Yaqeen Institute for Islamic Research
Spiritual-Psychology-Lost-Art-of-Contemplation-Hero-Image

فن التأمل المفقود: سلسلة علم النفس الروحي

مــقــدمــة

ينطوي علم النفس الحديث على دراسة الإدراك البشري وتأثيره وسلوكه. وتشكل هذه الظواهر الثلاث عناصر أساسية للتجارب الإنسانية. كما أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا برسالة الإسلام في تزكية النفس أو تصوّفها. فمناط الأمر هو الفلاح كما وصفه القرآن الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}؛ ([1])، و {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}.([2])

يبلور الإسلام نظامًا يهدف إلى تحويل إدراك المرء ومشاعره وسلوكياته لتؤدي به في نهاية المطاف إلى حياة هادفة ونافعة. وفي ذلك خصص العلماء الكلاسيكيون أجزاءً كبيرة من بحوثهم ودراساتهم في موضوع تزكية النفس، ثم تبعوها بنظريات متعمقة في علم النفس البشري. وقد خلصنا في مقالٍ سابق حول الروحانية الإسلامية والرفاهية العقلية ([3]) إلى أن هناك حاجة إلى بناء نماذج من علم النفس البشري قائمة على المصطلحات الواردة في القرآن الكريم، تأسيسًا على الشريعة الإسلامية. ومن شأن هذا المسعى أن يكون وثيق الصلة بموضوعنا من الناحية العلاجية، إذ يدعم المختصين بالأمثلة الروحية التي توائم المسلمين المصابين بأمراض ذهنية. وعلاوة على ذلك، فإن وضع إطارِ إسلامي محدد لعلم النفس من شأنه بيان مدى شمولية الشريعة الإسلامية وعمقها فيما يتعلق بعلم النفس البشري والروحانية، وذلك تمكينًا للآخرين من تقدير مدى تفوقهم والقيمة التي يحققونها للبشرية في القرن الواحد والعشرين.

هذا المقال بمثابة محاولة لإرساء نموذج إسلامي لعلم النفس الروحي يشمل الإدراك البشري، والمعرفة، والعلم، والوعي، والدافع، والعاطفة، والسلوك، فضلًا عن الآثار العملية للنمو الروحي النفسي وبناء القناعة. ونتيجة للمخاطر المتأتية من قراءة الخطاب النفسي الحديث في إطار الشريعة الإسلامية، فسنعكف على استخدام المفردات والمصطلحات القرآنية الموجودة في المصادر الكلاسيكية كنقطة انطلاق لنا في هذا المقال. وعلى ذلك سنعقِدُ مقارنة لتلك المفردات والمصطلحات القرآنية بالرؤى الحديثة إما من خلال بيان تكاملها أو اختلافاتها بهدف دعم قارئ القرن الواحد والعشرين من خلال فهم الأمور فهمًا كاملًا.

وقد صُنفت النقاط التالية ونُظمت وفقًا لنموذج مراتب القصد، والتي يشيع ذكرها في الشريعة الإسلامية.  ([4]) إذ يطرح هذا النموذج إطارًا شموليًا للسلوك البشري الذي يبدأ بالأفكار، مرورًا بالقصد، وانتهاءً بالعمل. وفيما يلي نورد وصفًا للتسلسل ذي الخمس خطوات موضوع بحثنا الماثل:

  1. الهاجس: وهو فكر عابر سريع الاختراق إلى الوعي وسريع الخروج منه كذلك؛
  2. الخاطر: فكر يتغلغل إلى العقل ويجعل الفرد يفكر في شيء ما؛
  3. حديث النفس: حوار داخلي يمكث في أعماق النفس؛
  4. الهم: دافع لفعل شيء ما، حيث تؤثر عملية التفكير في دافع المرء أو حالته الوجدانية؛
  5. العزم: إصرار قوي على فعل الشيء، فما أن همّ المرء بفعله دون تردد، وما إن بلغ العزم، بات قراره حاسمًا لا رجعة فيه. ([5])

ويركز مقالنا على المراحل الثلاث الأولى. إذ يتناول ظهور الفكر الواعي وأنواع مختلفة من النقاط المشار إليها في القرآن الكريم. ونقصد من القسم الأول التركيز على أهمية الأفكار، ومن القسم الثاني التعمق في أساسيات الفكر؛ ومن القسم الثالث وصف مفاهيم ما وراء الإدراك والتأمل؛ ومن القسم الرابع عرض ممارسة تأملية عملية للنمو المعنوي والروحي التي أنشأها العلاّمة الشهير ابن القيم (تُوفي 751 هـ).

القسم الأول: أهمية الأفكار

إن أفكارنا هي أعمق واجهة لدينا تحمل البُعد الروحي بداخلنا.ذلك أن أفكارنا موجودة بالفعل خارج العالم المادي. وعلى الرغم من أننا يمكننا ملاحظة انخراط المرء في التفكير في شيء ما، إلا أننا لا نستطيع ماديًا ملاحظة المحتوى الفعلي لهذا التفكير. فلا يستطيع أحدُ معرفة ما يدور بُخلد المرء إلا الله. إن الأفكار -في جوهرها-تحمل معنىّ ومحتوىّ. بيد أنه على الرغم من أن تخطيط كهربية الدماغ يمكنه قياس نشاط الخلايا العصبية المرتبطة بالتفكير، فلن يكون قادرًا إطلاقًا على ملاحظة المحتوى الأساسي. من هذا المنظور، يُعد التفكير عملية ميتافيزيقية تنقلنا خارج حدود العالم المادي. بل إن الأفكار ذاتها تمثل أمورًا أخرى، أي أن مضمونها لا يتكون من الجسيمات أو الذرات.

ولا غرابة في تأكيد القرآن الكريم بشدة على الفعل الروحي المتمثل في الانخراط في التفكير. ففي أكثر من 750 موضعًا، يحث القرآن الكريم الإنسان على التفكر والتدبر والتأمل والاستماع والملاحظة. ([6]) أما العنصر المشترك بين كل هذه التفاعلات فهو الفكر الواعي الذي يتولد في العقل. ولكن ثمة مأساة تحيط بهذه التفاعلات، إذ أن معظمها فقد التواصل مع التجارب الغزيرة الموجودة في العقل والتي يمر بها المرء. وعلى الرغم من التقدم المُحرز في المعرفة والتقنيات التي شهدها القرن الواحد والعشرون، فقد كان رد فعل العالم على ذلك عكسيًا، وتراجع دور العقل من الدور الرئيسي إلى الدور الثانوي.

عـصـر الإلـهـاء وانصراف الذهن

في العصر الحديث الذي يتسم بالتقدم التقني السريع، هناك وقتٌ كبير يُوظف في تعلم كيفية الاستفادة من أحدث النظم الرقمية لتعزيز الإنتاجية في جميع أبعاد حياتنا. ففي حياتنا العملية مثلًا، يُحدد أصحاب العمل قيمة عالية من الكفاءة التقنية. كما أن أولئك الذين يخفقون في مواكبة الاجتياح المستمر لموجات المد الرقمية يصبحون غير قادرين على المنافسة في سوق العمل الذي يشهد تقلصًا أكثر من أي وقتٍ مضى، مما يدفع إلى تحولهم نحو دمج أنظمة جديدة لزيادة كفاءة مكان العمل. كما تحولت حياتنا الاجتماعية إلى ابتكارات نجدها في وسائل الإعلام الاجتماعية وأدوات الشبكات التي طمست تقريبًا جميع الحواجز في التواصل مع الأصدقاء والعائلة. إن عقولنا مشتتة لاهية باستمرار نتيجة الأجهزة الجديدة التي نحوزها، علاوة على حرصنا على مواكبة تلك السلسلة اللانهائية من التحديثات والتغييرات.

