبة وجاذبة، وهي فكرة تبناها مؤخراً يوسف القرضاوي. وأن الله سيحكم على هؤلاء على أساس معايير ما عرفوا عنه أنه صحيح وصالح. [16]

الثلاثة مناهج

من هنا، كنّا نتعامل مع أولئك الذين لم يسمعوا عن الإسلام أو يعرفون عنه إلا أنه دين إرهابي وعدواني. ولكن ماذا عن غير المسلمين الذين وصلتهم تعاليم الإسلام الصحيحة بشكل واضح ودقيق ومع ذلك لم يعتنقونه؟ ما هو مصيرهم في الآخرة؟

بقدر ما أفهم، هناك ثلاث إجابات متاحة في الشريعة الإسلامية، وسأتعرض لهم بالتفصيل، بالإضافة عرض ما يؤيدهم من نصوص دينية وأسئلة مثارة. يرجى ملاحظة أنني في هذه المرحلة لا أدافع عن أي منهم، فأنا أعرضهم فحسب وأحاول وضع حجج لصالحهم وضدهم. يرجى الانتباه: إلى أي شخص يتهمني بالدفاع عن أي من هذه المواقف، اقرأ الجملتين السابقتين.

ستظهر مشكلتان في القسم الذي يليه. أولاً، ما هو مآل الشخص الذي يرفض الإسلام حتى بعد أن علم برسالته علم اليقين؟ فإذا اتبع هذا الشخص دينًا آخر، فهل يمكن اعتباره طريقا صحيحًا للنجاة؟ ثانياً، حتى لو لم تكن الطرق الأخرى ديانات “حقة” مقارنة بالإسلام، فهل سيكون لدى أتباعهم أي فرصة لتحقيق النجاة (ربما بعد التعرض لفترة من العذاب)؟

  1. الإسلام هو الطريق الوحيد

هذه المدرسة ذات فكر حصري. وهي تذهب إلى أنه فقط من خلال تبني رسالة القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقط من خلال تبني الدين الذي نعرفه باسم الإسلام، يمكن للمرء أن ينجو في الآخرة. وعلى المرء أن يحقق أركان الإيمان الثلاثة: الترسخ في قلب المرء، الشهادة باللسان (أو إن لم يستطع فبالإيماء)، وأن يفعل ما يثبت شهادته وإيمانه، وإلا فهو بذلك مبغوض. ويمكننا رؤية الأدلة على ذلك في آيات قرآنية مثل:

  • “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِين”(85:3)
  • “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ” (19:3)
  • “وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً”(115:4، وانظر أيضاً 13:48)

لقد كان هذا هو موقف معظم علماء المسلمين في جميع أنحاء المجلس لأربعمائة سنة، وهو موقف جميع المدارس التقليدية في مبادئ الشريعة الإسلامية دون استثناء. [17]إن اعتناق الإسلام هو السبيل الوحيد للنجاة وابتغاء الحق المطلق.

  1. الإيمان بالله وعمل الصالحات

قد يطلق المرء على هذه المدرسة اسم “الإيمان الخُلُقِيّ”. تذهب هذه المدرسة إلى أن أي شخص يؤمن بالله ويعمل الأعمال الصالحة قد ينجو في الآخرة. وأما الأدلة الرئيسية من القرآن الكريم فهذه الآيات:

  • “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ”(62:2)
  • وفيما بين الآيات التي تنتقد المسيحيين واليهود للادعاء بالتفرد بالنجاة، فيقول الله، “بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ” (112:2)

وهناك أحاديث أيضًا، منها:

  • “مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ”. [18]

هذا ليس موضعًا يقع بسهولة في الشريعة الإسلامية في ما قبل الحداثة، فيبدو أن المدافعين الصريحين عن هذه المدرسة الفكرية قد برزوا فقط في القرن العشرين، ولا سيما بين المجددين في الإسلام. كان هذه الموضع – بشكل مشكوك فيه، بل بشكل شبه مؤكد – يُنسب إلى رشيد رضا (توفى 1935)[19]. وقد برهَن العالم الباكستاني الُمجدِد البارز فضل الرحمن (توفى 1988) هذا الموقف بصورة واضحة، فقد استشهد بآيات، مثل الآية رقم 2:62(، التي تعد تعبيرات واضحة عن روح القرآن المناهضة للإقصاء، وخلص إلى أن معاني الآيات واضحة “بأن من يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات ينجيهم الله من النار”. كان هذا بالنسبة إلى فضل الرحمن نتيجة حتمية لرحمة الله اللانهائية.[20] إن الدفاع الأكثر وضوحًا عن موقف الإيمان الخُلُقِيّ يأتي من عالم اللاهوت المتحرر في جنوب إفريقيا فريد إسحق، الذي يستند إلى حجة رحمن ويقدم ردودًا على منتقديه. [21]

بعيدًا عن الآيات القرآنية المذكورة أعلاه، فإن الحجة الإسلامية لمدرسة الإيمان الخُلُقِي ستذهب إلى ما يلي: يقول الله في القرآن الكريم إن الله أرسل في كل أمة رسولًا (ما يقرب من 124.00 في المجمل، وفقاً لحديث في مسند ابن حنبل).  [22]إن جوهر رسالة الله واحدة على الدوام، على الرغم من أن تباين التفاصيل (“) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ” (القرآن الكريم :25:21). لذا قد يدافع أحد المدافعين عن هذه المدرسة بأن العالم قبل مجيء محمد ﷺ كان مليئًا بمن يتبعون بصدق التعاليم الموروثة لأولئك الأنبياء، بصرف النظر عن مدى فساد هذه التعاليم (مثل الاعتقاد المسيحي بأن يسوع هو الله ولكنه تجسد في جسده لينزل على الأرض). غير أنه ربما يمكن للأتباع الذين ورثوا تلك التعاليم أن يتفوقوا في العبادة والإخلاص لله ، كما يصفهم القرآن:

“مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه.”(القرآن الكريم :113:3-115).

