Yaqeen Institute for Islamic Research
Islamic-Spirituality-Hero

الروحانيات الإسلامية والصّحة العقلية

 مقدمة

لقد اهتمّ العلم الحديث اهتمامًا بالغًا بالتعاليم الموجودة في الديانات الشرقية القديمة كالبوذيّة، والكونفوشيوسيّة، والطّاويّة والهندوسيّة؛ ففي مجال علم النفس الإيجابي الحديث [1]نجد أن العديد منها أُستخدم لتعزيز الصّحة العامّة[2]، ومثال على ذلك، تمرين الحضور الذهني الّذي يمارسه البوذيّ والّذي يُعدّ خير دليل على التدخّل النفسي الحديث المشتق مباشرةً من الشرق، ومن خلال النظر لما كُتب عن هذا الموضوع، نكتشف عديد من الدراسات الّتي تناولت تأثيراتها العصبية وفوائدها العلاجية[3]. ولقد أدّت النتائج الرائعة لتلك الدراسات إلى إدراج طريقة “الحضور الذهني” ضمن العديد من بروتكولات علاج مختلف الاضطرابات الجسدية والنفسية.

بالرغم من كون التعاليم الروحانية في الإسلام محل نقاش إلّا أنها تُعدّ الأقلّ جدلًا بين الفلسفات الروحانية الرئيسة في العالم من حيث تأثيراتها القويّة على الصّحة. ففي العصر الحديث ولّت التعاليم الإسلامية-منفردة-اهتمامها نحو مذاهبها العقائدية مؤكدةً على مبادئها السياسية، والشعائرية والقانونية، متجاهلةً بذلك أبعادها الروحية والأخلاقية العميقة. ومن الناحية التاريخية بالرغم من تكريس العديد من علماء المسلمين حياتهم للتفكير في المسائل الروحية والنفسية للصّحة والرخاء الإنساني إلّا أنّ هذا البحث سيحاول إزاحة الستار عن بعض من الإرث المفقود للبرهنة على صلته بالنقاشات الحديثة المتعلّقة بالصّحة العقلية. ويُقسّم هذا البحث إلى جزأين (1) دور الروحانية في الصّحة الإنفعالية والعقلية (2) تحليل نفسي_روحاني للسّنّن النبويّة الموصوفة لأعراض القلق والإكتئاب.

دور الروحانية في الصّحة الإنفعالية والعقلية

يقول ابن حزم_ عالم مسلم أندلسي تُوفي عام 456 هجرية_ ” بحثت عن هدف مشترك بين الناس، اتفقوا أن يكافحوا من أجله، فلم أجد سوى أن جميعهم يقهرهم الحزن”[4]..

إن السعي وراء تحقيق التوازن الانفعالي والانغماس في القلق ما هو إلّا عادة مشتركة بين الناس ومستمرّة حتّى يومنا هذا. وبالرغم من التطور العلمي الهائل والتقدم الطبي خلال القرون القليلة الأخيرة، نلاحظ انخفاض مستويات الصّحة العقلية. وقد زادت معدلات الاكتئاب بين الأعوام 1988_2008 في الولايات المتحدة[5]. وتوصلت الدراسات إلى زيادة تعاطي مضادات الاكتئاب بنسبة بلغت 400% خلال تلك الفترة[6]. وتضاعفت معدلات الانتحار ثلاث مرّات بين الشباب ممن بلغت أعمارهم (15_24) في الفترة بين (1950_2000)[7]. وبالنسبة لفئة متوسطي العمر فإن حالات الانتحار زادت إلى نسبة بلغت 40% خلال الفترة من 1999 إلى 2016[8].

ما يثير الدهشة هو أن معدلات الانتحار في البلدان الغنية أعلى منها في البلدان الفقيرة[9]. حيث أشارت الدراسة التي شملت ثقافات متعددة من 132 بلدًا وما يقرب من 140ألف فردًا أنه بالرغم من ورود تقارير تفيد بارتفاع معدلات المناطق الغنية إلّا أنه، مقارنة بالدول الفقيرة، تُعد معدلات الشعور بمعنى الحياة منخفضة[10]. وأفادت تقارير بأن شعوب الدول الفقيرة مثل النيجر وتوجو يشعرون بمعنى الحياة لكنهم لا يشعرون بالسعادة[11]. ويعني هذا أن السعادة لا تفسر التباين في معدلات الانتحار[12]. بينما الشيء الّذي يفسر الأمر بين الدول هو قابلية المواطنين لتحقيق معنى وغرض في الحياة.[13]

  إن استخلاص معنى من العالم هو جوهر الروحانية.[14] لذا فالدراسات تشير إلى القيمة العظيمة الّتي تقدّمها الروحانية لتنظيم عدم التوازن في المشاعر. وأن تطوير روحانية الفرد أكثر أهمية من الإنجازات المالية. وأن الناس غالبًا يعتقدون أن لحظات السعادة العابرة تأتي عن طريق المتعة، والثروة، والممتلكات الّتي سوف تمكّنهم من الهروب من همهماتهم (القلق).  يعلق ابن حزم على الأمر قائلًا:

عندما تطيل التفكير في شأن هذا العالم، ستشعر بالحيرة وحتمًا سيقودك تفكيرك إلى إدراك أن كلّ شيء في هذه الحياة إلى زوال، وبالتالي عليك إدراك أن الهدف الحقيقي الّذي تسعى وراءه هو الآخرة حيث الخلود. لأن كل أحلامك وطموحاتك في هذا العالم تنتهي بالحزن؛ فإما أن تُسلب منك طموحاتك أو أن تضطر للتنازل عن أهدافك؛ وكلاهما مآله الحزن ولا مفرّ منهما إلّا إلى الله. وفي هذه الحالة، يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة. وتتلاشى همومه كثيرًا عند مقارنتها بهموم الآخرين.  حيث الخلود في الجنة الذي يسعى وراءه الصديق والعدو على حد سواء.[15]

ويشير ابن حزم إلى طبيعة هذا العالم الزائل حتمًا ستُنهي أزمات الإنسان الوجودية. وأن السعي لإيجاد المعنى هو طريقنا للهروب من الهاوية. إنها تجربة روحية ترتكز على استكشاف ما يجعل أرواحنا تستحق الحياة.