وها هو أليكس بانج، مؤلف كتاب إدمان الإلهاء، يصف حياتنا على الإنترنت بأنها وظائف حقيقية: “إذا كان حفاظك على حياتك من خلال الإنترنت يبدو وكأنه وظيفة، فربما لأن الأمر كذلك بالفعل”. ([7]) ويوضح أليكس بانج بأن متوسط قضاء المواطن الأمريكي من خلال الإنترنت يبلغ 60 ساعة شهريًا. وتلك الساعات هي إضافة إلى ثلاثة أشهر من العمل بدوام كامل في السنة. وفي العمل من خلال الإنترنت، نقضي 20 يومًا على مواقع التواصل الاجتماعي، و38 يومًا على المدونات واليوتيوب والمواقع الإخبارية، و32 يومًا على البريد الإلكتروني. وعند النظر في استخدام الأجهزة في يوم واحد فقط، نجد أن المواطن الأمريكي يرسل ويستقبل 110 رسالة في المتوسط، ويتحقق من الهاتف 34 مرة، ويدخل إلى الفيس بوك 5 مرات منفصلة، ويقضي 30 دقيقة في “الإعجاب” بالمشاركات.  ([8])

إن التفاعل المستمر مع التقنيات والشاشات والأجهزة لا يعوق إنتاجيتنا فقط في تحقيق أهدافنا، بل له أيضًا آثار كبيرة على العقل. فقد أنشأ كلارك وتشالمرز (فلاسفة في الوعي) نظرية العقل الموسع في 1998، الذي أصبح مفهومًا بشكل أفضل في ضوء الاختراعات الأخيرة.  ([9]) وتذهب النظرية إلى أن البشر غالبًا ما يستخدمون الأجهزة في البيئة الخارجية للعمليات المعرفية التي تحدث عادة داخل العقل. وهناك مثال أوضح على ذلك؛ إنه الذاكرة. ففي الماضي كانت أجهزة الحاسب المحمولة تُستخدم كثيرًا، والآن أصبحت هناك تطبيقات على الهواتف وأجهزة الحاسب المحمولة والأجهزة اللوحية، مما يتيح لنا تفريغ ذاكرتنا أكثر من ذي قبل، بسبب سهولة الوصول إلى عملية التخزين في التقنيات الجديدة وكفاءتها. وهناك مثال تقليدي يتمثل في التحول إلى حفظ أرقام هواتف. وقد أجرت كاسبرسكي لاب دراسة استقصائية في أوروبا، ووجدت أن 60٪ من البالغين استطاعوا تذكر رقم هاتف المنزل الذي كانوا يعيشون فيه عندما كان أعمارهم 10 سنوات، ولكنهم لم يستطيعوا تذكر أرقام الهواتف الحالية لأطفالهم أو مكتبهم. وكان ثلث المشاركين في الدراسة غير قادرين على تذكر أرقام هواتف أقرانهم.  ([10]) فقد اعتدنا تسجيل أرقام الهواتف الهامة في نظام الذاكرة الموجود داخل عقولنا، ولكننا اليوم نطبق تلك العملية خارجها.

إن توسيع نطاق العقل لا يقتصر على الذاكرة، بل يشمل أيضًا وظائف تنفيذية مثل التخطيط. فعلى سبيل المثل، تُرسل لك جوجل تلقائيًا رسالة تحتوي على أوقات مُقترحة للخروج من المنزل للحاق برحلة طيران. والآن هناك تطبيقات تستند إلى تفضيلاتك السابقة في اختيار الطعام من خلال قوائم المطاعم ومن ثم تقترح لك اختيار الطعام الأكثر ملاءمة.

ونتيجة لهذا المستوى غير المسبوق من الاستعانة بمصادر خارج العقل، فقدنا الكنز الخفي الذي يكمن وراء نطاق استخدامه. فانشغالنا بالأدوات والشاشات والأجهزة قد يصرفنا عن الإبداع القوي، والبصيرة والتبصر، والوعي الذاتي، الذي صُممت عقولنا من أجله. وقد اعترف العلم الحديث بالفائدة والإمكانات التي تكمن في أعماق عقولنا ونفوسنا. ولا سيما كانت هناك عديد من الدراسات التي أجريت على ممارسات التأمل في التقاليد الشرقية. وقد تبين أن هذه الممارسات لها آثار إيجابية عميقة على الاضطرابات العاطفية والنفسية والجسدية، بما في ذلك الاكتئاب وتعاطي المخدرات وتعاطي الكحول وأمراض القلب والأوعية الدموية مثل ارتفاع ضغط الدم. ([11]) وعلى مستوى أكثر أهمية، فقد ثبت علميًا أن الأفكار لها آثار عميقة على الأداء البيولوجي لدينا. وهناك ظاهرة شائعة تعرف باسم “تأثير الدواء الوهمي”، وهي فائدة علاجية تتحقق فقط من خلال اعتقاد الشخص بأنه سُيشفي، فهو مثال عميق على الأفكار التي تؤثر على صحتنا إلى هذا الحد. ([12]) وتشير النتائج المتعلقة بتأثير الدواء الوهمي أنه واسع الانتشار ويمكن أن يكون فعالًا ضد مختلف الأمراض الجسدية والنفسية. وعلى النقيض من ذلك، فمن الثابت أن الإجهاد الذي يقوم جزئيًا على الصياغة المعرفية لظروف حياتنا، له آثار سلبية كبيرة على مجموعة واسعة من النظم البيولوجية، بما في ذلك تنظيم الهرمونات، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وعمل الجهاز المناعي.

القسم الثاني: أُسس التفكير

الخواطر

يُطلق على الأفكار التي تغمر عقولنا خلال لحظات الاستيقاظ اسم “الخواطر” وفقًا لابن القيم (ورد تعريف فئات الهاجس وحديث النفس آنفًا).  ([13]) ويعرّف الدكتور مالك البدري، عالم نفسي مسلم معاصر، الخواطر بأنها “حوار داخلي”أو” كلام خفي” يحدث بشكل عابث. ([14]) وهي الأفكار التي تقع في إطار الحوار المستمر الذي يمثل عدسة الواقع الذي نخوضه بالفعل. وفي هذا الصدد تبدو الخواطر متشابهة مع “الأفكار التلقائية” التي وصفها هارون بيك، مؤسس العلاج المعرفي.  ([15]) إذ تشير الأفكار التلقائية إلى النشاط العقلي الذي يظهر دون جهدٍ واعِ استجابةَ لحافز ما. وهناك عنصر واحد يبدو مرتبطًا بمحتوى خواطرنا ألا وهو فطرتنا. ([16]) ومن منظور إسلامي، يمكن تعريف الخواطر بأنها دمج للقوى المتنافسة الناشئة من اللاوعي. هذه القوى موجودة داخليًا كجزءٍ منّا أو خارجيًا كعوامل منفصلة (إلهية أو ملائكية أو شيطانية).

الـلاوعــي

موضوع اللاوعي موضوع معقد للغاية، وقد تعرض له من خلال كل من المنظورات المعرفية والنفسية في مجال علم النفس. كان فرويد واحدًا من أوائل المثقفين الغربيين الذين تعرضوا لتأثير اللاوعي في الأفكار الواعية والدوافع والرغبات والأحلام. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أن بعض أفكار فرويد فيما يتعلق بآليات الدفاع اللاوعي كانت مسبوقة بشكل كبير من قِبل علماء الدين المسلمين. وعلى سبيل المثال، ذهب ابن حزم (تُوفي 456 هـ) إلى وصف قمع الإثارة الجنسية المحرمة تجاه أفراد الأسرة بأنها تؤدي إلى مجموعة متنوعة من السلوكيات الواعية. ([17])

على الرغم من فهم فرويد للاواعي ركّز في الأساس على العدوانية والغريزة الجنسية، إلا أن كارل يونج اعتنق نظريته الخاصة عن اللاوعي التي تضمنت أنظمة معتقدات دينية معقدة فيما أسماه “اللاوعي الجماعي”. وقد حاول كلاهما اكتشاف البنية النفسية المشتركة اللاواعية الموجودة في كل إنسان. هذا البُعد في العقل البشري ليس كيانًا ماديًا، مما يجعل دراسته تتجاوز القيود التجريبية للمنهج العلمي. ومن ثَمّ، لم يحظى هذا البعد باهتمام كبير خارج هَذَين الشكلين في العالم الغربي. ولكن في الآونة الأخيرة، اكتشف علماء النفس المعرفي والاجتماعي دور التحيز اللاواعي في تحديد المواقف والمعتقدات والتحيزات. وقد تحول التركيز من وصف المكونات الهيكلية للاوعي إلى وصف آثاره الوظيفية.

وكما ذكرنا آنفًا، فإن اللاوعي هو البُعد الإنساني الذي يمثل في الأساس جزءًا من الغيب. ومن هنا يجب على أي مسلم السعي إلى فهم العقل بشكل أفضل لاستكشاف منظور الوحي. وهناك حديث نبوي واحد على الأقل يؤكد الفكرة القائلة بأن جزء اللاواعي في العقل يمكنه التأثير على أفكارنا ومحركاتنا الواعية،

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “أن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم”. ([18])

فالمساءلة تنطبق تحديدًا على الظواهر التي تقع ضمن حدود خياراتنا الواعية. فقد أخبرنا القرآن الكريم:

{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} ([19])

وبالتالي فإننا لا نتحمل المسؤولية عن أي ظواهر عقلية تقع خارج نطاق إرادتنا. إن هذا الحديث يعني أن هناك بنية كامنة للاوعي من شأنها تحديد بعض الأفكار الواعية التي تتجاوز إرادتنا. وسنعمل على استكشاف بنية اللاوعي التي يوردها الحديث ضمنًا وسنسلط الضوء على مكوناتها المختلفة.