ربما يبدو ذلك بمثابة تأييد قوي لشرعية ديانات أهل الكتاب على الأقل كما كانت تُمارس من قِبل بعض أفضل أتباعهم.

هذا المنهج إلى الإيمان الخُلُقِي يُسمى في بعض الأحيان بتعددية العهود، التي تذهب إلى أن العهود العديدة التي عقدها الله مع المجتمعات السابقة من خلال أنبياء مثل موسى ويسوع تحتفظ بدرجة من صحة النجاة حتى بعد نزول القرآن الكريم (سنتناول المشاكل التي تحيط بهذا المسألة أدناه).

هناك وجهة نظر أخرى لمدرسة “الإيمان الخُلُقِي”، التي مفادها تعميم “الإسلام” ذاته. يذهب مؤيدو وجهة النظر تلك إلى أن الآيات القرآنية المذكورة أعلاه التي تقر بأن “الإسلام” هو  الدين الحق، عندما تُقرأ باللغة الإنجليزية يجب أن لا تُقرأ بوضع الحرف الإنجليزي الكبير “I” أول كلمة ” Islam”( أي أن “الإسلام” في هذه الحالة يمثل التقاليد والفروض الدينية المتعارف عليها)، بل بالأحرى بوضع الحرف الصغير “” i لتكون “islam” (وهو ما يعني أن “الإسلام” في هذه الحالة يعني الخضوع الكامل لله على وجه العموم) – مع ملاحظة أن اللغة العربية ليس بها هذا التمييز في الكلمات ما بين أحرف كبيرة أو صغيرة كاللغة الإنجليزية. وعلى أساس هذه القراءة، كون المرء مسلماً (بوضع الحرف الصغير “” m لتكون “muslim”وليس “Muslim”) واتباعه الإسلام (بوضع الحرف الصغير “” i لتكون “islam”وليس “Islam” لتعني الخضوع الكامل لله على وجه العموم) هو اختيار بين يدي كل من يطيع الله ويرغب في أن يزكى نفسه. لذا فإن كل من يؤمن بالله ويعبده حق عبادته ويعمل الصالحات مآله النجاة في مرحلة ما. 

هناك نوعان من الفساد الجسيم يشوبان الإيمان الخُلُقِي. أولهما أنه يبدو أن بعض الآيات التي تقدم دليلاً أساسياً للمدرسة الحصرية تبدو أنها تصريحات أُعدت خصيصًا لإدانة المسيحيين واليهود لرفضهم اعتناق رسالة محمد ﷺ. فآيات مثل “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ “تليها مباشرة انتقاد لأهل الكتاب، إن هي إلا توبيخ لهم لعدم احترام آخر الرسالات (20:3-22). وربما يحاج المرء بأن هذه الانتقادات مقصود بها فقط فريق من الفاسقين عن الكتاب، حسبما ورد في الآية التالية (23:3). ولكن، كما سنرى لاحقاً، فإن الآيات التي تمدح المتقين من أهل الكتاب حجة عليهم ثم عليهم قبول النور الذي أرسله الله مع محمد ﷺ. لذلك من الصعب قراءة “الإسلام” في هذه الآيات على أنه إذعان تام لله بدلاً من مجرد اسم لدين معين مختلف عن المسيحية واليهودية.

ثانيهما، أن التعبيرات التوحيدية في القرآن تواجه عقبة نزول الكتاب على مدى الاثنتين وعشرين عامًا لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد تمثلت العديد من الآيات التي تشير إلى أهل الكتاب مفاتحات للمسيحيين العرب واليهود الذين عُرضت عليهم رسالة محمد للمرة الأولى. وهكذا فإن القرآن الكريم يرسخ تلك الحقيقة المُنزلة التي تكمن في صميم دياناتهم، بل ويمدح المتقين المتدينين والصالحين منهم، بينما يدعونهم أيضا إلى احترام الرسول الذي ختم الله به الرسل الذي أرسلوا إليهم. فإذا اختار هؤلاء المسيحيين واليهود تجاهل دعوة محمد ﷺ’التي تحثهم على اتباع الوحي المُنزل من الله، فيكونون مذنبين بإنكارهم الحق دون النظر إلى مدى صحة معتقدهم والسنة التي اتبعوها قبل ذلك. وقد فهم العلماء المسلمون على مر القرون آيات مثل “أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ” إما أنها تشير فقط إلى أهل الكتاب الذين اعترفوا أيضًا بإيمانهم برسالة محمد ﷺ، أو أنها نُسخت بآيات أخرى نزلت بعد ذلك لتؤكد أن دعوة الإسلام الخالصة هدفها الهداية إلى الحق والنجاة.[23] وإذا نُسخت هذه الآيات، فإن آيات مثل “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه.”(القرآن الكريم :113:3-115). لا ينبغي أن تقرأ على أنها تأييد للأديان السابقة أو تأكيد بصحتها عند الله حتى بعد نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، بل حري بها أن تقرأ على أنها مفاتحات لأهل الكتاب، لكنها مفاتحات لم تعد سارية على اليهود والمسيحيين وغيرهم ممن علموا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم واختاروا رفضها.

