Yaqeen Institute for Islamic Research
is-feminism-the-problem-why-ideological-bandwagons-fail-islam-hero-image

هل الحركات النسويّة هي المعضلة؟ الاتجاهات الأيديولوجية تذَهَب سُدى في الإسلام

[تسنيم:] كانت البداية في جلستنا الأسبوعية عن الدراسات الإسلامية حين سرحت في كلمات الشيخ الّتي رنّت في أذني، “… ولهذا لا ينبغي على المرأة حفظ القرآن.”  ما الّذي قاله لتوه؟ لقد أنهيت حفظ القرآن هذا العام ولهذا انتفضت من مكاني. أكمل الشيخ ” حفظت أختي القرآن ولكنها انشغلت بمولودها الجديد، لذلك لم يكن لديها وقتًا لمراجعته، والآن نسيته تمامًا. لذا من الأفضل للنساء ألّا تحفظن القرآن لأنهن لن تكنَّ قادرات على مراجعته مع تربية الأولاد.”

لم أستطع إخفاء صدمتي، وعلى الفور حدثت نفسي بأنني عرفت عديد من الرجال الّذين حفظوا القرآن، ولسببٍ ما أو لآخر، لم يراجعوه أبدًا. اكتفيتُ بالصمت ولم أصرّح بوجهة نظري المعارضة كليًا له فكيف يمنع المرأة من تحقيق اثنين من أعظم الأعمال في آنٍ واحد-حفظ القرآن وتربية الأولاد؟ في تلك اللحظة، سلب الشيخ مني الشيء الّذي أعطاني الإلهام، والقوة والسكينة-الساعات الطويلة والتفاني في حفظ القرآن، وتركني لا حول لي ولا قوة.

لا يمكن إنكار مشكلة المجتمعات المسلمة مع الجنس؛ فمن جهة يشعر المسلمون بالإحباط بسبب الظلم الّذي يلاقونه-الصغير والكبير-بسبب الجنس. ومن جهة أخرى، يشعر كثير من الرجال المسلمين (وبعض النساء) بالغضب مما يرونه كشريحة متزايدة النمو بين الحركة النسائية المسلمة الّتي تدين الرجال باعتبارهم متحيزين جنسيًا، وتتهم جميع المؤسسات-حتى الدينية منها-باحتقار النساء على نحو متأصل.

ما المقصود بالحركة النسويّة؟

ظهر مصطلح الحركة النسويّة في فرنسا، في القرن التاسع عشر، ثمّ انتشر بسرعة في المجتمعات الأوروبية الأخرى، ووصل أخيرًا إلى أمريكا في عام1910.[1] ويعود أصل المصطلح الفرنسي إلى femme بمعنى “المرأة” و isme بمعنى مبدأ سياسي أو اجتماعي. ولكن، في البداية لم تتبنى أغلبية النساء هذا المصطلح بسبب الإختلافات حول معناه. بالتالي، منذ بدايتها، كانت الحركة النسويّة في جدال مستمر ، وتتغيّر وفقًا للخلفية الثقافية والسياسية.[2] وبالرغم من هذا، ظلّت بعض مبادئ هذه الايدلوجية متماسكة نسبيًا: بشكلٍ عام، تسعى الحركات النسويّة إلى مقاومة التوقعات والتفاوتات المرتبطة بالجنس.[3] على أيّ حال، لقد نشأت مجموعات من هذه الحركة وتبنّت بعضها إحداث تغيّرات جذرية فيما يعنيه “كونك امرأة”.  وفي بعض الأوقات، طالبت بفرص عملٍ مساوية للمرأة؛ وأوقاتٍ أخرى، عارضت الاتجاهات المتسلّطة ضد الجنس والمتجذّرة في الأمثلة الدينية.[4]

في الولايات المتحدة، خاصة، يُصنّف تاريخ الحركات النسويّة لذوات البشرة البيضاء العامة  في خمس مراحل. تضمّ المرحلة الأولى حركة من أجل تصويت المرأة؛ مثّلت إليزابيث كادي ستناتون  وسوزان أنتوني، الشخصيتان البارزتان، الحركة في مؤتمر سينيكا فولز عام 1848. و برزت هذه الحركة في مجال التصنيع وركّزت على المطالبة بفرص عمل مساوية للمرأة. فيما بين الأعوام 1960 و 1970،  ظهرت الحركة الثانية الّتي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بفترة ما بعد الحرب وحركات الحقوق المدنية. أخيرًا، ومع مطلع عام 1990، دخلت الحركة النسويّة في مرحلتها الثالثة، على غرار عديد من الحركات الأخرى، تناولت المسائل المتعلقة بفترة ما بعد الاستعمار.[5] بالطبع، دائمًا تكافح النساء، على مرّ التاريخ و في كلّ بقاع العالم، من أجلّ أنفسهنّ وعائلتهنّ بغضّ النظر عمّا إذا كنَّ ضمن الحركات النسويّة أم لا.

