Yaqeen Institute for Islamic Research
Transhumanism-in-Islam-Hero-Image

الخُلودْ في الأرضْ؟ حَركَةْ ما بعدْ الإِنسْانِيةْ مِنْ منظورْ إِسلامي.

المقدمة

في عام 1965 قدم أحد العلماء وهو يُدعى جوردون مور تنبؤاً دقيقاً نسبياً حول عدد الترانزستورات الموجودة داخل دائرة مدمجة ذات كثافة عالية، وهو ما سيؤدي إلى كونه إظهار دقيق للتغير التكنولوجي بأكله. لقد تنبأ مور بأن عدد الترانزستورات داخل مثل هذه الدائرة سوف يتضاعف كل عام. [1] اتضح أن هذا النمو المتضاعف إنما هو تصور لما هو أكثر من مجرد كمية الترانزستورات داخل الدوائر الكهربائية. فالحقيقة المسلم بها الآن هي أن الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية المتلاحقة تنمو بشكل متضاعف وتظهر بشكل متسارع.

لقد أدى هذا النمو إلى تخطي كل الحدود بسرعة غير مسبوقة. حيث يقول الكاتب وعالم المستقبليات آرثر س. كلارك (ت. 2008) في تعليق شهير له بأن ” أي تكنولوجيا متقدمة بالقدر الكافي لا يمكن تمييزها عن السحر.”[2] في الحقيقية إننا على وشك مشاهدة تداخل تكنولوجيا النانو والتي كان قبل عقود قليلة فقط ضرب من الخيال العلمي. إن مصطلح ما بعد الإنسانية هو مصطلح قام بصياغته عالم الأحياء البريطاني  جوليان هاكسلي (ت.1975)[3] شقيق الروائي والفيلسوف الشهير ألدوس هاكسلي (ت.1963) وهذا المصطلح يُشير الآن إلى عملية تحسين نوعية وطول الحياة البشرية من خلال تدخلات تكنولوجية حيوية، تتضمن على سبيل المثال لا الحصر علم السيبرنطيقا والعلاجات الدوائية والجينية؟ فبينما يجعل علماء ما بعد الإنسانية ذلك علامة لبداية فصل قد يكون هو الأعظم في التاريخ البشري، فإن المعارضين لحركة ما بعد الإنسانية يحذرون بأنه ليس كل ما يلمع يعتبر ذهباً.

بعض العلماء من الإسلاميين وغير الإسلاميين يرون أن الترويج لما بعد الإنسانية يُمثل أحد أكبر التحديات التي جلبتها الحداثة للإنسانية. فاستخدام الاكتشافات العلمية من أجل تغيير البشرية على المستوى الأساسي كما تقترح حركة ما بعد الإنسانية يطرح أسئلة مهمة تتعلق بالجانب الديني والفلسفي وعلم الأحياء وعلم النفس وبالطبع بالجانب الأخلاقي. أما ما يُعتبر مثيراً ولربما يُرى على أنه يُحدد معالم النقاش هو أحد النقاط الأساسية المأخوذة من قصة آدم المذكورة في القرآن. حيث تسرد إغواء الشيطان لآدم من خلال وعده بأنه إذا أكل من هذه الشجرة سيكون من الخالدين (الآية 20 من سورة البقرة)؛ والخلود هو أهم المواضيع الموضوعة في جدل أعمال حركة ما بعد الإنسانية. هذا البحث هو محاولة للتصدي لبعض أهم القضايا المطروحة من قبل حركة ما بعد الإنسانية والتي لابد أن يتعرض لها المسلمون. الموضوع الرئيسي هو: ما هي التحديات تنشأ من محاولة التوفيق بين الإسلام وحركة ما بعد الإنسانية؟

مقدمة عن حركة ما بعد الإنسانية

نبذة تاريخية عن حركة ما بعد الإنسانية

يُقدم الفيلسوف السويدي نيك بوستروم دراسة تاريخية مستفيضة عن فكر حركة ما بعد الإنسانية في بحثه الذي كتبه تحت عنوان ” تاريخ فكر حركة ما بعد الإنسانية.”[4] والمبحث التالي يلخص ويناقش بعض الشخصيات الرئيسية التي أرجع إليهم – كما فعل غيره من العلماء- أصل فكر بعد الإنسانية وتطوره. إن ملحمة جلجامش الأكدية غالباً ما يُستشهد بها على أنها أول الأعمال الأدبية الناجية والتي تحتوي على ما قد يطلق عليه أول رواية مكتوبة لشخص يسعى إلى تدخل مؤيد لما بعد الإنسانية وهو بطل الرواية ملك مدينة أوروك الذي ظل يبحث عن الخلود.[5]  كما أنه غالباً ما يُستشهد بالبحث عن الخلود باعتباره واحد من غايات حركة ما بعد الإنسانية.[6] من المؤكد أن هذا الملك كان يسعى إلى تدخل سحري بدلاً من تدخل له أصل أو سبب علمي والأخير هو الأساس بالنسبة لحركة ما بعد الإنسانية. ومع ذلك فإن البعض قد يرى هذا التعليل الذي يتعلق بالوسيلة، وهو ما أخذ به أنصار حركة ما بعد الإنسانية، لا يُعتبر شكلاً شاملاً للسبب،[7] وهو ما أوضحه لاحقاً. نجد أيضاً في الأساطير الإغريقية بوادر لحركة ما بعد الإنسانية. فضلاً عن قصة بروميثيوس الذي أغضب الآلهة عندما سرق منهم النار وأعطاها للبشر وبهذا حسن حياة البشر، بالإضافة إلى شخصية دايدالوس[8] وهو والد إيكاروس والذي وهب نفسه لإيجاد طرق تحسن من قدرات البشر ولكن بدون استعمال السحر فقد آثر بدلاً من ذلك استعمال الحلول التي تعتمد على الهندسة. أما وفاة إيكاروس فقد كانت إنذاراً لألفية جعلت لدى البشر رغبة غاية في الطموح فيما يتعلق بذلك.

بينما قد نجد أصولاً للتفكير المتوافق مع حركة ما بعد العلمانية في النصوص البشرية القديمة، فإن عصر التنوير الأوروبي هو الذي يُعزى إليه الفضل في فتح الطريق أمام بداية فلسفة ما بعد الإنسانية.[9] حيث جلب التنوير الأوروبي معه عددا من الثورات الفكرية التي غيرت مجرى التاريخ البشري. فقد كان لحركة التنوير تأثير على ثلاث فروع من المعرفة تحديداً – العلوم والسياسة والفلسفة – مما أدى إلى حدث ثورة في أسلوب دراسة هذه العلوم والاستفادة منها.[10] كما أن ظهور الحركة العلمانية على حساب سلطة الكنيسة الأوروبية أدى إلى اختلاف جوهري في طريقة وضع القواعد الأخلاقية وطريقة تطبيقها. فتغير نظرية مركزية الأرض للنظام الشمسي إلى نظرية مركزية الشمس يُمثل وحده مدى التحولات الفكرية الهائلة التي حدثت في أوروبا إبان هذه الحقبة، حيث تغيير الكون وطريقة إدراك البشر له بشكل جوهري.[11]

لقد جلبت الثورة العلمية في ذلك الوقت معها أملاً – بالطبع بين العديد من الطبقات العليا في المجتمع – بأنه يمكن بناء عالم أفضل على قاعدة من العلم والعقل. يصف أحد الشخصيات البارزة في هذا العصر وهو الفيلسوف فرانسيس بيكون المدينة الفاضلة في روايته أطلانتس الجديدة فيقول: ” هنا حيث انتهت معاناة البشرية من خلال تطور، وبالتأكيد كمال، المعرفة العلمية وتطبيقاتها التقنية.”[12] وهذا يعكس التفاؤل الذي شعر به الكثيرون في ذلك الوقت فيما يتعلق بالعلوم واحتمالاتها نحو الرقي بالحياة البشرية.

لعل هذا التفاؤل المطلق يمكن أن نتفهمه عندما نتذكر أن ذلك كان قبل ظهور تلك الاختراعات الوحشية والمدمرة مثل القنابل النووية والحرب الجرثومية وأقلها درامية وإن كانت سامة مثل اكتشاف المواد المسرطنة. إن الحقيقة أن تلك العلوم وتطبيقاتها من الممكن أن تكون مسببات الخراب وأساساً لإعادة التفكير في التفاؤل باحتمالاتها المستقبلية. هذا النزاع حول الاحتمالية ينعكس على الانقسام الحاصل بين العلماء والفلاسفة فيما يتعلق بحركة ما بعد الإنسانية وبعض التطبيقات الحديثة الأخرى.