يقدم فريد إسحق ردًّا على هذا الانتقاد، إذ يحاج بأن علماء المسلمين الأوائل عانوا من عقلية منغلقة حول ما يتعلق بروح القرآن القوية للاعتراف الديني، ويقترح بأن من يشير إليهم القرآن بأنهم “من يؤمنون” هم المؤمنون في جميع الأوقات والأماكن دون النظر إلى ما إذا كانوا قد سمعوا عن الإسلام أم لا.  [24] وحتى يصبح هذا الرد سائغًا، علينا أن نفترض أن هذه الروح القوية للاعتراف الديني تفوق جحود أهل الكتاب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كانوا يجحدون بها في وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

هناك أدلة أخرى ضد مدرسة الإيمان الخُلُقِي؛ ممثلة في العديد من الأحاديث التي تصف على وجه التحديد كيف ستُمنع المجتمعات غير المسلمة مثل اليهود والمسيحيين من دخول الجنة يوم القيامة. وهنالك أكثر الأحاديث صحة (الواردة في الصحيحين) التي تصف مراحل دخول من يعبدون آلهة من دون الله النار، إنهم”من يعبدون الله، سواء كان بارًا أو آثمًا”، فهم لا يزالون منتظرين حكم الله فيهم. هذه الفئة تتضمن المسلمين وأهل الكتاب. [25]ثم سيُسأل المسيحيون واليهود عن معتقداتهم. وسيعاقبون على ادعاءاتهم الزائفة، كالاعتقاد بأن يسوع هو ابن الله. وسيتبع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم- عبر جسر يؤدي إلى الفردوس، وسيستخدم الرسول حقه في الشفاعة لإنقاذ المذنبين من أمته من العذاب. بينما يعبر المسلمون الجسر، سيمر بعضهم بأمان، ولكن البعض الآخر سيلقون العذاب على الصراط بقدر ما عملوه، وسيسقط بعضهم في النار.

قد يرد أحد المدافعين عن مدرسة الإيمان الخُلُقِي بأنه من الواضح في السُنة أنه حتى العديد من المسلمين المذنبين سيلقون العذاب في الآخرة قبل أن يدخلوا إحدى درجات الفردوس. يذكر أحد الأحاديث في الصحيحين أن الله يقول “من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه فيخرجون منها حمما قد امتحشوا (كالفحم المحترق) فيلقون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة إلى جانب السيل. [26] 

لذا فإن مصير العذاب في النار ليس بالضرورة أن يكون حكم أبدي. وقد وصف العالم الجليل ابن حجر (توفى 1449) كيف أن تقريرا في صحيح البخاري عن عم الرسول صلى الله عليه وسلم (أبو طالب) يدل على أنه حتى الكافر قد يخفف عنه العذاب في الآخرة لأعماله الصالحة التي عملها في الحياة الدنيا. [27]وبقدر معرفتي أن هذا هو رأيي فقط، ربما يكون ممكنًا أن غير المسلم الذي يؤمن بالله وعمل الكثير من الأعمال الصالحة، حتى وإن كان قد أشرك بالله، سيلقى عذاب مؤقت عما عمله من سيئات قبل بلوغ الخلاص في الفردوس.

هناك حجة أخرى ساقتها مدرسة الإيمان الخُلُقِي هي أن العذاب في النار لا يكون أبديًا، وأن النار ستخمد في نهاية الأمر وأن الملقون فيها سيحررون منها. ويرجع ذلك إلى حقيقة، وفقًا لحديث صحيح، أن الله قبل خلق الكون أمر أن “رحمتي تغلب غضبي”. [28] وقد عُرضت هذه المسألة من قِبل العالميين البارزين ابن تيمية (توفي 1328) وطالبه ابن القيم الجوزية (توفى 1351) (اللذان ربما كانا أكثر إدراكا على هذه المسألة)، اللذين استمدا آراءهم الرئيسية بالتدليل على هذه الحقيقة من الصحابيين عمر وابن مسعود (رضي الله عنهما). فهما يذهبان إلى إن رحمة الله كانت تغمر أي إنسان لترسيخ فكرة أن الله كان سيلعن الناس ويزج بهم في معاناة أبدية. [29] 

في وقت لاحق، كان علماء السنّة متشككين إلى حد كبير بأن النار نفسها ستنطفئ في يوم من الأيام، مستندين إلى أن الصحابة مثل عمر لم يكن يعني أن جميع الذين يعذبون في النار سيحررون منها، بل إن الاعتاق من النار سيقتصر على الموحدين فحسب. [30]ومع ذلك، فإن بعض العلماء المسلمين المعاصرين أحيوا فكرة “فناء النار”، بما في ذلك رشيد رضا.[31]

على أي حال، فإن مدرسة الإيمان الخُلُقِي لم تكن لتطبق على الأديان التي لا تدعو إلى عبادة الله الواحد أو أن تبين الملحدين (على الرغم من أن البعض، بالرجوع إلى الرُبُوبِيّين الإنجليزي في القرن السابع عشر، يجادل بأن البشر غير قادرين على الإيمان بالله؛ بحجة أن الإلحاد لا يعني إلا رفضًا للأعراف الدينية المحيطة به).[32]

  1. جميع الطرق الحقة تؤدي إلى الله الواحد

هناك منهج أوسع نطاقًا في مسائل النجاة والحقيقة يُعرف أحيانًا باسم مدرسة المعمرين (سميت بهذا الاسم لأنها تذهب إلى أن جميع الأديان السماوية، التي تستند في الأصل إلى الوحي المنزل من الله، تتشارك في وحدة وحقيقة غيبية حتى لو أفسدها أتباعها بمرور الوقت). ترى هذه المدرسة أنه بما أن الله هو الحق والحقيقة الواحدة والواضحة، وبما أن كل جميع خليقه تخضع لجلالته ووحدته في النهاية، إذن – كما ورد في القرآن الكريم “لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ” (5:57). يؤكد هذا الموقف أن القرآن الكريم يدحض مزاعم اليهود والمسيحيين بأنهم وحدهم محبوبون من الله، مؤكدًا بأنه “وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ” (18:5).