الذكاء الروحي والقدرة على مواكبة الأحداث اليومية

يعتقد بعض الناس أن الأمراض العقلية والحالات الانفعالية تعود لأسباب بيولوجية بحتة. ولكن إذا تدخّلت العناصر البيولوجية في مشاعرنا وعقولنا فهذا لا يعني أنها الوحيدة، حيث توصّل علم النفس الحديث إلى أن الروحانية تُشكّل جزءًا من جوهر العقل البشري. وفي هذا السياق يقترح عالم النفس الأميركي البروفسور روبرت إيمونز، أنه ينبغي اعتبار الروحانية نوعًا مستقلًا من العلوم الإنسانية،[16] وأن الذكاء الروحي في جوهره يعني قدرة الإنسان على مسايرة العالم من حوله واكتشاف معناه ومغزاه. وتتضمّن تلك المسايرة -في الإسلام-التأمل في آيات الله من حولنا واستخلاص العِبر الّتي تطلعنا بكيفية التصرف والتفكير والشعور. على سبيل المثال عند نظر الإنسان للتغيّر الذي يحدث للأشجار خلال فصل الخريف، فإنه ينظر إليه على أنه آية من آيات الله، وربما يجعله يتدبر الطبيعة الذائلة للعالم، ويشجّعه للوصول لأهداف أسمى في الحياة. أو ربما تكون الألوان المختلفة إلهامًا لبصيرته وكشف جمال التنوع البشري. وعندما يخوض إنسان ذو ذكاء روحي سامٍ غمار الحياة يستخلص عقله تدريجيًا المعنى الإيجابي والمغزى من الأحداث الّتي تتكشّف أمامه. ويعزز ذلك الحالات الروحية الإيجابية كالإلهام، والتفاؤل، والإمتنان والمثابرة.

أمّا الإنسان صاحب معدلات الذكاء الروحي المنخفضة فإنه إمّا يدرك معانٍ غير حقيقية من العالم حوله أو يفشل أيضًا في التعرّف على آيات الله. ويدعّم ذلك حالات الغضب، والغيرة، والغرور والتكبّر. وأفضل مثال لهذا الشخص هو ما يخبرنا به القرآن الكريم عن الرجل صاحب الجنتين. فبعد وصف طبيعة الجنتين الساحرة يذكر القرآن المفاهيم الكاذبة الّتي استخلصها الرجل منها بسبب ضعف ذكائه الروحي.

فقال ” مَا أَظًنًّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. ومَا أظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبَّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا”[17] 

وبعد مرور سنوات على الجنتين، فشل الرجل في فهم آيات الله البيّنات في تعاقب الفصول، ودورة الموت والنشور المستمرّة. ألا ينبغي أن يوجهه ذلك ليدرك طبيعة حياته المؤقتة، وسهولة فقدان ما يملكه. أيضًا ألم يفطن أن دورة الموت والنشور ما هي إلّا آية على وجود الآخرة.

وهنا يأتي دور صاحبه التقّي صاحب الذكاء الروحي مفسرًا ما يُستخلص من الآيات.

“وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إلّا بِالله “[18]

في مجالات علم النفس السريري وعلم الأمراض النفسية والعقلية بدأ الأطباء الممارسون وضع تعريف للدور الروحاني أنه جزء ضروري للوقاية والعلاج من الأمراض العقلية. في بحث نُشر في”Journal of Family Practice” أفاد المؤلفون ” … ينبغي مُعالجة المسائل الروحية للحالة المرضية لأن لها تأثير إيجابي على الصّحة والسلوك. ونحن (المؤلفون) نوصي بأن يُضمّ علم النفس البيولوجي الاجتماعي-الروحي للنموذج الطبي، إن أمكن.” [19]

وأظهر العرض الممنهج لدراساتٍ متعددةٍ (الذي يمثل واحدًا من أعلى مستويات الأدلة السريرية)[20] أن ارتفاع مستويات الأخلاق والطاعة في مرحلة البلوغ يرتبط بمن بالصحة العقلية المثالية.[21] وكما نلاحظ، يتضح أن الأخلاق والبحث عن معنى لهما أهميتهما الشديدة في التزويد برعاية صّحية عقلية مثالية.

إنَّ نزعات الأخلاق والقوى لها خصائص وقائية وعلاجية قوية جدًا.

وفي هذا الصدد يقول ابن القّيم (تُوفي عام 751هجرية)  

إن الماضي لا يتغير أو يُصحح بالحزن لكن بالرضا، والحمد، والصبر، والإيمان بالقدر والإقرار اللفظي بأن كل ما يحدث من عند الله: «قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ»[22] 

هناك مجموعة كبيرة من المؤلفات في مجال علم النفس الإيجابي تربط بين التنظيم الذاتي والرضا ووجود أمراض عقلية أقلّ؛ والتنظيم الذاتي هو الرغبة القوية الّتي تمكّن الإنسان من التصرّف وفقًا لقيمه والفوائد طويلة المدى بغضّ النظر عن أعبائها الّتي تثقل كاهله أو النشوة قصيرة المدى.[23] ويظهر هذا المبدأ في الإسلام في الصبر الّذي يشير إليه ابن القّيم لغويًّا في ثلاثة معانٍ هي الردع والقوة والبناء.[24] ويفسر ابن القّيم الصبر بأنه قوة الإرادة الّتي تمكّن الإنسان من التصرّف بطريقة تعود عليه بالفائدة.[25]

إن مبدأ التنظيم الذاتي له مدلول هام للغاية إلى الحد الّذي جعل دكتور تيموثي جي. سترامام يفترض أن الاكتئاب السريري هو نتيجة خلل فيه.[26] أمّا عن مبدأ الرضا(الشكر): أظهرت دراسة، تربط الرضا بالعديد من وسائل الصّحة الذاتية المختلفة، أن له علاقة عكسية مع عديد من حالات عدم الشعور بالسعادة، وأن أكثر العلاقات سلبية هي الناتجة عن الاكتئاب.[27]

إن الروحانية عنصر مهم لتعافي ووقاية العقل. تحتوي التعاليم الروحية الإسلامية على عديد من الممارسات والمعتقدات المختلفة الّتي يمكن استغلالها في سبيل الإستشفاء. وبدلًا من عرضها جميعًا سنركز على ممارسة واحدة للقضاء على القلق وأعراض الاكتئاب، ألا وهو الدعاء.

