الأطباء والأئمة ووسوسة الشيطان

Infographic-Clinicians-Imams-and-the-Whisperings-of-Satan-Hero-Image

Yaqeen Institute

View all posts

مقدمة

الوسواس القهري، والذي يعني “الوساوس الاستحواذية” في اللغة العربية، هو اضطراب نفسي معقد يصيب الشعوب الإسلامية، فكلمة الوسواس القهري بالعربية تشير إلى مرض اضطراب الوسواس القهري (OCD) الذي لم يدرج في الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)[1] أو في التصنيف الدولي للأمراض (ICD) لعدة أسباب منها: ندرة البحوث وتداخل التشخيص وعدم كفاية اعتراف الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين (APA) بالأمراض الروحانية. فالمسلمون الذين يعانون من الوسواس القهري يغالون أيما مغالاة وعن غير قصد في شعائر العبادة اليومية، مثل الوضوء أو الصلاة نفسها، وتنبع الهواجس من الخوف من عدم استيفاء شعائر العبادة وأنه لابد من تكرار تلك الأركان رجاء الكمال، وتضحى تلك العبادات مصدرًا للقلاقل النفسية عوضًا عن الغذاء الروحي جراء استمرار المخاوف غير العقلانية والتفكير المأساوي.

يعرف اضطراب الوسواس القهري المتعلق بالأمور الدينية باسم وسواس التدقيق في المؤلفات السريرية،[2] كما أنه يستعصي على العلاج بسبب السمة الدينية للأعراض على وجه الخصوص، غير أن الوسوسة ليست مرضًا مقصورًا على المسلمين، لكنها تمثل الوجه الديني لاضطراب الوسواس القهري لديهم، وقد حاز قادة المجتمع الإسلامي قصب السبق في التوصل إلى العلاج الأولي لهذه الحالة، على الرغم من أنهم لم يحصلوا على التدريب السريري أو الوقت الكافي لتلبية احتياجات هؤلاء الأفراد بشكلٍ فعال، كما أن عامة الأطباء السريريين ممن ليسوا على إلمام كافٍ بالوسوسة، يصعب عليهم كذلك وصف العلاج، فضلًا عن أنهم قد يتسببون للمريض في إحداث ضرر من حيث أرادوا النفع ما لم يدركوا ماهية الطابع الديني للأفكار الهاجسية والسلوكيات القهرية، وكمحصلة لذلك، فإن أولئك الذين يعانون من الوسوسة لا يعرفون للعلاج سبيلًا، وحين ينشدون العون فإنهم كثيرًا ما يحرمون العلاج المتخصص اللازم لهم، وتهدف هذه الورقة البحثية إلى أن تدلي بدلوها في مجال علم النفس الإسلامي المتنامي،وذلك من خلال مد أطباء الصحة النفسية والأئمة بالمعرفة الأساسية والأدوات اللازمة لمساعدة من يعاني تلك الحالة، والتي هي في مسيس الحاجة إلى أن تعالج على نحو مختلف عن الأنماط الأخرى لاضطراب الوسواس القهري (OCD). وسوف أتناول بالشرح في هذا المنشور تعريف ماهية هذا المرض، ومناقشة خيارات العلاج السريري وتقديم توصيات للمعالجين.

التعاريف والمفاهيم والتصنيف

والوسوسة تتألف من أفكار دخيلة تسوق إلى عدم التناغم الفكري (اضطراب عقلي سببه تناقض المعتقدات أو القيم أو الأفكار)، وهي أشد ما يكون خطورة على توازن الفرد الروحي والنفسي، وثمة نظريات مختلفة في علم النفس الغربي فيما يخص جذور تلك الأفكار الدخيلة؛ بيد أن الغالب منها يتطرق إلى المصادر العضوية، مشيرًا إلى أن هذه الأفكار إنما هي صادرة عن دماغ المريض أو بدنه (كيمياء الدماغ المختلة، وتنبيت الأمعاء غير المتوازن، إلخ). ومن وجهة نظر إسلامية، يمكن للوسوسة أن تصدر إما عن النفس، والتي تترجم في اللغة الإنكليزية إلى الذات الداخلية أو الروح، أو أنها قد تصدر عن قوى خارجية مثل الشيطان.[3] وغالبًا ما يترادف المصطلحان النفس والروح؛ إلا أن ثمة مناظرات علمية حول ما إذا كان المصطلحان يتفقان في المعنى ذاته أم لا، فعادة ما يذكر مصطلح النفس في معرض الحديث عن الجسد، في حين يشير مصطلح الروح إلى الروح بمعزل عن الجسد.[4] فحين تصدر الوسوسة عن النفس، عندئذ يكون منشأ الأفكار الدخيلة هو الروح وتصدر من الرغبات والطموحات[5]. وبما أن النفس جزء من الجسد، فللقوى البيولوجية والوراثية أحيانًا تأثير في ميول الفرد واستعداداته.

ومن منظور إسلامي، يعتقد أن الأفكار هي الأخرى تصدر عن الشيطان، وتتماثل هذه الأفكار الدخيلة تمامًا مع تلك الأفكار التي عولجت عادة في مجال علم النفس من حيث أن الأفكار تتخضخض داخل عقل الفرد؛ إلا أنها عدوانية المنبت وترِد من مصدر خارجي.

 فالشخص الذي يعاني الوسوسة لا يسمع صوت الشيطان إذ يهمس له، بيد أنه يواجه أفكارًا مفجعة للغاية.

وقد يسبب مفهوم الأفكار التطفلية النابعة من مصدر خارجي في البداية الكثير من اللبس للأشخاص ممن ليسوا على دراية بتلك الفكرة، ولمقاربة كيف يُوضع مفهوم لهذا النوع المحدد من الوسوسة، علينا تخيل شخص ما يواجه معضلة أخلاقية ولديه ملاك على أحد كتفيه وشيطان على الكتف الآخر، كلاهما يهمس له بما يتعين عليه فعله، ففي هذا المثال، إذ بهذا الشخص الحائر يقع طريدة بين أفكار الملاك الخيِّرة وأفكار الشيطان السيئة، ومما لا شك فيه أن ثمة افتراضًا ضمنيًا يزعم أن الشخص لا يسمع هذه الكائنات حقًا، بل إن مصدر هذه الأفكار إنما هي أعماق الشخص الداخلية، على الرغم من أنها تنشأ عن قوى خارجية، ومن منظور إسلامي، يُعتقَد بأن الأفكار الحسنة مصدرها الملاك، وكذلك من الفطرة (غرائز الخير بداخل الروح)، كما أن فكرة وسوسة الشيطان للفرد جزء من الإطار الإسلامي للإيمان، ويكون مصدر الوسوسة خارجيًا عندما يوسوس الشيطان لشخص ما للقيام بشيء ما هو من صالحه، أو يبث الشك داخل شخص ما يسعى إلى فعل ما هو خيّر.

المفهوم التاريخي

ويتأصل المفهوم الذي يقول بأن الشيطان مضلل البشرية، من قصة الخلق في الديانات الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، فقد ورد في سفر التكوين، أن الثعبان (الشيطان) وسوس لحواء كيما تأكل فاكهة الشجرة المحرمة (سفر التكوين 3: 1-3، نسخة الملك جيمس الجديدة) بينما ورد في النسخة القرآنية أن الشيطان قد وسوس لآدم حتى يدنو من الشجرة المحرمة، وقد استخدم القرآن لفظة  الوسوسة باللغة العربية على وجه التحديد:

“فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى” (القرآن الكريم، 20: 120)[6]

وفقًا للنص القرآني للأحداث التي وردت في الآيات (4: 118-122)، فإنه حين عصى آدم وحواء ربهما منساقين خلف الشيطان، عوقبا بنزولهما من السماء إلى الأرض، وقد نالا المغفرة الله في نهاية المطاف، ولكن كان عليهما أن يواصلا الحياة على الأرض، حيث سيعمد الشيطان إلى تضليل البشرية بوساوسه ريثما يأتي اليوم الآخر، فمن حالفه التوفيق في عدم اتباع وساوس الشيطان سيكون بمقدوره العودة إلى السماء بفضل رحمة من الله.