فيما يتعلق بالدفاع عن التفاؤل لابد أن نلاحظ أن التكنولوجيا والعلوم ليست هي ذاتها التي جعلت تلك الأفكار تظهر على الساحة بل إن فكرة خضوع الإنسان لحكم المعرفة هي التي أدت إلى ذلك، حيث جعل العقلانيون المعرفة هي “العقل الخالص” وجعلها التجريبيون هي العلوم.[13] بعد تساقط الدوغمائية الدينية التي جعلت أوروبا تغوص في مستنقع من الحروب والقمع وإهمال العلوم المادية فكان التنوير عصراً للأمل الفكري. حيث آمن الفلاسفة السياسيون في هذا العصر أمثال بنجامين فرانكلين (ت. 1790) وويليام جودوين (ت.1836) أن عدم المساواة والظلم وكذلك المرض (وربما يضاف إليهم الموت يوماً ما) يمكن القضاء عليه بواسطة التقدم العلمي.[14] ولذلك كان يُنظر إلى العلوم على أنها امتداد للعقل وأنها واحدة من أبرز مدارسه الفكرية وتطبيقاته.

ومع ظهور كتاب أصل الأنواع في 1859 لتشارلز دارون (ت.1882) والذي كان له تأثير مُدوٍ بدى أن ما بعد الإنسانية غاية يمكن الوصول إليها أكثر من أي وقت مضى. طبقاً لهذه النظرية فإن البشر الحاليين يمثلون مجرد مرحلة واحدة في عملية التطور. لذلك من الذي يقول بأننا وصلنا إلى نهاية هذه العملية؟ بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن الفكرة القائلة بأننا لن نتطور بعد الآن تبدو أقل مصداقية أو احتمالا من فكرة أننا سنواصل التطور. في عام 1923، نشر العالم البريطاني جون بوردون ساندرسون هالدين (ت. 1964) مقال ديدالوس؛ أو “العلوم والمستقبل”، والذي قدم نظرة متفائلة بشأن الفوائد التي ستأتي جنبا إلى جنب مع إتقان العلوم بشكل عام، وعلم الوراثة على وجه الخصوص.[15] بشكل ملحوظ، اقترح هالدين أن العديد من التطورات العلمية الجديدة ينظر إليها في البداية على أنها تجديف، بل وحتى من الرجس وتم رفضها في البداية من قبل التيار الرئيسي من الناس بسبب ان الاختلافات الهائلة التي تقدمها تعتبر غير طبيعية. ويبدو أن هالدين توقع بعض القضايا الهامة التي قد تنشأ في هذه المناقشة؛ والمناقشة بالتأكيد نشأت بما ان مقاله أصبح الأكثر مبيعا.[16] أدلى كُتاب اخرون بدلوهم ايضا، وقدموا توقعات أقل تفاؤلا في حالة برتراند راسل (ت. 1970) إيكاروس: مستقبل العلوم [17] والدوس هكسلي في عالم جديد شجاع.[18] وقد وضع هذا الأخير رؤية مظلمة لمستقبل ديستوبي فيه الإرادة الحرة والدافع البشري والحرية معاقين بشدة بواسطة التكنولوجيا الحيوية والممارسات النفسية القمعية فضلا عن الانغماس في الجنس والمخدرات. وفي حين أن رواية 1948 لجورج أورويل (ت.1950) [19] لم تصف صراحة التكنولوجيا الحيوية كأداة للقمع، إلا أنها قدمت حالة مخيفة حول إمكانية إساءة استخدام العلم والتكنولوجيا لاستعباد “الجماهير”.

جوليان هكسلي العالم الاحيائي شقيق الدوس هكسلي، هو الذي سيذهب ليصوغ مصطلح ما بعد الإنسانية في عام 1927، ويكتب في نصه الدين بدون وحي:

يمكن للجنس البشري، إذا رغب في ذلك، أن يسموا على نفسه – وليس فقط بشكل متقطع – فرد هنا بطريقة وفرد هناك بطريقة أخرى – ولكن في مجملها كبشرية.

نحن بحاجة إلى اسم لهذا الاعتقاد الجديد. ربما “ما بعد الإنسانية”: الانسان يبقي انسان، ولكن يسموا على نفسه، من خلال تحقيق إمكانيات جديدة لطبيعته الإنسانية.[20]

شهد القرن الماضي التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا، تماشيا مع قانون مور. وقد بدأت ما بعد الإنسانية في شكل علوم تطبيقية على نطاق ضيق، في امثال نطاق الصيدلة، في حين أن التغييرات الأساسية في كياننا لا تزال معلقة لأسباب تشريعية. ما بعد الانسانية بالفعل بيننا، ومع كون النظرية يحتج لصالحها داخل الأوساط الأكاديمية، في حين أن الممارسة موجودة بالفعل داخل العالم الدوائي، عن طريق “العقاقير المصممة”. ويبدو أن هذا قد يكون مجرد بداية موجة جديدة من الممارسات ما بعد الانسانية؛ غالبا نحن جميعا سنتأثر بها، بطريقة أو بأخرى.

مقدمة عن نظرية ما بعد الإنسانية

لا يزال بوستروم واحدا من أكثر أنصار ما بعد الإنسانية صراحة بين الفلاسفة. وهو يجادل للرأي القائل بأن ما بعد الإنسانية يمكن أن تؤدي إلى تحسين لجنسنا، مما يسمح لنا بالتطور في نهاية المطاف لما بعد الإنسانية. وتشمل فوائد ما بعد الإنسانية “امتداد نهائي للصحة البشرية، والقضاء على المرض، والقضاء على المعاناة غير الضرورية، وزيادة القدرات الفكرية والجسدية والعاطفية للبشر.”[21] وطبقا لبوستروم، فإن ما بعد الانسانيين سيقومون باستخدام “الطب … التصاميم المؤسسية الاقتصادية والاجتماعية، والتنمية الثقافية، والمهارات والتقنيات النفسية”.[22] رؤية الطبيعة على أنها “عمل جار، بداية نصف خبزه” [23] وأن الإنسانية يجب أن يجري عليها التحسين يبرز مدى اختلاف نظرة ما بعد الإنسانيين عن النظرة الإسلامية، مع قول الله تعالي ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (القران سورة التين آية 4). في حين أنه من غير الصحيح تفسير هذه الآية على أنها تأليب الإسلام ضد تقدم الجنس البشري، فإنها بالتأكيد مؤشرا على مدى اختلاف وجهتي النظر من حيث كيف ينظرون إلى الخلق وحالة الإنسان. في القرآن الكريم آيات تسلط الضوء على أن الله قد خفف بعض جوانب حياتنا من خلال السماح لنا بتسخير الطبيعة: ” وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ”..” وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ” (القران سوره النحل آيات 5،7). تحسين الحياة عن طريق تسخير واكتساب سيطرة محدودة على الطبيعة، لا يتعارض بشكل أساسي مع النظرة الإسلامية. ومع ذلك، هناك بعض المسافة بين السيطرة على الماشية وتغيير الركائز الأساسية للبشر أنفسهم.

القيود البشرية

ويرى أنصار ما بعد الإنسانية أن الجسم والعقل البشريين يحدان من قدراتنا الكاملة. وبناء على ذلك، يقترحون مجموعة من المجالات التي يمكن أن تستفيد من الممارسات ما بعد الإنسانية من حيث توسيع ما هو ممكن للبشر. يقترح بوستروم أن اوضاعنا المحتملة محدودة بسبب منظورنا الإنساني: “نحن البشر قد تفتقر إلى القدرة على تشكيل فهم بديهي واقعي لما سيكون عليه أن يكون الإنسان المعزز بشكل جذري”. [24] ويزعم انه على مستوي ما يبدو أننا قد قبلنا قيودا دون التشكيك في ضرورتها. وعلاوة على ذلك، يقترح أنصار ما بعد الإنسانية مثل بوستروم على أنه في حين أننا قد يكون لدينا فكرة عما تبدو عليه ما بعد الانسانية، نحن ساذجون بشكل لا يصدق في محاولة تقدير ما قد يبدو عليه تطور ما بعد الإنسانية، مع كون تطور ما بعد الإنسانية هو الحد وراء ما بعد الانسانية.

كثيرا ما تُقلص نظرية ما بعد الانسانية إلى فكرة العيش إلى الأبد. في حين أن الاهتمام بزيادة العمر هو محور تركيز العديد من أنصار ما بعد الانسانية، بوستروم يفصل هذا الهدف باعتباره أكثر من مجرد الرغبة في العيش لفترة أطول. ويزعم أن حياة أطول ستشمل مستويات أعلى من النضج والنمو، مما يؤدي إلى مجتمع أكثر إثراء. والأمثلة التي يستخدمها لتوضيح ذلك هي بيتهوفن وجوته، الذيَن يعتبران اثنين من أعظم هدايا أوروبا الغربية للعالم من الناحية الثقافية: ما قد تكون رؤيتهم، وكيف قد تبدو أعمالهم، إذا كانوا معنا اليوم، بعد أن عاشوا لمئات السنين.