تحليل نفسي روحاني للسُنّة النبوية الموصوفة للقلق وأعراض الإكتئاب

 يقول الرسولﷺ

” اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي”[28])

وقبل التعمق في تحليل الدعاء سنوضح العناوين الرئيسية المُشار إليها. عند الإشارة إلى حالات القلق والاكتئاب فإنه ليس من الضروري الإشارة لها في الإطار التحليلي للحالة المزاجية أو اضطرابات القلق، فالقلق والاكتئاب لا يُعدّا دليلًا على المرض العقلي إلّا إذا توفّرت معايير تحليلية مُعيَنة. في واقع الأمر وغالبًا يمكن لحالات القلق والاكتئاب تشكيل استجابة انفعالية فعّالة للظروف الحياتية المُرهِقة.

وينبغي أيضًا توضيح أننا لا نقترح أن يكون العلاج النفسي-الروحاني في الأدعية النبوية بديلًا عن العلاج الحديث، فليست لدينا النية في التقليل من قيمة العنصر البيولوجي في العلاج ولكن، ما يثير الدهشة استيعاب العالم المسلم ابن القّيم هذا التوازن الدقيق قبل قرون من ظهور الطب النفسي الحديث.

يقول ابن القّيم: والنوع الثاني مرض مؤلم له في الحال، كالهمّ والغمّ والحَزَن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يُضاد تلك الأسباب؛ ويدفع مُوجَبها مع قيامها، كما أن القلب يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن؛ فكذلك البدن يتألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويُشقيه ما يُشقيه. [29]

من الجدير بالملاحظة أن المرونة العصبية في الدماغ وغالبًا، التغيّرات الجوهرية في الأفكار والإتجاهات والمشاعر الناتجة عن العلاج الروحاني والإدراكي بإمكانها إحداث تغييرات في التشابك العصبي الكيميائي وذلك من شأنه تقليل الحاجة إلى التدخل الدوائي المكثف.[30]

الدعاء باعتباره علاج نفسي

 على النقيض من المفاهيم الأخرى للدعاء الّتي غالبًا ما تحصره في الرقية والدعاء بتحقيق الأمنيات، يُعد مفهوم الدعاء أكثر عمقًا من ذلك. في الواقع إن أغلبية الأدعية وأكثرها قوة في القرآن لا تطلب من الله شيئًا، بل هي مجرد كلمات صادقة متواضعة للرد على الابتلاءات والمحن. على سبيل المثال، عندما ابتُلى النبي أيوب عليه السلام بالمرض الخطير والفقر دعا ربّه قائلًا:

“… أَنّيِ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنَتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيِنَ” [31]

يمثل الدعاء في التعاليم الإسلامية وسيلة للمسلمين للقضاء على البلبلة التي تصادفهم في الحياة، وإدراك الحقيقة ليعمّ النظام. إنه طريقة يجد من خلالها المؤمنون المعنى الّذي يقوي الأساس الرئيسي لمعتقدهم وكوسيلة لمواجهة الأحداث الجارية في حيواتهم.

يسلم علم النفس السريري بالأهمية العلاجية لتغيير المعتقد الرئيسي للمريض الّذي يُعاني من أمراض عقلية. ويُعدّ العلاج السُّلوكي المعرفي (CBT) أحد طرق العلاج النفسي الأوسع انتشارًا، حيث تقوم فكرته على تشجيع المعتقدات الإيجابية والسلوك اللذان يغيرا المعتقدات والسلوكيات السلبية. ” إنه في الأساس برنامج مشترك ومعدل بحيث يساعد الأشخاص على التعرّف على السلوكيات والأفكار غير المجدّية وتعلّم أو إعادة تعلّم عادات ومهارات أكثر فائدة.”[32]

تحليل

يُمكن تقسّيم الدعاء إلى أربعة عناصر، سنكشف السّمة الروحية العميقة لكلّ منها، ونبحث أهميتها للصّحة العقلية.

1_ ” اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ”

إن الإحساس القوي بالوعي الذاتي من أهمّ العوامل الّتي تساهم في الصّحة بشكل عام. ويبدأ الدعاء بوعي ذاتي حقيقي مُكتسَب وفهم للدور الرئيسي للإنسان في هذا العالم. يفهم الإنسان ذاته من خلال علاقاته مع الآخرين؛ فنحن عالقون داخل شبكة اجتماعية مُعقَدة تعتمد أدوارنا المختلفة فيها على من نتعامل معهم. فإذا كنا مع أباءنا فنحن نتصرف ونفكر على نحو مختلف في حال كوننا مع أصدقائنا، ونتعامل بشخصيات مختلفة وفقًا للموقف الّذي نتعرض له. وتُسّمى العملية الّتي يغيّر الفرد فيها شخصيته إلى أخرى تلائم الموقف الاجتماعي الموضوع فيه بالرصد الذاتي. [33] يثير ذلك تساؤلًا حول أي الشخصيات هي شخصيتك الحقيقة؟ هل هي حين تكون مع أصدقائك؟ أو في عملك؟ أو مع عائلتك؟ يُذكّرنا هذا الدعاء بأن شخصيتك الحقيقية هي “عبوديتك أنت لله”. وهذه الشخصية ليست هوية مستقلة بل هي الشخصية الّتي ينبغي أن تؤثر في شخصياتك الأخرى وتعلمها.

وبعد ما تقدم، لا يُعتبر تغيّر شخصيات الفرد وفقًا للموقف الاجتماعي أمرًا سلبيًا بالضرورة. إن قيامنا بأدوار مختلفة في هذا العالم عمومًا يمكّننا من الحصول على ما نتمنى؛ فنحن نلعب دور الموظف، ونؤدي مهامنا اليومية ونتقاضى رواتبنا. كما نقوم بدورنا كأصدقاء ونتفاعل بإيجابية مع أصدقائنا فينتج عن هذا الضحك والمتعة والسعادة. وعند قيامنا بدور الآباء يمكننا أن نُعلم أبناءنا. ولكن حال التصرف كموظف عند تعاملك مع ابنك فالنتيجة هي أبوة فاشلة، وإذا تعاملت كأب مع أصدقائك فهي صداقة فاشلة أيضًا. من الواجب معرفة الدور الذي نمارسه عند تعاملنا في علاقاتنا وحياتنا حتى نكون ناجحين.