ووفقًا للأعراف الإسلامية، تعتبر الوسوسة ظاهرة بشرية طبيعية يعالجها الجميع، بشكل أو آخر، في طور ما من أطوار حياتهم، وقد تمتد الأمثلة الشائعة اليومية لتشتمل على الغيرة (وهي أفكار دخيلة بشأن شيء ما يوده المرء بيد أنه لا سبيل لديه لنواله)، والشهوة (وهي أفكار دخيلة بشأن التوق إلى شخص لا سبيل إلى الاقتران به)، والشكوك حول قرارات الحياة المصيرية والأفكار المتضاربة حول إتيان الشيء الصحيح أو الخطأ، وتقدر الدراسات الدولية أن حوالي 94٪ من سكان العالم يعانون الأفكار الدخيلة. [7]

التصنيف

وبما أن الأفكار الدخيلة السوية والعرضية هي جزء من التجربة البشرية العادية، فينبغي الفصل بين الوسوسة الطبيعية وتلك الوسوسة التي تُعَدُّ مرضًا عقليًا، فالوسوسة المفرطة التي تتعدى متوسط المعدل الطبيعي لتجارب الإنسان، تعرف بما يسمى بالوسواس القهري، وليس بالضرورة أن يكون الشخص الذي يعاني الوسواس القهري مصابًا بمرض عقلي، لكنه قد يكون كذلك إذا ما انطبقت عليه المعايير التي حددتها الطبعة الخامسة المنقحة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، ويشخص الوسواس القهري بمرض اضطراب الوسواس القهري (OCD) عند استيفائه المعايير التالية التي حددتها الطبعة الخامسة المنقحة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية: [8]

أ- وجود الهواجس أو الأفعال الإلزامية أو كليهما:

 تعرف الهواجس في عنصري (1) و(2):

1-الأفكار المطردة والمستمرة أو الدوافع أو المثيرات التي تعتري الفرد في بعض الأحايين أثناء الاضطراب كأفكار دخيلة مزهود فيها، والتي ينتج عنها القلق أو الضيق الملحوظ لدى السواد الأعظم من الناس.

2-الأفكار أو الدوافع أو الخيالات التي يسعى المرء جاهدًا إلى تجاهلها أو وأدها أو معادلتها مع إحدى الأفكار أو الأفعال (أي عن طريق أداء فعل إلزامي).

يعرف الإكراه (الأفعال الإلزامية) في عنصري (1) و(2):

1-يتمثل في السلوكيات المتكررة (مثل غسل اليدين أو الترتيب أو الفحص) أو الأفعال العقلية (مثل الصلاة والعد وتكرار الكلمات سرًا) التي يشعر المرء فيها بأنه مجبر على أدائها استجابة لهوس أو وفقًا لقواعد يجب تطبيقها بشكل صارم.

2-يتمثل في السلوكيات أو الأفعال العقلية التي تهدف إلى القضاء على القلق أو الضيق أو الحد منهما، أو منع وقوع بعض الأحداث أو المواقف المخيفة، إلا أن تلك السلوكيات أو الأفعال العقلية لا ترتبط بطريقة واقعية مع ما هي مصممة للحد منه أو منعه، أو كونها مفرطة بشكل واضح.

ملاحظة: قد لا يكون بمتناول الأطفال الصغار التعبير عن المقصد من هذه السلوكيات أو الأعمال العقلية.

ب-تستغرق الهواجس أو الأفعال الإلزامية) وقتًا طويلًا (على سبيل المثال، تستغرق ما يربو على الساعة يوميًا) أو تسبب ضائقة سريرية كبيرة أو ضعفًا في المجالات الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من مجالات العمل الهامة.

ج-لا تُعزَى أعراض الوسواس القهري إلى الآثار الفسيولوجية لمادة ما (على سبيل المثال، تعاطي المخدرات أو الدواء) أو أي حالة طبية أخرى.

د-لا يجدي تفسير الاضطراب بمقارنته مع أعراض اضطراب عقلي آخر …

عدد ليس بالقليل من مختلف الأطباء النفسيين شخّص وصنف أنواعًا فرعية من مرض اضطراب الوسواس القهري، إلا أنه وحاليًا، ثمة إجماع عام على أربعة أنواع فرعية: التلوث/ التنظيف والفحص والهواجس الخالية من الطقوس القهرية العلنية والتكديس القهري.[9] وينفرد عرض الوسواس القهري السريري بأنه يمكن للفرد أن يجمع بين أكثر من نوع من أنواع الوسواس القهري الفرعية في نفس الوقت اعتمادًا على أعراضه.

وترى الكاتبة أن الوسواس القهري يستوفي معايير الحالة المعروفة المسماة بوسواس التدقيق المفرط، وهي حالة موثقة جيدًا في التصنيفات السريرية، لكنها لم تدرج في الطبعة الخامسة المنقحة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. وتعد حالة وسواس التدقيق التي تصيب الأفراد المنتمين لجميع الديانات[10] حاليًا أحد أعراض مرض اضطراب الوسواس القهري (على الرغم من كونها لا تُعَد واحدة من أنواعه الفرعية) وتحدث حينما ينخرط المصلون في الشروع في أمور دينية على نحو يتخطى الحدود الطبيعية، فيُصَاب المرء بالحزن جراء ذلك الانخراط، وينعكس سلبًا على أدائه اليومي.[11] ويرى بعض الأطباء النفسيين أن اضطراب وسواس التدقيق مستقل عن مرض اضطراب الوسواس القهري في الطبعة الخامسة المنقحة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وذلك استنادًا إلى النتائج التي مفادها أن أولئك الذين يعانون من وسواس التدقيق لديهم إحاطة أقل بأعراضه من أعراض اضطراب الوسواس القهري الأخرى، إذ لا يوجد ارتباط كبير بين أعراض وسواس التدقيق ومعايير مرض اضطراب الوسواس القهري، كما تتداخل أعراض مرض اضطراب الوسواس القهري الشخصية وأعراض وسواس التدقيق.[12]

وترى الكاتبة أنه على غرار وسواس التدقيق، فإن الوسواس القهري يختلف عن مرض اضطراب الوسواس القهري العادي من حيث إنه لا يحتاج إلى طبيب نفسي على دراية بطبيعة المرض وعلاجه فحسب؛ بل كذلك يحتاج إلى تعاون رجل دين أو شخص على علم بالأمور الدينية التي تتعلق بالأحكام الإسلامية التي تدور حول الإيمان والعبادة.

وقد وضع كل من الطبعة الخامسة المنقحة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية ومجتمع الصحة النفسية معاييرَ واضحة للتشخيص السريري لمرض اضطراب الوسواس القهري، في حين أن علماء المسلمين لم يحددوا بوضوح معايير التشخيص الرسمية للوسواس القهري. ذلك لأن علماء الإسلام قد يكونون خبراء في الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، غير أنهم ليسوا بأولي خبرة في مجال الطب النفسي، فضلًا عن أنه لا توجد طريقة منهجية لتشخيص فرد بالوسواس القهري في الوقت الراهن، وبصفة عامة، فإما يشخص الفرد الذي يعاني المرض نفسه بنفسه، أو يخبره الإمام بإصابته بأعراض المرض عند استشارته. هذا التشخيص غير الرسمي يحدث عادة عندما: (1) يشعر الشخص بالأسى أو النقص جراء مخاوف غير عقلانية حيال أركان الدين. (2) ولفترة طويلة من الزمن، (3) يتصرف الشخص بطرق غير متكافئة (تكرار شعائر العبادة أو التدقيق أو اجترار الأفكار وغيره).

وقد يصحب الوسواس القهري مشاكل الصحة النفسية الأخرى؛ مثل الاكتئاب ونوبات الهلع أو اضطرابات الشخصية، ونظرًا لعدم توافر معايير تشخيص منهجية لهذا المرض، فمن الأهمية بمكان ألا يعزو أخصائيو الصحة النفسية أعراض الاضطرابات الأخرى إلى الوسواس القهري، ويعد الوسواس القهري أحد أنواع مرض اضطراب الوسواس القهري، ولا ينطوي على أعراض إضافية مثل الهلوسة أو الأوهام أو نوبات الهلع أو الاكتئاب، لذا فمن الضروري ألا يعتمد المعالجون على التقييم الذاتي للمريض فحسب، وأن يقوموا بإجراء تقييم شامل لتحديد ما إذا كان المريض يعاني الوسواس القهري أو أي اضطراب آخر أو كليهما معًا، على سبيل المثال، إذا كان المريض يسعى للعلاج من الوسوسة المزعومة، إلا أنه يعتقد بأنها وساوس شيطانية، ساعتها، ينبغي إجراء تقييم شامل لعدد من الاضطرابات النفسية، وهذا من شأنه أن يحدد مسارًا مختلفًا من العلاج.

أنواع الوسوسة المفرطة

الوسواس القهري، مثل اضطراب الوسواس القهري، يمكن أن يظهر بوضوح في العديد من الأساليب المختلفة، بحيث لن يواجه اثنان من المرضى نفس الهواجس أو الأفعال الإلزامية أو كليهما. إن واحدًا من أهداف هذا الكتاب هو تناول ثلاثة أنواع شائعة من الوسواس القهري التي عاشها المؤلف في الأوساط السريرية: العبادة والطهارة والعقيدة، فعلى الرغم من أن الطهارة هي نوع من أنواع العبادات، فمن المهم استكشاف كل منها بالتفصيل، إذ تظهر كل منها بسماتها الخاصة على نحو مختلف في الوسوسة، وسيتبع كل نوع من فئات الوسواس القهري مثالًا لحالة خيالية من أجل إثباتها، وقد يكون من المفيد أن ننوه هنا على أنالوسوسة المفرطة لم تظهر قط بصورة مباغتة تلقاء نفسها؛ فالتطور في شدة الوسوسة يكون تدريجيًا ويزيد مع مرور الوقت إذا لم يتم علاجه، وغالبًا ما تبدأ الوسوسة على هيئة: شخص أكثر حذرًا، متأمل في أعمال العبادة، يحرز تقدمًا؛ حتى تستحيل أعمال العبادة التي يلفى المرء فيها الراحة إلى مشاق مضنية.

