هل الإسلام “غزو فكري وسياسي”؟ حول الجهاد والحرب والسلام

Is-Islam-a-Conquest-Ideology-HeroImage1910x1000-2

Surkheel Sharif

Shaykh Abu Aaliyah (Surkheel Sharif) is an imam, author, translator, and Director of The Jawziyyah Institute. Abu Aaliyah has studied the Islamic sciences (theology, law, and spirituality) with a number of scholars, and has been involved in Islamic teaching both in the UK and abroad since the late 1980s. He has authored a number of books including The Golden Rule of Differing and The Exquisite Pearl, and has translated several books from Arabic to English. He has an MA in Islamic Studies, serves as an imam for Eman Foundation in London, and has appeared on radio and TV. Some of his lectures, articles, essays and videos can be found at thehumblei.com, www.facebook.com/Jawziyyah and www.twitter.com/Abu_Aaliyah. Abu Aaliyah lives in London with his wife and four grown children.

View all posts

مُلَخَّصٌ

هل الجهاد يعني “الحرب الدائمة” في إطار المخطط الإسلامي السياسي الكبير؟ وهل كانت حياة النبي محمد ﷺ مليئة بالدماء وقتل الأنفس؟ تلك هي القضايا الأساسية التي سنتناولها في هذا المقال. أرسى العلماء المسلمون منذ وقت طويل نوعين من الجهاد: أحدهما خارجي والآخر داخلي. وعادة ما يشير الجهاد الخارجي إلى القوة العسكرية التابعة للدول (أي القتال المسلح) التي تُشن للدفاع عن الدين والحكم والدفاع عن الوطن أو حماية الضعفاء من العدوان غير المبرر. أما بالنسبة للجهاد الداخلي (جهاد النفس)، فهو يشير إلى مجاهدة النفس والهوى حتى يتحقق الخضوع التام لله. وفيما ما يلي سنعرض نوعين من الجهاد – حسب المصادر الإسلامية وآراء العلماء والفقهاء المسلمين الأوائل والمعاصرين. في الجزء الأول، سأبدأ بحديث موجز عن جهاد النفس. ويحتوي الجزء الثاني على حديث صريح حول الجهاد على أنه قتال مسلح؛ كما يجيب على سؤال: هل الإسلام غزو فكري وسياسي أكثر من كونه دين حقيقي؟ الجزء الثالث، الخلاصة، والتي نثير فيها بعض الأسئلة المعاصرة.

أولًا: مجاهدة النفس

فيما يتعلق بمراتب الجهاد، ذهب الراغب الأصفهاني، وهو أحد العلماء البارزين في القرن الإسلامي الخامس، إلى أن الجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتندرج الثلاثة في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج: 78].  [1] بعد بضعة قرون، عرض ابن القيم نصًا مماثلًا: “الجهادُ أربع مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهادُ المنافقين”. [2]

أمّا مجاهدة العدو الظاهر، فهناك في القرآن الكريم ما يعادلها؛ أي القتال أو المحاربة. وفي إشارة واضحة إلى هذا المعنى، فقد ورد في القرآن الكريم “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”. [البقرة:190]. إن قواعد الجهاد كأي حرب عسكرية منصوص عليها في الفقه الإسلامي وفي الهيئات الفقهية المعترف بها المتمثلة في العلماء والفقهاء المعاصرين.

هناك العديد من الآيات القرآنية التي تثني على فضائل السعي نحو تزكية النفس، فهناك مجموعة من الآيات التي ورد فيها “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”. [الشمس: 7-10]. وهناك آيات أخرى مبشرات: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىَ” (النازعات: 40-41). وفي هذا السياق، قال النبي ﷺ “الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعة اللَّهِ”. [3] وهكذا، يشير جهاد النفس إلى مجاهدة المرء نفسه للتغلب على الهوى والرغبات الزائفة والرذائل، وكذلك بغرض ترسيخ العبادات في النفس من صلاة وصيام وحج وذِكر لله وصدقة، وهو ما يسمى المجاهدة.

الآن، بالنسبة للجزء الصعب، فقد ورد في أحد الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، بعد عودته من أحد المعارك، أنه قال: “قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكْبَر، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ” قَالَ: مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ “. [4]ومع ذلك، وفقًا لعلماء وفقهاء الحديث، إسناد هذا الحديث ضعيف؛ بمعنى أن هذه الكلمات لا يمكن أن تُعزى أصلاً إلى النبي ﷺ، أو بعبارة أخرى، فإن احتمال عدم قول النبي ﷺ لهذه الكلمات أكبر بكثير من احتمال قوله إياها.