لقد استمرّت الحركة النسويّة في التطوّر بشكل طبيعي؛ واليوم، عديد من الحركات، والقضايا والجماعات تتبنى هذا المصطلح وقيمه، ولقد أصبح، مثل أفكار العدالة الاجتماعية الأخرى، متعدد الجوانب في تطبيقه. الآن، تملك النساء محددات الهوية الذاتية مفهومهن الخاص لهذا المصطلح والّذي شكلنْه وفقًا لخبراتهن.  وفي الوقت الّذي تندد فيه بعض النساء بالاعتداءات الجنسية والأجور غير العادلة، ينتقد الأخرون الحركة كلّها بسبب تحيزها لذوات البشرة البيضاء والامتيازات الطبقية الّتي سيحصلون عليها إذا استردّوا مكانتهم الطبيعية. في البداية، ما عُرف على أنه حركة من أجلّ الجنس والمساواة اصطدم بالمفاهيم المختلفة لكلًّا منها، ولم يتوافق مع العِرق، والطبقات، والدين، والمواطنة، والحرب، والاستعمار وغيرها.[6] ولهذا تُعرف الحركات النسويّة من خلال تاريخها أكثر ممّا تُعرف به من الانتقادات الّتي وُجّهت لذلك التاريخ.

يعتقد منتقدو الحركات النسويّة الإسلامية، خاصة، أن تلك الأيدولوجية تقود متبنييها لمنحدرٍ زلقٍ يبدأ بالمخاوف إزاء القمع القائم على الجنس، ويستمرّ  المنحدر لينسب القمع إلى الدين، ثمّ ينتهي المنحدر بالتخلي عن الإيمان كليًا بسبب المفهوم القائل بأن المؤسسات الدينية والعقائدية تأصّل للذكورية ومعاداة المرأة.[7] تقوم عديد من هذه المناقشات على حقيقة عدم ملائمة بعض الجوانب الأساسية لمشروع الحركات النسويّة للدين في عمومه، وربما تتعارض مع الإسلام (مثلًا: عزو كلّ الاختلافات في الجنس للعوامل الاجتماعية، أو الرفض الكلّي للأدوار المحددة لكلّ نوع). لهذا يدفع معارضو الحركة النسويّة بأن بعض متبني هذه الأيدلوجية ربما يتركوا، أو ربما يكونوا عرضة لترك طية الإسلام. من خلال هذا البحث، نصف المشكلة كما نراها ونقيّم أكثر الطرق الفعّالة الّتي تجذّرت في مفاهيمنا.

المشكلة

لماذا تترك بعض المسلمات الإسلام؟ مع عدم وجود إجابة واحدة لهذا السؤال، ربما يفيد تغيير الصيغة، ” لماذا تنفُرّ المسلمات من الأماكن المسلمة؟”  في عام 2014، أُجريت دراسة استطلاعية، غير تابعة للمساجد، على المساجد في سائر أنحاء البلاد لتقييم التحديات المرتبطة بالحفاظ على المجتمع المسلم الناجح في الولايات المتحدة اليوم. كان الاكتشاف الرئيسي أن المسلمات من أكثر المتأثرات بتلك التحديات. وفي هذا الوقت، أفادت المساجد أن متوسط حضور النساء للمناسبات الدينية مثل يوم الجمعة خلال عشر سنوات وصل لنسبة18% مقارنة بنسبة 77% وهي نسبة حضور الرجال. بينما، بالطبع، يعود جزء من هذا إلى حقيقة فرض حضور الصلاة في المساجد على الرجال وليس النساء، إلّا أن الاستطلاع أفاد بأن المساجد، بشكل عام، قد لا تكون أكثر الأماكن ترحيبًا بالنساء. بينما تضمّ عديد من المساجد برامج للنساء، تمنح 4% منها فقط الأولوية لتلك البرامج والأنشطة، وتمنح 3% من المساجد فقط الأولوية للجماعات والاتحادات النسائية.[8]  جميعًا يعلم أن تمثيل النساء عبر التاريخ بوجه عام في إمامة المساجد ضئيل مثل سماع أصواتهن في المناسبات، والمحاضرات والمحافل الأخرى. تلوح أيضًا مشكلة الحيز العمراني: لا تضمّ عديد من المساجد أماكن مناسبة للنساء، وعادةً تصلي النساء في أماكن مكتظة، وغير نظيفة وأيضًا يتعذّر الوصول إليها.

