Yaqeen Institute for Islamic Research
Domestic-Violence-Hero-Image

الإسلام والعنف ضد المرأة: بحث دقيق عن العنف الأسري والقتل دفاعًا عن الشرف في المجتمع المسلم

عُرض في المؤتمر السنوي الثاني عشر للجرائم ضد المرأة.

الفهرس:

  1. تصدير لداليا مجاهد
  2. رؤى إسلامية للعنف الأسري لتسنيم ألكيك
  3. محاضرة في المؤتمر السنوي الثاني عشر للجرائم ضد المرأة لعمر سليمان
  4. ليس الإسلام سببًا للقتل دفاعًا عن الشرف بل جزءً من الحل لجوناثان براون

 تصدير لداليا مجاهد

خلال بيان إذاعي بتاريخ 17 نوفمبر 2001، كانت باربرا بوش السيدة الأولى في ذلك الوقت تسعى لحشد التأييد لصالح الحرب في أفغانستان عن طريق تصدير الحرب على الإرهاب  أنه يماثل “القتال من أجل حقوق المرأة وكرامتها.”

يشمل الأمر التنفيذي للرئيس دونالد ترامب، الّذي يحظر السفر إلى أمريكا من 6 دول يغلب عليها الطابع المسلم، حكمًا يستلزم تسجيل ما يسمّى “القتل دفاعًا عن الشرف” في الولايات المتحدة. يجادل المدافعون عن حقوق الإنسان، المنتقدون للأمر، أن استخدام مصطلح “القتل دفاعًا عن الشرف،” بدلًا من مجرد التصدي للقتل الأسري بشكلٍ عام، كان هجومًا مستترًا ضئيلًا على المسلمين باعتبارهم ميّالين إلى العنف ضد المرأة، وتبعًا لذلك، استُخدم كمبرر لما يسمى “حظر المسلمين.”

على الرغم من أن تلك الأمثلة قد تبدو للبعض ظاهريًا أنها محاولات حسنة النية لحماية المسلمات من ثقافتهم، إلا أنها في الواقع مرتبطة بسياسات وأفعال تؤذي هؤلاء النسوة؛ ولا يوجد شيء منها جديد أو مُميز.

        

أصبح تشويه الثقافات المسلمة، وبخاصة اعتبارها ميّالة لكراهية النساء والعنف ضد المرأة، لتبرير الاضطهاد ضد المسلمين، ومنه عنف الدولة ضد المرأة على هيئة الحرب، كان تكتيكًا للقوى الغربية منذ قرون. على سبيل المثال، يستخدم البريطانيون والفرنسيون منذ وقت طويل مصطلح “تحرير المرأة” لتبرير الاستعمار العنيف والاستغلال الاقتصادي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط. بكلّ أسف، يعتبر إعادة استخدام العبارات المجازية المعروفة عن العنف المسلم ضد المرأة لتبرير العنف والعنصرية ضد المسلمات والمسلمين للجماهير الغربية بيعًا سهلًا في الأيدلوجيات السياسية. تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن التصورات العامة السلبية للمسلمين أمرًا شائعًا، ولاسيما، عندما يأتي الأمر للحديث عن معاملة المرأة.

                

إن إعطاء العنف ضد المرأة، عندما يقوم به المسلمون، طابعًا شرقيًا بدلًا من تعميمه كآفة بشرية شيئًا يؤصله. يكون هذا جليًا عند تصنيف أي من وكلّ أفعال العنف ضد المرأة الّتي يقوم بها المسلمون على أنها “جرائم شرف،” بينما تسمى الاعتداءات المشابهة ضد المرأة في الثقافة السائدة في الديموقراطيات الغربية “عنف أسري.”