العبادة

كلمة عبادة باللغة العربية تشير إلى العبادات. تستهدف الوساوس -المتعلقة بالعبادة- في معظم الأحيان العبادات المفروضة (كالصلاة والصيام والزكاة وما إلى ذلك) لأنها من أركان الدين، ومن الأهمية بمكان إدراك أن المعاناة التي يواجهها كثيرٌ من المرضى إنما تعود إلى الشعور بأنهم يؤدون شعائر العبادة المفروضة على نحو مجافٍ للصحة، معتقدين أنهم على هذا لم يتبعوا مبادئ دينهم، الأمر الذي يجعلهم عرضة لعقاب الله، فضلًا عن أن المرضى الذين يعانون الوسواس القهري خلال العبادة يشعرون بأن شعائر العبادة التي يؤدونها ليست مقبولة على النحو المرجو، وأنهم في حثيث السعي إلى إتقانها باستمرار، وأي تفاصيل عن شعائر العبادة قد يخالون أن النقص يعتريها، قد تفضي بهم إلى الخوف غير المنطقي والكارثي بأنهم قد ارتدوا عن الدين دونما قصد وسوف يصْلَوْن النار.

مثال على هذا: لانا هى مسلمة متدينة، وعلى مدى الشهرين الماضيين، كانت مرهقة جراء العمل وحياتها الأسرية أكثر من المعتاد، وقد لاحظت لانا أنها كانت كثيرًا ما تنسى وتشرد أثناء الصلوات، ما يضطرها إلى تكرار صلاتها للتأكد من أدائها على نحو صحيح، وفي بعض الأحيان تكون لانا غير متأكدة من عدد الركعات التي صلتها، وفي أوقات أخرى تشعر بالقلق جراء القراءة على نحو مجانب للصواب الأمر الذي يبطل صلاتها، وهذا لم يزعج لانا كثيرًا في البداية، ذلك لأنها رأت أن زيادة التعلق بالقيم الروحانية كانت دائمًا شيئًا جيدًا، ولكن في الأسابيع القليلة الماضية لم تكن لانا لتستطيع التوقف عن التفكير في صلاتها الباطلة، وقد باتت تلك الأفكار هي السبب الرئيس لعدم تركيزها خلال اليوم، وهي الآن تبذل قصارى جهدها كيما تدخر الوقت لاستكمال الروتين اليومي المعتاد الخاص بها، فمثلًا، الصلاة التي دأبت على أدائها في نصف ساعة، هي الآن تؤديها في ساعتين. باتت لانا لا تجد متعتها في الصلاة، بيد أنها لا تعرف كيفية التوقف عن الشكوك حيال الصلاة.

الطهارة

الطهارة لغة: النظافة، وهي على ثلاثة أنواع: المادية والشعائرية والروحية.[13] والطهارة هي فعل يومي يتكرر غالب الأحيان لأداء الصلاة. ذلك لأن صلاة المسلمين تقتضي أن يكون المرء طاهرًا من كل ما هو نجس (مثل البول والبراز، وما إلى ذلك) وأن يكون على وضوء، أما بالنسبة لكيفية  الوضوء، فالمسلم يحتاج لغسل وجهه وذراعيه وأن يمسح على رأسه ويغسل قدميه (أو يمسح على الخفين) كما لا يلزم الوضوء قبل كل صلاة مفروضة طالما أن الوضوء السابق لم يُنْقَض بدخول المرحاض أو خروج الريح وما إلى ذلك.  كثير ممن يعانونالوسواس القهري بشأن الطهارة، إما لديهم خوف غير منطقي من ملابسة نجاسة صادرة عن جرم غير نظيف، أو لديهم خوف غير منطقي أن الوضوء غير صحيح أو نُقِضَ بشكل أو آخر، وفي ظل الظروف العادية على المسلم أن يكون نظيفًا لا يخالط النجاسة، ويكون على وضوء صحيح من أجل أن تكون الصلاة صحيحة مقبولة؛ وبالنسبة للشخص العادي فهذا لن يستغرق كثيرًا من الوقت وليس بالعسير كذلك، وقد يستغرق المسلم 3-4 دقائق للوضوء في المتوسط، في حين أن المسلم المصاب بالوسواس القهري يمكن أن يستغرق 20 دقيقة أو ساعة في بعض الأحيان. مثل هؤلاء ممن يعانون الوسواس القهري في العبادة، فإن هؤلاء المرضى يعتقدون أيضًا أنه إذا كانوا على غير طهارة أو لم يتوضؤوا بشكل صحيح، فإن شيئا كارثيًا سيحدث (كما أنهم سيدخلون النار بسبب بطلان الصلاة).

مثال على هذه الحالة: تم تشخيص آدم باضطراب الوسواس القهري كطفل صغير، وعندما وقع الطلاق بين والديه أصبح مشغولًا بشكل مفرط بالنظافة والتأكد من أن الأشياء لم تكن ملوثة، وذهب آدم إلى العلاج ثم هدأ اضطراب الوسواس القهري لديه، وعندما ذهب آدم إلى الكلية التقى بأصدقاء مسلمين واهتدى إلى الإسلام. لم تكن عملية دخلوه الإسلام مرهقة بالنسبة له، ولكن أفراد أسرته كانوا ينتقدون قراره أحيانًا، كما تسبب الصراع الأسري في تذكير آدم بالمشاعر الصعبة التي واجهته خلال مرحلة الطفولة، وبدأ يعاني من القلق مرة أخرى. وبدأ آدم في تطوير خوفه الشديد حيث اضطر إلى استخدام المرحاض بشكل عام، وخاصة قبل الصلاة. لم يستطع آدم استخدام المرحاض دون تنظيفه أولًا بسبب الخوف من النجاسة التي ستحدث إذا وقع شيء نجس على جسده وبالتالي يبطل صلاته. ثم أصبح مستحوذًا عليه فكرة، لفترات طويلة من الوقت، أن ملابسه كانت تلمس المرحاض وتتنجس أيضًا. كان آدم يستغرق 45 دقيقة من دخول الحمام إلى أن يستعد للصلاة لأنه لا يستطيع التوقف عن فحص ملابسه وتنظيفها بهوس، ولأن آدم يصلي خمس مرات في اليوم بشكل يومي امتد التوتر الشديد طوال اليوم، والاستعداد للصلاة استغرق حياته اليومية.

العقيدة

في العرف الإسلامي، العقيدة تعني الاعتقاد مع الإيمان الراسخ بالدين أو أسس العقيدة، وعلى الرغم من أن ثمة آراء متباينة في الإسلام بشأن بعض تفاصيل الدين، فإن للإيمان أساسيات متواضعًا عليها بالإجماع، وتتضمن بعض أعمدة الإيمان، الإيمان بالله والإيمان بالملائكة واليوم الأخر والجنة والنار. أولئك الذين يعانون الوسواس القهري في العقيدة لديهم أفكار فضولية وشكوك حول جانب معين من العقيدة، كما أن المرضى الذين يعانون الوسواس القهري في العقيدة صادقون ويخلصون لإيمانهم بكل جوارحهم، بيد أنهم يملكون أفكارًا تطفلية تسول لهم بأن عقائد الدين خاطئة، ولا تنبع هذه الظاهرة من شخص لا يؤمن سرًا بدينه ولا يعترف به حتى الآن (الإنكار). ومن الأمثلة المشابهة للوسواس القهري فيما يتعلق بالعقيدة، هو اضطراب الوسواس القهري بعد الولادة (النفاس)، حيث تكون للأمهات الجديدات أفكارٌ تطفلية بشأن إيذاء أطفالهن.

الغالبية العظمى، إن لم يكن كل الأمهات يحببن أطفالهن ولا يردن إيذاءهم.[14] الأمهات اللاتي يعانين الوسواس القهري بعد الولادة لا يرغبن سرًا في إيذاء أطفالهن، بل في الحقيقة حبهن لأطفالهن هو ما يسبب الحزن عندما لا يمكن السيطرة على الأفكار الفضولية، وينطبق الشيء نفسه على الوسواس القهري فيالعقيدة في أن تقوى الله هي جزء مما يسبب الضيق عندما تعاني الأفكار السلبية الفضولية فيما يخص الدين.