ويقر هذا المنهج بأن القرآن الكريم والسنة يقدمان انتقادات لا لبس فيها للمجتمعات الدينية السابقة وكيف أنها كانت تفسد رسالة الله الحقة. لكن بعض المعمرين قد يجادلون بأن هذه الانتقادات كانت موجهة فقط إلى التيار الرئيسي للمسيحية أو اليهودية، وليس إلى هؤلاء المسيحيين أو اليهود الذين استمروا في اتباع الأشكال الأصلية والخالصة لتلك التقاليد السماوية. لكن الحقيقة الواضحة تمامًا هي حقيقة الله وحده وحقيقة أنه، مثل الشمس، حتى ما كان يُسجى في الظل فلا يزال يلقي بعضا من نوره. على الرغم من أنه لا يوجد أي عالم مسلم ما قبل الحداثة أعلم عنه أنه يبدو أنه قد اتخذ هذا الموقف المعّمر بشكل صريح، إلا أن دعاة مدرسة المعمرين في القرن الماضي جادلوا بأنها جزء لا يتجزأ من الكتابات المعقدة لابن عربي (توفى 1240).  [33]

إن الدليل القرآني الرئيس على هذه المدرسة الفكرية هو العديد من الآيات نفسها التي تستشهد بها مدرسة الإيمان الخُلُقِي، كما أن الانتقادات الرئيسية التي تواجهها هي نفسها كذلك. أولاً، يبدو أن القرآن ينص بوضوح على أن الدين الوحيد المقبول عند الله هو الإسلام، وهذا هو السياق الذي يخالف فيه هذا “الإسلام” مع أديان أهل الكتاب. ثانياً، تتوقف صحة الحقيقة الباقية والنجاة المحتملة الموجودة في الأديان الموروثة عن الأنبياء الأوائل، وذلك إذا ما قرر أتباع تلك الديانات رفض رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن عرفوا برسالته. يشرح ابن عربي نفسه أن هؤلاء الأنبياء الأوائل، الذين عاشوا في عهد محمد ﷺ، لم يكن أمامهم إلا أن يتبعونه، تماماً كما كانت تشريعاتهم نسكهم تتبع تشريعات ونُسك الإسلام.  [34]

هناك رد محتمل على كل ما سلف. وهنا أريد أن أكون واضحًا في أنني أطرح تكهنات افتراضية خاصة بي حول هذا الموضوع – وأنا لا أقتبس بشكل مباشر من أي أتباع على وجه الخصوص من مدرسة المعمرين. يكمن هذا الرد في أن الآيات القرآنية التي تشدد على التفرد بالنجاة للإسلام وكذلك أي أحاديث تلحقها كلها موجهة إلى البشر عامة. إن الآيات تؤكد على حقيقة الله الواحدة الكاملة المتغلغلة، وكذلك الآيات التي تشرح كيف أن أولئك الذين “يؤمنون بالله ويعملون الصالحات” يثابون على إيمانهم، جميعها جوانب من الحقيقة العليا التي تكون مدركة فقط للروحانية والنخبة الفلسفية. فإذا كان الأمر كذلك، فسيكون مشابهًا لحجة ابن سينا ​​(توفى 1037) بأن إشارات القرآن العديدة إلى بعث الجسد والملذات الجسدية في الآخرة هي صور رمزية فقط تهدف إلى جذب البشر إلى رسالة الله. في الحقيقة، يحاج ابن سينا بأن الآخرة كانت دار البعث الروحي والعذاب والثواب.

هناك نقد رئيسي لهذا التفسير – وهو نقد جدير بالاعتبار في حد ذاته – وهو ذات النقد الذي أثاره ابن سينا ​​على غرار الغزالي وابن تيمية وغيرهم كثير: مفاده أن الله كان يخفى مدى الحقيقة وعمقها وكل جوانبها في تنزيله؛ وهذا يعني أن الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي تؤكد تفرد الإسلام بالنجاة لم تكن صحيحة. كما أنه يثير مسألة مفادها أنه إذا كان الله يخفي الحقيقة في أجزاء معينة في تنزيله فقد كنّا لنعرف آنذاك أي الأجزاء نؤمن به والآخر لا نؤمن به. وبافتراض أننا كنا نحن تلك النخبة المقصودة، إذن فما هو الأساس الذي نتبعه في أخذنا أجزاء معينة بقيمتها الظاهرة واعتبار أجزاء أخرى  نافعة للآخرين؟ كيف كنّا سندرك أن الله قد تعمد تشفير تنزيله حتى أن بعض المعاني الواضحة فيها كانت خاطئة فعلاً وأن المعاني الحقيقية للآيات الأخرى كانت واضحة لنا نحن النخبة فحسب؟ كما أننا لم نكن لنعرف ذلك إلا من خلال الوصول إلى الحقيقة المطلقة الموجودة خارج النصوص الدينية المُنزلة من عند الله. وفي هذه الحالة لن يكون المصدر الحقيقي للحقيقة هو النصوص الدينية المُنزلة على الإطلاق؛ بل ستكون مجرد تعليمات أو أقاويل يتلاقاها النخبة حتى تمكنهم من فك شفرة المعنى الحقيقي لآيات الله وكتبه. هل كان لهذه الحقيقة أن تُعرف بإعمال العقل وحده (أي الفلسفة)، أم بالتوجه المباشرة إلى الله (أي التصوف)؟ 

هذا المفهوم للحقيقة الباقية التي تكمن وراء كل آيات الله عبر التاريخ، و الراسخة في عقول الفلاسفة والمتصوفة أينما كانوا وأيًا كانت السمات الخارجية لتقاليدهم الدينية، كان جاذبة لبعض من التقاليد الإسلامية والغربية، فهو يصور (الاشراقيه) المدرسة الصوفية مثل السهروردي (توفى 1191) والمفكرين الغربيين مثل بيكو ديلا ميراندولا (توفى 1494).