مكونات اللاوعي

الوسواس

يُعد الوسواس أحد أهم التأثيرات على الوعي لدينا. ([20]) وتتناول الشريعة الإسلامية هذه الظاهرة في سياق (1) وسوسة الشيطان، و (2) وسوسة النفس، (3) وهمس الملائكة.

وساوس الشيطان

تنقسم وساوس الشيطان إلى أهواء شريرة متأتية من العالم الغيبي وأخرى من العالم المرئي. ويشير القرآن الكريم في آخر آيتين منه إلى هاتين الفئتين من وساوس الشيطان.

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}. ([21])

ومن الواضح أن الجِنة تعتبر داخلة في إطار اللاوعي، ولكن ماذا يعني الوسواس البشري وكيف يدخل في اللاوعي؟ يتضمن الوسواس البشري أي اتصال ينشأ من البشر يمكن أن يمتد إلى أبعد من الحوارات المباشرة ليشمل الكتب ووسائل الإعلام والصور. وعلى الرغم من أن الخواطر الأولية التي تقبع داخل البشر الآخرين تدخل في إطار الوعي، فإنها تدخل بعد ذلك ضمن اللاوعي عندما تُدمج في أنظمة الذاكرة لدينا. وقد تثير هذه الخواطر المشاعر والرغبات بداخلنا في أي لحظة ومنها نواجه أي شيء وثيق الصلة في حياتنا. قال ابن القيم: “ثم يُنقل التفكير أو يُخزن في الذاكرة، ثم تحوّله الذاكرة إلى إرادة ودافع، ثم يتحولان إلى فعل يطبق في الحياة الحقيقية. ”([22])

ومن هنا قد تُحدد العوامل الخارجية شكل اللاوعي لدينا مما يؤثر حتمًا في أفكارنا الواعية. ويطرح ابن الجوزي (تُوفي 597 هـ) تصورًا حيًا لكيفية وصول هذه العوامل الخارجية إلى اللاوعي:

وإنما يدخل إبليس عَلَى الناس بقدر مَا يمكنه ويزيد تمكنه منهم ويقل عَلَى مقدار يقظتهم وغفلتهم وجهلهم وعلمهم، واعلم أن القلب كالحصن وعلى ذلك الحصن سور وللسور أبواب وفيه ثلم وساكنه العقل والملائكة تتردد إِلَى ذلك الحصن وإلى جانبه ربض فيه الهوى، والشياطين تختلف إِلَى ذلك الربض من غير مانع والحرب قائم بين أهل الحصن، وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم.([23])

إن نطاق الوسواس في اللاوعي يمكن معالجته من خلال تدخلات واعية. وذلك ممكن من خلال كسر المتحرر من التشتت وتحقيق المعرفة والوعي بالله فيمكن للشخص تحويل الديناميكية الكاملة للاوعي. هذا الصراع بين الإنسان والشيطان يمثل بُعدًا أساسيًا من اللاوعي والوعي، وقد تناول ابن القيم تلك المسألة: إذ يوضح أن كل يوم تدخل النفس ساحة المعركة، وأخذ أنواع الأسلحة والوقوع في حومة الحرب… والهوى وداعى العقل والهدى والمنصور من نصره الله.([24])

فالشيطان يوظف أهواء المرء ورغباته كأسلحة ضده. وإذا ما تغلب عليه،

“يصبح عقله مع الشيطان مثل سجين في يد وقع بين يدي عدوه… فالشيء الذي حبانا الله إياه ورفع مكانته بات في حوزة عدوه واستخدمه في تدميره”. ([25])

همسات النفس

يذكر القرآن الكريم الوسواس الذي يكون في النفس:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ…}([26])

وتتحد مضامين وساوس النفس من التفاعلات التي تحدث بين رغبات الشخص وهداه وطبعه. فالرغبة الإنسانية الجامحة تسعى إلى ما يجلب المتعة. ولقد صنف ابن القيم المتعة إلى ثلاثة أنواع مقابلة للأهواء. ويشمل النوع الأول من المتعة تلك المتعة المتأصلة المتمثلة في السعي خلف ضرورات البقاء على قيد الحياة والانتشار في الأرض مثل الأكل والشرب والإنجاب. أما النوع الثاني من المتعة فيتعلق بتسلق التسلسل الهرمي للهيمنة الرامية إلى تحقيق السلطة والزعامة. والنوع الثالث من المتعة ينشأ من العلم بالله ودعم الفضائل. ([27]) ليس من بين هذه الأنواع ما يمثل رغبات الآثم وأهوائه. ويصف ابن تيمية (تُوفي 728 هـ) أساس المتعة: “إن معايشة ما يتوافق مع الذات هو وسيلة المتعة”. ([28]) ومن ثم فإن رغباتنا في المتعة إيجابية من هذا المنظور. غير أن القرآن الكريم يصف الأهواء والرغبات التالية بأنها أنواع سلبية تعيق تطور المرء:

{الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}.([29])

{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى}.([30])

ويميز ابن القيم المُتع والملذات الخبيثة من الحميدة بالتركيز على نتائجها النهائية. فهو يوضح أن المتعة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى الألم فهي خبيثة. ([31]) لذا فإن الإفراط في الرغبات أو قمع رغبات الآخرين لتحقيق متعة سيؤدي لا محالة إلى الشقاء في الدنيا والآخرة. ولا ينشأ السعي الحقيقي وراء المتعة الأبدية إلا في ظل علاقة هادفة وصادقة مع الله تعالى.

تتجه النفس نحو الخير أو الشر وفق ما تجد فيه تكاملًا مع العوامل الإيجابية للطبيعة البشرية مثل العقل والهدى أو العوامل السلبية مثل الهوى والوساوس. فالقرآن الكريم يصنف مستويات النفوس إلى ثلاثة:

المستوى الأول: النفس الأمارة بالسوء

{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}. ([32])

المستوى الثاني: النفس اللّوامة

{وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة}.([33])

المستوى الثالث: النفس المطمئنة

{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. ([34])

فالأفكار التي تنضح من النفس تتفق مع ما يقع في طيفها. فهذه النفوس ناقصة الوعي تكون عرضة لهجمات الوساوس وأكثر عرضة للانغماس في الأهواء الغريزية. أما النفوس الواعية فتستخدم الإلهام وعقلها لكبح جماح أهوائها ورغباتها وقهر وساوس الشيطان.

وسنتناول بإذن الله في الجزء الثاني من هذا المقال عرضًا أكثر تفصيلًا للنفس ودورها في بناء دوافعنا وشعورنا وأفكارنا.

همس الملائكة

“عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة”.([35])

إن همسات الملائكة تمثل ميول ورغبات نحو الخير تلهم القلوب كما هو موضح في حديث آخر:

“عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاذ بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاذ بالخير وتصديق بالحق”.([36])

الإلهام والفراسة

الإلهام يعني الإلهام المباشر من الله. وهناك مثال شهير لهذه الظاهرة في قصة سيدنا موسى وأمه،

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي. إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ.([37])

وفي كثير من الأحيان ما يكون الإلهام هو الحدس ويشير إلى الفراسة. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الفراسةَ بأنها نور من الله،

“اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”.([38])

كما يشار إلى مفهوم الفراسة في القرآن الكريم،

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}. ([39])

وقد أشار ابن عباس وغيره من مفسري القرآن الكريم إلى أن المتوسمين هنا هم المتفرسين، الذين يتمتعون بالفراسة.([40])

كما يوضح ابن القيم الصلة بين الفراسة وقصة سيدنا لوط على النحو التالي “… إذا نظر المرء في مآل الأمم الظالمة السابقة، فحينئذ يُمنح الفراسة…”([41])

ويعرف ابن القيم الفراسة بأنها “نور يقذفه الله فى قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل. ([42]) كما إنه يستشهد بعلماء آخرين يصفون أبعاد الفراسة التي تتعلق بتحقيق معرفة الواقع الغيبي. ([43]) وهو يوضح أن الفراسة ظاهريًا تمثل اعتقاد أو فكر أو فكرة تبرز في إدراك المرء الذي يطمس أي شيء يعارض ذلك. وهناك طريق واحد لتمييز الفراسة عن الأفكار الأخرى ألا وهو “الفراسة تمثل الفكر الأول الذي يظهر دون أي أفكار معارضة تحدث بالتزامن. وإذا كانت أفكار معارضة فيصبح الفكر فكرًا عاديًا. ([44])