إذا لم نعرف الدور الواجب ممارسته فما هي النتيجة؟ هذا عادةً ما يحدث في بدايات القلق. يقلق الشخص بشأن مستقبله لأنه لا يدرك كيفية التصرف بالشكل الّذي يلبي احتياجاته، وتفشل كل شخصياته لعدم تأكدها من الدور المحدد. وكما أشرنا سابقًا، يقودنا الدعاء لمعرفة أن الدور الرئيسي الّذي يحكم كلّ أدوارنا هو عبادة الله. فعند تصّرفنا في هذا العالم كعباد لله العَلّيِ، سيتضح لنا كيفية التعامل في أيّ من مواقف الحياة؛ متّى نخطيء نسارع بالإستغفار لله لأننا عباد الله (الغفور)، ومتّى يقع الظلم ننشر العدالة لأننا عباد الله (المقسط)، ومتّى يخاطبنا الجهلاء بالسفاهات لا نقول إلّا سلامًا لأننا عباد الله (الرحمن)، ومتّى كنّا قلقين بشأن المستقبل لا نتوكل إلّا على الّذي يتحكّم في المقادير لأننا عباد الّذي يصرّف الأمور(الوكيل).

المفهوم الإسلامي لعبادة الله

ربما يرى الإنسان أن أفكارًا كالعبادة والتسليم ما هي إلّا نوعًا من إنكار الذات أو الذّل، ومع ذلك فالعبادة والتسليم لله هما أكثر المفاهيم المتمكّنة في الإسلام. فهما يمثلان مصدر حريتنا في هذا العالم، وطريق هروبنا من القيود. فإعلاننا عبادتنا لله يعني إعلاننا حريتنا واستقلالنا عن أيّ شيء آخر في هذا العالم. وبهذا نعلن حريتنا واستقلالنا عن أيّما شيء قد يعرّضنا للحزن كعلاقتنا الأحبّ إلينا، ومَن نكنّ لهم حبًّا، وممتلكاتنا، والوظيفة الّتي كدحنا من أجلها، والاحترام الّذي حظينا به، كلّ هذا يمكن فقده في غمضة عين. توضح آيات القرآن الكريم هذا الواقع في أجمل مغزى أخلاقي:

” اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”[34]

كما ورد في القرآن إن كلّ شيء في هذه الحياة زائل. وحينما يصبح ” النبات مصفرًا” نجد أنفسنا مكتوفي الأيدي، ومفاهيمنا عن الحياة ستُعلّق بهذا العالم حتى إذا تلاشى فقدنا أنفسنا. بينما تعلقنا بالله يعني أن نكون المحور ونهاية المطاف في الحياة. عندما نخضع ونسلم لله نسعد بما نفقد ونحرر أنفسنا من استعبادنا النفسي.

يوضح دكتور نذير خان، مفكر معاصر في الروحانية الإسلامية، تطورات الاستعباد النفسي في العصر الحديث قائلًا:

“إن تجميل الشخص نفسه تعبير سليم عن الحرية ولكن، بالطبع، نحن نشهد تحقير مزعج للذات استفحل في الثقافة التجميلية المعاصرة…ربما تشكّل النسبة الكبيرة الآملة في الخضوع للعمليات الجراحية لتغيير شكل مفهوم الحرية البدنية للبعض ولكن الأمر يثير القلق بشأن الاستعباد النفسي.[35]

ما نريده ونأمله هو تنظيم وتحجيم أفكارنا بموجة بحر ثقافية وترويجية هائلة تجتاح عقولنا منذ الطفولة.[36]

يتجلى الاستعباد النفسي في هوس المتعة، والوهم والخيال. منذ عقدين مضيا، لاحظ أحد المؤلفين أن متوسط الوقت الّذي يقضيه طفل أمريكي في مشاهدة التلفاز في عمر السادسة أكثر من الوقت الّذي يتحدّث فيه مع والده طوال الحياة.[37]

الفيزيولوجيا العصبية للعبادة

من المثير للإهتمام أن يكون للراحة والسكينة اللتين نشعر بهما عند تسليم أمورنا لله آثارًا عميقة على دماغنا البيولوجية. وقد ركّزت بعض الأعمال الأوّلية على التدقيق في تأثيرات الفيزيولوجيا العصبية للصلاة والذِكر.[38] وبإجراء تصوير تشخيصي لأعصاب مسلمين يؤدون الفريضتين وقياس معدل تدفق الدم الدماغي لهم توصل الباحثون أن الفريضتين مرتبطتين بانخفاض نشاط الفص الجبهي (الفص الأمامي). ويُعتقد أن قشرة الفص الأمامي تلعب دورًا في الوظيفية التنفيذية الّتي تشمل الإرادة وصناعة القرار. ويرجّح المؤلفون أن فريضة تسليم أمورنا لله الموجودة في الممارسات الإسلامية قد تكمن وراء انخفاض نشاط الفص الجبهي المذكور في هذه الدراسة.

وتُعدّ المقارنة بين الصلاة الآلية المُؤداة بدون خشوع والصلاة الّتي يحضرها الذهن هي واحدة من السّمات المميزة لهذا التدقيق. فالصلاة بدون خشوع لها تأثير ضئيل في تغيير النشاط العقلي مقارنة بالنشاط اليومي. ووُجد أن تغيير جذري يحدث للفيزيزلوجيا العصبية متمثّل في انخفاض نشاط الفص الجبهي، وزيادة نشاط العصبية القاعدية (يحتوي على نظام المكافأة للعقل) والتلفيف الحزامي (القشرة الحزامية الأمامية) في حالة الخشوع والاستيعاب الداخلي لمشاعر التسليم والخضوع لله.