وبعيدا عن الاهتمامات المتعلقة بالعمر، فقد ركز أنصار ما بعد الانسانية على تحسين القدرات الفكرية البشرية. ويعتقد بوستروم أن ما بعد إنسانية فعالة يمكن أن تؤدي إلى تحسن في جميع قدراتنا المعرفية، بما في ذلك الذاكرة والانتباه، ومهارات حل المشاكل. ومن المثير للاهتمام، أنه يعتقد أيضا أننا قد نكون قادرين على التفكير بشكل أكثر فعالية من الناحية الفلسفية والعلمية. ويكتب: “من الممكن أن فشل البحث الفلسفي للوصول إلى إجابات متينة ومقبولة بشكل عام للعديد من الأسئلة الفلسفية التقليدية الكبيرة يمكن أن يكون راجعا إلى حقيقة أننا لسنا اذكياء بما فيه الكفاية لنكون ناجحين في هذا النوع من التحري. “[25] كما يذكر الكهف الأفلاطوني،[26] وكيف يوحي بأننا قد نكون محدودين بواسطة قدراتنا المعرفية الحالية.

باستحضار صور من الكتب الهزلية للأبطال الخارقين، يعتقد بوستروم أيضا في إمكانية ما بعد الإنسانية ان تؤدي إلى زيادة القدرات الحسية. لعلنا نأخذ بعض القدرات الحسية من الحيوانات، مثل التوجيه المغناطيسي، وبصر أكثر حدة، وحاسة شم أكثر فعالية، أو أجهزة الاستشعار للكهرباء والاهتزاز. ويشير أيضا إلى إمكانية زيادة مستويات الحساسية والاستجابة الجنسية. كما يجادل بوستروم لصالح الإمكانيات النفسية لما بعد الانسانية، ويتحدث عن استحضار “بهجة دائمة” وزيادة الرفاهية، قائلاً إننا تحت رحمة طبيعتنا الجينية عندما يتعلق الأمر بهذه الأمور. وعلاوة على ذلك، يعتقد بوستروم أن ما بعد الإنسانية قد تسمح لنا بتحديد إرادتنا الذاتية وطابعنا، حتى تكون مهام مثل الإقلاع عن التدخين أسهل. مما يٌمكِنا من تعديل شخصيتنا بطريقه أكثر سهولة بحيث تكون “مطابقة لمُثُلِنا”.[27]

ما بعد الإنسانية التطبيقية

النهج العلمية التي يمكن تطبيقها على الممارسات ما بعد الانسانية، مثل تكنولوجيا النانو، علم التحكم الآلي، علم الصيدلة، والعلاج الجيني، كلها بالفعل قيد التطوير والتطبيق، وإن لم تكن دائما في خدمة الأهداف ما بعد الانسانية.

تقنية النانو، وهو المصطلح المستخدم لوصف التكنولوجيات المتقدمة على مستوى ذري أو جزئي أو جزيئي (من 1 إلى 100 نانومتر) وهو في حيز الاستخدام في مجالات مثل الهندسة الحيوية، والفيزياء الحيوية، والكيمياء الحيوية. [28]عند استخدام هذه التقنية في خدمة ما بعد الإنسانية، تقدم تقنية النانو الكثير الي المجال، بدءا من المغروسات المجهرية التي تراقب وظائفنا الجسدية، إلى أدوات التشخيص الضئيلة التي تدخل الجسم وتستخدم في تشخيص المرض بشكل أكثر فعالية.

علم التحكم الآلي هو مصطلح يستخدم لوصف دراسة وظائف التحكم البشري، مع إيلاء اهتمام خاص للطرق التي يمكن بها استخدام الأنظمة الاصطناعية لتحسينها أو حتى استبدالها. وفقا لذلك، ركز علم التحكم الآلي على سد الفجوات بين العمليات البيولوجية البشرية والأدوات التكنولوجية. المهندس البريطاني كيفن وارويك قد اختبر على نطاق واسع مختلف الأدوات السيبرنطيقية على نفسه، وزرع واجهات كمبيوتر تحت جلده وذلك ليسمح لنفسه بالسيطرة على الأجهزة الكهربائية عن بعد.

النهج الصيدلانية الما بعد الإنسانية منتشرة بالفعل، وربما يرجع ذلك إلى تخفيف حده المواقف المتخذة تجاه الأدوية ذات التأثير النفسي، والتي تستخدم منذ فترة طويلة لعلاج المرض النفسي. الصيدلانية الما بعد الإنسانية تنطوي على تحسين جانب من جوانب الأداء المعرفي لدينا باستخدام مادة دوائية. والأهم من ذلك أن هذا ينطوي على تحسين شيء ليس مريضا تشخيصيا. ومن الأمثلة البارزة على ذلك استخدام مودافينيل، وهو ما يسمى ب “العقار الذكي” الذي يزداد استخدامه في كثير من البلدان.[29] ويقال إنه يعزز اليقظة والذاكرة ووضوح التفكير، مما يجعلها شعبية بشكل خاص بين الطلاب الذين يواجهون امتحانات وواجبات متعددة.

العلاج الجيني ينطوي على عملية استبدال الجينات الخاطئة أو المريضة بجينات أكثر صحة. إن ما بعد الانسانية تري هذه العمليات تتجاوز معالجة الجينات الخاطئة، ولكنها تستخدم أيضا في “تحسين” مجموعة سليمة من الجينات، مما يسمح باختيار الخصائص المطلوبة. مصطلح “الأطفال المصممين” دخل الآن الوعي العام، مما يعكس انتشار هذه الفكرة التي كانت بعيده ذات مره. في حين أن القوانين التي لا تزال قائمة تقيد العلاجات الجينية لغير البشر، شهد العقدين الماضيين استخدامها “لتحسين” أنواع معينة من النباتات. بتطبيقها على البشر، هذا يمكن أن يؤدي افتراضيا الي تطوير النسل الذي يمكن أن يقفز أعلى، ويتذكر أفضل، وينمو أطول، وهلم جرا.

هذه التطويرات في مراحل مختلفة، ولكنها جميعا في وقت مبكر نسبيا من دورات حياتها. والوتيرة التي تتحرك بها التكنولوجيا قدما تدفع الي توقع استخدام أوسع نطاقا لها في المستقبل القريب. كما رأينا مع التطورات العلمية الأخرى، يمكن ان نكون على بعد أقل من عام واحد عن كون أي واحد من هذه الممارسات ليست فقط على نطاق واسع، ولكن الطبيعي. إن تناول هذه المسألة أمر بالغ الأهمية بالنسبة للعالم الإسلامي. فالفشل في تلبية الطلب على الإجابات أو تقديم أجوبة في الوقت المناسب، قد يؤدي إلى زيادة الوقيعة بين الفقهاء والأشخاص العاديين.

النظام الديني لأنصار ما بعد الإنسانية

في حين المؤمنين بما بعد الإنسانية ليسوا جميعاً ملحدين (بدلاله وجود جمعية المسيحيين ما بعد الانسانيين)، فإن الغالبية تبدو كذلك، مع كون دراسة واحدة تفيد أن أكثر من 75٪ من المؤمنين بما بعد الانسانية يعرفون أنفسهم بذلك.[30] لتعود بنا الى حركة التنوير التي يمكننا أن نرى في داخلها كل جذور الحركات ما بعد الإنسانية المعاصرة، بالإضافة الي ذلك انتشار الإلحاد، وبالتأكيد انتشار العلمانية. ومع ذلك، فإن البحث عن كثب في المواضيع الواردة في هذا الفرع من العلوم، وكذلك اللغة المستخدمة فيه، يشير إلى أنه يمكن ان يقوم ادعاء ان ما بعد الإنسانية هي في الواقع مشابهة لحركة دينية.