خارج دور العبادة تلك، تواجه المسلمة، مثل كافة النساء، التحديات في المنزل والمجتمع مثل العنف الأسري والتحرّشات الجنسية. في بعض الحالات، يستخدم مرتكبو تلك الانتهاكات الدين لتبرير وشرعنة أفعالهم وبالطبع لا يمتّ هذا الأمر للإسلام بصلة.

وأخيرًا، تتحمل المسلمات عبئًا أكبر ممّا يتحمّله المسلمون-خاصة هؤلاء اللاتي يظهر عليهن السمات الإسلامية-الأمر الّذي يزيد الإسلاموفوبيا. توصلت دراسة أجراها معهد التفاهم الاجتماعي والسياسي (ISPU) في عام 2017 على المسلمين الأمريكيين أن المسلمات هن أكثر من يعانين من جرائم الكراهية والإسلاموفوبيا الصريحة في وقت ما بعد انتخاب ترامب، وهن أكثر من يبلّغ عن الأمر.[9]

لذلك، نحن أمام مجتمع أماكن قليلة جدًا مخصّصة ومهيّأة لتشجيع المرأة المسلمة للقيام بدورها وللمشاركة الفعّالة فيه. لنكن على يقين، أنه بالرغم من ذلك تستمرّ بعض المسلمات في التدريب على الإدارة للتفوق، ولتحقيق وتمثيل عقيدتهن، وللقيام بدورٍ رائد في مجتمعاتهن. لكن، في بعض الأوقات تتحولن لأماكن أخرى تسيطرّ عليها مخاوفهن-مثل: نقص الدعم، والمصادر ولكن، حرفيًا ومجازيًا، هن متمكّنات في مجتمعاتهن-خاصةً، مع وضع تلك المخاوف في إطار النضال النسويّ الأعمّ ضد الأنظمة الذكورية. ليس بالضروري أن يكون الشيء الجاذب هنا هو الأيدلوجية نفسها ولكن، هدفها من معالجة بعض الأمور غير العادلة الّتي تواجهها المسلمة، وهذا هو الهدف الّذي لا يراه الكثيرون في الأماكن المسلمة.

لذلك، ما الّذي ينبغي علينا فعله؟

يروّج بعض المسلمين استناد شعار الحركات النسوية الإسلامية إلى فكرة تحرير المرأة على النهج الثقافي الاجتماعي الغربي، ويُؤخذ هذا النهج على أنه حقيقة كونية يُطرح من خلاله تساؤلًا حول شرعية التعاليم المتعلقة بالجنس في القرآن والسُنّة. هؤلاء يؤيدون كلّ ما هو نسويّ، ويروّجون بإخلاص لمبدأ صب اتباع تلك الأيدلوجية في مصلحة حل التحديات المجتمعية المتعلقة بالجنس. بينما ينظر مسلمون آخرون إلى الحركات النسويّة على أنها تهديد أجنبي للإسلام، السّمّ الّذي يمزق صميم القيم الإسلامية تدريجيًا لإجبار المسلمين على تغيير تعاليمهم الدينية لتوافق المعايير والمُثل الليبرالية الغربية. يوجّه بعض هؤلاء جهودهم كليًا لدحض الحركات النسويّة، وفي الوقت نفسه يتجاهلون الأسباب الرئيسية الّتي تدفع النساء لمعسكر الحركات النسويّة ليبدأوا بها.

بالطبع ، من الأهمية معرفة الأصول الأيدلوجية للحركات النسويّة وتناقضاتها الواضحة مع العقيدة، معرفة الأصول ومناقشة النهاية المنطقية الّتي تأخذنا إليها. ويعتبر ذلك جزءَا من تشجيع أنفسنا لنكون واعين في تفاعلنا بحيث ينعكس ذلك على مناقشاتنا. وفي نفس الوقت، التركيز على أن الحركات النسويّة سبب أولي لترك النساء الإيمان الذي يشكّل معضلة لسببين على الأقلّ: 1) يتضمّن معالجة ما نراه أعراض عزلة المرأة المسلمة وليس أسبابها الجذريّة؛ 2) يسبب عزلة أخرى لهؤلاء اللواتي يشعرن  بعدم وجود مكان لهم في المجتمع المسلم.