وفيما يتعلّق بالنقطة الأخيرة، علق الباحثون قائلين “تقوم وظيفة التلفيف الحزامي على تنظيم المشاعر، والتعلّم والذاكرة، وتلعب دورًا رئيسيًا في تقليل الشعور بالقلق والانزعاج، وتعزز الشعور الانفعالي والاجتماعي.[39] 

  

شكل1: تصوير للمخ بالنويدات المشعة (باستخدام Technetium- 99m exametazime) يبين لقطات دقيقة للدم الدماغي ألتُقطت بعد خمس دقائق فقط من الصلاة الإسلامية. على اليسار، النشاط المخي عند الصلاة بدون خشوع، وعلى اليمين مع الخشوع، انخفاض نشاط القشرة الجبهية، وزيادة نشاط التلفيف الحزامي والعصبية القاعدية. الصورة من Newberg et al. 2015.

ينتج شعور بالخضوع عن الذكر بينما أخذنا الصلاة لتكون محور حديثنا لإرتباطها بانخفاض نشاط الفص الجبهي. ويؤكد افتراض أرني ديتريش (عام 2006) أن انخفاض نشاط مقدمة الدماغ بإمكانه التأثير علاجيًا على أمراض عقلية معينة كالاكتئاب، والقلق، وأمراض الهوس والوسواس القهري واضطرابات ما بعد الصدمات(PTSD).[40]

وكذلك ترتبط قشرة الفص الجبهي بالاستجابات الانفعالية والانتباه، لذا، يمكن للانتباه المفرط واليقظة الحادّة المرتبطتين بالنشاط العالي لتلك المنطقة أن يقودا إلى مرحلة متقدّمة من القلق. وتؤكد النظرية أن انخفاض نشاط منطقة الجبهة الأمامي من شأنه أن يمدّنا بأعراض الإغاثة، ويمكن نهج نفس الطريق لتفسير أمراض الاكتئاب والهوس والوسواس القهري(OCD).[41]

ويعلق بدر الدين العيني (تُوفي 855 هجرية) في تفسيره لهذا الدعاء على أهمية الخضوع قائلًا بأنه من المذهل أن يبدأ هذا الدعاء من النبي محمد ﷺبهذه الجملة القوية عن التسليم.

وفي هذه الكلمة يتجلى كمال الخضوع، والتواضع والعرفان [طاعة الله]، لأنه لم يقل فقط “إني عبدك” ولكنه أكّد الأمر أكثر قائلًا “وابن عبدك وابن أمتك”. وهذا يعني التأكيد الكلي على الخضوع وطاعة الله، وهذا لأن من يعبد الله وحده ليس كمن يعبده مع أبيه.[42]

روحانيًا، تنتج مشاعر سكينة وثقة قوية عن التسليم لله (التوكّل). أمّا بيولوجيًا، يرتبط هذا بانخفاض تدفق الدم في منطقة الفص الجبهي، فتكون النتيجة توقف رغبة الشخص في التحكّم والسيطرة. وأيضًا أظهرت الدراسة الفيزيولوجية العصبية الّتي أُجريت على الصلاة ارتباطها بانخفاض تدفق الدمّ في النواة الذنبية[43]، المنطقة المسؤولة عن نظام المكافأة في المخ[44]. قد يرتبط هذا بالسعادة الّتي يشعر بها المؤمنون عندما يعلنوا طاعتهم لله. لذا، تقدّم الصلاة أسلوب علاجي إيجابي كما ورد عن الرسول محمد :

عَنْ حُذَيْفَة، قَالَ: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ “.[45]

الصلاة هي تلك العبادة العظيمة التي يقف فيها الإنسان بين يدي ربه خاشعًا متضرعًا تاركًا الدنيا وراء ظهره. فشعائر الصلاة في حد ذاتها تشتمل على عبارات تدل على الانفصال التام عن الدنيا والخشوع والإقبال على الله عز وجل، كقوله تعالى: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ”. كما تشتمل أيضًا على الدعاء بالهداية لإخراج الإنسان من الظلمات إلي النور وهدايته إلى الطريق المستقيم كقوله تعالى، “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ” يوضح ابن القيم في كتابه” أسرار الصلاة ” كيف تؤثر مظاهر الصلاة وهي عبارة عن حركات جسدية على أرواحنا. إنها العبودية التي توحد اللسان والأطراف والروح وتجعلهم في تناغم تام. فهيئة السجود والركوع تعبر تعبيرًا جليًا على مدى خضوعنا لله عز وجل وتوكلنا عليه. كما تعبر هيئة القيام على تلك القوة التي ينعم الله بها علينا إذا ما أقبلنا عليه. ويلعب التناغم بين الجسد والروح حال الخشوع لله عز وجل دورًا في تخفيف الضغوط التي تشغل البال، والسماح للعباد بإدراك الغاية الأساسية من الحياة ومن اتصالهم بجميع المخلوقات. فعند وقوف الإنسان بين يدي الله عز وجل واستشعار وجوده سيتمكن من إدراك صلته بباقي المخلوقات، والتي تتمثل في كونهم جميعا عباد الرحمن.

ففي الواقع، إن مفهوم الخضوع يتمثل في الإيمان الكامل والنظام السلوكي للتعاليم الروحية الإسلامية. ويُعد ذلك هو المعنى اللغوي لكلمة “إسلام” وهو أساس العبادة. وقد يعتبر ذلك المفهوم القوي وقائيًا وعلاجيًا في مجال الصحة النفسية.

٢_ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك.

واستكمالا للحديث عن الخضوع إلى الله عز وجل في الفصل السابق، يستند هذا الشطر من الدعاء إلى مفهوم القضاء الإلهي (القدر). يعتبر القدر مفهومًا قويًا في الإسلام يتيح للإنسان فرصة التعلم من الأخطاء التي ارتكبها والمصائب التي ألمت به.

يذكرنا هذا الشطر من الدعاء أن كل شيء حدث في حياة الإنسان ما هو إلا قضاء الله وحكمه. حتما، لا يحكم الله إلا بالحكمة والعدل والرحمة.