مثال على هذه الحالة: نشأت سارة في عائلة مسلمة وأدت الشعائر الإسلامية طوال حياتها. شاهدت في العام الماضي فيلمًا عن الاعتداء الجنسي، ولأول مرة تدرك أنها تعرضت للاعتداء إبان كانت طفلة، وكما كان متوقعًا، بدأت سارة بمعاناة الكثير من الأفكار القوية مثل الغضب والاكتئاب والحزن. منذ حوالي ستة أشهر، طفقت الأفكار السلبية الفضولية تراود سارة بأن الله أراد أن يقع عليها هذا الاعتداء. على نحو منطقي كانت تعرف أن أفكارها الخبيثة في جنب الله مجافية للصحة، ولكن الأفكار لن تنسى. وهذا سبب شعور سارة بأنها ليست مسلمة صالحة، أو ربما هذه الأفكار التي لا يمكن السيطرة عليها تخرجها من الإسلام. كانت هذه الأفكار تستنزف كل تفكير سارة، وبدأت تؤثر في إنتاجيتها في العمل. على مدار اليوم ستشعر سارة بأنها مضطرة لنطق الشهادة (شهادة الاسلام: لا إله إلا الله، محمد ﷺ رسوله) لأنها تخشى أنها لم تعد مسلمة. بادئ الأمر سوف تكرر هذا مرات قليلة خلال اليوم، وفي النهاية تصل إلى ما يقرب من 100 مرة في اليوم، وعلى فرض أن سارة كانت في اجتماع عمل مثلًا، وساورتها الأفكار الفضولية، فإنها ستشعر بأنها مجبرة على مغادرة الاجتماع لتنطق بالشهادة ثم تعود مرة أخرى. في مرات قليلة لم تستطع سارة أن تعفي نفسها من واجبات العمل لتنطق الشهادة فهي تشعر بالحزن لدرجة جعلتها تشعر بالدوار.

العلاج

يختلف الوسواس القهري عن غيره من أشكال اضطراب الوسواس القهري لأنه يتطلب تدخل كل من الطبيب المعالج الخبير في هذه الحالة، وكذا الإمام، أو شخص على معرفة محددة تتعلق بأحكام الإسلام مثل الإيمان والعبادة والوسواس، ويمكن أن يشكل ذلك تحديًا صعبًا على الطبيب أن يصف علاجًا لشخص ما مصاببالوسواس القهري، لا سيما إذا لم يكن على دراية بالمصطلحات والمفاهيم والأحكام التي يذكرها للمريض. إن الإمام أو الشخص الفقيه يمتلك الخبرة والقوة المقنعة لتقديم التعاليم الدينية والأحكام المتعلقة بالأسئلة التي تدور حول الوسواس القهري الذي لا يحيطه مجال الخبرة لمعظم الأطباء بشكل كافٍ، وكما أن غالبية الأطباء يقومون باستشارة الأطباء النفسيين فيما يتعلق بالمسائل العلاجية والأدوية، فإن الطبيب قد يحتاج كذلك الرجوع إلى التنسيق مع من هو فقيه بأمور الوسوسة، وفي كثير من الأحيان، يكون لدى الشخص المصاب بالوسواس القهري بالفعل إمامٌ، ويعمل معه، لذا سوف يحتاج المعالج فقط إلى الإفصاح عن المعلومات للعمل بالاشتراك معهم.  

السبب في أن الأئمة لا يستطيعون معالجة الوسواس القهري وحدهم لأنهم لا وقت لديهم أو مهارة سريرية لعلاج شخص ذي حالة طبية مثل اضطراب الوسواس القهري. النهج الإسلامي في حالة  الوسواس القهري يوصي بأن على المريض تجاهل الأفكار المتطفلة ويقاوم الحث على إتقان الأفعال الإلزامية (مثل تكرار الصلوات مرارًا وتكرارًا). كما أن هناك بعض العلاجات الإسلامية التي سيتم تفصيلها في هذا الكتاب، ولكن هذا هو نطاق المعالجة الإسلامية للذين يعانون من الوسوسة. فهذه هي وظيفة الطبيب المعالج ومجال خبرته للمساعدة في أداء ما يبدو وكأنه خطة بسيطة، ولكن هو في الواقع مسألة طويلة صعبة، ويأتي ضغط العمل في علاج الوسواس القهري من عملية طويلة الأجل لمساعدة المريض في التغلب على القلق من الهواجس وتعليمهم كيفية عدم الاستسلام للقهر.

دور الطبيب: أنواع مختلفة من العلاج

العلاج المعرفي

تشير الأبحاث إلى أن العلاج المعرفي فعال في علاج اضطراب الوسواس القهري سريريًا.[15] والعلاج المعرفي هو ما ينبع منه العلاج المعرفي السلوكي ينبع من ويشمل العديد من الأنواع الفرعية من المعالجات، وسيتم تناول بعضها في وقت لاحق في هذا الكتاب. وإن إدراك المفاهيم الأساسية التي اشتق منها العلاج المعرفي لا غنى عنه في فهم كل من العلاجات السريرية والإسلامية.

وعلى أبسط المستويات، تؤكد النظرية المعرفية أن الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى العالم ويفسرونه من حولهم تؤثر في كيفية شعورهم وتصرفاتهم.[16] ففي الحياة اليومية، يقوم الأفراد بتفسير المحفزات في بيئتهم بشكل مستمرٍ سريعٍ إلى أفكار واعية وغير واعية، والعديد من هذه الأفكار تعد “أفكارًا تلقائية” والتي يفترض أن تكون صحيحة دقيقة، ولكن ليس على الدوام. ومع مرور الوقت يتم تفسير الأفكار وتصنيفها إلى فئات من المعلومات تعرف باسم “مخططات” على أساس العلاقات بين الأفكار. قد تؤدي الأفكار التلقائية السلبية إلى مخططات مختلة أو “تحريفات معرفية”، ما يجعلها قد تؤدي إلى مشاعر أو سلوكيات غير متكافئة.

ثمة نظريات معرفية مختلفة توضح كيف ينمي مرضى اضطراب الوسواس القهري ذلك المرض والاستبقاء عليه. والنظرية التي وضعها فاو وكوزاك (1985) تقترح أن مرض اضطراب الوسواس القهري ينجم عن العديد من الإدراكات الخاطئة مثلًا عندما ينسب المرضى مستويات عالية من الخطر إلى مواقف آمنة نسبيًا، والمبالغة في احتمال حدوث أمور سيئة، ومن ثم استنتاج أن الأشياء أو الأحداث تحتاج إلى إثبات السلامة (مقابل الإدراك السليم الذي يفترض أن الأشياء أو الأحداث آمنة ما لم يوجد دليل ينص على خلاف ذلك).[17] وهناك نظرية إدراكية أخرى تنص على كيفية تنامي مرض اضطراب الوسواس القهري والتي وضعها سالكوفسكي (1985)، حيث تؤكد أن أولئك الذين يعانون من اضطراب الوسواس القهري يعتقدون في خمسة تشوهات إدراكية خاطئة: 

 (1) التفكير في الفعل يعادل الفعل نفسه (2) الإخفاق في منع الضرر من الناحية الأخلاقية يعادل التسبب في ضرر (3) المسؤولية عن الضرر لا تتضاءل بسبب الظروف المخففة (4) الفشل في أداء طقوس استجابة لفكرة ما هو عدل نية للإيذاء (5) ينبغي للمرء أن يتحكم بأفكاره.[18]

ولمعالجة مرض اضطراب الوسواس القهري من وجهة نظر معرفية، فالأطباء في حاجة لفحص المعتقدات الأساسية، ومواجهة الافتراضات الخاطئة وتعديل التحريفات المعرفية التي تنتج عنها الهواجس والأفعال الإلزامية، ومع مرور الوقت، وبعد التصدي للتشوهات الإدراكية برفق واستبدال مخططات معرفية صحية أكثر بها، عندها تتراجع أعراض مرض اضطراب الوسواس القهري.


ويتسنى للأئمة أن يضطلعوا بدور بارز في مساعدة المعالج على معالجة التشوهات المعرفية المتعلقة بالدين، إذ توجد مبادئ فقهية في الإسلام من شأنها أن تعالج التشوهات الإدراكية المذكورة آنفًا وعلى نحو مباشر. على سبيل المثال، يساعد الحديث التالي (الموثق علميًا، السرد النبوي الأصيل) على مواجهة بعض التشوهات من نظرية سالكوفسكي (1985) التي تدور حول أصل مرض اضطراب الوسواس القهري:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.” (رواه البخاري، 6664، مسلم، 127)[19]

فعندما يفسر الإمام معنى وتبعات هذا الحديث، يضحى من البديهي عدم ثبوت صحة التشوهات المعرفية الأولى والخامسة من نظرية سالكوفسكي، من الناحية الإسلامية، إذ إن توضيح هذه المبادئ من منظور إسلامي من شأنه أن يعزز عمل المعالج المعرفي مع المريض.