الأكاديمي ستيفن غولدبرغ (ت. 2010) هو واحد من العديد من العلماء الذين جادلوا بأن الحركة ما بعد الإنسانية قد ينظر إليها على أنها دينية. وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية حظر دستور الولايات المتحدة مطالبة الطلاب في مدرسة عامة بأن يأخذوا درسا لدين معين، يسأل غولدبرغ: “هل تتناول ما بعد الإنسانية الأسئلة الأساسية والنهائية؟” و “هل ما بعد الإنسانية شاملة؟ “، ويقترح أن الجواب على هذين السؤالين هو الإيجاب. في حين يكمل قائلا إنها لا تقترن بطقوس رسمية أو هيكل لكن يبدو أن هناك ما يكفي من الأدلة لطرح قضية أن ما بعد الانسانية هي أقرب إلى الدين، وخلص إلى أنه سيكون من غير الشريف أن يُدعي أن “تعاليم ما بعد الانسانية هي مجرد مناهج دراسية لدورة كيمياء أو دراسة استقصائية عن الفلسفة الغربية “. [31] بهذه النقطة، سلط غولدبرغ الضوء على فكرة أنه في حين أن العلم يمكن اعتباره فرع محايد من المعرفة، ما بعد الإنسانية تحتوي بداخلها رؤية لكيف يجب على الإنسان أن يكون وهذا يجعلها أقرب إلى الدين من فرع العلم.

بيث سينغلر، من معهد فاراداي للعلوم والدين، هي أكاديمية أخرى كتبت عن أوجه التشابه بين النظرتين الدينية وما بعد الإنسانية، مشيرة إلى بعض القواسم المشتركة مثل وجود “مخلوق شبه إلهي صاحب معرفة لانهائية … هروب من البدن وهذا العالم المحدود (رفع عقولنا). لحظة التجلي أو “نهاية الأيام” … الأنبياء (حتى لو كانوا يعملون لدى جوجل) “، وخلصت إلى أن” الأفكار الدينية، بوعي أو بدون وعي، تعمل في روايات أولئك الذين يناقشون ويخططون ويأملون الي مستقبل يُشَكَل من قبل الذكاء الاصطناعي “.[32] وثمة تشابه آخر يمكن ذكره هو هدف ما بعد الإنسانية وكذلك العديد من الأديان وبالتأكيد الاديان الإبراهيمية، في الوصول إلى اليوتوبيا، مع محاولة الأولى لتحقيق هذا على الأرض، في حين أن الأخيرة تهدف اليه في الحياة القادمة.

تكتسب هذه الأفكار أهمية خاصة في تسليط الضوء على حقيقة أن ما بعد الإنسانية ليست كما هو مزعوم من قبل العديد من أتباعها – حركة بعيدا عن التفكير الديني. رؤيتها باعتبارها نظرة دينية بديلة يسمح لنا بمقارنتها مع وجهات النظر العالمية الأخرى. ما تبقى من هذه الورقة يقارن بين النظرات ما بعد الإنسانية والإسلامية.

تحليل إسلامي لما بعد الإنسانية

على الرغم مما يقوله البعض، ولا سيما الملحدون الجدد، فإن الإسلام ليس بأي حال دينا يعارض العلم.[33] بغض النظر عن تاريخ الإسلام الفكري، الذي يفتخر بالعديد من رواد العلم، فضلا عن أمثلة معاصرة للعلماء المسلمين، يمكن للمرء أن يجد مباشرة في القرآن وصايا للسعي الي المعرفة: ” أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” (القران 39:9). ومع ذلك، تعتبر مهنة العلماء المسلمين امتدادا لمعتقدات العالم أو العالمة، وعلى هذا النحو، ستحكمها مبادئ معينة. الوعي بالله يجب ان يحيط بهم، والتقوى ستجعلهم يطرحون أسئلة جوهرية حول ما يقومون به، وما يأملون تحقيقه، وما هي آثار أبحاثهم، وما إذا كان سيعود بالنفع على إخوانهـم من بني البشر في نهاية المطاف أم لا.

في حين أن العالم المسلم والعلماني سوف يشير كل منهم إلى قِيمِهِ الأخلاقية، وهذه القيم يمكن أن تتباعد وحتى تناقض بعضها البعض. وربما هذا أمر غير مفاجئ لأن المسلمين يستمدون قيمهم الأخلاقية من الوحي. ومع ذلك، فإنه لا تختلف وجهتي النظر على الأخلاق فقط. تستمد النظرة الإسلامية من الوحي الذي يحتوي على رواية تصف الغرض من الحياة، وتوضح أيضا المعنى وراء القيود البشرية. وبما أن المؤمنون بما بعد الإنسانية لا يستخدمون القرآن كنقطة مرجعية، فمن الطبيعي أن ينظروا إلى العالم بطريقة شديدة الاختلاف.

من ثم فليس من المستغرب أن نجد العالم المسلم يختلف في عدة جوانب رئيسية عن العالم العلماني عندما يتعلق الأمر بما بعد الإنسانية. تمثل الحركة ما بعد الإنسانية أكثر محاولات البشرية تفصيلا لخلق واقع جديد لكوننا. فمن المناسب أن مثل هذا التغيير الضخم يمكن ان يكون في بعض المناطق على خلاف مع أولئك الذين يؤمنون بالخالق الراعي.

أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ.

من أهم الآيات القرآنية ذات الصلة بهذه المناقشة موجودة في سورة الرحمن، “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)” (القران 55: 7-9).

لئن كانت هذه الآيات تفهم تقليديا أنها تشير إلى توازن العدالة (الجلالين، ابن كثير، مودودي)، فقد مد بعض الكتاب المعاصرين تطبيق هذه الآيات إلى التوازن في الطبيعة وقوانينها.[34] [35] بطبيعة الحال، فإن المعنيين لا يضاد أحدهما الآخر، بل يمكن اعتبارهما متكاملين. هذه الآية ذات صلة خاصة بما بعد الإنسانية عندما يتعلق الأمر بالتدخلات الجينية، من خلال هذه التدخلات قد نفكك بشكل لا يمكن إصلاحه توازن دقيق موجود في الطبيعة.   لا يسعنا ببساطة أن نرفض هذا الخطاب باعتباره أسلوب ترهيب من المتحفظين بيولوجيا لأن آثار الخلل الذي يخلقه البشر في كل مكان حولنا، من الاحتباس الحراري، وانقراض الأنواع الحيوانية بمعدل لم يسبق له مثيل، وتقلص الموارد الطبيعية. وبينما نولي اهتماما كبيرا للوقود الأحفوري، نسمع الآن المزيد والمزيد عن ندرة وشيكة للموارد الأكثر أهمية مثل المياه، وربما الهواء النقي بعد فتره غير قصيرة من الآن. والعديد من هذه الأزمات النامية قد بدأت على مستوى ما من خلال تحقيقات علمية لم ينظر فيها العلماء على نحو كاف الي جميع العواقب. تقدمت هذه التحقيقات قدما قبل أن يمكن فهم الصورة الكاملة، وبحلول الوقت الذي تم فيه اكتشاف الأخطار، كان قد حدث الكثير من الضرر.” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)”. (القران 2: 11-12). التلاعب بالجينات البشرية هو خطوة هائلة إلى شيء قد لا يكون مفهوم تماما. ويمكن أن تؤدي الأخطاء في هذا المستوى إلى تداعيات كارثية. ولعل ما هو أكثر إثارة للاهتمام في هذه الآيات هو الامر ” وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ”. وتشير هذه الآية إلى أن البشر سيصلون إلى مرحلة حيث يمكن أن يخلوا بالتوازن؛ يبدو أننا بالتأكيد في خضم هذه المرحلة.

بالتفكير مليا في فكرة انتهاك التوازن، يمكن تحديد موضوعين رئيسيين على أنهما ذوي صلة. واحد منهم يتعلق بالآثار السيئة لانتهاك التوازن. الكائنات المعدلة وراثيا (ك م و) المستخدمة كأغذية تصبح الآن أكثر شيوعا. تستند عمليات الكائنات المعدلة وراثيا على بعض المبادئ نفسها من الفكر الما بعد الإنساني، مثل الحاجة إلى تحسين الخلق عن طريق التدخل الجيني. في حين أن هذا الموضوع واسع جدا وعميق جدا ليتم تغطيته ضمن حدود هذه الورقة، النقطة التي يمكن اثباتها هي أن لجنة التحكيم لا تزال منعقدة على ما إذا كانت الأطعمة المعدلة وراثيا غير ضارة[36] أو سامة. وقد ربطت الدراسات الكائنات المعدلة وراثيا بمجموعة من الأمراض، بما في ذلك سموم الدم[37]، واضطرابات الغلوتين[38]، وسرطان الثدي[39]، واضطراب الانتباه وفرط الحركة في الأطفال[40]. سيكون من السابق لأوانه الخوض في تعديل البشر وراثيا، بينما لم نصل بعد إلى فهم آثار تعديل النباتات والحيوانات وراثيا. وعلى هذا المستوى، يمكن النظر إلى التحذير الموجود في القرآن على أنه ينبع من منظور يتعلق بحماية عالمنا وأنفسنا.