يدخل هذا التضارب حيزًا أكثر وضوحًا عند النظر في عدد ما يسمى “القتل دفاعًا عن الشرف” عالميًا، مقارنةً بعدد النساء الّلاتي قضت نحبهن في حوادث قتل أسري في الولايات المتحدة. تسجل الأمم المتحدة 5000 حالة مما يسمى “القتل دفاعًا عن الشرف” تحدثُ عالميًا كلّ عام. لا تقتصر تلك الجرائم على المجتمعات المسلمة فقط بل تحدث في كل المجتمعات الثقافية والدينية. وفقًا لمكتب احصاءات العدالة، يُقارن هذا بأكثر من 1600 حالة قتل لامرأة قام بها شريكها الحميم في الولايات المتحدة وحدها في عام 2007. بالكاد تُدرج تلك الأعداد في نفس التصنيف، بالرغم من أن جميعها تتضمن عنف ضد المرأة تقوم به العائلة المقرّبة أو الشريك الحميم بدافع من الحاجة للتحكم في المرأة. مع ذلك، عندما تُقارن تلك الأعداد يظهر بوضوح أن مشكلة العنف ضد المرأة ليست مشكلة مسلمة على نحو غير متناسب.

يتعارض ذلك مع الاستغلال غير المبرر الّذي ألقى بظلاله الكثيفة على الحركة النسويّة لخدمة مصطلحي الرهاب من الإسلام والإمبريالية، ولذلك فإننا الآن نناقش مسألة مهمة مفاداها العنف ضد المرأة في المجتمعات المسلمة.

في الولايات المتحدة، أجرى معهد السياسة الاجتماعية والإدراك-أعمل فيه كمدير للبحث-استفتاءً شارك فيه مسلمون، ويهود، وكاثوليك، وبروتستانت وأمريكيون مستقلون، فوجد أن المسلمين، والمنتسبين لكلتا الطائفتين المسيحيتين، والمستقلتين والعامّة جميعهم متساويين في احتمالية الإبلاغ عن حوادث العنف الأسري الّتي تحدث في مجتمعاتهم الدينية. كما أنهم متساوون في احتمالية الإبلاغ عن اعتداءات مرتكبة لإنفاذ القانون، ومع ذلك فما يزال ما يقرب من نصف الحوادث المرتكبة في المجتمعات الدينية غير مُبلّغ عنها.

لم يكن ما برز فيه المسلمون هو تكرار العنف الأسري لكنهم برزوا في الطريقة الّتي يتطلّع من خلالها الضحايا إلى الدعم من القادة المجتمعيين والدينيين، حيث الشائع عن الأغلبية المسلمة هو تبليغ الضحية القائد المجتمعي والديني عن الحادثة؛ فيعني ذلك أن الضحايا المسلمين يؤمنوا بأن هذا السلوك مُنكر في عقيدتهم الدينية وبناءً عليه، يلجئوا لطلب الدعم من الأئمة.

تشير تلك البيانات إلى طرقًا لنمضي فيها؛ الأوّل، ينبغي على هؤلاء الّذين يعملون من أجل إنهاء العنف ضد المرأة التعامل مع المشكلة على أنها آفة بشرية عالمية، وليست مشكلة مختصة بمجتمع واحد فقط. ثانيًا، عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات المسلمة، يمكن ويجب على القادة الدينيين أن يكونوا جزءً من الحل. يجب علينا الاستثمار في مجموعات مثل مشروع الأسر السلمية الّذي يُدرب الأئمة على كيفية التعامل بفعالية مع قضايا العنف الأسري في مجتمعاتهم. أخيرًا، تتقوض قضية العنف ضد المرأة الحرجة عندما يستغلها ويسيء عرضها النقاد أو السياسيون لتبرير السياسات غير المسلمة الّتي في نهاية المطاف لا تؤذي غير المرأة الّتي يتظاهروا بالقلق من أجلها. يجب على المدافعين عن أمن المرأة التصدي لاستغلال هذه القضية لصالح القمع.

رؤى إسلامية للعنف الأسري لتسنيم القيق

سيُساء معاملة واحدة من بين ثلاثة نساء على مدار حيواتهن من قبل شريكهن الحميم.[1] تنطبق تلك الإحصائية الصاعقة على العرق، والدين والجنسية. لذا، ما هو الدور الّذي يلعبه الدين فعليًا للسماح بـالعنف الأسري أو تحريمه؟ حسنًا لسببٍ واحد، يستفيد المعتدون من تشويه النصوص الدينية واستغلال الكتاب المقدس كمبرر لإيذاء الأخرين بدنيًا ونفسيًا.[2] في المقابل، يمكن للمجتمعات والقادة الدينيين تقديم مصادر جوهرية لرفع الوعي عن أضرار وعدم جواز العنف الأسري وتوفير الدعم للضحايا.