يقول البيهقي بعد الاستشهاد بهذا الحديث: ” هذا إسناد فيه ضعف”. [5] وينقل أبو الفضل العراقي نفس الحكم في كتابه “المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار”. [6] قال الحافظ ابن حجر في “تخريج الكشاف”: “هو من رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم، والثلاثة ضعفاء، وأورده النسائي في ” الكنى ” من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام”.  [7] يقول ابن رجب الحنبلي بأن الحديث ضعيف، لكنه يربطه بقول إبراهيم بن أبي عبلة المذكور أعلاه. [8] في الآونة الأخيرة، أجرى الألباني تحليلًا شاملًا لسلاسل مختلفة من الأحاديث، وقال إنه (منكر). [9] أما بالنسبة لكل من علي القاري والسيوطي، فقد وضعه كلاهما في مؤلفاتهم في الأحاديث الضعيفة والموضوعة.[10]

يُعني التحليل المذكور أعلاه بإسناد الحديث، أما بالنسبة لمعناه، أشار العديد من العلماء إلى كيف أن المعنى صحيح من حيث مجاهدة النفس، فالأولوية لمجاهدة النفس على الجهاد الخارجي. وقد يُقرأ الحديث بطريقة تصبغ عليه معنى باطلًا تماماً، وهو المعنى الذي سأتناوله أولاً. إذا نظر المرء للحديث على أنه يعني أن الجهاد “الأصغر” الخارجي غير منطقي أو ذي قيمة ضئيلة، أو أن جهاد النفس “الأكبر” يحل محله أو هو بديل له، فهذا كذب وافتراء ويتناقض مع القرآن بحد ذاته. من هذا المنظور، قال ابن تيمية عن هذا الحديث: “لا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي وأفعالها. وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}. [النساء:95] [11]، هناك حديث آخر (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال ومن يستطيع ذلك) [12].

لا شك أن الحديث يحوي في طياته معنى صحيح، ذلك أن الجهاد الداخلي (جهاد النفس) والجهاد الخارجي لهما ميزة عظيمة وجديران بالثناء، لكنّ جهاد النفس له الأولوية على الجهاد الخارجي في قوله الجهاد “الأكبر”. ويقر عدد من أقوال العلماء بهذه الحقيقة، بما في ذلك ابن القيم الذي يتفادى عبارات “الأصغر” و “الأكبر”، حيث أشار إلى الآية “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ” [العنكبوت: 69] “أفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد…” [13]. يبين الإمام ابن تيمية سبب بلوغ الجهاد هذه المرتبة بقوله “جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم”. [14] وما يبعث على الأسى، أن هذه الحقيقة البديهية البسيطة يبدو أنها قد فاتت العديد من أولئك الذين قضوا عمرهم في شن حرب ضد أفضلية جهاد النفس وعلو شأنه.

ويضيف المناوي بعدًا آخر حول سبب جهاد النفس أكبر من الجهاد الخارجي. حيث قال “فهي – مجاهدة العبد هواه – أعظم الجهاد وأكبره، لأن قتال الكفار فرض كفاية، وجهاد النفس فرض عين على كل مكلف في كل وقت {إنَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخذوه عدواًّ…} [فاطر: 6] “فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ” [النساء: 84]. [15] 

أمّا أولئك الذين تعاملوا مع قضية الجهاد الأكبر والأصغر عادة فهما برأيين مختلفتين. فهناك من سعى إلى طمس السنة والتاريخ النبوي في الجهاد العسكري، في مقابل قراءة روحية مجردة لـلجهاد في سبيل الله. عادة ما تُعرض مثل هذه الأسفار من أولئك الذين يشعرون بالحاجة إلى إشباع مفاهيم الحداثة (أو الليبرالية) للدين واللاعنف لديهم؛ فهؤلاء، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لهم عقول مستعمرة، أو جهل مفرط، أو افتقار إلى الأمانة والنزاهة العلمية. في المقابل، هناك من المسلمين وغير المسلمين ممن يصرون على قراءة الآيات القرآنية المرتبطة بالجهاد قراءة سطحية، دون الرجوع إلى الفروق الفقهية القائمة في كتب الفقه والفكر الفقهي الإسلامي المعاصر. على عكس قراءات الفئة الأولى المستخف بعقولها، يسعى هؤلاء إلى جعل الإسلام مرادفاً للعنف والحرب والإرهاب، ويبثون العداوة بين الشعوب لخدمة مخططاتهم السياسية. فكل من هذه التصورات الخاطئة، سواء ليبرالية كانت أم متطرفة، يجب أن تُدحض وتُرفض رفضًا قاطعًا. كان لتلك الآيات المذكورة والأحاديث وأقوال العلماء أن تسهم في دحض أي معارضة على صدارة جهاد النفس وارتفاع مرتبته. وعلى الرغم من أن الحديث المشهور عن الجهاد ليس حسنًا، فإن الأدلة الأخرى تدل على مركزيته في عبادة المؤمن لله بوجه عام. وهكذا، كانت مسألة مجاهدة النفس كما حسمها ابن الجوزي: “تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد”. [16]