إذا ما تبنينا وجهة نظر القائلة بأن “كل الطرق تؤدي إلى الله”، ربما يؤدي ذلك إلى أحد اتجاهين. الأول هو أن نستنتج أنه في حين أن جميع الطريق تؤدي إلى الله، فإن بعض الطرق أقصر وأكثر مباشرة من غيرها. وعلاوة على ذلك، إذا دمجنا هذا المنهج بمنهج تعددية العهود، فعندئذ لا يستطيع المرء الوصول إليه إلا باتباع أحد الطرق الراسخة إلى الحقيقة الإلهية المطلقة. لا يمكن للمرء أن يكون مجرد شخص “روحاني”؛ بل عليه أن يتبع بإيمان راسخ أحد الأديان السماوية. تكمن المشكلة في هذا الاتجاه هي أن صحتها لا يمكن إثباتها بالرجوع إلى النصوص الدينية في الأعراف الدينية، لأن تلك النصوص (في أغلب الظن) تستلزم التمسك بالدين الذي تدعو إليه من أجل تحقيق النجاة والخلاص، هودجسون “الالتزام التاريخي الحصري”. [35]من المؤكد أن هذا الاتجاه لا يمكن إثباته إلا باستخدام الأدلة المقدمة في القرآن الكريم، لأن آيات القرآن الواضحة ضده لا يمكن تجريدها من أسلحتها إلا إذا تم فك رموزها من قِبل نخبتنا الروحية. ولكن كل ما نريد إثباته هو صحة هذه النخبة الروحية وادعائها بهذا الوضع!

يخلص الاتجاه الثاني إلى أنه بما أن “جميع الطرق تؤدي إلى الله” فيمكننا أن نفعل ما نريد ونؤمن بما نريد، لأن كل الحقيقة واحدة وأن الله هو المقصد النهائي، على الرغم من أن عالِمًا مثل ابن عربي سيظل مصرًا على أن أولئك الذين أنكرو وجود الله سيظلون محجوبين عنه إلى حد ما). من هذا المنطلق، يمكننا إما أن نتبنى شيئًا من قبيل الرفض للقيم الاجتماعية الكونية، الذي كثيرًا ما ظهر في سينما هوليوود لما يسمون الويجي “الضحلين”، الذين يتجرعون يتقيؤون كل ما يحتاجونه من غذاء روحاني. أو يمكننا أن نفترض حالة من تسامي تجمع النخب، للتعبير عن الولاء والاحترام لالتزامات الطقوس والفرائض العقائدية لأي دين ندعي أننا نتبعه بالتزامن مع البقاء على تحقيق الإدراك الخاص بأنه تلك الالتزامات كانت مجرد أمور سطحية، مثل سيسيرو (تُوفي 43 قبل الميلاد) أو إدوارد جيبون (تُوفي 1794). [36]

إن المشكلة في مسار الرفض للقيم الاجتماعية الكونية تكمن في أنه يقوض علناً فرضيتنا الأولية؛ بأن الله أنزل كتبًا سماوية للبشر عامة؛ مثل القرآن الكريم. من شأن هذا المسار أن يقوّض الطريق الذي يرسمه كتاب سماوي مثل القرآن الكريم وبثه للبشر عامة بإعلانه أنه باتباع العقيدة الإسلامية والعبادة سيتمكن المرء من النجاة والخلاص. إن المشكلة في مسار تسامي تجمع النخب أنه، كما في الاتجاه الأول أعلاه، يفترض أنه مصدرُ للحقيقة ودليل على تلك الحقيقة خارج النصوص الدينية.

كيف أتعامل مع هذه المسألة

إن السؤال حول وجود النجاة أو عدمها خارج الإسلام – أو أي دين آخر – هو أمر شاق للغاية فيما يتعلق بأي استنتاجات معينة يمكن استخلاصها (على الأقل من جانبي أنا). ويمكننا تناول هذه المسألة في الملخص، ولكن عندما يتعلق الأمر بأفراد معينين، كان عرف علماء المسلمين هو إيقاف الأحكام. وكما قال أحد العلماء:

ولا تحكمن على أحد بالجنة، ولا بالنار، إذا أردت السنة. [37]

 نحن يمكننا أن نصدر حكمًا على صحة أو بطلان الأديان، لكننا لا نعرف مصير الأفراد الذين يتبعون هذه الأديان. يمكن إيجاد هذا المبدأ في أوائل التاريخ الإسلامي في تصريح للصحابي ابن عباس (رضي الله عنه): “لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينازلهم جنة ولا ناراً.” [38]

إن إيقاف الحكم يُدعى ابتغاء رحمة الله الرحمة وتوبته على خلقه، وهو أمر تم تأكيده في بداية كل فصل (إلا فصل واحد) من القرآن الكريم. وبالنسبة للنبي ﷺ، فلا يمكن إلا أن يضرب الأمثال لتوصيل اتساع هذه الرحمة والتوبة. ففي أحد الأحاديث النبوية “قدم النبي صلى الله عليه وسلم على سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال لله أرحم بعباده من هذه بولدها”. [39] 

وانطلاقًا من سعة رحمة الله، ولأن مجال عدله الكوني يفوق إدراكنا، فإن النتيجة هي أننا لا نستطيع أن نعرف من سيدخل الجنة ومن لن يدخلها. ذات مرة أخبر محمد صلى الله عليه وسلم قصة رجلين من بني إسرائيل في العصور القديمة “كان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض روحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار”.  [40] إن المعنى من هذا المثل واضح جلي: ليس لنا أن نعرف كيف سيحكم الله على أي إنسان، ومن قبيل الكبرياء الأعمى تقييد رحمته عند درجة معينة.

إذا اتبع المرء الأعراف العلمية في الإسلام، المنقولة والمفصلة من عهد النبي ﷺ حتى اليوم، فمن الواضح أي من المواقف الثلاثة المذكورة أعلاه صحيحًا: إن الإسلام هو الدين الوحيد الصحيح عند الله. بطبيعة الحال، سيتم الحكم على تلك القرون الكثيرة التي سبقت النبي محمد في التاريخ البشري حسب درجة إيمانهم وسلوكهم وفقًا للمعايير التي حددها الأنبياء والرسل الذين أرسلوا إليهم. وبالطبع، فإن الذين عاشوا في أوقات أو أماكن لا يصل إليها وحي موثوق، أو الذين عاشوا بعد عهد محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يفهموا الفهم الواعي والدقيق للإسلام، فلن يسألوا عن عدم اعتناق هذا الدين، بل إن الله سيحكم عليهم يوم القيامة بعدله ورحمته التي ينفرد بهما وحده.