تتضمن الخطوة الأولى والأكثر أهمية في هذا الاتجاه الرجوع للكتاب المقدس نفسه لتوضيح الغموض الّذي يشوب تلك الادّعاءات القائلة بجواز هذا السلوك. تكشف دراسة استقصائية موجزة، عن رأي التعاليم الإسلامية في مسألة الإساءة في العلاقات الزوجية، عن الاستنكار الصريح للعنف الأسري ونبذ التفسيرات المغلوطة للآيات القرآنية المتبناة للسماح به. كما أن رأي العلماء المُعاصرين يقول: أن إيذاء الزوج لزوجته، سواء بدنيًا أو نفسيًا، محرّم بشدّة. سيلقيّ هذا المقال نظرة على تلك الآراء والتفسيرات بهدف إثبات عدم جواز العنف الأسري في الإسلام.

نظرة للشريعة الإسلامية

قبل الخوض في الفروق الدقيقة المتعلقة بعدم جواز العنف الأسري في الإسلام، من المهم العودة خطوة واحدة للوراء وفهم الإطار العام لوضع قوانين وأنظمة في المجتمع المسلم. في الفترة ما قبل العصر الحديث، حيث لم تكن مفاهيم الدولة القومية والحكومة موجودة، كانت الشريعة الإسلامية والمجتمع يُدار عن طريق الحكم الذاتي.[3] بالرغم من ظهور الحكّام والممالك في وقتٍ مُبكرٍ من التاريخ الإسلامي، إلّا أن المجتمعات كانت تُحدد مصيرها في البداية، وكان للحاكم تأثيرٍ ضئيل على كيفية تنفيذ القوانين بشكل مباشر. هنا، يعين كل مجتمع، سواء في مركز المدينة أو في قرية، خبراء قانونيين يقرروا في نهاية المطاف قوانين المجتمع اعتمادًا على المنهجية القانونية لكلّ عالم.

إن السؤال التالي هو كيف كان هؤلاء العلماء يستمدون قوانينهم ويصنعوا أحكامهم؟ يوجد مصدران رئيسان للتشريع الإسلامي: القرآن أو كتاب الله المقدّس، وسُنن النبي محمد، رسول الله. يحتوي القرآن على ما يقرب من خمسمائة أية تشريعية تُقرر أراء العلماء المتعلقة بما أقرّه الله للمعتقدات الإنسانية والسلوك.[4] إضافة إلى ذلك، لدينا سابقة النبي محمد، الّذي من المفترض أن يكون أفضل من يعرف إرادة الله من القرآن ويتصرّف وفقًا له في حياته اليومية. لكن، بالرغم من وجود هذين المصدرين القويين، إلّا أن لغة هذين المصدرين تكون غامضة في بعض الأحيان ولذلك، مفتوحة للتأويلات. نتيجة لذلك، كان المطلوب من العلماء استحداث أساليب تأويلية متنوعة لفهم العبارات المجازية والمبهمة.[5]

كان العلماء قادرين على إنشاء أعراف قانونية من خلال عملية فهم وإدراك النص. على عكس أهداف القانون الحديث الّتي تسعى لوضع مراقبة وانضباط على كلّ الدولة، كان هدف القانون الإسلامي تعزيز الهدوء في حياة كلّ فرد وفي تفاعله أو تفاعلها مع الأخرين.[6] بالتالي، كانت الحيوية الجوهرية الموجودة في المجتمعات المسلمة مجرد واحدة طوّر فيها العلماء القوانين الّتي شجعت الفرد على فعل ما يعتبره صحيحًا في كلّ موقف، بينما امتلكت الدولة الصلاحية لعقاب الأفراد الّذين انتهكوا تلك الحدود.

مصادر دينية

يوجد أسلوبان للتفسير قد استحدثهما العلماء لفهم القرآن. يتضمّن الأسلوب الأوّل شرح السياق الداخلي للقرآن، أو بعبارة أخرى، السماح لآيات القرآن المختلفة بتوضيح بعضها البعض.[7] بينما يتضمن الأسلوب الثاني تفسير القرآن استنادًا إلى سُنّة النبي محمد الّذي كما ذكرت زوجته “كان قرآنًا يمشي على الأرض.”[8] يمكننا الآن، باستخدام هذين الأسلوبين في التأويل، التحوّل لمصادرنا لفهم كيف يستنكر الإسلام كلّيًا العنف الأسري.