ثانيًا: الجهاد الخارجي

يشتمل الجهاد الخارجي على مجموعة واسعة من المعاني التي تشمل: (1) اللسان، و (2) اليد، و (3) السيف، وقد يشير إلى فعل إجبار الآخرين على الخير وحرمانهم من الشر، كما جاء في الحديث: “فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”. [17] كما يشمل قول الحقيقة في وجه الحكام: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”. [18] إن السعي إلى البر بوالدينا هو أيضاً شكل من أشكال الجهاد، كما جاء في رد النبي صلى الله عليه وسلم على شاب أراد المشاركة في القتال، وما زال والداه على قيد الحياة: “ففيهما فجاهد”. [19] ثم هناك أهم أنواع الجهاد: الدعوة، أي ​​دعوة الآخرين إلى الإسلام عن طريق نقل تعاليمه: “فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً” [الفرقان: 52]. وبالطبع هناك قتال في الحرب. مجمل القول، ليس كل الجهاد قتال، وليس كل القتال جهاد.

لا شك أن الجهاد بمعنى القتال فُرض على المؤمنين في مواضع عديدة في القرآن الكريم، ويُنظر إليه على أنه شكل من أشكال الإيثار والتضحية في الإسلام. دعونا نرجع إلى مراتب الجهاد لدى الراغب: والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ} [الحج: 78]. وقوله {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}(التوبة: 41)… والمجاهدة تكون باليد واللسان، قال صلى الله عليه وسلم ((جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم)). [20]، [21] ومع ذلك، إن حمل فكرة الجهاد ” حرب مقدسة ” معنى غريب على المفردات الإسلامية، عندما يُرد المصطلح إلى أصله في اللغة العربية، فإنه يُقرأ “الحرب المقدسة”، التي لا توجد بأي شكل من الأشكال في أي تعاليم إسلامية، فقد تفرض الحرب في الإسلام أو لا تفرض، ولكنه لا يكون مقدسًا على الإطلاق.

يمكن أن نعرف فكرة الإسلام عن الحرب على أفضل وجه من هذه الكلمات عن نبينا ﷺ: “لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”.[22] وهذا يعني، اسعوا إلى سبيل السلام والمصالحة؛ وإذا أنكرت النوايا العدائية السبيل وحالته دونه، فاستعدوا لانتهاج تصرف مختلف. قد يُستخدم الحديث التالي أيضًا كأداة دعم وتأييد: “سيكون بعدي اختلاف أو أمر فإن استطعت أن تكون السلم فافعل.”[23] وكما يتبين من قول النبي ﷺ: “أقبح الأسماء إلى الله حرب ومرة”.[24] وبالنظر إلى ما سبق، وبالنظر إلى العديد من اتفاقات السلام التي أبرمها الرسول صلى الله عليه وسلم، من أجل وقف ويلات الحرب أو التخفيف منها، ناهيك عن الطريقة التي سامح بها وعفا عن الأعداء القتلة أينما استطاع، فمن قبيل التلفيق أو الخبث أو التضليل أن نصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “مؤجج للحروب”، بل إنه محارب آبٍ وقائد قرر القتال لحماية أمته من الانقراض أو القهر، هي أكثر المعاني صدقًا لوصفه صلى الله عليه وسلم.

في بداية الإسلام، كانت الحرب تُنظم بقول تشريعي فصل ذي أهمية قصوى يدور حول الجهاد ألا وهو “وجوبه وجوب الوسائل لا المقاصد”.[25] أي أن الجهاد العسكري ليس هدفًا؛ بل إنه وسيلة لتحقيق هدف، ويكمن هذا الهدف في الدعوة الحرة للإسلام والدعوة إلى عبادة الله وحده. يتعامل الإسلام مع الحرب، في جوانبها المتمثلة في الأذى والدمار وسلب الأرواح، باعتباره شر حتمي، “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً…” [الحج: 40] بعد قرنين أو ثلاثة قرون من بدء الإسلام، كان الفقهاء يعرّفون الجهاد بأنه قتال ضد الكافرين الذين لا يحفظون معاهدة السلام، بغية النهوض بالدين. قال الكاساني “الجهاد بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عزّ وجلّ بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك”. [26] وعرّفه القسطلاني بأنه “قتال الكفر لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله” [27].