التعرض ومنع الاستجابة

وقد ثبت أن التعرض ومنع الاستجابة، وهو نوع من العلاج السلوكي المعرفي، فعال جدًا في التعامل مع اضطراب الوسواس القهري.[20] والهدف من هذا العلاج هو أن يواجه العملاء المخاوف التي تم تحديدها وأن يكفوا عن أداء الأفعال الإلزامية أو ترك الاستجابة عن طريق تأخير الإجابة، أو التخلي عن الإجابة تمامًا، وذلك عن طريق الإخلال بالاستجابة المشروطة (للوساوس والأفعال الإلزامية) يصبح المريض معتادًا على مثيرات المخاوف السابقة، وفي نهاية المطاف يذهب الهوس والرغبة القوية للاستجابة للهوس.

يتفق العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة مع النهج الإسلامي في علاج الوسواس القهري؛ في الواقع، يمكن للمرء أن يجادل بأن النصيحة الإسلامية لتجاهل الوساوس ومقاومة الإكراه هو نموذج العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة للشخص العادي. على الرغم من أن النهج الإسلامي للوسواس القهري والعلاج بالتعرض ومنع الاستجابة متوافقان، فإنه يتعين على الأطباء أن يضعوا في الاعتبار أنه قد يكون هناك بعض القيود في تنفيذ العلاج. على سبيل المثال، فالمريض ذو الخوف غير العقلاني من مس شيء نجس (غير طاهر) لجسده، لا قبل له أن يضع عمدًا أشياء نجسة على جسده خلال الصلاة، أو تجاهل شيء وهو على يقين كامل بأنه نجس، وهذا من شأنه أن يبطل الصلاة. ومع ذلك، يمكن للمرضى تجاهل الشكوك حول شيء غير طاهر على ملابسهم. على سبيل المثال، إذا كان لدى المريض وسواس ضد النظافة وتفقد الملابس مرارًا وتكرارًا لاحتمالية وجود أشياء نجسة. فيمكن للمعالج أن يطلب إلى المريض التمرين من خلال القيام بأداء الوضوء في دورات المياة العمومية (والتي وفقًا لمعظم المعايير ليست نظيفة بشكل مثالي) وعدم التحقق من تلوث ملابسه بعد ذلك، وهذا جائز لأن القاعدة الإسلامية تقول بأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى تثبت نجاستها؛ وأن الشك بنجاسة الأشياء لا يمكن أن يؤدي إلى نجاسة الشيء.

العلاج بالقبول والالتزام

لقد وجد أن العلاج بالقبول والالتزام – والذي هو نوع من الممارسة المعرفية أو الإدراكية القائمة على اليقظة العقلية- فعال في التخفيف من أعراض الوسواس القهري.[21] ويهدف العلاج بالقبول والالتزام إلى تنمية اليقظة العقلية بالأفكار وقبولها عوضًا عن محاولة تغييرها، وينظر العلاج بالقبول والالتزام للأفكار السلبية وغير اللائقة باعتبارها جزءًا من عمليات الإنسان الطبيعية، فمن خلال تقبل الأفكار كمجرد أفكار -وليس كبتها- تكمن الفكرة في أنها سوف تتوقف في نهاية المطاف كمنتج ثانوي، وليس كهدف مباشر لهذا العلاج.[22] ولا يروج العلاج بالقبول والالتزام إلى العنف وازدراء الأديان والأفكار الخطيرة التي يمتلكها شخص يعاني اضطراب الوسواس القهري، ولكنه يساعد المرضى على قبول الأفكار دونما حكم ودون إلزام عقلي أو بدني على الجسم، ويصبح الشخص المصاب بمرض الوسواس القهري متوترًا حين يواجه أفكارًا تطفلية ويحاول تحييدها عقليًا أو جسديًا، في حين أن علاج الالتزام والقبول يسهل مرور الأفكار من دون تأخيرها أو كبتها.

هذا العلاج يمكن أن يكون فعالًا في مساعدة مرضى الوسواس القهري على تعلم الحد من قلقهم العام والخاص، إلا أنه يصعب تنفيذه بدون المعالج المختص ثقافيًا وروحيًا. إن المريض المسلم الذي شُجع على قبول ازدراء الأديان بطريقة عمياء، من المحتمل ألا يرجع للعلاج: بدلًا من ذلك، يتعين على المعالج أن يكون ماهرًا ويقظًا في شرحه للمريض ألا يتقبل الأفكار الكفرية الفعلية، ولكنه يقبل حيازته للفكر (المعتقد) نفسه، إذ إنه يمكن للطبيب المختص ثقافيًا وروحيًا أن يوفر التعليم النفسي المناسب والدعم لكيفية أن يكون لدى المريض أفكار غير مناسبة دون أن يؤمن بها ولا يهتم بها في نفس ذاته.

العلاج والتقنيات الإضافية

قد يجد الأطباء من المفيد للعميل توفير العلاج الأسري بالإضافة إلى العلاج الفردي، ومن المعتاد أن يتراكم التوتر الأسري بين العملاء وأفراد أسرهم، لأن الوسواس القهري يخل بالأداء اليومي والحياة والعلاقات الاجتماعية، كما يمكن لأفراد الأسرة أن يواجهوا الكثير من المشاعر القاسية بشأن أفراد أسرهم الذين يعانون الوسواس القهري بما في ذلك الحزن والغضب والإحباط، وليس من غير المألوف لأفراد الأسرة وسم المريض بالأنانية أو الاستغلال أو التعصب أو حتى التطرف، إذ إن هذه الاتهامات مؤذية؛ لأن الفرد الذي يعاني مثل هذا المحنة يشعر بأن سلوكهم ليس شيئًا يمكنهم السيطرة عليه. في العلاج الأسري يمكن للأطباء أن يساعدوا في توفير التعليم النفسي الأسري فيما يخص طبيعة المرض. يمكن للأطباء أيضًا تعليم أفراد الأسرة كيفية التعبير عن مشاعر معقدة بطرق صحية وتكون أكثر دعمًا للمريض، وأخيرًا، يمكن للأطباء تقديم العلاج الفردي (أو إحالة الحالات إلى جهات أخرى) لأفراد الأسرة الآخرين، الذين ربما يواجهون صعوبة في التعامل مع سلوك المريض في المنزل. 

عندما يتساهل المريض مع الباعث على الوسوسة، فمن المهم تعليمه أن معدلات التوتر والقلق سترتفع في البداية عند محاربة المرض قبل أن تنخفض في نهاية المطاف، كما يمكن للأطباء مساعدة المرضى على تحمل مستويات مرتفعة من القلق مع خطة مهارات التكيف الصارم، وينبغي أن تتولد مهارات التكيف من قبل المريض لأنه هو من سيقف على أفضل الأنشطة التي يمكن أن تصرف انتباهه وتعمل على تهدئته، وعلى الأطباء التفكير في مهارات التكيف النموذجية مثل الصور الموجهة والتواصل مع الطبيعة والأنشطة البدنية على النحو الذي يرغبون فيه بالنسبة لمعظم المرضى، وكذا التفكير في مهارات التكيف الروحية إذا أبدى المرضى اهتمامهم بها.

التعاون مع الأئمة

دور الإمام في العلاج سيكون مهمًا في مساعدة المريض على التعامل مع القلق المتعلق بالمسائل الدينية والأحكام والمخاوف، وكسلطة دينية، فإن المريض سيكون أكثر عرضة للامتثال للعلاج لعلمه أن الإمام يؤازره في ذلك، لا سيما في المجتمعات التي لا يزال هناك الكثير من وصمات العار والخرافات المرتبطة بالعلاج (على سبيل المثال، إن علم النفس الغربي يتناقض مع الإسلام، أو العلاج مقصور على الأشخاص ممن لديهم ضعف أو عدم إيمان). بالإضافة إلى الإجابة على الأسئلة الدينية، يمكن للأئمة أيضًا أن يكونوا أولي نفع في مساعدة المعالج على توفير إعادة الهيكلة المعرفية من المنظور الروحي، وفي حين أن الإجابة على الأسئلة الدينية سيكون لها عظيم الفائدة للمريض، فإنه على نفس القدر من الأهمية أن يُعلِّم الإمام المفاهيم الأساسية التي من شأنها أن تساعد المرضى على معرفة إجابات أسئلتهم بشكل مستقل. على سبيل المثال، إذا كان المريض يتصل باستمرار بإمام يسأله حلولًا حيال الخوف من نقض الوضوء في الصلاة، سيكون من المفيد للإمام أن يُعلِّم القاعدة الفقهية بأن “الشك لا ينفي اليقين”، بدلًا من الإجابة المستقلة لكل استفسار، ومن خلال هذه الطريقة، فهو يدلي بإجابة واحدة على كل الأسئلة التي يمكن أن ترد في نفس السياق وتحتمل الإجابة عينها. وسيعمل ذلك على منع المريض من بناء شعور بالاعتماد على الإمام، حيث إن السعي إلى ضمان مستمر وغير ضروري يمكن أن يصبح جزءًا من عملية الإلزام.[23]