إن واحدة من العدد القليل من الآيات القرآنية الرئيسة الّتي تُناقش العلاقة المثالية بين الزوج والزوجة هي الأية التالية: “وَمِنۡ ءَايَـٰتِهِۦۤ أن خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٲجً۬ا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَڪُم مَّوَدَّةً۬ وَرَحۡمَةً‌ۚ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَـٰتٍ۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَتَفَكَّرُونَ” [القرآن 30:21]. وفي أية أخرى، يأمر الله الرجال فيقول: “وَعاشِروهُنَّ بِالمَعروفِ” [4:19]، بينما تهددهم آيات أخرى بتوبيخ الله إذا نووا إيذاء أو بالفعل ظلموا زوجاتهم [2:231]. أيضًا، يوجد آيات تتحدّث عن الطبيعة التكميلية للزواج بوصف الأزواج بأنهم ألبسة لبعضهم البعض [2:187]، وتُذكّر المؤمنين من الرجال والنساء بأنهم أولياء لبعضهم البعض [9:71]. تحدد تلك الآيات معيار ونموذج الحب، والحنان، والعلاقات الزوجية المتبادلة.

أمّا عن النموذج النبوي الّذي ينبغي على كل مؤمنٍ اتباعه، فقد ورد عن زوجته أنه: “ما ضرب رسول الله صلَّ الله عليه وسلم شيئًا بيده قط لا امرأة ولا خادمًا …”[9] وورد عنه أيضًا أنه قال: “ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم.”[10] أورد حديثٌ أخر، أو روايات، قصة صحابي الرسول الّذي سأله: “ما حق الزوجة على زوجها؟” فردّ عليه قائلًا: “لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولا تضربوهن ضربًا مبرحًا، ولا تلعنوهن.”[11] أيضًا، قال النبي: “ أَيَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ كَمَا يَضْرِبُ الْعَبْدَ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ ؟!” وهذا تأكيد على سخافة من يؤذي زوجته.[12]

يوجد روايات لا حصر لها توضح استنكار النبي محمد للعنف الأسري. ففي حادثة ما، جاءت زوجة رجل يدعى الوليد بن عقبة من النبي لتشتكي زوجها قائلة: “يا رسول الله! لقد ضربني الوليد!” فردّ النبي قائلًا: “قولِ له قد أجارني النبي.” لم يمضِ وقتًا طويلًا حتّى رجعت قائلة، “ما زادني إلّا ضربًا!” فأخذ النبي هدبة من ثوبه [كدليل على الإجارة] وقال: “قولِ له: إن رسول الله قد أجارني،” فلم تلبث إلا يسيرًا حتّى رجعت قائلة، ” ما زادني إلا ضربًا!” فرفع النبي يديه وقال: “اللهم عليك بالوليد، أثِمَ بي مرتين.”[13]

وفي حادثة أخرى، دعم النبي بشدّة ضحية للعنف الأسري، تدعى حبيبة بنت سهل زوج ثابت بن قيس وجار النبي محمد، بمساعدتها على حلّ العلاقة المُسيئة. عندما ضرب ثابت حبيبة، حضرت لبيت النبي محمد، وبعد أن أخبرته بقصتها، قالت: “لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا،” فدعا النبي ثابت وسوّا أمورهما المادية قائلًا لها: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرّق بينهما وعادت حبيبة لأهلها.[14] بالإضافة إلى تلك الأفعال، اتخذ النبي إجراءات استباقية لضمان ألّا تتزوج المرأة بمن يؤذيها. وورد عن النبي: أنه سأل فاطمة بنت قيس إن كانت جاهزة للزواج، فلقد تقدّم لخطبتها معاوية، وأبو جهم وأسامة بن زيد. ولمساعدتها لاتخاذ القرار الصحيح، نصحها النبي قائلًا: “أمّا معاوية فرجل ترب، لا مال له، وأمّا أبو جهم فرجلّ ضرّاب للنساء، ولكن أسامة بن زيد. فقالت بيدها هكذا: أسامة أسامة! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَك، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ).”[15]

الآية “الجدلية”