هذا الجهاد العسكري له قواعده ومدونات سلوك أيضًا، من بينها أن يقوم رئيس الدولة بتقييم النتائج الإيجابية والسلبية المحتملة للحرب، وضمان عدم قتل المدنيين أو استهدافهم عمداً، والالتزام بأية معاهدة سلام أو اتفاقية دولية مبرمة، مع مراعاة قبول الدعوة للإسلام. إن العقيدة الإسلامية المبكرة التي تحظر قتل المدنيين في الجهاد العسكري تستمد ذلك من قول الرسول: ﷺ: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيًا ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأة”.[28] وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والأطفال”. [29] بعد الاستشهاد بالحديث الأخير، قال النووي: “أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء أو الأطفال إذا لم يقاتلوا، فإن قاتَلوا قال جماهير العلماء: يُقتلون.  [30] ويذكرّنا البهوتي: “أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، لأنه أعرف بحال الناس وبحال العدو”. [31]

يقودنا ذلك إلى جانب حيوي آخر حول الجهاد في الإسلام: من هم الواجب محاربتهم؟ هل يكون لزامًا على المسلمين شن الجهاد ضد الكفار نتيجة كفرهم؟ يتناول الإمام ابن تيمية هذه المسالة بقوله: “لا يُقاتل الكفار إلا إن يبدؤوا بقتال، حسبما ذهب جماهير العلماء، وما هو يُستدل عليه من الكتاب والسنة”،  [32] وهذا يعني أن الإسلام يحل قتال الكفار، ليس لكفرهم، بل لعدوانهم على المسلمين أو إبداء العداوة تجاههم. ورد في القرآن الكريم [البقرة: 190]: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”. وعلى نفس المنوال، قال ابن القيم، وهو أحد علماء القرون الوسطى، “…ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر، ولذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزمنى والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا”. [33] 

علاوة على ذلك، قال ابن القيم عن النبي ﷺ: “لم يكره الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لأمر ربه سبحانه وتعالى حيث يقول “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ [البقرة: 256]، ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبين له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته، لم ينقض عهده.”[34] وهكذا كانت وجهة نظر الجماهير من العلماء، أن الجهاد واجب ضد العداوة، وليس الانتماء الديني، وفي النهاية ساد الإسلام السنّي، وهكذا، وقعت المعارك الدفاعية التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل بدر وأحد والأحزاب وحنين، في ظروف شن فيها العدو هجومًا ضد المسلمين مما اضطرهم إلى الدفاع عن الدين وحَرَم الإسلام ومجاله، وفي معارك أخرى مثل خيبر أو مؤتة أو تبوك، حيث كانت الدولة الإسلامية على علم بالعدوان الوشيك، كانت هناك حاجة إلى هجوم وقائي كشكل من أشكال الدفاع.

في ضوء ما سبق، كيف نفسر “جهاد الطلب”؟ تحتوي أدلة القانون القديمة دائمًا ما يماثل العبارة التالية في قوانينها العسكرية: “الجهاد في سبيل الله كل سنة”. [35] وأيضًا: “واجب على الكفاية في كل سنة مرة واحدة”. [36] إذن كيف يتفق ذلك مع ما سبق ذكره؟ حسنًا، استندت مذاهب الجهاد إلى الدفاع، ليس فقط من حيث العداوات القائمة التي تُشن ضد المسلمين، ولكن أيضًا عند العدوان المحتمل. وُضعت هذه المذاهب في وقت كانت فيه الدولة الإسلامية محاطة بدول أخرى لا توجد معها معاهدة سلام أو كانت عدائية بصورة صريحة. في ظل هذا العالم العدائي، إما أن يهاجم المرء أو يبدأ بالاعتداء، كان هذا هو الوضع في جميع أنحاء العالم ما قبل الحداثة، غير أن القرن العشرين غيّر كل ذلك. إن ميثاق الأمم المتحدة للسلام جعل السلام هو الأساس بين البلدان – من الناحية النظرية على الأقل. على هذا النحو، بدأت الأصوات الفقهية المسلمة تعكس هذا الواقع الجديد: “من الضروري ملاحظة أن العالم اليوم موحد في ظل منظمة واحدة تلتزم فيها كل دولة عضو بأحكامه وشروطه. وتعهد الحكم الإسلامي في هذه الحالة بالوفاء بجميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تلتزم بها الأراضي الإسلامية، كما هو منصوص عليه في قانون الوفاء بالمعاهدات التي أقرها القرآن الكريم. وبناءً على ذلك، لا تعتبر هذه الدول غير الإسلامية الأعضاء في هذه المنظمة العالمية دار حرب، بل دار عهد.[37] من الجدير بالذكر أن الفقه الإسلامي لا يتشكل بالمثل العليا فحسب، بل بالواقع أيضًا، بمعنى أنه إذا تم الامتثال لمعاهدات السلام بين الدول في حالات الخرق فقط، دون الامتثال الفعلي لهذه المعاهدات، فلا يوجد أي سبب ما يجعل الأصوات الفقهية الإسلامية لا تعكس الواقع على الأرض.