إن ما يشكّل خطرًا أكبر عند معالجة هذه الأسباب هو تحول بعض المسلمات للحركات النسويّة العلمانية في المقام الأوّل. وبدلًا من قبول المعايير الجنسية في مجتمعنا والّتي لا أصول لها في الإسلام، بغرض تنحية كلّ أشكال التعصّب الجنسي جانبًا بشكلٍ عام، علينا التركيز على بناء بيئة لتأهيل المرأة المسلمة والاعتراف بمركزيتها في العقيدة الإسلامية عبر التاريخ، وفي العصر الحديث وفي المستقبل. قبل تحديد أسباب كون الحركات النسويّة غير متناسبة مع الإسلام ولا يمكن أن تتناسب معه، علينا مضاعفة جهودنا لاستيعاب المفهوم الإسلامي للجنس، وتطبيقه على عائلاتنا، ومساجدنا، ومنظماتنا ومجتمعاتنا. وبدلًا من الإشارة بأصابع الاتهام نحو الحركة النسويّة بأنها الغول الّذي يبعد المسلمين عن إيمانهم، ينبغي في المقام الأوّل إعلان مسؤوليتنا عن الفشل في التصرّف وفقًا للتعاليم النبويّة.

ما الدليل علي ذلك في السنة النبوية؟

بالرغم من جمال وكمال الأحاديث النبوية السالف ذكرها،  للأسف، كثيرًا ما يُساء استخدامها لتعزيز الاعتقاد الخاطيء القائل بأن الإسلام يسئ معاملة المرأة. فكثيرًا ما تتداخل خطب الجمعة ودروس المساء مع الحديث المتعلق بدونية المرأة ومنعها من المشاركة الكاملة في المجتمع. فعلى سبيل المثال، ينصّ أحد الأحاديث النبوية الشريفة، ظاهريًا، أن النساء “ناقصات عقل ودين” [10]

للأسف، من السهل إحصاء عدد المرّات التي استُخدم فيها هذا الحديث لإثبات أن الرجال هم الأفضل والأنسب للريادة في شتي المواقف. ولكن، هؤلاء لم يلقوا بالًا للسياق الذي قال فيه النبي ﷺ هذا الحديث الشريف. فلم تكن الخطبة حينها تدور حول موضوع الجنس بل عن الإحسان والصدقة. [11]

فقد قيل هذا الحديث يوم العيد بعد الصلاة عندما كان النبي ﷺ يوصي الرجال والنساء بضرورة إخراج الصدقات، حيث وجّه حديثه للرجال آمرًا إياهم بالإحسان حتي ينالوا رضا الله -عز وجل-في الدنيا والآخرة، ثمّ نصح النساء برفقٍ ولينٍ بضرورة الإحسان والتصدّق لأنهن غير مكلفات بالصلاة والصيام أثناء الحيض أو ما شابه.

 فالنبي ﷺ، من خلال نصيحته لهم بزيادة الصدقات، يتيح لهم فرص أخرى للتقرب إلى الله في الدنيا والآخرة. ففهم الذين شهدوا صلاة العيد حينذاك مقصود النبي ﷺ من وراء تلك الكلمات على الفور؛ حتّى أن زينب ابنة أبو معاوية سارعت بالعودة إلى منزلها بعد صلاة العيد، ثمّ هرعت إلى مستشار النبي ﷺ لتعطيه الصدقة من ثروتها.

يوضح هذا السياق الحاسم للحديث أن النبي ﷺ لم يقصد التقليل من شأن المرأة أو قدرتها بالنسبة للرجال، كما أنه لم يحدد نوعًا من الترتيب الهرمي للجنس يشغل الرجال فيه مرتبة أعلى من النساء؛ [12]بل حثّ ﷺ، في هذا الشأن بالتحديد، على أخذ المرأة الصدارة في زيادة الصدقة مقابل تخفيف تكليفها بمسؤوليات أخري وتأثيرها العظيم على الرجال.

دعنا نتخيل حين يقود الأئمة والدّعاة مردييهم بفرض أن النساء قادرات على تولي مناصب العلماء والقادة في مجتمعاتهم، وأن المسجد أو القيادة التنظيمية لم يقتصر على هذا الافتراض وحسب بل نفّذه بالفعل عن طريق تشكيل القيادة من الرجال والنساء، فضلًا عن تقدير أصوات واهتمامات جميع الأعضاء على قدم المساواة.