  على الرغم من أن السنة النبوية نهت عن إلحاق الأذى بالنساء، إلا أن هناك محاولة للجدل حول إباحة العنف الأسري استنادًا إلى تفسير أية محددة من القرآن(4:3). وبالتالي يُثار الجدل حول قضية العنف الزوجي في الإسلام بسبب التفسير الخاطئ لهذه الآية على وجه التحديد. تُذكر هذه الآية إذا خاف الزوج من امرأته نشوزًا أو سلوكًا متحديًا ,فعليه اتباع إجراءٌ مُكون من ثلاث خُطوات لحل هذا الموقف[16]. الأول، عليه موعظتها بشأن أفعالها وتقويّم أخطائها، فاذا لم يتحسن الموقف، فعليه إذن “بالهجر” في الفراش كإظهار لعدم الرضا. وإذا لم يُثبت هذا أيضًا فاعليته، فيُترجم الإجراء الأخير على أنه تعبير رمزي للتأديب البدني “ضربة”. هذا الإجراء مُتعدد الخُطوات يُمكن القول: إنه وُضع كوسيلة لضبطُ موجة الغضب التي تعتري الزوج إذا يُطلب من الزوج بصفة رئيسة التمهل وعدم التهور وإلحاق الأذى بزوجته.

 وكقراءة مبدئية لهذه الآية، نجد أن العديد من القراء يغلُب عليهم الإحباط بسبب الإباحة المزعومة للزوج بضرب زوجته. ولهذا  السبب، لا يُشجع الباحثون سعيُّ العلمانيون خلف إجابة شرعية من القرآن دون توجيه لأن فهم النصُ يتطلب مُتخصص في التفسير وفهم السياق.[17] وفي الحقيقة غالبية المذاهب الإسلامية تتفق على أن آيات القرآن تُفهم بطريقة صحيحة فقط عند قرأتها في ضوء الآيات القرآنية الأخرى والسنة النبوية، بجانبِ التفسيرات والتطبيقات الشرعية لصفوة العلماء. لقد حدد علماء من كل الطوائف كيف أن الأمر لا يقتصر على فهم هذه الآية، ولكن على معرفة ماهية العواقب التي يمكن حدوثها إذا ظلم الزوج زوجته بأي شكلٍ كان (على سبيل المثال، بدنيًا أو نفسيًا).    

  في واقع الأمر، إن غالبية العلماء اتفقوا على مقتِ النبي للعنف الأسري واتخذوا إجراءات للحد من المعنى الظاهر لكلمة ضربة أو التأديب البدني كما ورد في الآية 4:341.[18] واستنادًا إلى ما ذكره الفقيه المكي المعروف عطاء بن أبي رباح (تُوفي عام 732 ميلاديًا)، أن كلمة ضربة لا تُشير إلى الضرب على الإطلاق، بالأحرى هي تعبير رمزي يعكسُ غضبُ المرء.[19]وأكد بشدة على “أن الزوج لا يضرب زوجته ولكنه ببساطة يُعبر عن انزعاجه منها.[20] قام الدارمي (تُوفي عام 869 ميلاديًا) العالم الفارسي البارز وهو المعلم لأثنين من أكثر جامعين الحديث النبوي شهرة، البخاري ومسلم، بتأليف بابٍ كاملٍ للحديث (السرد النبوي) والذي عارض العنف الأسري تحت عنوان ” النهي عن ضرب النساء”[21]. بل أن بعض العلماء ذهبوا بالقدر الذي يتحدى مصداقية الأحاديث والتي من المُفترض أنها أباحت للرجال ضرب زوجاتهم. لقد أكد ابن حجر وهو عالم يُعد أستاذ العصور الوسطى فيما يخص علم الحديث على أنه على الرغم من المعنى الظاهر للآية القرآنية فإن المثال الذي وضعه الرسول هو دليل كافي على أن ضرب الزوجة أمر مكروه. علاوة على ذلك، أعلن ابن عابدين الفقيه السوري بالقرن التاسع عشر أن أي أذى يترك أثر بالزوجة قد يتسبب في العقاب البدني للزوج.[22]