معظم الفقهاء ولجان الفتوى معترف بهم في عصرنا وكلمتهم في شؤون الشريعة تمثل حكمًا رسميًا وتعبر عن الاستقامة – ولا تكن حالة الحرب قائمة بين المسلمين وآخرين ما لم يُشن الاعتداء ضد أرض مسلمة أو تقام حواجز أمامها. قال الخلاّف: “الجهاد مشروع لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان عن المسلمين، فمن لم يجب الدعوة ولم يقاومها ولم يبدأ المسلمين باعتداء لا يحل قتاله ولا تبديل أمنه خوفا. ولا تقوم بين المسلمين وغيرهم حالة حرب إلا بسبب طارئ من اعتداء أو مقاومة الدعوة أو إيذاء الدعاة أو المدعوين.” [38] لا ريب أنه في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وكذلك الحركة العالمية أو النزوح يكاد يكون من المستحيل على الدول إقامة حواجز تمنع الدعوة إلى الإسلام. إن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، فهي ذاتها تلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح أيضًا بالنمو المنذِر للترهيب من الإسلام والمعتقدات المعادية للإسلام لكسب قوة اجتماعية أوسع نطاقًا.

أما عندما يكون الجيش المسلم في خضم حرب دينية، فيأتي هنا دور الآيات القرآنية التالية (ومتشابهاتها) في هذا المقام: “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ” [البقرة: 191]. أيضًا: “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ” [التوبة: 5]. ومن ثم “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا” [الأنفال: 61]. إن الامتثال لاتفاقات السلام مع حكومات غير مسلمة تبين مجددًا استعداد الإسلام للتعايش بسلام مع جيرانه، دون النظر إلى دينهم. وعندما تصدر تعليمات للمسلمين بمحاربة منتهكي المعاهدات، فإن انتهاك المعاهدة هو ما ينشئ النزاع، وليس أن منتهكي المعاهدات هم من الكفار: “أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ” [التوبة” 13].

إذا أبرمت أي دولة إسلامية هدنة مع دولة غير مسلمة، فإن الدول الإسلامية الأخرى غير ملزمة بمعاهدة السلام تلك، ذلك أن لكل دولة إسلامية اتفاقيات سلام خاصة بها وسياسات خارجية خاصة بها. وهذا مستمد من معاهدة الحديبية التي لم يمتثل إليها الفارون المسلمون المكّيون المضطهدون، أمثال أبو بصير وأبو جندل وأصحابهم، بموجب المعاهدة التي صادق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين. لم تكن حرب العصابات ضد المكّيين غير المسلمين، ولا غاراتهم ضد قوافلهم، التي كانت تعتبر انتهاكًا لهدنة النبي ﷺ: لأنهم كانوا يمثلون في الأساس دولة ذاتية الحكم لا تخضع للسلطة السياسية للنبي ﷺ. قال ابن القيم: “والعهد الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم”. [39] بعبارة أخرى، يجب على كل دولة إسلامية أن تحترم اتفاقياتها الدولية، ولا تساعد أو تدعم دول إسلامية أخرى ضد من لديه اتفاقية عدم اعتداء معهم. هذا هو الوزن الذي يثبته القرآن الكريم على عهود السلام والهدنة، كما يقول الله: “وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ” [الأنفال: 72].

قال ابن تيمية ذات مرة: “والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان أكمل الناس في هذه الشجاعة، التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف، قتله يوم أحد، ولم يقتل بيده أحدا لا قبلها ولا بعدها.[40]من بين سبعة وعشرين غزوة وقعت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، شارك في تسعة منها فقط، [41] وكان العدد الإجمالي للوفيات في كلا الجانبين ألف وثمانية عشر شخصًا. من بين هؤلاء، هناك سبعمائة وتسعة وخمسون قتيلًا من بين الأعداء. ومئتان وتسعة وخمسون من المسلمين، وقد انخفض عدد قتلى العدو إلى ثلاثمائة وتسعة وخمسين عندما يقتصر العدد على أولئك الذين قتلوا في ساحة المعركة، [42] كانت هذه القيود التقية التي رسخت روح جهاد النبي ﷺ. وحسبما ذكر جاي إيتون، ما هو جدير بالملاحظة ليس فقط الوتيرة السريعة التي انتشر بها الإسلام التي شهدها العالم آنذاك، بل حقيقة أن ساحات المعارك لم تمتلئ بأنهار أو جثث المهزومين… إنهم كانوا في رباط. لم تكن هناك مذابح ولا حالات اغتصاب ولا حرق للمدن. كان هؤلاء الرجال يخافون الله لدرجة لا يمكن تخيلها في عصرنا، وكانوا يخافون أن يراهم في أي زمان ومكان، يترقبونه عند الريح والشجر، وراء كل صخرة وفي كل وادي… لم يكن هناك غزو من قبل مثل ذلك الغزو.” [43] إن التاريخ يكذّب الصورة المتعطشة للدماء التي يرسمها المتطرفون أمثال داعش، من جهة، والإرهابيين، من جهة أخرى، ليشوهوا صورة الإسلام والنبي ﷺ.