ويمكن القول أيضا أن هذه الآيات القرآنية تتجاوز التحذير من الأضرار التي قد تأتي من انتهاك التوازن؛ ويمكن النظر إلى هذه الآيات على أنها دعوة للمسؤولية والتواضع الفكري. الفلسفة الما بعد انسانيه كلها قائمه على التطلع إلى براعه خارقة للعادة تأله الجنس البشري وتصل به إلى الهيمنة. انها تنطوي على عبادة أنفسنا المستقبلية. بالإضافة إلى ذلك، هناك افتراض غير منطقي كامن أن الكائن الحيوي المحدود يمكن أن يحقق غزو لا حدود له في فهم مسائل الكون وإخضاعها لارادتنا. يمكن للإنسانية أن تصل لأعالي القدرة على انتهاك التوازن، في حين تمتلك في الوقت نفسه الإرادة الحرة لتكون قادرة على اختيار القيام بذلك. الخيال الأوروبي ممتلأ بالشخصيات التي انتهكت هذا التوازن، من فيكتور فرانكنشتاين ومساعيه العلمية المريضة، ل إيكاروس ورغبته التي لا تشبع للمزيد. في القصة القرآنية لفرعون وهامان، نرى دافع مماثل لتحقيق التفوق والانخراط في تعظيم وتأليه النفس:” وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” (القران 28:38)

قصة النبي موسى وفرعون هي واحدة من أكثر القصص المتكررة في القرآن الكريم. ويمكن النظر إلى الفرعون على أنه يمثل نموذجا من أسوأ أنواع الحكام، باستخدام سلطته لإلحاق البؤس بشعبه، والسلطة التمييزية والوهمية والسلطة المتعطشة النرجسية. وكان فرعون المذكور في القران قد انتهك بالفعل العديد من الحدود. لذلك، أمر موسى “اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ”(القران 20:24).

ويبدو أن هذا الانتهاك خاصة قد ولد من رغبته الوهمية للغزو على الإلهي ” فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ”        (القران79:24) وربما يرجع ذلك جزئيا إلى دوافع نرجسية. في هذا المعنى نحن نُعطى نظرة ثاقبة في قلب وعقل هذا الحاكم المستبد. حاول فرعون استخدام حرف عصره لكسب السلطة على ما يكمن أمامه، وكان المصريون القدماء بنائين عظماء. نحن نرى هنا اعتقادا كاذبا أنه من خلال حرفته، يعتقد فرعون أنه يمكن أن يغزو السماوات، ويفترض الألوهية لنفسه. إن مصير فرعون ضمن السرد الإسلامي معروف جيدا، ولا يزال بمثابة تحذير صارخ لأولئك الذين يسعون إلى وهم تأليه الذات.

أعلن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه – على شفاه بطله الشهير زاراثوسترا – أن البشر يجب أن يحتضنوا اكتفائهم الذاتي كونهم أوبير مينتش (الرجل الخارق)، معلنا وفاة الله.[41] ولكن هل إعلان الاستقلال من الله تمكين للإنسان أو تكبيل له بسعيه الوهمي للعظمة والفتح؟ يجتمع البشر معا على أساس التعاون المتبادل وملأ احتياجات بعضهم البعض، مما يضع قواعد السلوك الاجتماعي. ولعل أخطر الرجال في تاريخ البشرية هم الذين ظنوا أنهم لا يحتاجون إلى أحد.[42] إن القصة القرآنية لفرعون تقدم تذكير أساسي بهذا الدرس. آية أخرى من القرآن الكريم تقوم بمثابة تحذير أكثر مباشرة ضد المخاطر المحتملة من النزعة الما بعد إنسانية، مع إبليس قائلا: ” وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ….” وتكمل الآية قائله: ” وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا.”(القران 4:119).

ها نحن قد تم تحذيرنا من تشويه طبيعة الخلق. هناك نقاش يجب ان يحدث هنا: هل تمثل النزعة ما بعد الإنسانية تشويه أم تعديل للخلق؟ بين المذاهب الإسلامية، فإن استخدام الإجراءات التصحيحية والأطراف الصناعية التي تستخدم لتصحيح العيوب يتم تشجيعها عموما، نظرا للرواية عن الصحابي الذي أمره النبي صلي الله عليه وسلم ان يحصل على أنف مصنوعة من الذهب بعد أن قطعت أنفه في المعركة.[43] وقد اباح علماء معاصرون الخضوع لجراحة العين التصحيحية بالليزر.[44] الفرق الرئيسي بين الإجراءات التصحيحية والإجراءات ما بعد الإنسانية قد يكمن في أهدافها؛ حيث تحاول العمليات الجراحية تصحيح شيء قد حدث خطأ (بسبب وجود شذوذ بيولوجي أو إصابة أو خلل أو مرض)، أما هدف الاجراء ما بعد الإنساني هو تحسين ما ينظر إليه على أنه خلق “نصف خبزه” عن طريق اعطائنا أكثر مما نولد به كبشر سواء كان ذلك حياة أطول أو تصورات حسية اكثر وهلم جرا. نقطة البداية عندهم هي أن حتى الإنسان الصحي محاصر ضمن حدود ما أعطي له، بينما الممارسات الما بعد إنسانية تعرض ان تمنح الانسان أكثر من ذلك. بالعودة إلى مثال الكائنات المعدلة وراثيا، يمكن للمرء أن يرى بسهولة اين يمكن أن يؤدي ذلك إلى الضرر بدلا من التطوير.

التدخل العلمي بمقابلة جهاد النفس

مفتاح رؤية الحركة ما بعد الإنسانية هو عملية تطوير البشرية عن طريق التدخل العلمي، سواء كان ذلك زيادة الذاكرة من خلال المؤثرات النفسانية أو تعديل الجينات من أجل القضاء على وجوه غير مرغوب فيها من بنية الشخص الجسدية أو النفسية. قد أثار الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس العديد من الانتقادات لهذه التدخلات. فهو يعترض على إضفاء الطابع الالي على البشر ولديه مشكلة مع فرض رأي شخصي حول الكيفية التي ينبغي أن يكون بها البشر، وما ينجم عن ذلك من انتهاك للاستقلال الذاتي. كما رأى أنه إذا حاول المرء تحسين أو زيادة أحد جوانب إنسان ما، فمن الطبيعي أن يعاني آخر.[45]من المؤكد أن أفكار هابرماس حول انتهاك الاستقلال الذاتي وإضفاء الصفة الاليه على البشر سوف تجد بسهولة منزلا لها داخل الفكر الإسلامي. ويضع الإسلام تركيزا قويا على الاستقلال الذاتي:”        وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ….”(القران 35:18). القران يذهب ابعد من ذلك “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا …” (القران 31:33). ويُعلم المسلمون أن يكونوا مسؤولين عن أفعالهم، وأن يحاسبوا أنفسهم، لأنهم سيتحملون وحدهم المسؤولية عما فعلوه امام الله.

 هذا المجال من التحقيق يسلط الضوء على أن التدخلات ما بعد الإنسانية قد تعمل ضد الإرادة الحرة. الإرادة الحرة هي مسؤولية تفتح الباب أمام الأفراد الذين يختارون الانخراط في سلوك يضر بأنفسهم، ومن حولهم، والمجتمع ككل. الإسلام بالتأكيد ليس ضد القضاء على الأفكار والسلوكيات غير المرغوب فيها؛ الانخراط في النضال من أجل القيام بذلك هو واحد من الجوانب الأساسية لكونك مسلما. لكنه يدعو الناس للقيام بذلك عن طريق النضال ضد النفس (الجهاد). وجود القدرة على القيام بالشر هو جزء لا يتجزأ من وجود إرادة حرة حقا. هذا لا ينظر إليه على أنه عيب في تصاميمنا، كما يطرح ما بعد الإنسانيين، بدلا من ذلك، ينظر الإسلام إلى هذا باعتباره جزءا لا يتجزأ من التصميم الإلهي.