التعاليم المعاصرة

  في مطلع القرن العشرين، تابع العلماء دعواتهم لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه العنف الأسري. على سبيل      المثال، لقد قطع الفقيه المغربي المهدي الوزاني (تُوفي عام1923ميلاديًا) أشواطًا غير مسبوقة في مجموعته الشرعية عبر قيامه بوصف الأنماط المُتعددة لألحاق الأذى بالزوجة، بالإضافة إلى تعيين الحدود و التداعيات بالنسبة للزوج[23]  . الأمر أبعد من مجرد التركيز على العنف البدني، لقد وضع الوزاني في عين الاعتبار الأذى الديني و الجنسي الذي قد يلحقه الزوج بزوجته و أجاز للقضاة التدخل في العلاقة إذا اشتكت الزوجة. وإذا كانت هناك أثارَا بجسدها نتيجة الأذى، أو أحضرت أثنين من الشهود، فسوف يُدان الزوج بإلحاق الأذى بزوجته ومن المحتمل تعرضه للتحذير أو السجن بناءً على قسوة الاعتداء، بينما أُعطيت الزوجة خيار الطلاق مع دفع صداقها بالكامل.[24] ومما يثير الاهتمام أن الوزاني رفض أراء ابن حارث، وهو عالم مُنح صالحية أقل لشهادة المرأة، باعتبارها أراء الأقلية والتي تتعارض مع أراء الغالبية من العلماء.[25]وعلى العكس من هذا فقد رفع من رأي السنهوري (تُوفي عام 1606 ميلاديًا) والذي صرح بأنه حتى إذا كان الضرب بطريقة عنيفة هو السبيل الوحيد حتى تتخلى المرأة عن أسلوبها العنيد، فضربها أمرٌ غير مسموح به. [26]أن التعرف على التطورات القانونية للوزاني أمر هام فلقد حاول العمل وفقًا للتقاليد ليخلق قاعدة قانونية لتحريم العنف الأسري .

وعلى نفس المنوال، أكد العالم العراقي عبد الكريم زيدان (تُوفي عام 2014 ميلاديًا) بقوة على أن أضرار المرء بزوجته حرام، أو ممنوع، كما أنه يتعارض مع الإلزام الشرعي للزوج بأن يعيش مع زوجته في رحمة.[27] وأضاف، أن إلحاق الأذى بشخص أخر هو نوع من الظلم، وهو من الأمور المُحرمة والمكروهة عند الله. وأعلن فيما بعد” إذا كان إلحاق الضرر بشخص أخر أمر محرم، فإن إيذاء الزوج لزوجته أمر أكثر حُرمانيه لأن القانون أولى للزوج مسؤولية رعاية زوجته والحياة معها في رحمة”. واستأنف بعرض آياتٍ من القرآن، والتي تُحرم إيذاء الزوجة، خاصة خلال مرحلة الطلاق باعتبار أنه أكثر وقت ممكن أن يختار فيه الرجال استغلال زوجاتهم بسبب الغضب أو الإحباط. وأعلن زيدان فيما بعد أن الزوج الذي يبتز زوجته عاطفيًا عن طريق تهديدها بالطلاق يلحق الأذى بها بهذه الطريقة أيضًا. وفقًا لزيدان “أن تحريم أذى الزوجة يشتمل على الأذى المادي والمعنوي”، كما جاء في حديث النبي الذي يُحرم الإيذاء اللفظي والإهانة للزوجة بشكل عام.[28] 

سجلات المحكمة

     ابن عاشور (تُوفي عام 1973 ميلاديًا)، عالم تونسي من العصر الحديث، فهم الآية4:34 على إنها دليل شرعي لمن بيدهم السلطة (مثل الحكومة)، وإن الإجراءات المتخذة ضد الزوجة العنيدة ليس في واقع الأمر مسؤولية الزوج نتيجة لأن ضبط النفس الشخصي قد يكون صعب في حالات الغضب.[29]و على مر التاريخ، كانت حقيقة الأمر تتمثل في تلك القضايا المتعلقة بالعنف الأسري و التي فوّض فيها العلماء أو السلطات القضائية و التي كان من اختصاصها فرض القيود لحماية الزوجة. في العقود القليلة الماضية، كان هناك اهتمام متزايد بصدد دور المرأة في النُظم القضائية الإسلامية المختلفة. ما اثبتته في النهاية العديد من تلك السجلات والتحليلات إن المرأة المسلمة لعبت دور فعّال في رفع شؤونها للسلطات وبشكلٍ كبيرٍ قاموا بحل هذه القضايا.