بالكلام عن عدد القتلى في الحرب، فإن مقال للدكتور نافيد شيخ بعنوان “عدد الجثث”، مثير للدهشة، ويعد دراسة إحصائية يحاول فيها أن يضع أرقاماً إحصائية عن حصيلة القتلى نتيجة العنف الديني والسياسي خلال العامين الأخيرين، ويربطها بالحضارات الثقافية والدينية. وكانت هذه الحضارات، وكذلك أماكنها، كما يلي: الإلحاد (الكتلة الشيوعية السابقة)؛ البوذية (شرق آسيا، أجزاء من جنوب آسيا)؛ المسيحية (أوروبا، الأمريكتين أجزاء قليلة من إفريقيا)؛ الهندية (الهند ونيبال وموريشيوس)؛ الإسلامية (الشرق الأوسط، أجزاء من آسيا، أجزاء من أفريقيا)؛ السكان الاصليين البدائيين (أجزاء من أفريقيا والأمريكتين قبل الاستعمار)؛ الصينية (الصين، بعض الدول المجاورة). أظهرت النتائج الرئيسية أن العالم المسيحي كان مسؤولاً عن أعلى عدد للوفيات في هذه الفترة التاريخية (أي 31٪ من جميع الوفيات: 178,000,000 حالة وفاة)، يليه الإلحاد (22٪: 125,000,000)، ثم الصينية (19٪: 108,000,000).)، ثم السكان الاصليين البدائيين (8 ٪: 46,000,000)، وبعد ذلك جاء العالم الإسلامي (5 ٪: 31,000،000)، وأخيرا الهندية (أقل من 0.5 ٪: 2,000,000 قتيلًا). على النقيض من العالم الإسلامي، شهدت الحضارة البوذية انتشارًا واسعًا باطراد في الغرب، ومع ذلك، فإن المساهمة البوذية في وفيات العالم أعلى بثلاث مرات من الإسلامية؛ وكان العالم المسيحي أعلى بست مرات، في حين كان الإلحاد أعلى بأربع مرات. لكن على الرغم من أن الحضارة الهندية فقط هي التي خلّفت عددًا أقل من القتلى، فإن العالم الإسلامي دائمًا ما يكون هو ضحية الاتهامات الإعلامية والصور النمطية للعنف والقتل والتعصب.  [44]

وأخيرا، دعونا نتطرق إلى ما يلي؛ حب المؤمن للشهادة. في أحد الأحاديث، نرى النبي ﷺ يبشر بما يلي: “والذى نفسى بيده لوددتُ أنْ أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل”. [45] إن حب النبي صلى الله عليه وسلم للشهادة ليس بسبب حبه الدماء أو الغور أو لمجد الحرب ذاتها ولا للتشبث بقسي أو إثارة القتال، بل كان هذا الحب أعلى مراتب طاعة الله والموت في سبيله. إن الاستسلام لله وطاعته، انطلاقًا من حب الله وجوده، هو أكبر تعبير ممكن عن محبة الله. فلا عجب من ذلك، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من مات ولم يغز ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق”.[46] على الرغم من أن المؤمنين يتوقون إلى الشهادة، فإنهم يسعون جاهدين للعيش حياة صالحة، فكيف يمكن للمرء أن يرغب في الموت في سبيل الله إذا لم يجتهد في أن يعيش بإخلاص من سبيل الله؟

ثالثًا: الخلاصة

في معظم فترات القرن العشرين، قام العلماء بفحص محتويات القانون المقدس وإعادة فحصه مجددًا، وذلك لإعطاء المسلمين بعض التسهيلات المبدئية التي كانت ملحقة بإجماع عالمي متزايد، وكانت أدوات الإسلام القانونية، كما هو الحال، مجهزة جيداً لأداء هذه المهمة. إن الممارسات الفقهية لتحقيق المناط (تحديد سياق القوانين للتأكد من صيغتها الحالية وتطبيقها) والمصلحة المرسلة (مراعاة المصلحة العامة والمنفعة العامة) نقلت فقهاء المراكز الكبرى للمنح الإسلامية نحو اتجاه التأقلم والتعديل والتكيف. وعلى الرغم من أن دعوة الإسلام لا تتوافق مع العصر، إلا أن الإسلام – على أية حال – هو صاحب الرأي المعارض العالمي الكبير، وربما – بل ويجب – أن يزود المسلمين بالوسائل الروحية والاجتماعية المطلوبة للعيش في هذا العصر والتنقل في داخل المزيج الانتقائي من التحديات. بل أكثر من ذلك، على الدين أن يقدم للمؤمنين رؤى حول أفضل السبل لشفاء سخط الحداثة وما يتبعه من خيبة للأمل أيضًا.