إن الاعتراف بنواقصنا البشرية قد يكون في الواقع متأصل في دوافعنا التحفيزية كبشر فنحن نعمل لأننا نحتاج إلى تحقيق الآمال والأهداف والتطلعات. تخيل العالم المثالي حيث البشر مستوفين من الناحية التكنولوجية بحيث أنهم لا يحتاجوا إلى التحرك أو بذل أي جهد على الإطلاق، أدمغتهم محفزه كهرو كيميائيا لتكون في حالة مستمرة من السعادة الناجمة عن الإندورفين، أجسادهم مجهزة تكنولوجيا حتى لا يكون لديها أي احتياج واعي لتناول الطعام أو إنتاج المخلفات. في مثل هذه الحالة سوف تجد حياتهم خالية تماما من القيمة أو الغرض، لماذا توجد على الإطلاق من دون أي هدف نهائي أو مسعي، لا عقبات للتغلب عليها، لا تطلعات لتحقيقها؟ هل هذه حقا نقطة نهاية مرغوبة للوجود البشري؟ الرجال الأخيرون لنيتشه، من دون تحدي، مسلوبي الطموح، قانعين في عالمهم الصغير، “لا يقهرون كما البرغوث”، يصدقون أنفسهم انهم قد وجدوا السعادة.[46] كلمات ليون كأسٌ لاذعة أكثر، “في لحظة انتصاره، الرجل البروميثان سيصبح بقرة محترمة”.[47]قادما من منظور نفسي، ميهالي كسيكسنتميهالي جعل مفهوم “التدفق” أكثر شعبيه. وتركز أطروحته على فكرة أن البشر هم في أسعد احوالهم عندما يكونون مغمورين في التحدي الذي هو ضمن مستوى كفاءتهم.[48] وبدون تحدي، لن يكون ذلك ممكنا أبدا. الأكثر طرافة من ذلك، انه من الشائع أن نسمع فرد يصف الشعور الهائل من المتعة والاهمية الناجمة عن التغلب على عقبة ما.

يمكن وصف الموقف الإسلامي بأنه يرى أن الإنسان يولد في حالة جيدة (“لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” القران 95:4)، الذي يُتحدى بعد ذلك بحقائق العالم والحالة الإنسانية؛ هذا هو النضال الذي يدفع ببعض البشرية إلى “السقوط” (“ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” (القران 95:5). والالتزام بتوجيه الله، كما هو مبين في الوحي هو الذي يسمح للبشر بالنجاح: ” إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ” (القران 95:6) ” قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)” (القران 91:9-10).

هذا يضع نظرة العالم الإسلامي في صراع مع المدرسة ما بعد الإنسانية فيما يتعلق بما يشكل الطبيعة البشرية. طبيعة الإنسان وخلقه ليست “نصف خبزه” كما يكتب بوستروم؛ بدلا من ذلك، يتم خلق الإنسانية من مصدر إلهي مع غرض إلهي. ثم تقع المهمة على عاتق كل إنسان أن يكافح ويحافظ على خيره، من خلال النضال الداخلي (جهاد النفس)، بدلا من التدخل التكنولوجي الحيوي. إن هذا الكفاح متأصل في موضع الإنسانية الفريد المتمثل في امتلاك الإرادة الحرة، على العكس من أشكال الخلق الأخرى التي تعمل ضمن نطاق محدود مما يمكن أن نعرفه كخيار. ويرى المسلمون أن منحهم هذه الإرادة الحرة هو واحد من الأسرار الإلهية. رد الله على الملائكة، عندما سألوه لماذا سيخلق الجنس الذي يمكن أن يقع في الفساد ” إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (القران 2:30). عند قراءة هدف الحركة ما بعد الانسانية المتمثل في القضاء على العلل الإنسانية، مثل الاغتصاب والكذب والغش، عن طريق التدخل التكنولوجي البيولوجي أو التدخل الجيني، يجب أن نسأل كيف يمكن القيام بذلك مع الحفاظ على الإرادة الحرة. ومن الصعب أن نفكر في هذا بدون ان تجد نفسك تفكر في ديستوبيا هكسلي.

القضاء على عدم المساواة

يزعم بوستروم أن النزعة ما بعد الإنسانية يمكن أن تُستخدم للقضاء على عدم المساواة، مدرجا المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا ما بعد الإنسانية على انها واحدة من الأهداف الهامة للحركة. ويأتي اهتمام المؤمنين بما بعد الإنسانية بالمسألة السابقة من المفهوم الموجود لدى الكثيرين ان هناك عدم مساواه حتمية مرتبطة بالتكنولوجيا الجديدة. لا يمكن للمرء فصل العلم عن السياق الذي يجري تطويرهُ فيه. ومن المرجح أن تتكرر التحيزات المتأصلة في النظرة العامة الحاكمة لمجتمع ما، حيث تطبع وتستنسخ في المعارف والممارسات التي يتم تطويرها داخل هذا المجتمع. يصف موسى فوربر في كتاباته عن الإسلام وتكنولوجيا النانو، عدم المساواة في الوصول إلى تكنولوجيا النانو بين الدول على أنها تؤدي إلى “تفرقة نانو”.[49] كما يذكر فوربر مخاوف بشأن الاتجاهات التي يأخذها هذا البحث. هذه النقطة بالذات شديده الصلة بهذا بالموضوع ونحن بالفعل نشهد آثار التحيزات التي تحدث في الاتجاه الذي يذهب اليه البحث داخل المجتمع الطبي؛ الأمراض الاستوائية التي تؤثر على أكثر من مليار شخص لا يُجري عليها البحث الكافي بسبب حقيقة أن غالبية المصابين فقراء. وهذا يجعل المرض غير مربح نسبيا للشركات الصيدلانية، وكذلك أقل إلحاحا بسبب المسافة النفسية بين أولئك الذين يتخذون القرارات الرئيسية داخل المجال وأولئك الذين يعانون من آثار المرض.[50]

كتب ألدوس هكسلي ذات مرة: “العلم في حد ذاته محايد أخلاقيا؛ انما يصبح خيرا او شرا عند تطبيقه.”[51] ومن المرجح أن اللامساواة الموجودة داخل مجتمعاتنا اليوم طبيعي أن تمتد إلى أي تطورات علمية أو تكنولوجية جديدة. يبدو التنبؤ بأن التطويرات ما بعد الانسانية ستساعد في القضاء على عدم المساواة خاطئ تماما. إن مراقبة ما يجري حاليا في إطار الممارسات ما بعد الانسانية يكشف عن نمط واضح من كونها ملعب الأغنياء. الرموز البارزة مثل ايلون موسك غالبا ما يكونون مليونيرات ان لم يكونوا مليارديرات، عندما يكون موسك مسيطرا على ثروة من 15.6 مليار دولار أمريكي، في حين أن الرجال العاديون والنساء الذين يرغبون في استخدام أشياء مثل التجميد العميق يجب ان يدفعوا مبلغ كبير 20،000 $، مما يجعل هذه التكنولوجيات غير متوفرة ل معظم سكان العالم. بعيدا عن كونها مستأصله لعدم المساواة، من المرجح أن تنطوي النزعة ما بعد الإنسانية على أغنياء يطورون أدوات للأغنياء، مما يؤدي إلى مستويات أعلى من عدم المساواة داخل المجتمع. حفظ الثروة داخل دوائر معينة، وعدم توزيعها على المجتمع الأوسع، حذر منه القرآن الكريم. ويطلب من المسلمين توزيع الثروة على المحتاجين.” مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ…”(القران 59:7).

إطالة الحياة وإثرائها

يجعل العديد المنتمين لما بعد الإنسانية من بين أهدافهم السعي وراء الخلود. في حين أن تحقيق الحياة الأبدية هو هدف مشترك بين معظم المتدينين، بما في ذلك المسلمين، بينما محاولة تحقيق ذلك في هذا العالم (الدنيا) هو شيء غريب على العقل مسلم. الرواية الإسلامية واضحة: هذه الحياة ليست سوى جزء من رحلة الإنسان والنجاح لا ينطوي على إطالة أمدها، بل هو موجود في الخروج منها، عن طريق الموت، بعد أن تحظي بحياة من الخير والتوبة.

أخبر الرسول صلي الله عليه وسلم صحابته:

“كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ” وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ”.[52]

الأقوال النبوية مثل هذا ترسم صورة فيها عالم هذه الحياة ليس المقصود منه أن يكون مثاليا، ولا يجب على المسلمين التمسك به. فقط من خلال حذف مفهوم الحياة الآخرة من المعادلة، كما فعل العديد من المؤمنين بما بعد الانسانية، يبدو السعي لحياة أطول (وربما أبدية) جديرا بالاهتمام.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ينظر إلى الإسلام على أنه دين حرمان البدن. يسلط الشيخ عبد الحكيم مراد الضوء على هذه النقطة في سياق النزعة ما بعد الإنسانية؛ في حين أن عناصر من المسيحية، وبعض الأفكار الأساسية وراء البوذية، مرتكزة حول إنكار البدن، الإسلام يعطي البدن حقه، وصاحب البدن لديه مسؤولية عليه.[53] يجب عليه تنظيفه على الأقل عدة مرات في اليوم، وتغذيته بالطعام الذي ليس فقط حلال ولكن الطيب (الجيد والنقي) أيضا؛ يجب أن يبقى بهيئة جيدة، معطر ومكسو بالملابس النظيفة. حتى بعد الموت، عندما تكون الروح قد غادرت، يغسل البدن، ويكسي، ويصلى عليه. المعارضة الإسلامية للتفكير ما بعد الإنساني لا تنبع من إنكار البدن، أو هذه الحياة ككل. يعتقد المسلمون أن الإسلام يضع توازنا دقيقا بين التطرف بإنكار البدن والسعي إلى الخلود البدني.