   على سبيلِ المثال، كتاب في حضرة القانون للكاتبة جوديث تاكر، كان من أوائل الأعمال، والتي تناولت بها المؤلفة الآراء الشرعية لفقهاء القرنين السابع عشر والثامن عشر في سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني كوسيلة لفهم العلاقات ببين النساء و الرجال المُتعلقة بهذا المجتمع.[30] وتعكس جهودها النزعة السائدة بين علماء الشريعة الإسلامية الذين يسعون خلف إقامة قانون إسلامي فهم يتسمون بالمرونة الكافية ليتمكنوا من التكيف مع الظروف المُتغيرة.[31] وتختتم تاكر بصفة رئيسة إلى إنه على الرغم من أن القانون الإسلامي يمتلك نزعة ذكورية متأصلة، فإن القضاة والمحاكم يسعون جاهدين لتعزيز رفاهية المجتمع وبالتالي حماية حقوق المرأة خاصة في حالات الضرر الجسدي و العاطفي.[32]

   مثال على ذلك، سجلات المحكمة العثمانية بحلب في القرن السابع عشر، حكمت لصالح النساء المُعتدى عليهن في قضايا متنوعة.[33] في إحدى النزاعات، شهدت المتقاضية المدعوة فطيما في المحكمة أن زوجها ألحق بها الأذى بشكلٍ مُستمر وفي إحدى المرات تسبب لها في نزيف، وأكد على ادعائها خمسة شهود. وحكمت المحكمة على الزوج المعتدي وأمرت بمعاقبته. وفي مثال مشابه، عندما سئُل الفقيه العثماني البارز أبو السعود ماذا يحدث عندما يلحق الرجل الأذى بزوجته بطرق مختلفة، أجاب أنه يجب على القاضي منع إيذائها بأي وسيلة ممكنة.

خاتمة

يقول ابن القيّم (تُوفي عام 1350 ميلاديًا)، عالم مشهور من العصور الوسطى: “إن الإسلام برمته هو العدل، والرحمة، والرخاء والحكمة، وأي شيء يعارض هذا ويتسبب بحدوث ظلم، أو عنف، أو ضرر أو أشياء غير منطقية، لا يمكن أبدًا أن يكون جزءً من الدين مهما حاولت التأويلات أن تفعل.”[34] عند مناقشة وفهم نموذج الزواج في الإسلام، من المهم الوضع في عين الاعتبار النهج المتكامل الّذي يُتيح القراءة الشاملة للمصادر القرآنية، والنبوية ومصادر العلماء. يُتيح لنا هذا النهج المتكامل الاصطفاف مع الأغلبية العظمى من العلماء الّذين ينكروا جواز أي تأديب بدني يسبب أذى، وفي الواقع، يجعل الرجال مسؤولين قانونيًا عن أي انتهاك يحدث في حق الزوجات. في النهاية، كما قال ابن الجوزي، عالم من القرن الثاني عشر: “إذا لم يجدي نفعًا تهديد أي فرد بالضرب، فلن يوقفه أي شيء أخر.”[35]

أخيرًا، تتخطى مسألة العنف الأسري مخاوف القانون الديني وتنشأ من التحسّن الشخصي للمعتدي نفسه. بالتالي، يقع الأمر على عاتقنا كأفراد وكمجتمعات دينية لتوفير شبكات حماية لضحايا الاعتداء وتعليم أعضاءنا عن أضرار وحرمات العنف الأسري. لقد ثبت صدق تلك الدعوات للتغيير والوعي؛ ففي فيلادفيا، كشف مجتمع مسلم عن اعتداء وأدان المعتدين، ورفض استمرار الزواج في المستقبل.[36] لقد تعهدت مُنظمات أخرى وقادة مسلمون على الوقوف ضد العنف الأسري وعملوا على تأسيس مأوى وخدمات اجتماعية متنوعة للمشاركة الفعّالة في مساعدة ضحايا العنف الزوجي. الآن، مزودين بهذه المعرفة، يعود الأمر للجيل القادم من المسلمين للمضي قدمًا مع تلك الأفعال والتمسك بقيم النبي محمد لتأكيد أنه لا يمكن أبدًا مسامحة العنف الأسري.


[1] “إحصاءات قومية عن العنف الأسري،” التحالف الوطني ضد العنف الأسري، 2015.