 في الحقيقة، نحن أبعد ما يكون عن تنفيذ ذلك. فطالما تمثل المناداة بالنظام الأبوي إحباطًا للنساء اللاتي لا يشعرن أن اهتماماتهن تُؤخذ على محمل الجد ولا يرين أنفسهن جزءًا لا يتجزأ من مجتمعاتهن. لذا قد يؤدي شن الحرب ضد الحركة النسويّة إلى إتاحة الفرصة لهؤلاء الذين يسعون إلى إسكات النساء وتشويه سمعتهن من خلال تصنيف جميع شكواهن بأنها مجرد دعوة للمساواة.

 كان النبي ﷺ ينصت لشكاوى النساء ويأخذها على محمل الجد. فعلى سبيل المثال، عندما جاءت خولة بنت ثعلبة للنبي ﷺ تشتكي أفعال زوجها الظالمة. جاء الرد علي شكواها من عند الله نفسه ليُخلّد إلى يوم القيامة، وجاء ذلك في قوله تعالي “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا”[١:٥٨]، يضع سبحانه وتعالى في هذه الآية والآية التي تليها أفضل الأمثلة في هذا الصدد ليس من  خلال الاعتراف بشكواها فحسب، بل بوضع حل لها من الناحية الشرعية بإنزال سورة كاملة في القرآن تُسمّى بالمجادلة نسبة إلي قصتها .

في الواقع إن النساء المسلمات قدمن نماذج مشرفة عبر التاريخ، فقد كن قائدات في العلم ونجوما يُستضاء بها في شتى المجالات. فعلي سبيل المثال، كانت السيدة عائشة-رضي الله عنها-، زوج النبي ﷺ، تصحح لأقرانها من الرجال أمورًا في الحديث والفقه، كما حاربت السيدة نُسيبة بنت كعب جنباً إلى جنب مع النبي ﷺ في غزوة من غزواته.

فضلا عن عالمة الرياضيات “ستيتة المحاملى” التي تركت لنا مجموعة من المسائل الرياضية المعقدة والحلول المبتكرة لها التي لا تخلو من أصالة علمية في عصرها. وتعد الملكة “أمينة” من بلاد زاريا مثالا يحتذى به أيضًا حيث تمكنت من حماية مملكتها، فقد قدمن هؤلاء المسلمات نماذج لا مثيل لها في خدمة مجتمعاتهن.

فكيف لنا أن نمحو مساهماتهن العظيمة من ذاكرتنا على الرغم من تاريخهن المشرف. لذا، فنحن المسؤولون عن إحياء ذكراهن ومنح القوة والدافع لنساء عصرنا، الكبيرة منهن والصغيرة، أملًا في تمكين هذا الجيل والجيل القادم من تسخير جميع إمكانياتهن لخدمة الآخرين وخدمة الله عز وجل.

السمو بفكرنا

توجد عديد من الأفكار المندرجة تحت شعار “المساواة بين الرجل والمرأة” تمثّل مشكلة للمسلمين وقد يتناقض البعض منها كليًا مع تعاليم الإسلام، ففي الواقع، عند تناول الأيديولوجيات العلمانية نجد أنها تتعارض بشدة مع القيم والأخلاقيات الإسلامية. ولا يتأتى تجنب إنحراف تلك الأيديولوجيات عن مسارنا إلا بالنظر إلى ما هو أبعد من تلك المسميات عن طريق إعادة تقييم تلك الأفكار، ومحاولة الموازنة و التقريب المبنية على أسس راسخة من تعاليم ديننا. فلو أننا حقًا نثق في الإسلام حق الثقة وكذلك في مصادره و مناهجه، لتيقنا من إمكانية التصدي لتلك الأفكار مباشرة. ومن ثمّ نستطيع تفنيد تلك النظريات والأفكار المعقدة فنتقبل الصالح منها ونستبعد تمامًا ما لا يتماشى مع تعاليم ديننا.

ومن الجدير بالذكر والمؤسف أيضًا، أن بعض المسلمين-إن لم يكن أغلبهم-لا يدركون تلك الأسس الراسخة. لذا، لا بد من توحيد جهودنا في تدريب الأئمة وقادة المجتمع أملًا في توفير أماكن لتكون مقصدًا لهؤلاء الذين لديهم إشكاليات قد تكون لها أبعاد خطيرة فيناقشوها و يحصلون على إجابات لأسئلتهم.