وبينما يدعي أصحاب الحركة ما بعد الإنسانية أنهم على نهج نحو إثراء الحياة، فإن الموقف الإسلامي قد يرى تركيزهم على أنه مجوف؛ التركيز على إطالة أمد الحياة بدلا من إعطائها معنى، التركيز على تحسين قدرات العقل بطريقه فجه بدلا من تنقيته عضويا، والتركيز على منحنا المزيد من سبل الإدراك الحسي، بدلا من الاستفادة بشكل أفضل من الحواس التي سبق أن أعطيت لنا. الدكتور نذير خان يقدم حجه قوية ان هناك شكل من أشكال تجاوز القيود البشرية موجود بالفعل في التراث الإسلامي. في حين أن أحدا لن يستخدم مصطلح “ما بعد الإنسانية” بسبب الحمولة الفلسفية والأيديولوجية لهذا المصطلح، هناك فكرة داخل الإسلام فيما يتعلق بتحسين الإدراك الحسي للمرء، فضلا عن قلبه وعقله، وليست مختلفة تماما عن هدف ما بعد الانسانية المتمثل في تحسين هذه القدرات. يكتب خان أن الذي يعادي تحسين القدرات الحسية هو في حالة من الغفلة. ويقتبس الفقيه الإسلامي الكبير ابن القيم (متوفي 1350)، “فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبا على قلبه وصدأه بحسب غفلته وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه…” هذا الارتباط بين قلب الفرد وبقية جسده موجود دائما في النظرة الإسلامية، ولكن يبدو أنه يتم تجاهله تماما من النهج العلمانية. يستخدم خان الحديث الشهير، عندما قال النبي ﷺ ناقلا عن الله سبحانه وتعالى، لمواصلة دعم هذا الخط التفكير.” لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ..”(صحيح البخاري). ويقتبس أيضا الامام الشوكاني (المتوفي 1250 هجريا) الذي كتب، ” إمداد الرب سبحانه لهذه الأعضاء بنوره الذي تلوح به طرائق الهداية وتنقشع عنه سحب الغواية” وهنا نرى ما يمكن أن يسمى بالنزعة ما بعد الإنسانية الإسلامية، التي تتميز بالصلة بين تفاني المرء إلى الله سبحانه وتعالى، والي أي مدي يستطيع المرء أن يدرك العالم من حوله.[54] في حين أنها تقترح أن قدرات الفرد يمكن أن تتحسن، بل هو شكل مختلف من التحسن عن ذلك الذي اقترحته ما بعد الإنسانية العلمانية، والفرق يعكس التباين بين النظرتين العالميتين. إن المرحلة النهائية الإسلامية هي أفضل فيما بعد وأكثر إنسانية روحيا وأخلاقيا، وبالتالي فإن التحسينات التي طرأت على الذات من خلال “ما بعد الإنسانية الاسلامية” تؤدي إلى سهولة في الأداء الجيد، من خلال كون وضعها أفضل لإدراك العالم كما هو. إن المرحلة النهائية الإلحادية هي تعظيم لهذه الحياة، من حيث طولها وبهجتها، وبالتالي فإن هذا النوع من ما بعد الإنسانية يهدف إلى زيادة الخبرة البشرية في هذا العالم.

المناقشة والاستنتاج

ينظر كل من ما بعد الانسانيين الإسلاميين والعلمانيين للإنسان على أنه مخلوق معيب. يُعَلَم المسلمون في القرآن أن هناك سبب إلهي لهذا. في حين ينظر إلى الجنس البشري على أن الله خلقه في أحسن تقويم، مع ذلك من طبيعة البشر الانخراط في الأفكار والافعال السيئة. ويشير المؤمنون بما بعد الإنسانية إلى حالة البشرية كدليل على حاجتها للتدخلات. في حين أنهم يتفقون على هذه النقطة، هناك اختلافات كبيرة في الطرق التي يشعرون أنه ينبغي معالجتها بها. شيء محوري في وجهة النظر الإسلامية هو فكرة جهاد النفس الخبيثة، للتغلب على الدوافع السيئة، من أجل تحقيق العدالة للنفس الطيبة، والأهم من ذلك، العيش بطريقة تتفق مع المسار الذي رسمه الخالق. فكرة ما بعد الانسانيين لتغيير خلقنا بشكل جذري من أجل إزالة إمكانية ارتكاب أخطاء لا تجد لها منزلا بسهولة في إطار الفكر الإسلامي. تقع مسؤولية تحسين سلوك الفرد على عاتق الفرد مباشرة؛ كل فرد سيكون في نهاية المطاف مسؤولا عن أفعاله. فيما يتعلق بذلك، أحد الأسئلة الرئيسية التي لم يتم الرد عليها حتى الآن من قبل ما بعد الانسانيين هي كيف سيسعون للقضاء على ارتكاب الأفعال غير المشروعة دون المساس بالإرادة الحرة. الإرادة الحرة والاستقلالية الفردية رئيسيين للرواية الإسلامية. حقيقة أن البشر يرتكبون أخطاء لا ينظر إليها على أنها نتيجة لخلق “نصف خبزه”، كما يعتقد بعض ما بعد الانسانيين؛ بدلا من ذلك، هو خطأ الفرد، وبدرجة أقل يمكن أن يكون خطأ المجتمعات التي تأوي الفرد. المسلمون ليسوا وحدهم من يثيرون المخاوف بشأن انتهاك الإرادة الحرة الذي من المرجح أن يترتب على ما بعد الانسانية، بدليل كتابات العلماء مثل هابيرماس.

هل من الممكن صياغة “ما بعد إنسانية إسلامية”؟ سيكون من قصر النظر رفض هذه الإمكانية. يحتاج الفقهاء المسلمون ان يتصدوا الي أسئلة حول جواز التدخل على المستوى الجيني لإمالة الفرد للتصرف بطريقة “أفضل”؛ إذا عرض ما بعد الانسانيون إمكانية تعديل جينات الإنسان بحيث يكون أقل عرضة للكذب، فهل يحرم ذلك؟ والأقل إثارة للجدل، قد تجد بعض الممارسات ما بعد الانسانية منزلا لها في العلوم الطبية الحيوية الإسلامية. على سبيل المثال تحسين الذاكرة: قد يعتبر مثل هذا التدخل ملائما طالما أنه لم يحدث أي ضرر. وقد افترض الفلاسفة مثل ليون كاس أن تحسين القدرة س سيؤدي على الأرجح إلى انخفاض في القدرة ص،[55] مما يبين ان حتى هذا المثال الغير ضار نسبيا يحتاج إلى مزيد من المداولات. على الرغم من ذلك فإن هذا المثال يبين أن جميع الممارسات الما بعد إنسانية لا تتطرق إلى قضايا خلافية مثل الإرادة الحرة والتغيير الجيني الذي لا رجعة فيه.

بإعادة صياغة السؤال السابق قليلا، نسأل: “هل هناك ما بعد إنسانية إسلامية؟”، يمكن للمرء أن يزعم بأن شيئا مماثلا موجود بالفعل. ومع ذلك، انها ما بعد إنسانية تختلف عن الفرع العلماني الحديث من الما بعد إنسانية. في حين أن الحركة الحديثة من الما بعد إنسانية تهدف إلى تحسين الإدراك الحسي عن طريق التدخل العلمي، تدعو ما بعد الإنسانية الإسلامية المؤمنين إلى تحسين وتنقية إدراكهم عن طريق الوعي بالله، وتجلب عن طريق زيادة ذكر الله. قد يقال إن أهداف ما بعد الإنسانية الاسلامية ترتبط ارتباطا مباشرا بتفانيهم لله، بدلا من إتقان العلم العلماني. وهذا الاختلاف يجسد الفرق الأساسي بين ما بعد الإنسانية الإسلامية وما بعد الانسانية العلمانية.


[1] فرانكلين،د. (2007). نقطة التلاشي: صعود الكمبيوتر الخفي. الجارديان. مستخرجه من:https://www.theguardian.com/technology/2017/jan/26/vanishing-point-rise-invisible-computer

[2] كلارك، ا. س. (1961). ملامح المستقبل: تحقيق في حدود الممكن. جيتواي للنشر. هنتينجدون.

[3]جوليان هكسلي. (1957). زجاجات جديدة لنبيذ جديد. لندن. شاتو وويندس.