وشرح بدر الدين العيني ذلك قائلًا:” كلما تحكم في فهو عدل لأن العدل صفتك “. [46]

كما وردت تلك الحقيقة أيضًا في حديث نبوي عن أبي يحيى صهيب بن سنان -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)).[47]

فنحن نصبر ونحتسب حال علمنا أن الابتلاءات التي تلم بنا ليست عبثًا، بل هي من حكمة الله عز وجل في حياتنا.فإيماننا الكامل بقضاء الله والقدر خيره وشره يعصمنا من طرح تلك الأسئلة التشككية أو مجرد التفكير بها كـ”لماذا أنا بالذات؟” “ماذا فعلت لأستحق هذا؟” والتي لا تجدي نفعًا بل تشعرنا بالمزيد من الضيق في حياتنا. لذا بدلًا من التفكير في ذلك لا بد إدراك أن ذلك ما هو إلا قضاء الواحد الصمد الذي لا يحكم إلا بالحكمة والعدل. فكل ما حدث أو سيحدث ليس هباءً بل ذو معنى وحكمه يعلمها الله وحده. لذا لا بد من توجيه تفكيرنا نحو اكتشاف “ماذا يمكنني أن أتعلم من هذا؟”، و”كيف يمكنني استغلال ذلك بإيجابية؟”

فالقدرة على إيجاد المعنى من الابتلاء يُعد من الفضائل الأساسية التي تحمينا من الاكتئاب والقلق عند الشدائد. يقدم فيكتور فرانكل، أحد الناجين من المحرقة في معسكر أسوشيتز للاعتقال، في كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى” [48]طريقة العلاج النفسي المبنية علي إيجاد المعنى والتي ساعدته و غيره علي تحمل الفظائع التي ألمت بهم.

يعتبر إدراك الحقيقة وتنمية الفضيلة هي الطريقة التي تساعد الإنسان على المثابرة عند الشدائد وإيجاد المغزى منها. توجد الكثير من القصص الإسلامية التي توضح قدرة الإنسان في مواجهة الشدائد. فعلي سبيل المثال، عندما أُلقي النبي يونس في وسط المحيط الواسع في ظلمة الليل الحالك، دعا ربه قائلًا:  لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ “[49]. وعندما أُلقي النبي إبراهيم في حفرة النار، قال: “حسبي الله ونعم الوكيل”[50]، وعندما أخرج سيدنا آدم من الجنة، دعا ربه قائلًا: ” رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [51]

ومن المثير للاهتمام أنه في ظل ظروف عصيبة كتلك التي عاشها الأنبياء، لم يطلبوا من الله شيء في دعائهم. وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة، تمكن الأنبياء من إدراك الحقيقة في مواجهة المصائب. فهذه القصص عبرة لنا نصل من خلالها للحقيقة التي ينبغي علينا إدراكها في خضم حياتنا وتجاربنا.  إدراك أن هذه الحياة ما هي إلا حياة فوضوية بلا معنى ولا هدف إذا لم نرجع ونستسلم لله عز وجل كما رأينا في قصة سيدنا يونس.  إدراك كمال الله عز وجل والذي يتجلى عندما نكون في أكثر أوضاعنا ضعفًا كما شوهدت شجاعة سيدنا إبراهيم الهائلة. ويظهر احتياجنا وفقرنا الشديد أمام الله في أسوأ حالات فشلنا كما فى قصة صعود و هبوط سيدنا آدم عليه السلام. فقط من خلال تلك المدركات والتعبيرات للحقيقة يخرجنا الله من الظلمات إلى النور .

٣_أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك

يعرف تشارلز شنيدر، أحد علماء علم النفس الإيجابي البارزين في دراسة عن الأمل، الأمل بأنه “حالة تحفيزية إيجابية تستند إلى الشعور المستمد من قوة الإرادة والمقومات الناجحة “. [52]ينص هذا التعريف بشكل جوهري على أن الأمل يتضمن التحلى بالإرادة القوية و السبل الناجحة. وتشير الإرادة إلى أن الإنسان يستطيع التحكم في دفة حياته في المستقبل والتأثير عليها. وتُشير السبل أن الإنسان يمتلك كل الوسائل التي تمكنه من تحقيق أهدافه. 

وقد رأينا في الحديث السابق عن الدعاء، أننا نستمد قوة إرادتنا من قوة الله عز وجل. فنحن نُسلم أمورنا ورغباتنا لقضاء الله وقدره. وفى هذا الفصل، سندرك ما هي الوسائل والسبل المتاحة لنا لتغير نمط حياتنا. تُمثل أسماء الله الحسنى وصفاته العلى الحلول لجميع ما يؤرقنا في هذه الحياة. فعندما يتملكنا الندم والضيق إزاء ما ارتكبناه من معاصي في الماضي، ندرك حينها أن الله هو الغفور (الذي يغفر الذنوب جميعًا لمن شاء من عباده). ولو كنا على وشك فقدان منزلنا، وغير قادرين على سد احتياجات عوائلنا، نتوجه بالدعاء إلى الرزاق (خالق الرزق وأسبابه ومقدر الأرزاق). وعندما تتكالب المصائب وتتوالى علينا مجتمعة حتى تضيق الأرض بما رحبت وتبدو لنا الحياة بأنها لن تستقيم أبدًا، فمن يمدنا بالقوة لتحمل كل هذا إلا القادر عز وجل (القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، ولا يفوته مطلوب). فإذا وجدنا أنفسنا حائرين وقد أغلقت جميع الأبواب في وجوهنا، علينا ألا نيأس أبدًا من رحمة الله.

ودائما ما يرتبط التفاؤل بأعلى مستويات النجاح الأكاديمي، والصحة الجسدية والنفسية.[53] فيعتبر التفاؤل للإنسان بمثابة وسيلة قوية يتحدى به الحياة في أحلك الظروف. وفى الشريعة الإسلامية يُعد الرجاء فى رحمة الله أحد أقوى العوامل الروحانية. والذي وصفه ابن القيم بأنه أحد أجنحة المؤمنين، حيث قال:” القلب فى سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران “. [54]

يمنح الأمل الإنسان تلك القوة لتجاوز المحن ومن ثم يتيح له الفرصة للاستمتاع بحياة أفضل، فعند الوقوع بكرب شديد ونجد أنفسنا نواجهه بمفردنا وقد تخلى عنا القريب والبعيد، نُدرك أنه لا ملجأ ولا عاصم لنا إلا الله.