قد تنطوي الفراسة على تنبؤات بالمستقبل وكذلك الأحكام على الآخرين والتي لا يمكن التحقق منهم تجريبيًا أو ملاحظتها بسهولة. ويتضح هذا المفهوم الأخير في قصة وردت عن الجنيد البغدادي:

“كان الجنيد يومًا يتكلم على الناس فوقف عليه شاب نصراني متنكرًا فقال: أيها الشيخ ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله” ([45]) فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد حان وقت إسلامك فأسلم الغلام.” ([46])

كما يصف ابن القيم أنواع الفراسة التي لا ترتبط بالإيمان والتي تكون لجميع البشر وفقًا للخصائص الهامة الأخرى. فهو على سبيل المثل يوضح أن الأطباء لديهم نوعًا من الفراسة حسب حذقهم في صناعتهم. ([47]) وهناك أيضًا غير المسلمين من هم قادرون على تفسير الأحلام وتفسير الرموز. ([48]) كما يبين ابن القيم أن النظرية العلمية يمكن أن تكون مفيدة في استنباط تنبؤات دقيقة، ذلك بأنها فراسة خلقية تتأسس على الصلة بين الأحداث الطبيعية. ([49]) ويشير ابن القيم إلى أن هذه الأنواع من الحدس لا تُعين الشخص على فهم الحقائق الأعمق التي من شأنها جلب نفعًا له في كلا العالمين. ([50]) هذه المعرفة بالحقائق الأعمق تتطلب فراسة خاصة هبة من الله تنبع من نوره تعالى.

يصف الإمام الغزالي (توفي 505 هـ) الفراسة بأنها تنبع من “نافذة” موجودة في القلب تنفتح إلى عالم الغيب. أما النوافذ الأخرى فتمثل حواسنا الجسدية الطبيعية. وعندما يُعني المرء بروحه فقط دون العالم المادي فينشأ هناك شعور بانطباعات مختلفة عن العالم الغيبي. كما يوضح أن هذا هو السبب في معظم الرؤى الصادقة التي تحدث في الأحلام، عندما ينسلخ الجسم من العالم الحسي،

“وإن كان في حال النوم فارغًا من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت؛ فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ… وأن القلب مثل المرآه، تظهر فيه صورة ما في اللوح المحفوظ…” ولكنه عنده نومه، تُغيم متع الدنيا هذه المرآه فلا تكون هذه الصور واضحة أمامه”. ([51])

وهناك صور مماثلة نراها، تناولها ابن القيم عن القلب بأنه يشبه الزجاج والمرآة. كما يوضح الإمام الغزالي أنه في حال الوعي لا يزال بإمكان الإنسان تصور الأشياء من خلال النافذة غير الغيبية وفق نقاء قلبه، “كلما نقى المرء نفسه من الشهوات الجسدية وكان همه هو الله، ازداد وعيه وإدراكه بتلك الأشياء. فالذين لا يدركونها ليس لديهم الحق في إنكار واقعهم “.([52])

وعلى ذلك يمكننا القول عن الفراسة بأنها نور من الله يغلّف معاني الحقائق الخفية. هذا النور يتفاعل مع القلب الصادق للمؤمن ويعرض صورة دقيقة لوعيه. وجلاء هذا النور يتجاوز أي فكر أو فكرة أو معرفة أخرى تكون لدى المرء إذ أنه نور مباشر من الله. لذا فهذا النور يفوق أي فكر آخر متعلق به ويظل راسخًا في القلب.

مــلــخـــص

تناولنا في هذا الجزء العوامل البنيوية للاواعي التي تؤثر في التدفق الواعي للأفكار التي تدور في عقولنا في كل لحظة. وتمر أفكارنا الواعية بمراحل تعديل وصياغة مستمرة على أساس تفاعلات معقدة بين مكونات اللاوعي. ومن المهم ملاحظة عدم تأييدنا الرؤية الحتمية الكلية للأفكار التي تنشأ لاإراديًا من اللاوعي. فقد يستطيع المرء صد التأثيرات اللاواعية متعمدًا. فلربما يسهم تحول الشخصية في تغيير الخواطر بترقية النفس إلى مصاف النفوس المطمئنة. فالاستعانة بالله وتعزيز حصون القلوب يساعدننا في معركتنا ضد وساوس الشيطان. كما أن وجود أصدقاء خير يحثوننا بكلماتهم، وسلوكهم يسهم في ذخر ذاكرتنا بالأفكار الإيجابية التي تغدو سهلة الاستخلاص عندما نواجه ظروفًا صعبة. فتطوير شخصيتنا وعقولنا قد يساعدنا في دمج أهواء نفوسنا بشكل مناسب. بل إن النظافة الشخصية ([53])  والعيش في أجواء ملائكية قد يعزز من القوى الإيجابية التي تتأتى من الملائكة. وأخيرًا فإن مراحل تزكية النفوس ستحقق أكبر قدر من الفراسة لدينا.

القسم الثالث: عملية التفكير

يستخدم القرآن الكريم مجموعة متنوعة من المصطلحات التي تحيط بعملية التفكير، وتشترك هذه المجموعة في مُجملها في المعنى العام للتأمل وكل منها على حدة يتضمن اختلافات طفيفة في شأن التفاصيل المُعقدة للتفكير. وقد تناولت بعض تفاسير القرآن الكريم وصفًا لعدد 30 مصطلحًا مختلفًا في القرآن؛ مثل التفكر والتدبر والتذكر وجميعها تمثل العمليات الأساسية اللازمة لاستخراج معنى فعّال لآيات الله في القرآن والعالم الطبيعي. ([54])

هذا القسم من المقال يتطرق إلى مفهوم يُعرف “بالتفكير في الأفكار” أو “ما وراء المعرفة”، إذ أصبح استخدامه شائعاً في السنوات الأخيرة. ([55]) إن عملية التفكير في الأفكار هي شكل من الأشكال التي تتجاوز التفكير الذي من شأنه تحديد كيفية تفسير العالم من حولنا. فالاستراتيجية المعرفية التي نتبناها في حالة معينة تنطوي على خيارٍ ما يتجاوز المعرفة، هذ الخيار يملي علينا نوعية المعرفة وحجمها التي يمكن استخلاصها منه. ([56])ويمكن لهذه الوحدات المعرفية المواصلة بعد ذلك في فيض أطر مفاهيمية تُفهم من خلالها المعلومات المستقبلية. ومن هنا يدعمنا القرآن الكريم بالتوجيه المعرفي الضروري لتجريد المعنى والواقع، مما يزودنا بالأطر المفاهيمية التي تتيح رؤية العالم كما هو في الحقيقة.

مكونات التأمل

يعرض ابن القيم مناقشة جاذبة حول أنواع التفكير المختلفة في كتابه “مفتاح دار السعادة”. إذ يقدم شرحًا للمصطلحات المستخدمة في القرآن الكريم للدلالة على التأمل. وسنتناول في هذا القسم التفكر والتذكر والتدبر. وتصف العمليتان الأوليتان السبل التي يمكن للأفكار الأولية الظهور بها من خلال الاختيار المتعمد (وليس التلقائي من خلال اللاوعي)؛ ويصف الأخيران كيف يمكن للأفكار الأولية (سواء كانت تلقائية أو متعمدة) التأدية إلى رؤى ومعرفة جديدة.

الـتــفــكـر

“الـتفــكر”: هو إحضار شيء ما إلى الحيز المعرفي للمرء. ([57])

أنه الشكل الرئيسي للتفكير الذي يشير إليه القرآن الكريم. إن الفكر هو أكثر هذه المصطلحات عمومية، ويشمل عملية جلب الفكر إلى الوعي والإدراك. أما التفكر فيختلف عن الخواطر، إذ أنه عملية أكثر عمدًا من خلالها يختار الفرد لتوجيه أفكاره وتركيزها. وفي هذه الحالة، ينبثق الفكر الأولي الناشئ عن الوعي إما من البيئة أو من خلال عملية الإبداع الفطرية التي هي مستقلة عن بيئاتنا. إذن فالخواطر تتضمن عملية سلبية بالدرجة الأولى بينما التفكر عملية نشطة.