[4] نيك بوستورم. (2005). تاريخ لفكر ما بعد انساني. صحيفة التطور والتكنولوجيا، 14 (1)، 1-25.

[5] نانسي كاثرين ساندارس (1972). عبر. ملحمة جلجامش. لندن. البطريق.

[6] نيك بوستورم. (2005).

[7] نوري، وهوركهيمر وأدورنو. (2002). جدلية التنوير. صحافه جامعه ستانفورد. كاليفورنيا.

[8] نيك بوستورم. (2005).

[9] ادجار. (2009) التحدي التفسيري للهندسة الوراثية: هابرماس وأنصار ما بعد الإنسانية. فلسفة الرعاية الصحية الطبية، 12(2)، 157-67.

[10] ويليام بيسترو. (2010). التنوير موسوعة ستانفورد للفلسفة. مستخرجه من: https://plato.stanford.edu/entries/enlightenment/

[11] نفس المصدر.

[12] فرانسيس بيكون. (1624). اتلانتس الجديدة. الناشر الأصلي غير معروف. طباعه صانع الساعات للنشر. اوريجن.

[13] بيتر ماركي. (2017). العقلانية مقابل الإمبريالية، موسوعة ستانفورد للفلسفة ادورد ن. زالتا، مستخرجه من: https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/rationalism-empiricism/

[14] جميس هيوز. (2012) سياسات ما بعد الإنسانية. زايقوان، 47(4)، 757-776.

[15] جون بوردون ساندرسون هالدين. (1923). ديدالوس: او العلوم والمستقبل. قرائه ورقة المهرطقين، كامبريدج، 4 فبراير 1923.

[16] نيك بوستورم. (2005).

[17] برتراند راسل. (1924) إيكاروس: مستقبل العلوم. لندن. شركة ك. بول وترنش وتروبنر المتحدة.

[18] والدوس هكسلي. (1932) عالم جديد شجاع. الأخوة هاربر. نيويورك.

[19] جورج أورويل. (1949). رواية 1948. نيويورك. هاركورت.

[20] جوليان هكسلي. (1927). الدين بدون وحي. لندن. أي بين.

[21] نيك بوستروم. قيم ما بعد إنسانية. في مشاكل أخلاقية للقرن الواحد والعشرين، فريدريك ادامس (2003). صحافه مركز التوثيق الفيلسوفي. ص. 4.

[22] المرجع السابق ص. 3

[23] المرجع السابق ص. 3

[24] المرجع السابق ص. 4

[25] المرجع السابق ص. 7

[27] المرجع السابق ص. 8

[28] موسي. (2008). الابعاد الأخلاقية لتكنولوجيا النانو. مؤسسة طابا، 6، 1-18.

[29] دافيد كوكس. (2013). هل مودافينيل امن على المدي البعيد؟ الجارديان. مستخرجه من:

https://www.theguardian.com/education/mortarboard/2013/may/31/is-modafinil-safe-in-long-term

[30]  جيمس هيوز (2007). التوافق في الميتافيزيقيا بين وجهات النظر الدينية وما بعد الانسانية، المعاناة، الفضيلة والتجاوز في مستقبل معزز. معهد الأخلاقيات والتكنولوجيات الناشئة.

[31] ستيفن غولدبرغ. (2009). هل الجدار لا يزال قائما؟ الآثار المترتبة لما بعد الإنسانية على فصل الكنيسة والدولة. مركز القانون جامعة جورج تاون.

[32] بيث سينغلر. (2017). لماذا لغة المؤمنين بما بعد الإنسانية ولغلة المتدينين بهذا الشبه؟ مستخرجه من: https://aeon.co/essays/why-is-the-language-of-transhumanists-and-religion-so-similar

[33]أسد الله علي. (2017). هيكل الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية: الخرافات الاستشراقية. معهد يقين. مستخرجة من:https://yaqeeninstitute.org/en/asadullah/scientism/

[34] ابن مسعود. (2015). تفسير سورة الرحمن: النظام الإيكولوجي للفضاء، الأرض والسبب في عدم توازن البشرية. سنه مؤكدة. مستخرجه من:https://sunnahmuakada.wordpress.com/2015/11/01/tafsir-surah-al-rahman-the-ecosystem-of-space-the-earth-and-why-mankind-is-imbalanced/

[35] جامير ميه. (2016). ماذا تقول الاخلاق الإسلامية عندما يتعلق الامر بالبيئة؟ مركز الباحثين. مستخرجه من:  http://seekershub.org/ans-blog/2016/11/30/islamic-ethics-say-relation-environment/

[36] جون انتين. (2013). أكثر من 2000 سبب لماذا الكائنات المعدلة وراثيا آمنة لتؤكل ومستدامة بيئيا. فوربس. مستخرجه من: https://www.forbes.com/sites/jonentine/2013/10/14/2000-reasons-why-gmos-are-safe-to-eat-and-environmentally-sustainable/amp/

[37] اريس ولابلان. (2011). تعرض الأمهات والأجنة للمبيدات الحشرية المرتبطة بالأغذية المعدلة وراثيا في المناطق الشرقية من كيبيك، كندا. التكنولوجيا الإنجابية، 31، 1-6.

[38]  سميث. (2013). هل يمكن أن تفسر الأطعمة المهندسة وراثيا حساسية الغلوتين المنتشرة بشده؟ معهد التكنولوجيا المسؤولة.

[39] ثونغبراكايسانغ وثيانتاناوات ورانغكاديلوك وسوريو وساتايافيفاد. (2013) الغليفوسات يحفز نمو خلايا سرطان الثدي عند الانسان عن طريق مستقبلات هرمون الاستروجين، الغذاء والسموم الكيميائية، 59، 129-136.

[40] دي اورجو ودلجادو وبومغارتن. (2016) الغليفوسات ونتائج سلبيه للحمل: مراجعة منهجية للدراسات الرصدية. بي ام سي للصحة العامة، 16، 472-484.

[41] ادريان ديل كارو. ترسيخ نيتشه فصاحة الأرض. (دي غرويتير 2004). ص. 349.

[42] ولننظر على سبيل المثال في استعراض الفظائع التي ارتكبتها الأنظمة الشيوعية المعادية للتوحيد في روسيا السوفياتية، والصين الماوية وحكومة الخمير الحمر لبول بوت.  ويمكن الاطلاع على مراجعة لبعض التفاصيل التاريخية ذات الصلة في خان، ن. “للأبد في المحاكمة – الإسلام وتهمة العنف” معهد يقين 2016. https://yaqeeninstitute.org/nazir-khan/forever-on-trial-islam-and-the-charge-of-violence/

[43] جامع الترمذي 1770. https://sunnah.com/tirmidhi/24/54

[45] يورغن هابيرماس. (2003). مستقبل الطبيعة الإنسانية. كامبريدج. بوليتي برس.

[46] فريدريك نيتشه ووالتر كوفمان. (1995). هكذا قال زاراثوسترا: كتاب للجميع ولا شيء. نيويورك. المكتبة الحديثة. بالتحديد صفحه. 21

[47] ليون كاس. (2002) الحياة والحرية والدفاع عن الكرامة. سان فرانسيسكو. كتب المواجهة.

[48] ميهالي كسيكسنتميهالي. (1990). التدفق: علم النفس من التجربة المثلى. نيويورك: هاربر وراو.

[49] موسي فوربر. (2008). الابعاد الأخلاقية لتكنولوجيا النانو. مؤسسه طابا، 6، 1-18.

[50] منظمه الصحة العالمية. (2017). الامراض الاستوائية المهملة. مستخرجه من: http://www.who.int/neglected_diseases/diseases/en/

[51] ألدوس هكسلى. (1974). النصوص والحجج (الاعمال المجمعة لألدوس هكسلى). لندن. شاتو وويندس.

[52] البخاري— 170.

[53] عبد الحكيم مراد. (2010). دورونا – خاص. مستخرجه من:  https://www.youtube.com/watch?v=_bJGDbGcPm4

[54] نذير خان. (2015). ذكر – الصحوة من الوهم. الإدراك الروحي: إجابات أكاديمية للأسئلة الروحية. مستخرجه من: http://spiritualperception.org/dhikr-awakening-from-illusion/

[55] ليون كاس. (2003). أجساد خالدة وارواح سعيدة. أطلنطس الجديدة، 1، 9-28.

Tamim Mobayed

Tamim Mobayed holds a B.Sc. and M.Sc. in Psychology, from Queen’s University Belfast, and is currently an M.A. candidate in Islamic Thought and Applied Ethics at Hamad Bin Khalifa University, Qatar, as well as an M.Phil. candidate in Child Psychology, from his Alma Mater in Northern Ireland.