بالنسبة للأسئلة والمخاوف الدينية فعلى المعالج والإمام تشجيع المرتاد على الاحتفاظ بدفتر وكتابة الأسئلة الدينية مرتبة حسب التاريخ، ومن ثم يمكن للمريض أن يكون لديه ميعاد أسبوعي (سواء في العلاج أو مع الإمام) لمناقشة مخاوفه. إن هذا النهج مفيد أيما فائدة، إذ إنه يجبر المرتاد لتأخير الباعث على التكرار، وهو عنصر أساسي في علاج الوسواس القهري، كما يساعد الدفتر على الحفاظ على علاقة إيجابية بين المريض والإمام،  وبسبب المخاوف غير العقلانية التي قد يعاني منها المرضى نتيجة إهمال واجباتهم الدينية، فقد يتصل بعض المرضى مع الإمام باستمرار ليل نهار، وقد يتسبب ذلك في إزعاج الإمام لما لديه من العديد من الالتزامات الأخرى، ومن المرجح أن يتجاهل المكالمات في نهاية المطاف (مما يتسبب في مزيد من الذعر للمريض). مع ترتيب هذا الدفتر اليومي، سوف يفهم المريض أنه لن يتم الرد على المكالمات إلا خلال الوقت المحدد للاستشارة الهاتفية، والتي قد تسبب الإجهاد على المدى القصير، ولكنها سوف تؤدي إلى زيادة فعالية العلاج على المدى الطويل.

التدخلات الإسلامية

ينبغي لكل من المعالجين الذين يرغبون في التخصص في مجال علاج الوسواس القهري من منظور شامل، والمرضى ممن يرغبون في هذا الخيار، أن يكونوا على دراية بالآليات الإسلامية الواردة في القرآن والسنة، ولا يتعين على المعالجين التعمق في معرفة تلك الآليات، بل إجراء استقراء وافٍ للمعلومات بغية فهم خلفية مرضاهم إذا كانوا يستخدمون تلك الأساليب، أو إذا وصفهم الإمام بذلك، وبفهم هذه الآليات تزداد الكفاءة والحساسية الثقافية الروحانية، ومن المرجح زيادة قوة الرابطة العلاجية بين المعالج والمريض.

وبما أن أولئك الذين يعانون وسواس التدقيق تنتابهم الهواجس والعمل القهري فيما يخص الثوابت الدينية، فإنه ينبغي على المعالج امتلاك القدرة على التفريق بين الممارسة الإسلامية العامة أو خلافها، فضلًا عن أنه من الضروري عدم استخدام التدخلات الدينية بشكل مفرط

لدرجة تحيلها إلى جزء من الاضطراب، وينبغي استخدام التدخلات الإسلامية على النحو المحدد، بجانب أنه ينبغي أن تغمر المرء بشعور من النفع والراحة، إلا أنه عندما يشرع الفرد الذي يعاني الوسواس القهري في استخدامها بشكل مفرط، أو يشعر بحدوث كارثة في حال عدم إتيانه تلك الآليات، عندها يتعين على المعالج أو الإمام أن يوضح ذلك للفرد ويعدل من خطة مهارات التكيف.

وفيما يلي قائمة مختصرة من الآليات أو الممارسات الإسلامية التي يمكن تطبيقها للمساعدة في الحد من الوسواس القهري. وسيتبع كل شرح موجز للآليات، النصُ القرآني أو النبوي الذي اشتقت منه الآلية.

الاستعاذة بالله

الاستعاذة بالله هي آلية شائعة الاستخدام بين المسلمين لحمايتهم من الشيطان، وعندما يلجأ المسلمون إلى الله فإنهم يطلبون عونه لحمايتهم من غواية الشيطان وأذاه، ويمكن للشخص الذي يعاني الوسواس القهري استخدام هذه الآلية لحمايته من الشيطان الذي ينفث فيه سمومه، ولما كان هناك دليل واضح على أن هذه الآلية هي التي يُوصَى بها للتعامل مع الوسوسة، لذا فقد أضحت السنة الشائعة التي عادة ما يوصي بها الأئمة في الصلاة المكتوبة وعلى مدار اليوم.

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم. (سورة فصلت: الآية 36)[24]

(وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون. (سورة المؤمنون: الآيات 97 و98)[25] 

عن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عله وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا) قال فعلت ذلك فأذهبه الله عني.[26]

الرقية

الرقية هي سنة يقرأ فيها المسلمون القرآن الكريم، وأسماء الله الحسنى والأدعية لأنفسهم، من خلال وضع يدهم على الموضع الذي يسبب لهم الضيق والتلاوة عليه، ويمكن أن يوصي الأئمة بهذه الآلية لمعالجة الأمراض الطبية والأمراض النفسية كذلك، والشخص الذي يشعر بالقلق قد يشعر بالاضطراب في رأسه أو صدره، فبإمكانه وضع يده عليهما وقراءة الرقية على ذلك الموضع.

روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضع يدك على الذي تألم من جسدك فقل: بسم الله ثلاثًا، وقال قل: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبع مرات.[27]

الذكر

يعد الذكر، والذي يعني التذكر، أداة نافعة يوصي بها جميع المسلمين، إلا أنه يمكن أن يستخدمها من يعاني القلق على وجه الخصوص للحد من مشاعر الضيق، والغرض من الذكر هو إعمال العقل بشأن الله وتدبر صفاته وسابغ نعمه في محاولة لتوطيد العلاقة به. حينئذ يجني المسلم ثمرة شعوره بالقرب من الله، ويبلغ صلاح الباب الذي يتلخص في استشعار الحماية من قبل ذات عليا لديها القدرة على تغيير كل شيء بما في ذلك النفس والحال والصحة.

وتشير البحوث إلى أن أولئك الذين لديهم صلة قوية بالله، هم على مستويات أقل من الاكتئاب والاضطراب النفسي، في حين أن من صلته بالخالق ليست على النحو المرجو، نراهم وقد تخبطوا في متاهات الانفعال العصبي وباتوا له فريسة.[28]. والذكر لا يعمل على بناء علاقة قوية بالخالق فحسب، بل يمكن أيضًا أن يعمل على تغيير الاضطرابات المعرفية لمرضى الوسواس القهري ممن يلوكون غضب الله والجحيم والعقاب كحجة لتبرير هواجسهم وأفعالهم الإلزامية، فباستخدام الذكر للتركيز على رحمة الله بعباده وحبه لهم -ويكون ذلك على الأرجح بمساعدة الإمام- من شأنه أن يخلق علاقة قويمة مع الله وأن يغير المعارف غير الصحية.

الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب. (سورة الرعد: الآية 28)[29]

عن أبي هريرة -رضي الله عنه -قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: يقول الله تعالى: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة” [30]

الدعاء

الدعاء أو التضرع، هو دواء ناجع لجميع المسلمين، غير أن ثمة بعض الأدعية التي نصح بها النبي محمد ﷺ المسلم عند استشعاره القلق.

وللمسلم أن يدعو خلال الصلوات الخمسة اليومية على نحو غير مفروض في أي وقت شاء إذا ما شعر بالضيق، فضلًا عن أن المرء المصاب بالوسواس القهري بمقدوره أن يحدد أدعية خاصة به تركز على طلبه البرء من القلق العام، والتخفيف من حدة هواجس بعينها، أو القدرة على عدم الاستسلام للأفعال الإلزامية، أو بإمكانه ذكر الأدعية التالية التي أوصى بها النبي محمد ﷺ لتخفيف حدة القلق:

اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك عدلٌ في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي و نور صدري وجلاء حزني وذهاب همي.[31]

اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدّين وقهر الرجال.[32]

حبة البركة

يثني على حبة البركة (المعروفة باسم الحبة السوداء)، أو نيجيلا ساتيفا، العديدُ من المسلمين، وتستخدم للمساعدة في علاج عدة أمراض طبية، وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن حبة البركة، في الواقع، ذات خصائص دوائية شفائية وتساعد على علاج القلق والاكتئاب، فضلًا عن العديد من الحالات الطبية الأخرى.[33] وعلى الرغم من الحاجة لإجراء المزيد من البحوث حول كيفية ومدى تأثير حبة البركة في مختلف مستويات حدة مرض اضطراب الوسواس القهري، فإنه يمكن استخدامها كمكمل مفيد للعلاج والأدوية الكيميائية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّأم” [34]

التحليل السريري (الإكلينيكي) والتوصيات

التعرض ومنع الاستجابة هي الطريقة المثلى لعلاج اضطراب الوسواس القهري، نظرًا لفعاليتها المثبتة، إلا أن لتلك الطريقة بعض العيوب البالغة، فطريقة التعرض ومنع الاستجابة طريقة منهجية دقيقة التفاصيل لا يتدرب عليها سوى عدد قليل من المعالجين، كما أن العلاج مكثف للغاية ويتطلب التزامًا طويل الأمد من جانب كل من المريض والمعالج، وتبين البحوث أن معدلات الانقطاع عن العلاج (25٪) ومعدلات عدم الاستجابة للعلاج (من 5 إلى22٪ إضافية) لطريقة العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة مرتفعة.[35] وبناء على هذه العوامل، ينبغي أن يوجه العلاج بطريقة التعرض ومنع الاستجابة هذه للمرضى ممن لديهم إمكانية الحصول (والوقت والموارد المالية) على هذا النوع من العلاج على يد متخصصين مدربين. وينبغي للمريض متوسط الحال الذي لا يمكنه الحصول على هذا النوع من العلاج، اللجوء إلى معالج على دراية بالعلاج السلوكي وعلاج القبول والالتزام.