الـتـذّكـُر

التذّكُر: هو تزكية الوعي بالمعرفة التي تتطلب الاهتمام بعد انصراف المرء عنها، أو كونها غيبية بالنسبة له: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف: 201)([58])

عندما تمس المرء وساوس الشيطان أو تسيطر عليه شهواته، فيكون حينئذ في حاجة ماسة إلى هذا الأسلوب من التفكير. إن التذكُر هو القدرة على الاعتماد على معرفة ما اكتسبه شخص ما قِبلاً كوسيلة لمواجهة غرور الشيطان وكبح رغباته. فعندما يمس المرء حسد ناشئ من جحود الآخرين أو ماديتهم وازدرائهم، فعليه الوضع في عين اعتباره العلم بقضاء الله وقدره. ومن خلال تذكّر أن الله ينزّل نعمه على من يشاء، فإن حسد الآخرين يعني عدم الرضاء بقضاء الله وقدره. ومن خلال التدبر في هذا النوع فالمرء حينئذ يحيط بالأمراض التي تصيب القلوب وكذلك قبول البركات والنعم المُنزلّة عليه من عند الله. وعندما يسود المرء حوافز ملحة نابعة من عقل غير قادر على إرجاء الإشباع، وقلب يشتهي المتع، فعليه حينئذ تدبر الواحد الذي يعصيه، ويتذكر قدرته وعظمته كذلك. وفي كتاب عدة الصابرين، يوصي ابن القيم المرء الذي يغلب عليه هواه بعدد 20 فكرة مختلفة لتزكية الوعي والإدراك. وللإيجاز، نذكر ثلاث منها فقط([59]):

1-تذكر نعم الله التي لا تُحصى التي أسبغها عليك، وأن عصيانك له سيقيم حاجزًا بينك وتلك النعم.

2-تذكر أنك بتحقيق رغباتك وأهوائك الزائلة ستفقد خيريَ الدنيا والآخرة. بل تكون عواقب ذلك نقص الإيمان وبُعدك عن عناية الله وفضله.

3-تذكر وعد الله تعالى بإبدال ما فات بخير منه لأنك تركته محبة في الله. فالأمر يستحق السعي والاجتهاد.

فإذا استطاع المرء جلب هذه المفاتح المنسية من تحت أحقاف قلبه، فيمكنه حينئذ شراء نفسه بعد بيعها مقابل ثمن زهيد. إن تذّكُر لآلئ الحكمة ومحاسنها يُعين المرء على التحرر من غرور الشيطان ورؤية حقيقة العالم، إنها رحلة مآلها الله تعالى. فهذا المرء يرى ما يعوق هذا الطريق تحديات قائمة، وما ييسر نحوه هبات وخيرات.

الـتـفـــكُر والـتـذّكـُـر

إن التفكُر والتذّكُر معًا يخلقان نظامًا يعمل على إثراء العقل البشري بالعلم والمعرفة. فالتذّكُر عبارة عن عملية يقوم القلب من خلالها باستمرار بتقييم المعرفة التي تنطلق في ضوئها التجارب الجديدة، بغرض اكتساب نظرة أعمق وأرضية راسخة. فالمرء الذي يعلم أن “اللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ” (سورة يوسف: 21)، يدرك -مهما كان شعوره في هذا العالم المكتظ، أو مهما كان شعوره بخضوعه للسلبية والتشاؤم من كل ما يحيط به، أن قضاء الله نافذ لا محالة على الخلق كافة. فإذا استُجلب هذا الفكر إلى الوعي في خضم تجاربه الصعبة والشاقة، وعند تحقيق الراحة والنجاح، فسيعلم حينئذ بدور الله تعالى في حياته. ومن ثَمّ تصبح التجارب المتعاقبة أسهل، لأن قلبه وجد الراحة في ذِكر الله. وإذا لم يتذكر المرء ويتدبر فيما عرفه عن الله كلما واجه موقفًا جديدًا، فقد خسر تلك المعرفة حينئذ ولن تؤثر على قلبه تباعًا. بل تصدأ المعرفة في قلبه، وستحول دون الوصول إليه حينما يكون في أمس الحاجة إليها: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([60])

من خلال المشورة الصادقة والتذكرة الدافعة والتعرض المُلهم لآيات الله سينجلي هذا الصدأ ليسمح للمعرفة المكتسبة قِبلاً الطفو بحرية في وعينا. ويقول ابن القيم: “فالتذكر تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت، ولا ينمحي فيذهب أثره من القلب جملة”. ([61])

وقد جاء وصف التفكّر بأنه “يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلًا عند القلب”. ([62]) ويوضح ابن القيم أن “التفكر يحصَّله والتذكر يحفظه”. فالتفكر والتذكر بذار العلم، وسقيه مطار حتُه، ومذاكرته تلقيحه”.([63])

الاعـتـبـار

الاعتبار مشتق لغويًا من العبور. ذلك لأن المرء ينتقل من التفكير الأصلي إلى معرفة جديدة من خلال هذا النوع من التفكير. فهذا هو الهدف من الاعتبار. وهو يعبر عن عملية بنّاءة تُولف فيها الأفكار القائمة لاستخلاص معارف أكثر عمقًا وتطورًا.

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ}. (سورة يوسف:111)

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (سورة النازعات: 26)

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} (سورة ال عمران: 13)، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَار} (سورة النور 44).([64])

فالاعتبار عملية ثانوية تُفرض على الأفكار الموجودة مسبقًا في العقل. وفي القرآن الكريم ترتبط هذه العملية بالتفكر والتدبر في القصص. إن العملية التي يستخلص منها العقل دروسًا أعمق من أي قصة تُسمى “الاعتبار”. والانتقال من قصة عادية إلى معرفة عميقة من خلال جسر الاعتبار ينطوي على عملية التجريد. وهذا من شأنه إتاحة الاستفادة المعرفية للمرء من الدروس المستخلصة من القصة، ويمكن تطبيقها على حياة المرء، على الرغم من الاختلافات الواضحة مع القصة الأصلية. فعلى سبيل المثال، عندما نقرأ قصة مريم وزكريا وعدم قدرتهما على إنجاب أطفال ويقينهما بأن ذلك لم يكن ممكنًا، فسنتعلم من هذه القصة قهر معتقداتنا التي تحيط بالذات وتحقق إمكاناتنا الكاملة من خلال قدرة الله عز وجل. وعندما نقرأ عن القصة المُظلمة لخسران الشيطان، نتبصر حينها في الأفكار أو الأمراض الشيطانية التي قد تصيب قلوبنا وعقولنا. وعندما نقرأ عن قصة مآل سيدنا آدم، فنعطي الأمل لمستقبل أفضل والإلهام نحو التغيير للأفضل.

التـدبـُر

يسمى كذلك لأنه نظرُ في أدبار الأمور. فهو النتيجة المنطقية للتفكر. ويستخدم هذا في الإشارة إلى الكلام:

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} (سورة المؤمنون: 68).

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (سورة النساء: 82).([65])

إن التدبُر يتبع التفكر إما إلى نهايته المنطقية أو يتأسس عليه. وعلى المستوى العملي، فتدبُر القرآن عبارة عن العملية التي ينظر فيها القارئ إلى آية معينة ويحدد الآثار المترتبة على معانيها في حياته. وعندما ننظر بتمعن في الآية {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء} (سورة الأعراف: 156) والتدبُر في حال المصاعب، فسننتهي بالضرورة إلى استنتاج مفاده أن الألم والمعاناة والشقاء التي نكون بصددهم جميعًا محاطة برحمة الله تعالى. وكما يُفسر ابن القيم في موضع آخر، “من حكمة الله تعالى جعل المتعة سببًا في الألم، والألم سببًا في المتعة”.[66]  وهكذا، فإن الألم الذي يعانيه المرء بسبب فقدان أحد أحبائه أو تفطر قلبه أو مروره بضائقة مالية أو معاناته عُزلة اجتماعية أو إصابته بالاكتئاب؛ كلها تقع في بوتقة رحمة الله وحكمته. فالمؤمن على الرغم من الرياح العاتية التي تواجهه في خضم حياته فإنه لا يفقد أبدًا الأمل في الله تعالى. ذلك أنه يتفكر ويتدبر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن نِعم الله وبركاته ومحبته لعباده، ولقد علم أنه ليس ثمة استنتاج آخر {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}[67] (سورة الشرح: 5-6).