هذا يطرح سؤالًا حول كيف يجب علينا أن نفهم مصير الذين أصروا على الإبقاء على معتقداتهم وممارساتهم الدينية على الرغم من فهمهم الكامل للتعاليم الحقيقية للإسلام. وهنا يلوح سؤال واحد ليس بهين: هل يعتقد المرء بأن قبول الرسالة الدينية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم (دون تحريف فيها بل تمامًا كما أنزلت وُنقلت إلينا حتى يومنا هذا) يكون بتلك الأهمية حتى أن رفضها يعني الخلود في النار، سواء كان العذاب جسديًا أو تجاهل الله تعالى له والنفور منه؟ ولكن الأمر ببساطة، هل اعتناق الإسلام مهم للغاية حتى أنك على استعداد لأن تعلن بأن غير المسلمين ليس لديهم أمل في السلام في الآخرة؟ بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، فإن هذا السؤال لا يطرح نفسه يوميًا إلا لأولئك الذين يعقدون التفكير فيه. ولكنه سؤال معتاد بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون كأقليات في المجتمعات غير المسلمة، حيث يعرف أحبائهم وأصدقائهم عن دينهم ولكنهم اختاروا عدم اعتناقه.

إنه الظلم البيّن الذي يلوح في الأفق حتى أنه أزعج اللورد شربوري (توفى 1648) في أطروحته الربوبية البارزة “De Veritate” في عام 1624. فقد كتب عن استنكاره لهلاك غير المسيحيين أن الحقيقة يجب أن تكون أكثر شمولية مما ادعته الكنيسة لمن اتبع المسيح وحده. إذا لم يستطع المرء أن ينال نعمة الله من العبادة والتوبة بأي شكل أو لباس ديني محدد قد يبدو عليه، “فقد خلق الله الخلق وأبغض بعضًا منهم، في الواقع الجزء الأكبر من الجنس البشري، ليس فقط من دون رغبتهم بل من دون علمهم”.[41] وبالمثل، في مقال للفيلسوف الاسكتلندي توماس كارليل (توفى 1881) عن النبي ﷺ باعتباره “رجل عظيم” في التاريخ البشري، فقد أصر على أن جمهوره يأخذ القرآن وادعاء محمد النبوءة على محمل الجد، قائلًا إنه كان من غير المناسب ببساطة أن نرفض “هذا الذي عاش عليه العديد من خلق الله تعالى وماتوا عليه…”[42]

تتوقف أكثر الحجج إلحاحاً مقابل رؤية خلاصية موسعة في الإسلام على طبيعة الله المعلنة ذاتياً. وليس النبي صلى الله عليه وسلم فقط من أقر أن رحمة الله تغلب غضبه، بل إن الله يوعز إلى النبي بأن يقول لأتباعه أن “كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ”.[43] وقد أعلن الله في القرآن الكريم أن “عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ”. [44]والقرآن الكريم يوحي إلى النبي ﷺ ليقول: “قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”. [45]وهكذا قد يغفر الله حتى عن المفرطين في الذنوب. ” يَا ابْنَ آدَمَ”، وينقل النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في حديث آخر في سنن الترمذي “لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ”. [46]“إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ” (48:4). لكن كما أشار ابن تيمية وآخرون، يجب أن يكون هذا التصريح أهل إلى حد ما لأن الله أيضأ يبشرنا بالخير “قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” “(التأكيد من جانبي، القرآن الكريم 39:53)، وذلك يعني على الأقل أن الله يغفر لمن يشرك وتاب قبل موته.[47] ولمزيد من الوضوح، ما يلي هو مجرد فكرة من طرحي أنا: وهكذا يبدو من أنه من الممكن أيضا أن يغفر الله الشرك لسبب آخر غير التوبة، وربما تعبيرا عن رحمته اللامحدودة.

اقترح العالم البريطاني المسلم ت. جيه. وينتر نهجًا آخر رائعًا. إن التوفيق بين الأدلة الدينية على تفرد الإسلام بالنجاة وبين الحاجة الملحة إلى الاعتقاد بأن رحمة الله ستجلب السلام إلى غير الصالحين من غير المسلمين لا ينبغي أن يتم من خلال محاولة إبعاد هذه الأدلة الدينية، إن الإجابة تكمن في اعتناقه بالكامل. كما يشير وينتر إلى أن المفتاح قد يكمن في الشفاعة التي وعد بها النبي محمد ﷺ في يوم القيامة، والشفاعة التي يحاج فيها وينتر أنها قد لا تنضب وتكون متاحة للبشرية جمعاء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح البخاري، “أعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة”.  [48]وفي حديث آخر قال: “إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة”.[49] وأخيراً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “شفاعتي لمن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق قلبه ولسانه قلبه”. [50] كما يستشهد وينتر بالعالم الهندي-اليمني الشهير الزبيدي (توفى 1791) أنه “من الممكن” أن تكون جزء من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع المجتمعات الدينية. [51] 

ولكن كيف يمكننا التوفيق بين التأكيد الهائل على رحمة الله وبين الدليل على أن القرآن والسنة ينصان على الخلاص قادم من خلال الإسلام وحده؟ من جهة، كيف لنا أن نوفّق بين الإقرار المتكرر بأنه ليس إلا الإيمان بالله الواحد وعمل الصالحات هو الذي يضمن سلام المرء في الخلود بعد الموت، ومن جهة أخرى، بين كيفية النظر بوضوح إلى الفضيلة الأخلاقية والتميز في كثير من غير المسلمين الذين نتفاعل معهم كل يوم؟ في رأيي، لا يمكن إلا أن يحدث ذلك التوفيق إلا من خلال الثقة التامة في عدل الله. كما يقول القرآن في ثلاث مواضع مختلفة “أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ” (182:3, 51:8, 10:22). والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أنه عندما يتم تقسيم المصائر في الآخرة “ولا يظلم الله من خلقه أحدا”.[52] تعليقا على هذا الحديث، يردف النواوي (توفى 1277) “الظلم مستحيل على حقيقة الله”.  [53]مع أخذ ذلك في الاعتبار، يمكننا أن نقول ونحن على يقين ويسر إنه في حين أننا لا نعرف المصير الذي ينتظر المرء بعد موته، فإنه لن يُظلم أي مرء أمام “أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ” (8:95).