إن علماء الشريعة الإسلامية الذين ينعمون بكونهم متجذرين روحانياً في واقع الإحسان يعلموننا أن قانون الله قائم لبث الرحمة وليس الشدة، وتخفيف الشدائد، والتبشير لا التنفير، إنهم يصرون على أن اليوم يدعو إلى التسهيل لا التساهل، والتوانِ لا التعسير. وهذا بعيد كل البعد عن الاستسلام إلى الاستزراع الأحادي العلماني، كما يتخيل المتعصبون ذوو النظر القصير أو مفتقري التفقه، بل إن هذا السبيل يرسخ انفتاحًا سديدًا وبعد نظر نحو الكياسة، وهو ما سبق ظهور العالم الحديث. حتى في القرن الرابع عشر، أشار ابن القيم الجوزية إلى هذه الحقيقة الجلية: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل”. [47] 

إن ما تناولناه آنفًا حول الحرب والسلام إنما هو نتاج لكيفية إدماج معظم الفقهاء المسلمين المعاصرين للنماذج العالمية الجديدة. ونحن كمسلمين فرادى، كل جزء منّا يمثل أمة عابرة للحدود، فكل منّا أيضًا ينتمي إلى بلد مستقل وملتزم أمامها بالمبدأ العالمي لعدم الاعتداء، هذا النسق ليس مثاليًا بالضرورة، ولكنه على العموم له دور أساسي في الحفاظ على سلام عالمي هش، على الرغم من بعض الأدوار غير القانونية والصراعات المستمرة، وحتى بعض الإبادات الجماعية الحديثة.

في مطلع الألفية الثانية، ذكر جاي إيتون أن الغرب لا يزال ينظر إلى الإسلام على أنه دين حرب، عازم على الغزو. حيث قال “أنهم أُورثوا الخوف، الذي استحوذ على أجدادهم عندما كانت الحضارة الإسلامية مهيمنة واهتزت المسيحية قبل التهديد” غير النصراني”. [48] ويتابع جاي إيتون أنه حتى الغربيين الذين أداروا ظهورهم للمسيحية لا يزالون يتشاركون هذه المخاوف والتحيزات حتى يومنا هذا. وأردف أن المسلمين كانوا يرون المسيحية، والآن الغرب العلماني، على أنه عدائي بطبيعته. في الواقع، حتى يومنا هذا، هناك اقتناع يحيط بالعديد من المسلمين – وهناك الكثير من الكلام المسجوع والأسباب التي تقف وراء قناعاتهم – بأن الغرب “المسيحي” سينهار عليهم بالقنابل أو يمزقهم بالصواريخ إذا خرجوا عن الخط المحدد، وهُم يتفاعلون مع ذلك إما بإظهار غضب واهن أو درجة من التبعية والخضوع، ولكن دائمًا ما ينتابهم شعور عميق بالظلم.” [49]واختتم جاي إيتون بهذا القول الرزين: “إذن، لا نهاية لهذه الحجة، لذا دعوني أتركها كما هي وأنظر في ما يعلّمه الإسلام فعلاً عن السلام والحرب”. [50] وهذا ما حاولت القيام به هنا نوعًا ما.


[1] مفردات ألفاظ القرآن (بيروت ودمشق: دار القلم، 2002)، 208؛ مادة: جهد.

[2] زاد المعاد (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998) ،9:3.

[3] الترمذي، رقم 1671، صنفه وقال حديث حسن صحيح. وهناك رواية اخرى وردت دون عبارة “في طاعة الله”، هذه العبارة الإضافية موجودة في ابن حبان، رقم 4707، وهي رواية صحيحة. راجع الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة (بيروت: المكتب الإسلامي، 1985)، 2:81؛ رقم 549.

[4] البيهقي، كتاب الزهد الكبير (بيروت: دار الجنان ومؤسسة الكتب الثقافية، 1987)، رقم 373 ؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (مصر: مكتبة السعادة، 1929)، 13: 494، بصياغة: “جهاد القلب”.

[5] كتاب الزهد الكبير، ص 165. رقم 373.

[6] المغني عن حمل الأسفار (الرياض: مكتبة الطبرية، 1995)، 2: 709 ؛ رقم 2584.

[7] العسقلاني، تخريج أحاديث الكشاف (بيروت: دار التراث العربي، 1997)، 4: 114؛ رقم 33.

[8] جامع العلوم والحكم (بيروت): مؤسسة الرسالة، 1998) 1:489.

[9] الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (الرياض: مكتبة المعارف، 1996)، 5: 478-81، رقم 2460.

[10] القاري، الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (بيروت: المكتب الإسلامي، 1986)، رقم 211  ؛ جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير المأثور (الرياض: جامعة الرياض، 1983)، رقم 245.