من الأفكار إلى السلوك

إن البشر قادرون على دفع الغرائز أو الأفكار التي تدور في أذهانهم والتصرف على عكسها. بل إنهم قادرون على اختراق ما وراء الإدراك لتغيير الأفكار أو دمجها في شبكات المعرفة. فالعملية التي من خلالها يصبح الفكر الواعي معرفةً ثم سلوكًا تناولها ابن القيم، إذ يقول: إن هناك خمس حالات سلوكية معرفية ترتبط ارتباطًا سببيًا “الفكر، وهو ينضح العلم، والعلم، وهو يستجلب الحال، والحال، وهو يحفز القلب، ثم الإرادة، وهي تفضي إلى العمل.”([68])

توسيع نطاق نموذج ابن القيم

الفكر والعلم والحال

الخطوة الأولى هي (1) الفكر: و ينطوي على استجلاب الوعي بالمعلومات أو الأفكار الجديدة إلى عقل المرء. فحين يستدعي المرء المعلومات الجديدة حتى يستطيع توجيه قراراته، فإنه حينئذ يمر بعملية التذّكُر، وهنا يصير: (2) العلم. إذا كانت المعلومات لا تُعين المرء في رحلته الروحية والفكرية والأخلاقية، فإنه لم يصل إلى مستوى العلم، ويبقى في: (1) الفكر. ويُعرف العلم بقدرته على استجلاب الفائدة والنفع إلى حياة المرء. وفي الوقت الذي تتطور في صغائر العلم تلك الأشياء التي نفكر فيها، فإنها تصبح ترتيبات تنضح العلم والمعرفة. وتتحدد أنماط ترتيبات العلم والمعرفة من المنطق والسببية اللتان تصاحبا شخصيتنا وطابعنا. على سبيل المثال، تترابط الكلمات في الجملة ببعضها البعض على أساس قواعد اللغة لتستخلص جملة مفيدة. غير أن اختيار المحتوى ينبع من طابعنا وقيمنا. وإذا كانت قيم المرء حقة، فإن مضمون خطابه سيكون دائمًا صادقًا. وإذا كان المرء أنانيًا، فإن الجمل المستخدمة سيكون مقصدها التلاعب بالآخرين. وفي ظل هذا التشبيه، فالكلمات تمثل العلم والمعرفة، وقواعد اللغة تمثل المنطقية، والجملة نفسها تمثل الترتيب المُحدد للعلم والمعرفة. وهكذا، ترتبط أجزاء العلم والمعرفة في إطار ترتيبات تُبنى على أساس المنطقية، تمامًا مثلما ترتبط الكلمات في إطار ترتيبات تُبنى على أساس قواعد اللغة. ويكون الناتج النهائي هياكل العلم والمعرفة. فجميعها تمثل المرتكزات والبديهيات ونقاط البداية والأسس التي من خلالها تُفسر المعلومات اللاحقة عن أنفسنا وعن بيئاتنا. ثم تتحول هذه المعلومات إلى علم ومعرفة ثم تُضاف إلى هياكل العلم والمعرفة القائمة لبناء أسس جديدة أو لبناء تلك الهياكل وإثرائها. وقياسًا على ذلك، فالجمل التي تمثل هياكل العلم والمعرفة لدينا تقترن معًا لاستخلاص الفقرات وبيانها. ثم تُدمج هذه الفقرات لتخرج مقاطع وتقترن المقاطع ببعضها لتخرج كتابًا تامًا إلى النور. أما الترتيب الكامل الذي ينبثق من مجموعة هياكل العلم والمعرفة فهو: (3) الحال.

القـلـب: عـدسة الـرؤيـة

إن البنية المفاهيمية للعقل تمثل عدسة القلب التي تُعالج من خلالها البيئة. ويشار إلى هذه العدسة في القرآن الكريم،

{اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ… }.([69])

وكما يفسر ابن القيم، فإن الزجاجة تمثل القلب، والمصباح يمثل نور الإيمان الذي ينير الروح. ([70]) وأحد أسباب استخدام الزجاجة باعتبارها رمزًا للقلب هو وضوحها ونقاؤها. ويقول ابن القيم: “والوضوح والنقاء هما اللذان يرى المؤمن فيهما الحقيقة والتوجه”. ([71])

عندما يعكس النور المادي لهذا العالم الآيات في الخلق ويراه القلب، فينكسر النور وينشئ صورة. ويستند وضوح الصورة وعمقها حسب تعقيد الحال. وتُستمد الحالات الأكثر تعقيدًا من هياكل العلم والمعرفة الأكثر ثراءً والأوسع نطاقًا مقترنة بالذكاء وحسن الخلق. والصورة تمثل المعنى المستخلص من آيات الله عز وجل.

التصنيفات الثلاثة للمعنى

ويمكن تصنيف هذا المعنى إلى ثلاثة مستويات. ينبثق التصنيف الأول للمعنى من الملامح التجريبية للآيات. ويتطلب هذا النوع قدرة النظام الحسي للعقل على الإدراك. ووقوع المعاني المرتبطة به في نطاق الخبر. فقد يُفسر تكوينًا صخريًا معينًا من الناحية العملية بوصف مظهره وشكله ولونه وتكوينه. وهذا هو المعنى الذي برز من الآية المتمثلة في شكل الخبر. ويمكن اعتبار ذلك (1) الفكر.

النوع الثاني للمعنى ينشأ من مداولات عقلانية على الآية ويُعرف باسم (2) العلم. وفيه يلزم وجود عمليات إدراكية لتجريد المعنى عندما يكون الحديث عن المسببات أو الحكمة من ظاهرة طبيعية معينة جزءًا لا يتجزأ من سياق أوسع. وتأسيسًا على المثال السابق، فإن شرح العمليات الجيولوجية التي أدت إلى تشكيل الصخور إلى جانب دورها الحالي في النظام الإيكولوجي لمنطقة جغرافية يندرج تحت معاني التصنيف الثاني. وقد أدت المعاني من التصنيف الثاني إلى إحداث تقدم تقني هائل عبر التاريخ، وخاصة في القرون الأخيرة.

أما التصنيف الثالث والأخير للمعنى ينشأ عن عدد لا يُحصى من العمليات المعرفية مقترنة بالحالات الروحية النفسية التي وصفها القرآن الكريم. إن صرف الانتباه والرذيلة تعيقان قدرة المرء على التعرف على هذا المستوى من المعنى. فالقرآن الكريم يصف آيات الله باستمرار على أنه يدركها فقط أولئك الذين يتمتعون بالإيمان والاقتناع والمعرفة والعقل من خلال التأمل والتذكر والأناة والسمع والبصر. إن العملية المعرفية الأساسية التي تحدث في هذا المستوى تُعرف باسم القياس بالأولى. وهذا ما ورد في القرآن الكريم {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}([72]) لذا فإن الاعتماد على التفكير المحض الحرفي والقياسي سيعمي المرء عن هذا التصنيف للمعنى. ينطوي القياس بالأولى على القيم التجريدية (الأخلاقية والفكرية والروحية) الناشئة من العالم الطبيعي والاعتراف بخضوعها الأنطولوجي والمعرفي لله تعالى. أما القيم التي تُستخلص هي أسماء الله الحسنى وصفاته التي تتجلى في شكل محدود في هذا الواقع. فالجمال والعزة والخشية التي تنشأ من التمعن في تشكيل الصخور، بالإضافة إلى الاعتراف بالأساس الميتافيزيقي لهذه القيم التي تقع في معية الله، تشكل جوهر هذا المعنى الأولي.

معالجة المعاني من التصنيف الثالث

تُجرى معالجة جميع المعاني في الأساس من خلال (3) حال القلب كما هو موضح آنفًا. وعلى وجه التحديد، تتطلب المعاني من التصنيف الثالث بنية مفاهيمية أكثر تعقيدًا لا تزال صدأة. فبعض العدسات أصبحت صدأة، مما يجعلها تعمى عن هذه الطبقة من المعنى. ويقول ابن القيم: “فإذا تراكم عليه الصدأ وأسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا”. ([73])

وفي كثير من الأحيان يصف القرآن الكريم الحالة الروحية النفسية في بعض أولئك الذين لا يستطيعون إدراك النور الذي ينبثق من آيات الله. فهذا الواقع عبّر عنه القرآن الكريم قبل ذلك في الصفحة الثالثة منه:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}([74])

الحال مُلهم الإرادة

عندما يتشكل الحال من علمنا واجتهادنا وحسن خلقنا، فإنه يحفّز القلب ويولّد تجربة ظاهرية متمثلة في المقامات الروحية. فالمعاني المفهومة من آيات الله تعين القلب على التوكل والمثابرة والصبر والشكر والخوف والمحبة والرجاء. فالمرء يمر بهذه المقامات الروحية عندما يرى أسماء الله الحسنى وصفاته العلى من خلال آياته. ومن هذه المرحلة، تنشأ: (4) الإرادة (الطموحات والاختيارات والقرارات). ومن إرادة المرء وطموحاته يأتي (5) السلوك والعمل.