[1] الويس موسيل، عادات وتقاليد بدو الرولة (نيويورك: الجمعية الجغرافية الأمريكية، 1928)، 479، 674-75.

[2] كريستيان سميث وميليندا لونكويست دنتون، بحث في الجزء الجنوبي: الحياة الدينية والروحية للمراهقين الأمريكيين (أوكسفورد: دار النشر بجامعة أكسفورد، 2005)، 162-63؛ رود دريهر، خيار بنديكت (نيويورك: صحيفة سينتينيل، 2017)، 10.

[3] سميث ودينتون، البحث في الروح، 170.

[4]سميث ودينتون، البحث في الروح، 163.

[5]مارشال هودجسون، مشروع الإسلام (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1974)، 1:29.

[6] هذا الحديث ضعيفُ عند كثير من العلماء، لكن ابن حجر العسقلاني ذكر أن له أصل من النبي ﷺ. انظر مرتضى الزبيدي، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، 10 مجلدات. (بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 1994)، 6: 308-309.

[7] حمد الخطابي، معالم السنن (بيروت: المكتبة العلمية، 1981)، 4:325.        

[8]موطأ مالك: كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة.

[9]فتاوى الإمام محمد الطاهر ابن عاشور: جمع الدكتور محمد إبراهيم بو زغيبة، نشر مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث – دبي: 2004)، 366.

[10] أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، ترجمة مايكل مارمورا (بروفو: مطبعة جامعة بريغهام يونغ، 1997)، 212، شرح، إحياء علوم الدين، تحقيق محمد وهبي سليمان وأسامة عمورة (دمشق: دار الفكر، 2006)، 4: 2476-77.

[11]جلال الدين السيوطي، الحاوي في الفتاوي، عدد 2 مجلد. (بيروت: دار الكتاب العربي، بدون تاريخ، 2: 404 ؛ محمد ناصر الدين الألباني، “سلسلة الأحاديث الصحيحة، # 1434، # 2468. وتقول إحدى الروايات “أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة…… حتى لو دخلوا النار، لكانت عليهم بردًا وسلاما”. هذا موجود في صحيح ابن حبان، مسند أحمد بن حنبل (الميمانية للنشر)، 4:24 ومقتطفات أخرى. وهناك نسخة أخرى توضح أن مصيرهم سيعتمد على ما إذا كان الله قد أمر بنجاتهم (السعادة) أو هلاكهم (الشقاء). وهناك نسخة أخرى، وجدت في مسند أبي يعلى الموصلي (يؤتى بأربعة يوم القيامة… أو أربعة يأتون يوم القيامة) تم الاستشهاد بها كدليل على وجود فئة أهل الفترة حسب أبي الحسن الأشعري؛ الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، تحقيق فوقية حسين محمود (القاهرة: دار الأنصار، 1977، 33. تحتوي هذه النسخة الأخيرة من الحديث على قسم يشرح كيف سيحكم الله على أهل الفترة بأن يأمرهم بالقفز من النار. تسبب هذا العنصر في بعض الجدل والخلاف. رفض القاضي الأندلسي الشهير وباحث الحديث ابن عبد البر (توفي 1070) هذه النسخة بالكلية. حيث يذهب إلى أنه على الرغم من أن هذه الروية تبدو صحيحة الإسناد إلا أنها لم تُنقل على نطاق واسع بما فيه الكفاية أو تخلو بما فيه الكفاية من علل النقل حتى أن ترسي “مبدأ رئيسي”. وهي تتناقض مع مبادئ أخرى معروفة جيداً. بادئ ذي بدء، ليست الآخرة “مكاناٌ للأعمال، بل هي مكان الثواب أو العقاب. إذن، كيف يأمر الله أمرؤ لم يسمع بأي نبي أو رسول حتى يعمل عملًا يثبت إيمانه؟ بالنسبة لابن عبد البر، فإن الطريقة التي يتم بها التعامل مع أهل الفترة هي مسألة الأمر الإلهي وقدره التي لا ينبغي لنا الخوض فيها؛ ابن عبد البر، الاستذكار، جمع وتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي (بيروت: دار قتيبة، 1993)، 8: 404؛ شرحه، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، الطبعة الثانية، 26 مجلد. (الرباط: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1982 -)، 18: 130.

[12]أبو حامد الغزالي، فيصل التسامح اللاهوتي في الإسلام: أبو حامد الغزالي في فيصل التفرقة، ترجمة. شيرمان أ. جاكسون (أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2010)، 126. أحد المتطلبات بأن يكون الشخص مكلفًا أمام الله عن الشريعة المقدسة ورسالة الأنبياء هو بلوغ الدعوة إليه. وفقًا للباحث الأشعري المعاصر سعيد فودة، فهذا يستوجب تواتر كبير أو شيء من هذا القبيل. انظر سعيد فودة، “شرح جوهرة التوحيد، الجزء 5″، متاح علىhttps://www.youtube.com/watch?v=JiYmS_egwkE.

[13]جلال الدين السيوطي، الحاوي في الفتاوي، عدد 2 مجلد. (بيروت: دار الكتاب العربي، بدون تاريخ، 2:404؛ الألباني، “سلسلة الأحاديث الصحيحة، # 1434، # 2468.

[14]أبو حامد الغزالي، فيصل التسامح اللاهوتي في الإسلام، 126.