يولّد هذا الشطر من الدعاء بتأكيده علي أسماء الله الحسنى وصفاته شعورًا فياضًا بداخلنا بخشية الله عز وجل. فبوصف عديد من الصفات الثبوتية والذاتية لله عز وجل، يدرك المرء مدى عظمة الله عز وجل. ويلعب هذا الشعور القوي بخشية الله دورًا إيجابيًا فى مجال الصحة النفسية. وضح الدكتور جوناثان هايدت أهمية وحقيقة الرهبة ووصفها بأنها تتضمن عملية معرفية على مرحلتين[55]: الأولى هي تجربة اتساع أفق التفكير؛ الاتساع هو أي شيء يُعرض على العقل ويفوق القوى العقلية للشخص. المرحلة الثانية هي التكيف فعند شروع الشخص في فكرة موسعة أعلي مما تتحمله بنيته العقلية، يقوم العقل بالتكيف وتقبل ذلك الفكر. هناك تعديلات تُجرى على البنية العقلية لكي تسمح للعقل بتقبل تلك الحقائق التى لم يعرف عنها شيء ولم يشهدها من قبل. وعند الشدائد، تصبح المعرفة الحالية لدى الشخص غير كافية. فالشعور بالخشية فى تلك الأوقات يجعل الشخص يشعر بأنه ولد من جديد وينور عقله، يعلم معرفة جديدة تمكنه من استخدامها في حل الأزمة الراهنة.

وهذا يتعلق بحديثنا عن الحقائق التي ندركها في الابتلاءات التي تصيبنا. فعندما يدعو الناس ربهم بأسمائه وصفاته العلى، يقودهم ذلك للتفكر في مظاهر حياتهم، فتنشرح صدورهم من جمال الشعور بخشية الله التي تفيض عليهم.  

ومن ثم تساعدهم في رحلتهم من شقاء تلك الحياة الفانية إلى نعيم جنة الخلد.

٤_اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

عندما يملأ الحزن والضيق قلوبنا، نسعى إلى التخلص من تلك المشاعر بنور القرآن. فالقرآن هو هداية الله للبشرية. ومن خلال نور تلك الهداية يتضح كل شيء في حياتنا.

فقد قال سبحانه وتعالي”ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ. [56]

وقال عز وجل أيضًا:

” كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” [57]

فالتعلق الدائم بالقرآن يوجه نمط تفكيرنا إلى رؤية التفاؤل والأمل والحكمة. فالقرآن مليء بالقصص التي تحكي عن الابتلاءات والشدائد الرهيبة التي قد نتعرض لها. ومع ذلك فهو مليء بتعبيرات قوية عن قدرة الله ورحمته التي تولد فينا القوة والأمل. كما توجد أيضا في القرآن أوصاف حية عن الآخرة والتي تجعلنا نُدرك أن الدنيا ما هي إلا دار فناء وأن الآخرة هي دار القرار. ومن ثم فالقرآن هو الحبل الذي نتعلق به عند الشدائد.

حتما ستستمر الحالات الروحية والانفعالية الإيجابية المذكورة في الشطر الأول من الدعاء ما دمنا معلقون بالقرآن. فقد تبقي مشاعر الخضوع لله، والتوكل عليه، والأمل مزروعة في قلوبنا فى أصعب أوقاتنا من خلال كلمات القرآن.فإنه القرآن الذي يبني أسس الإيمان لدينا عند تلاوته. ومن ثمّ يعلمنا كيفية النظر إلى العالم وكيفية التصرف فيه. فهو يجدد قلوبنا ويلهمنا بالحكمة ويتغلب على حزننا.

الخاتمة  

إن الابتلاءات والمحن في الشريعة الإسلامية ما هي إلّا فرصة لترسيخ قيم التوكّل التام علي الله عز وجل والخضوع لأمره والتعلّم من حكمته وإعلاء الفضيلة.

فلا بد لنا من إدراك القيم النفسية العميقة لشريعتنا الإسلامية ثم استخلاص التعاليم الخالدة منها لنجني ثمارها. فنجد الأدب الإسلامي المتعلق بالروحانيات مليئًا بالكتابات التي تركز على بناء الشخصية الإسلامية.

يركّز هذا البحث في المقام الأوّل علي رواية الحديث الشريف.  

نوصي بإجراء مزيد من البحوث على (1) دراسة أشمل لتعاليم القرآن والحديث والسيرة فيما يتعلق بالروحانيات والصحة النفسية؛ (2) تحليل نقدي لنظريات الصحة النفسية وعلم النفس البشري والشخصية التي تقدمها التعاليم الإسلامية. و (3) دراسة الروابط بين الصور المختلفة للعبادة الإسلامية والعقيدة الإسلامية والحالات النفسية الروحانية الكامنة والصحة النفسية.


[1] يعتبر علم النفس الإيجابي حركة ضمّن علم النفس تعترف بالحاجة إلى التحرك بعيدًا عن علم النفس التقليدي (المرض العقلي). ويركّز على مواطن القوة والفضائل بدلًا عن الإختلالات والأمراض. أسس تلك الحركة Martin Seligman, Mihaly Csikszentmihalyi and Christopher Peterson في عام 2000.

[2] (2010). Pedrotti, J. T. &   Snyder C., Lopez S.J. S.J.علم النفس الإيجابي: الاستكشافات العلميّة والعمليّة للقوى الإنسانية. منشورات ساجا. الطبعة الثانية.

[3] ( Chiesa, A., & Serretti, A. (2010).  استعراض ممنهج للخواص الفيزيولوجية العصبية والتحليلية للتأمل الذهني. طب علم النفس، 40(8)، 1239-1252.

[4] ابن حزم. أعلام وسير، صـ76.

[5] Smith, E.E.  قوة المعنى. صـ22

[6] المرجع نفسه.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه.

[9] المرجع نفسه.

[10]  Oishi, S., & Diener E.(2000) يملك سكان الدول الفقيرة احساس عالٍ بمعنى الحياة على عكس سكان الأمم الغنية. علم النفس، 25، 422-430.