مـلخـص

ويخلص ابن القيم من نظريته العلاقة بين الفكر والسلوك،

“فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها له حتى قيل: تفكّر ساعة خير من عبادة سنة فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة ومن المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه ومن مرض الشهوة والإخلاد في هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور”. ([75])

إذًا فما هو حال من لا يتفكر؟ يطرح ابن القيم تشبيهًا جميلًا للقلب بأنه كقطعة أرض. إذ يمكن نمو بذور الأفكار، وإلا سيستولى عدوك الأكبر على الأرض ويبذر فيها ما يشاء:

“فإن الشيطان يصادف أرض القلب خالية فارغة فيبذر فيها حب الأفكار الردية، فيتولد منه الإرادات والعُزُم فيتولد منها العمل، فإذا صادف أرض القلب مشغولة ببذر الأفكار النافعة فيما خلق له وفيما أمر به وفيما هيء له وأُعد له من النعيم المقيم أو العذاب الأليم لم يجد لبذره موضعًا”. ([76])

القسم الرابع: نظام التأمل الإسلامي

ركزت الأقسام السابقة على عملية التفكير المرغوبة. وسيركز هذا القسم الختامي على محتوى التفكير المرغوب كذلك. ويذكر ابن القيم الفئات العامة الأربعة من الأفكار التي ينبغي زرعها بفعالية:([77])

  1. غاية محبوبة مرادة.
  2. طريق موصلة إلى تلك الغاية.
  3. مضرة مطلوبة الإعدام مكروهة.
  4. الطريق المفضي إليها الموقع عليها.

إذ ليس هناك شيء يضاهي الفكر المحايد. فالحياة كطريق موصل إلى وجهة معينة. وإذا رغب المرء في أي حين عدم التحرك نحو وجهته أثناء الرحلة، فهذا يعتبر مضيعة للوقت. ومن ثم فالإنسان في خُسر إلا إذا سعى مجتهدًا نحو غايته النهائية. ولقد صوّر القرآن الكريم ذلك بصورة جميلة:

{وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} (العصر: 1-3).

لذا فإن أي فكر يتخطى أي من الفئات الأربع المذكورة أعلاه فهو من الأفكار الردية. ([78])إنه يغذي الشر الموجود داخل الإنسان. ويدفع المرء نحو الفشل والخسران. فمفتاح الفوز في الدنيا والآخرة هو ضمان ملئ وعي الفرد بالأفكار الإيجابية التي تُفضي في نهاية المطاف إلى السلوكيات الإيجابية.

ويوضح ابن القيم أن كل طالب لشيء فهو محب له مؤثر لقربه ساعٍ في طريق تحصيله متوصل إليه بجهده. ([79]) فالدافع قائم مستمر حسب قوة الحب للغاية المبتغاة.

هذا الحب معزز بالفئات الأربع للفكر. والفئة الأولى من الأفكار الإيجابية في التفكر في هدف المرء الأكثر أهمية أو أكثرها محبة إلى قلبه. ويقسم ابن القيم هذه الأفكار إلى فئتين: (1) فكرته في جماله الجوهري، و (2) فكرته في النفع العائد منه.([80])

إن الغاية المحبوبة المرادة للإنسان هي الله المتعال السلام الحق. فالتفكير في صفات ذاته العليا يولّد الحب الذي يحفظ الدافع ويرسخه. فالتأمل في صفات الجمال والكمال والكبرياء والسلام والحب والرحمة والخير من خلال الآيات التي نشرها في جميع أنحاء أرضه سيبني أساس الحب والرحمة… ثم عليك تذكّر أن الله هو الذي خلقك أنت وجسدك وروحك ووجودك ومنحك هبة الحياة ذاتها. وقد رسّخ الحب والرعاية وصولاً إلى حب والديك ورعايتهما لك. إن الله هو الذي نجاك من المصاعب في حياتك وساعدك على تحقيق أهدافك. بل إن الله هو الذي أخرجك من ظلمات الدنيا إلى نوره جل وعلا.

ثم بعد ذلك ينتقل الإنسان من التفكير في غايته النهائية إلى التفكير في كيفية تحقيق هذه الغاية. إذا كان المرء يفكر في الله دومًا، فإنه يتوق إلى البحث عن إنشاء علاقة معه -عز وجل-. ثم تركز الأفكار على ما ييسر صعود المرء الروحي إلى الله أو ما يعوقه. وبما أن السلوك البشري يتحدد في الأساس من الدافع، فإن التفكير في عواقب الممكنات والمعوقات لهذه الغاية أمر بالغ الأهمية. وفي هذا استاق ابن القيم الثلاث فئات الأخرى من الأفكار. كما يضيف فئات فرعية ليكون الأمر أكثر تحديدًا. ويتألف النظام مما يلي: ([81])

  1. التفكر في الغاية المحبوبة مراده.

أ) فكرته في جماله وأوصافه.

ب) فكرته في أفعاله وإحسانه وبره ولطفه الدالة على كمال صفاته.

  1. الطريق المُفضي إليها الموقع عليها.

أ) وكذلك الفكرة في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثة أمور:

1) هل هذه الصفة محبوبة لله مرضية له أم لا؟

2) هل العبد متصف بها أم لا؟

3) فإن لم يكن متصفًا بها فما طريق اجتلائها والتخلق بها؟ وإذا كان متصفًا بها فما طريق حفظها ودوامها؟

  1. التفكر في الغاية المحبوبة مراده.([82])

أ) التفكر في قبحها

ب) تفكره في الألم والضرر الذي قد ينجم عن الغايات الردية.

  1. الطريق الموصلة لنهايات أكثر خَسْئًا ومن ثم العقاب.

أ) تفكره في صفات نفسه يميز له المحبوب لربه منها من المكروه له. وهذه الفكرة توجب ثلاثة أمور:

1) هل هذه الوصف مكروه مبغوض لله أم لا؟

2) إذا كان مكروهًا، فهل العبد متصف به أم لا؟

3) إن لم يكن متصفًا به فما طريق حفظ الحال والوقاية من الصفة المكروهة؟ وإذا كان متصفًا به فما طريق دفعه والعافية منه؟

فعندما أوردها ابن القيم جميعًا معًا، أوضح أن الفئة الأولى توجب زيادة حب المرء لله، أما الفئات المتبقية فتجعل المرء أشد حبًا لله. كما أنه يوجزها في النقاط الثلاث التالية: ([83])

  1. علم التوحيد وصفات الإله المعبود –سبحانه-وأفعاله؛
  2. الطريق الموصلة إليه؛
  3. قواطع الطريق الموصلة إليه.

وتتجسد عملية الفكر تلك في سورة الفاتحة ذاتها. فالآيات الأربع الأولى تتحدث إلى أسماء الله الحسنى وصفاته وعبادته وحده جل جلاله. أما الآيات الخامسة والسادسة تتحدث عن الصراط المستقيم الموجه إلى الله، والآية السابعة تتحدث عن الطريق المضلة البعيدة عنه سبحانه وتعالى.

الخـــلاصــة

مما له بالغ الأهمية في هذا العصر المعلوم بالإلهاء أنه علينا تحوّيل تركيزنا نحو العمق لاكتشاف أسرار العقل. فتجارب التفكر والوعي تمثل عوامل روحية عميقة ويمكن فتح عديد من الكنوز المخفية بداخلنا. بل إنها تمثل واحدة من أعظم معجزات هذا الكون. إنها أساس أهدافنا وطموحاتنا في هذه الحياة. إنها اللبنات الأساسية لعواطفنا التي تغمرنا. فمن خلال التأمل والتذكر والتفكر نستطيع بناء هياكل هائلة وشاسعة في قلوبنا من مادة المعرفة والفهم. وبهذه الطريقة، فإن البُنى المفاهيمية في داخلنا تماثل المساحات الخضراء الموجودة في هذه الدنيا. فالمباني والطرق تساعد سكان المدن على اجتياز العالم المادي للمادة. وعلى غرار ذلك، فإن البُنى المفاهيمية في داخلنا تمكّننا من اجتياز العالم الميتافيزيقي للمعنى. وتُعبر هياكل المعرفة عن المباني وعمليات التفكير (التفكر والتذكر والاعتبار) التي تمثل الطرق التي تربطها ببعضها البعض. وهي -مجتمعة-يمكنها ولادة حضارة ساطعة في قلوبنا تثري تجربتنا في هذا العالم.