[15] مقبل بن هادي الوادعي، مجموع فتاوى الوادعي، تحقيق صديق محمد البيضاني ([لا مكان، لا ناشر]، 2005)، 414.

[16]محمد حسن خليل، الإسلام ومصير الآخرين (أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2010)، 132.

[17]انظر على سبيل المثال، محيط الدين النواوي، شرح صحيح مسلم، 15 مجلد. (بيروت: دار القلم، 1987)، 2:59.        

[18] جامع الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله. الرواية الأكثر اكتمالاً لهذا الحديث هي: ” من شهد أَنْه لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حُرِّمَ عَلَى النَّارِ‏.‏” ؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحُرم على النار. يعتبر الألباني أن هذه الرواية حسنة، الألباني، صحيح سنن الترمذي، نسخة منقحة، الناشر (الرياض: مكتبة المعارف، 2000) 3:51-52.

[19] خليل، الإسلام ومصير الآخرين، 112-123.

[20] فضل الرحمن، المواضيع الرئيسية في القرآن الكريم، الطبعة الثانية. (مينيابوليس: Bibliotheca Islamica، 1994)، 166.

[21]فريد إسحق، القرآن الكريم، التحرير والتعددية (أوكسفورد: وان وورلد، 1997)، 160-5.

[22]مسند أحمد بن حنبل (الميمانية للنشر)، 5: 265-66.        

[23]انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جمع وتحقيق محمد إبراهيم الحفناوي ومحمود حامد عمان، 20 مجلدًا، المجلد 10. (القاهرة: دار الحديث، 1994)، 1: 394 (في القرآن الكريم 62:2)

[24]فريد إسحق، القرآن الكريم، التحرير والتعددية، 160-165.

[25]صحيح البخاري: كتاب الرقاق – باب الصراط جسر جهنم؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية.

[26]صحيح البخاري: كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.

[27]ابن حجر، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن باز ومحمد فؤاد عبد الباقي، 16 مجلد. (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، 11: 525-7. في الحديث، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن عمه أبو طالب، الذي توفي رافضًا الإسلام على الرغم من معرفة تعاليمه بشكل تام، “لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وأن يلاقي عذابًا أخف؛ صحيح البخاري: كتب الرقاق، باب صفة الجنة والنار؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه.

[28] رحمتي تغلب غضبي؛ صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى ويحذركم الله نفسه

[29]جون هوفر، “العالمية الإسلامية: دراسة سلفية لابن القيم الجوزية حول مدة البقاء في النار، “العالم الإسلامي 99 (2009): 180-201.

[30]محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني (بيروت: مكتبة الإسلام، 1984)، 65، 75.

[31]  خليل، الإسلام ومصير الآخرين،30-126.

[32] بيتر جاي، الناشر، الربوبية: مقتطفات (برينستون: د. فان نوستراند، 1968)، 35.

[33]  ربما يجد المرء تعبيراً مفوهًا عن هذه الروح في الفصل الثاني من كتاب رضا شاه كاظمي “الآخر في ضوء الواحد: عالمية القرآن والحوار بين الأديان (كامبردج: جمعية النصوص الإسلامية، 2006).

[34]  خليل، الإسلام ومصير الآخرين، 58.

[35]هودجسون، مشروع الإسلام، 1:29. 

[36] سيسيرو، دي ناتور ديورم، 1:60-62، 71-73، إدوارد جيبون، انهيار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، ثلاثة أجزاء. (نيويورك: المكتبة الحديثة، بدون تاريخ، 1:27.

[37] ولا تحكمن على أحد بالجنة، ولا بالنار، إذا أردت السنة.

[38]ابن جرير الطبري، تفسير (بيروت: دار الفكر، 1985)، 8:34 (حول القرآن الكريم :129:6).

[39] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته؛ صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.

[40]سنن أبي عبد الداود: كتابات الأدب، باب النهي عن البغي، محيي السنة الحسين البغاوي، شرح السنة تحقيق شعيب الأرناؤوط (دمشق: المكتبة الإسلامية، 1983)، 14: 385.

[41] جاي، الربوبية، 37-38

[42]توماس كارليل، “النبي البطل: محمد: الإسلام “، في محاضرات كارلايل حول الأبطال (أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2010)، 40.

[43] كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

[44]“عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ” (القرآن الكريم :156:7).

[45]“قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (القرآن الكريم :53:39).

[46]جامع الترمذي: كتاب الدعوات، حديث.

[47] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق سيد حسين العفاني وخيري سعيد، 35 مجلد. (القاهرة: المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ)، 11: 104 ؛ الألباني، فتاوى الشيخ الألباني، تحقيق عكاشة عبد المنان الطيبي (القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، 1994)، 350.

[48]صحيح البخاري: كتاب التيمم، باب 2.        

[49] مسند أحمد بن حنبل، 5:347

[50]مسند أحمد بن حنبل، 2:518.        

[51]تيم وينتر، “الواقعية والحقيقة: التشريع الإسلامي ومشكلة التعبيرات البديلة عن الله، “بين الجنة والنار: الإسلام، الخلاص ومصير الآخرين، تحقيق محمد حسن خليل (أوكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2013) 136-8، الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، 10:494-5.

[52] صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون…

[53]النواوي، شرح صحيح مسلم، 17/18:191. يقول ابن عبد البر “ولكن جل من تسمى بالغفور الرحيم الرؤوف الحكيم أن تكون صفاته إلا حقيقة لا إله إلا هو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. “؛ ابن عبد البر، الاستذكار 8:402-3.

Avatar

Jonathan Brown

Dr. Jonathan A. C. Brown is a Director of Research at Yaqeen Institute, and an Associate Professor and Chair of Islamic Civilization at Georgetown University. He is the editor in chief of the Oxford Encyclopedia of Islam and the Law, and the author of several books including Misquoting Muhammad: The Challenges and Choices of Interpreting the Prophet's Legacy.