كما يؤكد المؤلف بشدة على أن كفاءة المعالج ودُرْبته غاية في الأهمية لشفاء وراحة المريض الذي يسعى للعلاج من الوسواس القهري، فهذا التعاون المهني الفريد الممزوج بالمعرفة المزدوجة بين علم النفس والإسلام، هو العامل الرئيس الذي يميز بين علاج الوسواس القهري وأنواع مرض اضطراب الوسواس القهري الأخرى، فيمكن أن يؤثر المعالج الذي لا يتمتع بالكفاءة الثقافية والروحانية والإمام الذي لا وعي لديه وتقدير لعلم النفس، سلبًا على المريض؛ إما من خلال إيصال معلومات كاذبة من شأنها أن تنفر المريض من العلاج، أو أن يقبلها المريض مخلفة عواقب وخيمة، وكمثال على ذلك، المعالج الذي قد لا يفسر طريقة العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة وعلاج القبول والالتزام وما يصحب ذلك من الحساسية الثقافية والروحية، ما يقود المرتاد إلى الاعتقاد بأن عليه أن يتقبل المعتقدات الكفرية للتحسن من المرض، ما يتسبب في نهاية المطاف في انقطاع المريض عن العلاج دون داع، وثمة مثال آخر ،هو الإمام الذي يخبر المريض بأنه هو المسؤول عن الوسواس القهري 

وأنه نابع من عدم إخلاصه الديني، ما يجعل المرتاد يشعر بمزيد من الأسى، ونظرًا لتعقيد الظروف المحيطة بالوسواس القهري، فمن البديهي أنه لن يكون هناك الكثير من الخبراء المتاحين لعلاج هذه الحال الخاصة، ومع ذلك، ينبغي على مقدمي الخدمات السريرية والدينية ممن يرغبون في مساعدة الغير أن يكونوا أولي إلمام بالأساسيات، وألا يشعروا بالحرج خلال دأبهم طلبًا للمزيد من المعرفة حين تكون خبرته محدودة.

 ويشكل تلقي المعالج لقدر من التعليم النفسي جزءًا أصيلًا من العلاج لا ينفك عنه، فيلزم على أخصائيي الصحة النفسية أن يبينوا للمرضى حقيقة مرض اضطراب الوسواس القهري؛ إذ يُعَد مرضًا طويل الأمد حتى ساعة نجاح العلاج، حيث يتوقع العديد من المرضى نتائح سريعة عند بداية العلاج، وأنهم سيشفون من جميع أنواع الوسواس القهري، وهو ما يخالف المنطق، وتشير الأبحاث إلى أن العلاج يمكن أن يساعد على تقليل الأعراض بشكل كبير، غير أنه قد تلازم آثار مرض اضطراب الوسواس القهري العديد من الأشخاص.[36] ولتخطي تلك المسألة يحتاج الأطباء النفسيون إلى تقييم أعراض اضطراب الوسواس القهري قبل وبعد العلاج لمساعدة المرضى على رؤية تقدمهم المحرز، كما ينبغي أن ينصح الأطباء والأئمة مرضاهم بزيارتهم بين الحين والآخر بعد تراجع الأعراض بدلًا من إيقاف العلاج، حيث يساعد الفحص الدوري تحت إشراف المعالج في الحفاظ على التقدم على المدى الطويل، وأخيرًا، يحتاج المعالجون إلى العمل مع المرضى على وضع خطط للوقاية من الانتكاس، بحيث يدرك المرضى ما يتعين عليهم فعله بالضبط عند عودتهم إلى السلوكيات السابقة وكيفية معالجتها ومتى يشرعون في العلاج مرة أخرى.

كما تساعد دراية الأئمة بالتعليم النفسي في علاج المرضى، لا سيما وإن وضعنا في الاعتبار أن المجتمع الإسلامي ينظر إلى التماس علاج الصحة النفسية بنظرة متدنية.[37] وينبغي للأئمة توضيح أهمية تلقي العلاج (والتدبير العلاجي عند الضرورة) بالإضافة إلى التدخلات الإسلامية، عند استمرار الأعراض وتسببت في المزيد من الاضطراب، وقد لاحظ المؤلف أن التوجه لعلاج الأمراض الجسدية مثل السرطان أو السكري،

بالإضافة إلى التدخلات الإسلامية (كالصلاة) في المجتمعات الإسلامية، يلقى قبولًا بنسبة أكبر من السعي لتعلم علاج الأمراض النفسية، حيث يعتقدون أن طلب تعلم العلاج من الأمراض الجسدية لا علاقة له بعدم الإيمان، بينما يرتبط التماس العلاج من الأمراض النفسية بذلك، فعند إيضاح أن السعي لتلقي العلاج الطبي يكمِّل التدخلات الإسلامية، من شأنه أن يزيد من ثقة المريض في قبول العلاج كما يساعد على عدم الانقطاع المبكر عن العلاج.

البحوث الطبية

ومن الأسف أن البحوث والمؤلفات السريرية والتي تناقش الوسواس القهري وتقيم انتشاره قليلة جدًا في الوقت الراهن، وبالمثل، فالعلاج القائم على الأدلة لتلك الحالة هو قليل أو يكاد لا يوجد، فإذا ما هم أحدهم بكتابة كلمة وسوسة في محرك البحث العادي، فستظهر له مئات من الفتاوى والمقالات غير الرسمية التي تناقش هذا الموضوع، ولكن لن تظهر أبحاث في المجلات الطبية التي يكتبها الأطباء النفسيون في مجال علم النفس، وتشير غالبية المقالات والاستفسارات غير الرسمية إلى أن مشكلة الوسواس القهري تعد مشكلة خطيرة، وأن انتشاره لا يتناسب مع مقدار الاهتمام الذي يوجه حاليًا لهذا الاضطراب.

ولا يعد الوسواس القهري اضطرابًا جديدًا، ولكن نظرًا لغياب الأبحاث الكمية النوعية، وكذلك المنشورات التخصصية، فإنه يمثل اضطرابًا جديدًا في المؤلفات النفسية المعاصرة، حيث تدعو الحاجة إلى إجراء بحوث كمية لتحديد انتشار الوسواس القهري في مختلف البلدان وعوامل الخطر والخصائص السكانية العامة ومدة المرض، كما أن هناك حاجة إلى إجراء تجارب كاملة لمعرفة فعالية مختلف أنواع العلاج، بما في ذلك التدبير العلاجي، وسيساعد تطوير البحوث حول الوسوسة في إثبات ما إذا كان الوسواس القهري ينبغي أن يصنف كنوع من أنواع اضطراب الوسواس القهري (كما هو الحال في الوقت الحاضر) وما هي التدخلات المثلى لعلاجه.

وبإمكان الأطباء النفسيين الذين يعالجون المرضى ممن يعانون من الوسواس القهري أن يدلوا بدلوهم في هذا المجال قيد الدراسة، وذلك من خلال توثيق ونشر دراسات عن الحالة، فإعداد ملخصات نوعية بشأن تجارب هؤلاء المرضى، وبخاصة تلك التي تخلق نتائج إيجابية، من شأنها أن تساعد على إعداد تدخلات ذات خصائص علاجية وحساسية دينية كبيرة، كما أن التعاون مع الأطباء الآخرين على المستوى المحلي أو الوطني

في شكل مؤتمرات أو إشراف الأقران يمكن أيضًا أن يثير المزيد من المناقشات، وأن يعمل على نشر الوعي بالمرض وبناء شبكة قوية من الأطباء المتخصصين.