إن الشريعة الإسلامية تحوي الكثير لتقدمه إلى مجال علم النفس البشري. وقد ركزنا في هذا المقال على الإدراك والمعرفة واستكشاف لبنات البناء وعملياته وأهدافه. وسنتناول في المقال الثاني من هذه السلسلة الدافع والسلوك وتحوّل الشخصية، بغية مواصلة بحثنا التمهيدي لعلم النفس الروحي الإسلامي.


[1]القرآن الكريم، 14:87

[2]القرآن الكريم، 9:91

[4]عادةً ما توصف مراتب القصد بالإشارة إلى البيت التالي من الشعر:

مراتب القصد خمس هاجس ذكروا

فخاطر فحديث النفس فاستمعا

يليه هم فعزم كلها رفعت

سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

هذا البيت يستشهد به مُفسر القرآن الكريم الشهير شهاب الدين الآلوسي (تُوفي 1270 هـ) في روح المعاني (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1985) المجلد 3. ص. 64 (شرح 2: 284). كما يستشهد به صديق حسن خان (تُوفي 1307 هـ) في فتح البيان في مقاصد القرآن وأنور شاه كشميري (توفي 1553 هـ) في فيض الباري.

[5] انظر أيضًا جيه. زارابوزو. تعليق على الاثنين وأربعين حديثًا للإمام النووي (المجلد 2، القسم) دنفر: البشير، 2009، ص. 1109.

[6]إي. بريشا. (2017). أخلاقيات الطبيعة في القرآن الكريمالإسلام والتجديد الحضاري،8،47-65.

[7]أليكس بانج. (2013). إدمان الإلهاء نيويورك: براون وشركاه. ص.5

[8]المرجع نفسه

[9]إيه. كلارك، دي. تشاملرز (1998). العقل الموسع دراسة تحليلية58(1)، 7-19

[10]فقدان الذاكرة الرقمي من الناحية العملية http://amnesia.kaspersky.com/

[11]إيه. تشيسا و إيه. سيرتي (2010). استعراض منهجي للخواص العصبية الحيوية والسريرية للتأملات الذهنية. الطب النفسي, 40(8)، 1239-1252

[12]دي. إي. مورمان، دبليو. بي. جوناس. (2002). تفكيك تأثير الدواء الوهمي وإيجاد الاستجابة الدلالية. تاريخ الطب الداخلي،136(6)، 471-476.

[13]م. البدري. (2000). التأمل: دراسة نفسية إسلامية. هرندون، فيرجينيا: المعهد الدولي للفكر الإسلامي، ص. 22

[14]المرجع نفسه:

[15]المرجع نفسه:

[16]أو. آر. ليتسي، جي. جي. جرغاني، إيه. إم. كاتس، ڨي. إيه. مكيني، إي. بي. راري، (2013). الإدراك التلقائي الإيجابي يتوسط العلاقة بين الشخصية والأثر الإيجابي للصفات. مجلة دراسات السعادة،14(1)، 115-134.

[17]م. أبو ليلى. (1990). في السعي نحو الفضيلة: علم اللاهوت الأخلاقي وعلم النفس لابن حزم الأندلسي. لندن: طه للنشر، ص 158.

[18]محمد بن إسماعيل البخاري. صحيح البخاري. (بيروت: دار طوق النجاة، 2002)، الجزء 7. ص. 46. رقم 5269

[19]القرآن الكريم، 286:2.

[20]م. البدري. ص. 23.

[21]القرآن الكريم، 1-114:6

[22]محمد البدري، ص. 23، ترجمة بن القيم. الفوائد. (بيروت: دار النفائس: 1981، ص. 173

[23]ابن الجوزي. تلبيس إبليس. (بيروت: دار الأقلام، 1982 ص.38).

[24]ابن القيم. عدة الصابرين. الدمام: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، 2012، ص.48.

[25]المرجع نفسه، ص. 51.

[26]القرآن الكريم، 16:50.

[27]ابن القيم. روضة المحبين. جدة: دار علم، الفوائد، 2010، ص, 245-246.

[28]المرجع نفسه، ص. 233.

[29]القرآن الكريم، 16:47

[30]القرآن الكريم، 23:53

[31]ابن القيم. روضة المحبين، ص. 235.

[32]القرآن الكريم، 53:12

[33]القرآن الكريم، 2:75.

[34]القرآن الكريم، 27:89-28

[35]مسلم بن الحجاج القشيري. صحيح مسلم…([بيروت]: دار إحياء الكتب العربية، 1955)، الجزء 4. 2168#2814.

[36]أبو عيسى محمد الترمذي. سنن الترمذي. (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998)، الجزء 5. ص. 69. رقم 2988

[37]القرآن الكريم، 28: 7

[38]الترمذي، سنن الترمذي، الجزء. 5 ص. 194، رقم 3127.

[39]القرآن الكريم، 75:15.

[40]ابن القيم. كتاب الروح. الإصدار 5. القاهرة: المكتبة التوفيقية، 2012.

[41]ابن القيم. مدارج السالكين. المنصورة: مكتبة الفياضة، 2013.

[42]المرجع نفسه، ص. 826.

[43]المرجع نفسه.

[44]المرجع نفسه، ص. 827.

[45]أشار عديد من علماء الحديث إلى ضعف تسلسل النقل في هذه الراوية، مثل الطبراني (المعجم الأوسط، مجلد 18، ص. 23)، والعقيلي (الضعفاء الكبير، مجلد 4، ص. 129)، ومواعظ ابن الجوزي (مجلد 3، ص. 389).

[46]ابن القيم، مدارج السالكين، ص827.

[47]لمرجع نفسه، ص. 828.

[48]المرجع نفسه.

[49]المرجع نفسه، ص. 829.

[50]المرجع نفسه، ص. 828.

[51]الغزالي. كيمياء السعادة [الإنترنت]: أورانج سكاي للنشر؛ ص.26 متاح في http://mehmetgok.com/orangesky

[52]المرجع نفسه.

[53]يشير إلى الرواية المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة تنزعج من الروائح المماثلة كما ينزعج البشر.

[54]م. هـ. كمالي، قراءة الآيات: منظور قرآني حول التفكير. الإسلام والعلوم،4 (2)، 141-164

[55]إم. ڨي. جيه. فينمان، بي. فان هوت وولترس، بي. أفلرباش،(2006). ما وراء المعرفة والتعلم: اعتبارات مفاهيمية ومنهجية. ما وراء المعرفة والتعلم،1،3-14.

[56]المرجع نفسه.

[57]ابن القيم.مفتاح دار السعادة. جدة: دار علم، الفوائد، 2011.

[58]المرجع نفسه

[59]ابن القيم، عدة الصابرينص. 93

[60]القرآن الكريم، 14:83.

[61]ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ص. 525

[62]المرجع نفسه، ص. 525.

[63]المرجع نفسه.

[64]المرجع نفسه، ص 524-525.

[65]المرجع نفسه، ص. 525.

[66]ابن القيم. شفاء العليل. القاهرة: دار التراث، ص. 526.

[67]القرآن الكريم، 6-5:94

[68]ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ص. 525

[69]القرآن الكريم، 35:24

[70]ابن القيم. ابن القيم الجوزية “الوابل الصيب من الكلم الطيب”. (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية 2007)، ص. 64.

[71]المرجع نفسه

[72]ابن القيم. ابن القيم الجوزية “الوابل الصيب من الكلم الطيب”. (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية 2007)، ص. 64.

[73]المرجع نفسه. ص. 47

[74]القرآن الكريم، 6:2

[75]المرجع نفسه، ص. 526-527.

[76]المرجع نفسه، ص. 527.

[77]المرجع نفسه، ص. 528.

[78]المرجع نفسه:

[79]المرجع نفسه، ص. 529.

[80]المرجع نفسه:

[81]المرجع نفسه، ص. 530.

[82]أدخلنا تعديلاً طفيفًا على هذه الفئة من المصدر لإعداد نظام أكثر تماسكًا. الأصل هو “التفكير في الضرر والعقاب” دون أي فئات فرعية.

[83]ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ص. 531

Avatar

Zohair Abdul-Rahman

Zohair Abdul-Rahman was born and raised in Toronto, Canada. B.Sc in Life Sciences with a minor in Psychology. M.Sc in the Scientific Method. Ijazah in Islamic theology and Hadith. Currently pursuing medical studies at the University of Queensland in Brisbane, Australia.