كما يقع على عاتقنا فتح المجال للحوار مع الجميع وخصوصًا تلك الفئات المهمشة، مثل النساء والشباب والمسلمين الجدد وغيرهم للإفصاح عن شكوكهم ومخاوفهم حول الإسلام، لا يتأتى هذا إلا بالكف عن صدهم وتجاهل مخاوفهم حتى لا تتسبب الأيديولوجيات الغربية بتغيير أفكارهم. فلم تنشأ تلك المخاوف إلا نتيجة لأخطائنا وقصورنا، فنحن بشر نصيب ونخطأ، فضلًا عن إخفاقنا في التقدي برسولنا الكريم. فلا بد أن نتفهمهم ونتحاور معهم، وأن نصبح بمثابة القدوة الحسنة لهم. فمن لم يستطع التعبير عما يجول بخاطره في مساجده ومجتمعاته، سيتوجه بلا شك إلى مصادر أخرى تجيب على أسئلته المحيرة و من ثم سينفلت من بين أيدينا.


[1]  استيل فريدمان :تاريخ نظرية المساواة و مستقبل النساء (نيويورك ،مجموعة النشر راندوم هاوس(.١٨ ،.)

[2]  المرجع نفسه.

[3]  المرجع نفسه.

[4]  ماري كاسيان ، خطأ نظرية المساوة ،(ويتون ،دار النشر : جود نيوز ،٢٠٠٥)11

[5]  . تشارلوت كرولوك وآن سكوت سورينسين ،”الموجات الثلاث لنظرية المساواة : المطالبة بحقّ اقتراع المرأة للفتيات في نظريات التواصل والتحليلات: من الصمت إلى الأداء، (ثوساند أوكس: دار النشر Sage،2006)، صفحة١_٢٥

[6]  حول التقاطع، انظر كيمبرل كرينشاو، “إزالة تجسيد تقاطع العرق والجنس: A

النقد النسائي الأسود لعقيدة عدم التمييز، النظرية النسوية وسياسة مناهضة العنصرية، “المنتدى القانوني لجامعة شيكاغو 1989: 1، 8. متاح  على http://chicagounbound.uchicago.edu/uclf/vol1989/iss1/8

[9]  داليا مجاهد ويوسف شحود، “استطلاع على المسلمين الأمريكان 2017: مسلمين على مفترق الطرق”، معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، https://www.ispu.org/american-muslim-poll-2017/.

[10] سيناقش هذا الحديث بمزيد من التفاصيل في منشور يقين القادم.

[11] أشار الباحث المعاصر الشيخ سلمان العوده إلى أن “الحديث عن  (نقصان الدين) فى ” ناقصات عقل و دين  لا ينطوي على الحد من التدين، فهناك نساء كثيرات يتجاوزن الرجال في التدين. بل يعني تقليص المسؤولية (تخفيف التكليف)، حيث لا تصلي المرأة أو تصوم خلال فترة حيضها . “(11 يناير 2016، IslamToday.net، http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-12-221128.htm).

[12] شرح الفقيه الأندلسي، ابن حزم ( ٤٥٦ هجريا) مغالطة أخذ هذا الحديث باعتباره وصفا أنطولوجيا من خلال الإشارة إلى أن أي رجل يقدم مثل هذا الادعاء يجب أن يعترف بكونه أقل شأنا في الذكاء والدين مقارنة مع شخصيات إسلامية عظيمة مثل  السيدة مريم وعائشة وفاطمة وأم موسى وسارة. وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم يشير فقط إلى  نقص الصلوات والصيام، و النقص في الشهادة ولا يحمل أبدا  أي نوع من الإنتقاد  للمرأة. الرجوع إلى كتاب الفصل فى الملل و الأهواء و النحل ، المجلد. 4، p. 104، يمكن الاطلاع عليها على الإنترنت: http://www.islamport.com/w/aqd/Web/2595/552.ht

Avatar

Tesneem Alkiek

FELLOW | Tesneem is the Director of Expanded Learning and a Fellow at Yaqeen Institute. She completed her undergraduate degree in Early Christianity and Islamic Studies at the University of Michigan. She is currently a Ph.D. candidate in Islamic Studies at Georgetown University with a focus on the development of Islamic law.

Avatar

Nour Soubani

Nour Soubani holds a Master’s degree in Middle East Studies from Harvard University and a Bachelor’s degree with High Honors in International Studies, Arabic, and American Studies from the University of Michigan.