[11]  المرجع نفسه.

[12] المرجع نفسه.

[13] المرجع نفسه.

[14](  Emmons, R.A. (2000). هل الروحانية ذكاء؟ الدافع، الإدراك وعلم النفس في الاهتمام الاساسي. International Journal for the Psychology of Religion, 10(1), 3-26.

[15]  ابن حزم، أخلاق وسير، صـ75

[16]  Emmons, المرجع المذكور، صـ3-26

[17] القرآن 18:35.

[18] المرجع نفسه، 18:39.

[19] McKee, D.D., & Chappel, J.N. (1992). الروحانية والممارسات الطبية. Journal of Family Practice، 35، 201-205

[20] (Guvatt. G. H., Mills, E. J., & Elboune. D. (2008). في عصر الاستعراض الممنهج، هل لا تزال التجربة الفردية تشكّل فرقًا؟ PLos Med, 5(1): e4.

[21] (Wong, Y. J., Rew, L., & Slaikeu. K.D. (2006). استعراض.D ممنهج للأبحاث الأخيرة عن تدين، وروحانية والصحة العقلة للمراهقين.مسائل في العناية بالصحة العقلية. 27(2)، 161-183

[22] ابن القّيم. زاد المعاد، المجلد الثاني. صـ325.

[23] (Baumeister. R.F., & Vohs. K.D. (2007). التنظيم الذاتي والاكتئاب، غياب الأنا والدافع. بوصلة علم النفس الفردية والاجتماعية، 1، 115-128.

[24] ابن القّيم. عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين. صـ35.

[25] المرجع نفسه. صـ49.

[26]  (Strauman, T.J.  (2002). التنظيم الذاتي والاكتئاب. النفس والهوية، 1(2)، 151-157.

[27]( Watkins, P.C., Woodward, K., Stone, T., & Kolts, R.L. (2003). الرضا والسعادة: زيادة الرضا وعلاقته بالصّحة البنّاءة. السلوك الاجتماعي والشخصية، 31(5)، 431-451

[28] مسند الإمام أحمد #3712. شعيب الأرناؤوط (تُوفي عام 1437 هجرية) متصل الإسناد صحيحه في كتابه (تحقيق مسند الإمام أحمد بن حنبل).

[29]ابن القّيِم الجوزية، إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، صـ26.

[30]  (Porto, P.R, Oliveira L., Mari J., Volchan E., Figueira I., Ventura P. (2009). هل يغيّر علاج الإدراك السلوكي المخ؟ استعراض ممنهج لتصوير تشخيصي للأعصاب في حالة القلق. Journal of Neuropsychiatry & Clinical Neuroscience,  21، 114-125.

[31] القرآن 21:83.

[32] aacbt.org.au/resources/what-is-cbt/

[33] . الرصد الذاتي للتعبير السلوكي. (Journal of Personality and Social Psychology, 30, 526-537 Snyder, M.  (1974.

[34] القرآن 21: 83.

[36]  المرجع نفسه.

[37]المرجع نفسه.

[38] ( Newberg, A.B., Wintering, N.A., Yaden, D.B., Waldman, M.R., Reddin, J., & Alavi, A. (2015).  سلسلة من الدراسات خاصة بتأثير علم النفس العصبي على تغيير حالات العقل أثناء التركيز في الصلاة الإسلامية. Journal of Physiology—Paris, 109, 214-220.

[39] المرجع نفسه.

[40]  Dietrich, A. (2006) انخفاض نشاط الجبهة الأمامية الوقتي كآلية لتأثيرات علم النفس على التمرينات. Psychiatry Reasearch, 145, 79- 83.

[41] المرجع نفسه.

[42] بدر الدين العيني، العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، صـ343.

[43]Newberg, et al (2015).

[44]  (Haruno, M., Kuroda, T., Doya, K., Toyama, K., Kimura, M., Samejima, K., Imamizu, H., Kawato, M. (2004) التشابك العصبي لنظام المكافأة القائم على التعلّم السلوكي في النواة الذنبية: دراسة تصويرية عملية بالرنين المغناطيسي للقرارات العشوائية. Journal of Neuroscience, 24, 1660-1665.

[45]  سنن ابن داوود #1319. ابن حجر العسقلاني (المتوفى عام 852 هجرية) حديث حسن (تخريج مشكاة المصابيح، المجلد الثاني، صـ77).

[46] بدر الدين العيني، العلم الهيب في شرح الكلم الطيب، صـ343.

[47] صحيح مسلم #2999.

[48](  Frankl, V .E. (2006). بحث الإنسان عن المعنى. Boston, MA: Beacon Press.

[49] القرآن 21:88.

[50] صحيح البخاري #4563.

[51] القرآن 7:23.

[52] ( Snyder, C. R., Harris, C., Anderson, J. R., Holleran, S. A., Irving, L. M., & Sigmon, S.T. (1991). الإرادة والوسائل: تطوّر واعتماد تقدير الاختلافات الفردية للأمل. Journal of Personality and Social Psychology, 60, 570-585.

[53]  Elliott, J. A. (2005).  Interdisciplinary Perspectives on hope. Hauppauge, NY: Nova Science Publishers.

[54] ابن القّيِم، مدارج السالكين، المجلد الأوّل، صـ517.

[55] ( Haidt, J., & Keltner, D. (2003). الخوف من الاقتراب: الشعور الجمالي، والروحي والأخلاقي. Cognition & Emotion, 17, 297-314.

[56]القرآن، 16: 89.

[57] المرجع نفسه، 14:1.

Avatar

Zohair Abdul-Rahman

FELLOW | Dr. Zohair Abdul-Rahman M.D. M.Sc. was born and raised in Toronto, Canada. He studied the Islamic sciences under various local teachers, receiving ijazahs in ‘Aqeedah (theology) and Hadith. Currently, he works as a medical doctor in Brisbane, Australia, where he also serves as a volunteer Imam at a number of mosques, delivering khutbahs and lectures for adults and the youth. He has strong research interests in Islamic theology, Islamic spirituality, and mental health. Alongside his Islamic research, he has also published in medical journals and presented at psychiatric conferences.