تلخيص

إن الوسواس القهري هو اضطراب معقد يصاب المسلمون خلاله بهواجس غير مرغوب فيها وأفعال إجبارية متعلقة بالمعتقدات الدينية أو شعائر العبادة، تتسم بالتجاوز والخلل والاضطراب، ويعد الوسواس القهري حاليًا أحد أنواع مرض اضطراب الوسواس القهري، لكنه يمتاز عن أنواع أمراض اضطراب الوسواس القهري الأخرى في أنه في حاجة إلى علاجات وتدخلات أكثر تخصصًا، كما أن الهدف من هذا المنشور هو المساهمة في مجال علم النفس الإسلامي المتنامي من خلال تحديد ماهية الوسوسة، وما هي أنواع الوسواس القهري المختلفة، وكيف يمكن للأطباء والأئمة علاج هذه الحالة على أفضل وجه حين تصل إلى مستويات الإعاقة النفسية، ومن الناحية المثالية، يتطلب علاج الوسواس القهري طبيبًا كفؤًا ثقافيًا، والتعاون مع إمام، وعلاجًا سلوكيًا معرفيًا فعالًا، كما أن هناك حاجة إلى إجراء المزيد من البحوث لزيادة إدراك تلك الحالة وتحديد العلاجات السريرية والإسلامية التي من شأنها خلق نتائج أكثر فعالية.


[1] هو دليل نشرته الجمعية الأمريكية للطب النفسي والذي يحدد الأمراض العقلية ويصنفها، ويعد هذا الدليل المرجع المقياسي الذي يستخدمه كل علماء النفس الأمريكيين والأطباء النفسيين ومعالجي الصحة النفسية لتقييم وتشخيص عملائهم تحسبًا للأمراض النفسية المحتملة.

[2] بولارد، إيه. (2010). وسواس التدقيق. نقلًا عن https://iocdf.org/wp-content/uploads/2014/10/IOCDF-Scrupulosity-Fact-Sheet.pdf 

[3] Utz, A. (2011). علم النفس من المنظور الإسلامي. الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية الدولية.

[4] ابن كثير، هـ. (2003). تفسير ابن كثير (المجلد الثاني). الرياض دور الإسلام.

[5] Utz, Aعلم النفس من المنظور الإسلامي.

[6] محمد تقي الدين الهلالي، ومحمد محسن خان. (1999). ترجمة معانى القرآن الكريم باللغة الإنجليزية (النسخة المعاد طبعها). المدينة، المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم.

[7] رادومسكي، إيه. ألكولادو، جي. أبرامويتز جيه. ألونسو، بي. بيلوش، إيه. بوفارد، إم. كلارك، دي. كوليز، إم. دورون، جي. فرنانديز-ألفاريز، إتش. غارسيا-سوريانو، جي. غيسي، إم. غوميز، بي. إينوزو، إم. مولدينغ، آر. شمس، جي. سيكا، سي. سيموس، جي. ووجونغ، دبليو 2014). الجزء الأول. بإمكانك الركض ولكن لا يمكنك الاختفاء: الأفكار الدخيلة في 6 قارات. مجلة الوسواس القهري والاضطرابات النفسية ذات الصلة، 3، 269-279. نقلًا عن http://dx.doi.org/10.1016/j.cbpra.2009.10.002 

[8] الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين. (2013). الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (النسخة الخامسة المنقحة). أرلينجتون، في إيه: منشورات الأطباء النفسيين ص 129-130.

[9] سوكمان، دي. أبرامويتز، جيه. كالاماري، جيه. ويلهلم، إس وماكاي دي (2004). الأنواع الفرعية لاضطراب الوسواس القهري: الآثار المترتبة على العلاج السلوكي المعرفي المتخصص، والعلاج السلوكي،36 (4): 393-400. نقلًا عن https://www.researchgate.net/publication/222412431_Subtypes_of_obsessiveCompulsive_disorder

_Implications_for_specialized_cognitive_behavior_therapy

[10] بولارد، إيه. (2010). وسواس التدقيق. نقلًا عن https://iocdf.org/wp-content/uploads/2014/10/ IOCDF-Scrupulosity-Fact-Sheet.pdf

[11] أبرامويتز، جيه، جاكوبي، آر. (2014). وسواس التدقيق: التحليل السلوكي المعرفي والآثار المترتبة على العلاج. مجلة الوسواس القهري والاضطرابات المتعلقة به، 3، 140-149.نقلًا عن  http://jonabram.web.unc.edu/files/2014/05/Scrupulosity-model-2014.pdf 

[12] نفس المرجع.

[13] الحج، 18 أكتوبر 2016. أيميل.

[14] جوناثان أبرامويتز (2009). اضطراب الوسواس القهري في فترة بعد الولادة والفترة المحيطة بالولادة. مؤسسة اضطراب الوسواس القهري الدولية. تم الاسترداد في 28 يونيو 2016 من https://iocdf.org/wp-content/uploads/2014/10/Postpartum-OCD-Fact-Sheet.pdf

[15] إدنا فوا ويادين إي وليشنر تي (2012). التعرض ومنع الاستجابة (الطقوس) لاضطراب الوسواس القهري (الطبعة الثانية). نيويورك، نيويورك: طباعة جامعة أكسفورد.

[16] كناب، بي. و بيك، إيه. (2008). العلاج المعرفي: الأسس والنماذج المفاهيمية والتطبيقات والبحوث. مرجعه http://www.scielo.br/pdf/rbp/v30s2/en_a02v30s2.pdf

[17] فاو. إي تي إيه إل. (2012)

[18] فاو. إي تي إيه إل. (2012)

[19] عبد الرحمن، إم. (2004). سؤال وجواب – الفقه والأحكام الإسلامية: المعاملات، الجزء الخامس. لندن، المملكة المتحدة: إم إس إيه المحدودة للنشر. 

[20] كوران، L.، هنا، G.، هولاندر، E.، نستادت، G، & سيمبسون، H. (2007). ممارسة التوجيهات ي لعلاج المرضى الذين يعانون من اضطراب الوسواس القهري. المجلة الأمريكية للطب النفسي، 164 (7)، 5-53.

[21] توهيغ M. P.، هايز S. C.، بلومب J. C.، برويت L. D.، كولينز A. B.، هازليت-ستيفنز، H.، & وودنيك، M.R (2010). تجربة سريرية عشوائية للقبول والعلاج الالتزام مقابل التدريب التدريجي للاسترخاء للوسواس القهري. مجلة الاستشارات وعلم النفس السريري، 78 (5)، 705-16.

[22] هاريس، R. (2006). احتضان الشياطين الخاصة بك: لمحة عامة عن القبول والالتزام بالعلاج. العلاج النفسي في أستراليا، 12 (4)، 2-8. تم الاقتباس من http://www.livskompass.se/wpcontent/uploads/2012/11/Russ_Harr_A_Non-technical_Overview_of_ACT.2006.pdf

[23]   Foa, et al.. (2012).

[24] محمد تقي الدين الهلالي، ومحمد محسن خان. (1999). ترجمة معانى القرآن الكريم باللغة الإنجليزية (النسخة المعاد طبعها). المدينة، المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم.

[25] نفس المرجع

[26] المنذري، إيه. (2000). ترجمة المعاني الموجزة لصحيح مسلم، عربي/إنجليزي، المجلد الثاني، الرياض المملكة العربية السعودية: دار السلام لتوزيع والنشر، ص 767.

[27] نفس المرجع

[28] إليسون، سي. وبرادشوا، إم. وفلانيلي، كيه. وجالك كيه. (2014). الصلاة والرباط مع الله وأعراض الاضطرابات المتعلقة بالقلق عند الأمريكيين الكبار. علم الاجتماع من المنظور الديني، 75 (2)، 208-233. نقلًا عن http://www.baylorisr.org/wp-content/uploads/Sociology-of-Religion-2014-Ellison-208-33.pdf

[29] محمد تقي الدين الهلالي، ومحمد محسن خان. (1999). ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية (النسخة المعاد طبعها). المدينة، المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم

[30] المنذري، إيه. (2000). ترجمة المعاني الموجزة لصحيح مسلم، عربي/إنجليزي، المجلد الثاني، الرياض المملكة العربية السعودية: دار السلام للتوزيع والنشر، ص 997.

[31] سعيد القحطاني. (1996). حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة، الرياض المملكة العربية السعودية: السفير للنشر، ص 156-157.

[32] نفس المرجع

[33] بهشتي، إف. وخازائي إم. وحوسيني، إم. (2016). الآثار العصبية المدمرة من نيجيلا ساتيفا (حبة البركة). مجلة ابن سينا للطب النباتي،6 (1)، 124-141.

[34] محمد محسن خان، (1995) ترجمة معاني سورة البقرة، المجلد السابع، المدينة: دار إحياء السنة، ص، 399.

[35] تولينج، إي تي، إيه إل.

[36] فاو. إي تي إيه إل. (2012)

[37] أمري، إس. وبيماك، إف. (2013). سلوكيات المسلمين المهاجرين لالتماس علاج الأمراض النفسية في الولايات المتحدة: التغلب على الوصمة الاجتماعية والارتياب الثقافي، مجلة الصحة النفسية للمسلمين، 12(1). مرجعه إلى http://quod.lib.umich.edu/cgi/p/pod/dod-idx/mental-health-help-seeking-behaviors-of-muslim-immigrants.pdf?c= jmmh;idno=10381607.0007.104