[2] ماري فورشن، سلمى أبو جديري ومارك دراتش، “تعليق على العنف الأسري والديني،” www.faithtrustinstitute.org، 2010.

[3] وائل حلاق، مُقدمة في التاريخ الإسلامي (كامبريدج: منشورات جامعة كامبريدج، 2009)،8.

[4] حلاق، 16.

[5] حلاق، 19.

[6] المصدر نفسه.

[7] زينب علواني، ” العنف الأسري: نظرة إسلامية،” www.karamah.org، 2012.

[8] ورد في صحيح مسلم.

[9] صحيح مسلم.

[10] أورده السيوطي؛ نذير خان، “نصوص رئيسة في العنف الأسري” (مقال مقدمة عن العنف الأسري، مانيتوبا، كندا، 10 أكتوبر 2015).

[11] أورده أبو داوود؛ خان، “نصوص رئيسة.”

[12] جوناثان براون، الفهم الخاطئ لمحمد (لندن: منشورات العالم الواحد، 2014)، 274.

[13] ورد في مسند الإمام أحمد؛ خان، “نصوص رئيسة.”

[14] أورده الدارمي؛ خان، “نصوص رئيسة.

[15] أورده ابن ماجه؛ خان، “نصوص رئيسة.”

[16] حمودة عبد العاطي، هيكل الأسرة في الإسلام (برينتوود: منشورات أمريكان تراست، 1977)، 158.

[17] براون، 274.

[18] براون، 275.

[19]خان، “نصوص رئيسية.”

[20] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984)، 5:43.

[21] براون، 276.

[22] اليس سيميردجيان، “العنف الأسري: الإمبراطورية العثمانية” في موسوعة المرأة والثقافات الإسلامية، تحرير: سياد جوزيف وأخرين.

[23] المهدي الوزاني، النوازل الجديدة الكبرى، المجلد 3، تحرير: عمر عبّاد، 10 مجلدات (الرباط: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1977).

[24] الوزاني، 3:447.

[25] الوزاني، 3:448.

[26] الوزاني، 3:450.

[27] عبد الكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993)، 7:234.

[28] زيدان، 7:235.

[29] ابن عاشور، 44.

[30] جوديث توكر، في حضرة القانون: الجنس والقانون الإسلامي في سوريا وفلسطين العثمانيتين (بيركلي: منشورات جامعة كاليفورنيا، 1998)، 4.

[31] منى صديقي، مراجعة لـ في حضرة القانون: الجنس والقانون الإسلامي في سوريا وفلسطين العثمانيتين، جوديث توكر، الجمعية الأمريكية للتاريخ القانوني (2001)، 476.

[32] توكر، 65-66.

[33] سيميردجيان، “العنف الأسري.”

[34] ابن القيّم، إعلام الموقعين؛ نذير، “نصوص رئيسية.”

[35] براون، 281.

[36] سلمى أبوجديري، “نظرة على العنف الأسري في المجتمع المسلم،” www.faithtrustinstitute.org، 2010.

Avatar

Tesneem Alkiek

FELLOW | Tesneem is the Director of Expanded Learning and a Fellow at Yaqeen Institute. She completed her undergraduate degree in Early Christianity and Islamic Studies at the University of Michigan. She is currently a Ph.D. candidate in Islamic Studies at Georgetown University with a focus on the development of Islamic law.

Avatar

Dalia Mogahed

Advisor at Yaqeen Institute and Director of Research at the Institute for Social Policy and Understanding, Dalia Mogahed keeps her finger on the pulse of the Muslim world.

Avatar

Jonathan Brown

Dr. Jonathan A. C. Brown is a Director of Research at Yaqeen Institute, and an Associate Professor and Chair of Islamic Civilization at Georgetown University. He is the editor in chief of the Oxford Encyclopedia of Islam and the Law, and the author of several books including Misquoting Muhammad: The Challenges and Choices of Interpreting the Prophet's Legacy.

Avatar

Omar Suleiman

Imam Omar Suleiman is the Founder and President of the Yaqeen Institute for Islamic Research, and an Adjunct Professor of Islamic Studies in the Graduate Liberal Studies Program at SMU (Southern Methodist University). He is also the Resident Scholar at Valley Ranch Islamic Center and Co-Chair Emeritus of Faith Forward Dallas at Thanks-Giving Square.