[11] مجموع الفتاوى (الرياض: دار عالم الكتب 1991) الجزء 11: 197-8. إن القول بأن الحديث “لا أصل له” يعني أنه الحديث لا إسناد له، ومن ثم يكون غير صحيحًا. ولكن الحديث بالفعل له إسناد، وإن كانت معيبة. إن القول بأن الحديث لم يسجله أي من أهل المعرفة زعم خاطئ آخر، فقد أدرجه كل من البيهقي والخطيب في مؤلفهما.

[12]البخاري، حديث رقم 2785. هناك شيء مشابه ذي صلة في صحيح مسلم، رقم 1876.        

[13] الفوائد (الرياض: مكتبة الرشد، 2001)، 177.

[14]استشهد به ابن القيم في روضة المحبين (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996، 475-6، حيث يبدأ بالإصرار بقوله: ” أن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل قال جهادك هواك وسمعت شيخنا يقول جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم”.

[15]فيض القدير (بيروت: دار المعرفة، بدون تاريخ، 4:511

[16]صيد الخاطر (مصر: دار اليقين، 1998)، 122.

[17] صحيح مسلم، 50.

[18]سنن أبي داود.4344؛ سنن الترمذي، 2175، حيث قالا: “حديث حسن”.

[19]البخاري، حديث رقم 3004.

[20] أبو داود، رقم 2504. إسناد الحديث صحيح، حسب النووي، رياض الصالحين (الرياض: دار ابن الجوزي، 2000)، رقم 1357، ولكن الصياغة “… بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم”.

[21] الراغب الأصبهاني، مفردات ألفاظ القرآن (بيروت: دار القلم، 2002)، 208؛ مادة: جهد.

[22] البخاري، رقم 3024؛ صحيح مسلم، رقم 172.

[23] مسند أحمد، رقم 695. إسناده متدرج صحيح من أحمد شاكر، مسند الإمام أحمد بن حنبل (مصر: دار المعارف، 1954)، 2: 84-5، على الرغم من وجود روايتين مشكوك فيهما في الإسناد: فيصل بن سليمان وإياس بن عمرو.

[24] أبو داود، 4950. إن الأحاديث النبوية، بمختلف أسانيدها، تقوي بعضها البعض لتبلغ أقصى درجات الصحة. التشاور: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة (الرياض: مكتبة المعارف، 1987)، رقم 1040.

[25] ابن حجر الهيتمي نقلاً عن الزركشي، تحفة المحتاج بشرح المنهاج (بيروت: دار صادر، 1972)، 9: 211.

[26] الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (بيروت: دار الكتب العلمية، 1986) 7:97.

[27] إرشاد الساري (مصر: بولاق، 1887) 5:31.

[28] أبو داود، رقم 2614. يتضمن الإسناد خالد بن الفزر، وهوا ما تعرض لانتقادات. ومن هنا كان الحديث ضعيفًا في الألباني، ضعيف الجامع الصغير (بيروت: المكتب الإسلامي، 1990)، رقم 1346. ومع ذلك، فإن حكم عدم استهداف المدنيين أو غير المحاربين مقرر في الأحاديث الأخرى وإجماع الفقهاء.

[29] البخاري، رقم 3015 ؛ مسلم، رقم 1744.

[30] شرح صحيح مسلم (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995) 12:43.

[31] كشاف القناع عن متن الإقناع (الرياض: مكتبة النصر الحديثة، بدون تاريخ، 3:41. لقد ناقشت الفرق بين الإرهاب والجهاد الحقيقي في: الإرهاب مقابل الجهاد مثل الزنا مقابل الزواج، على الرابط التالي: https://thehumblei.com/2013/05/23/terrorism-is-to-jihad-as-adultery-is-to-marriage/

[32] كتاب النبوات (بيروت: دار الكتب العلمية، 1985)، 140.

[33] أحكام أهل الذمة (الدمام: رمادي للنشر، 1997)، 1:110.        

[34] هداية الحيارى (مكة: دار عالم الفوائد،  2008) ، ص 29-30.

[35] الدردير، أقرب المسالك (نيجيريا: مكتبة أيوب، 2000)، 54.

[36] الغزالي، الوجيز (بيروت: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1997)، 188:2.

[37] أبو زهرة، العلاقات الدولية في الإسلام (القاهرة: دار الفكر العربي، 1995)، 77. انظر أيضا: الجاسم، كشف الشبهات في مسائل العهد والجهاد (الكويت: جمعية إحياء التراث الإسلامي، 2004)، 49.

[38] عبد الوهاب الخلاًف، السياسة الشرعية (القاهرة: مكتبة السلفية، 1931)، 75.        

[39] زاد المعاد (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998)، 274:3-5.

[40] منهاج السنة النبوية (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986) ، 78:8.

[41] راجع العازمي، اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (الرياض: دار سمية، 2013)، 4: 374. قال ابن سيد الناس، نور العيون (بيروت: دار المنهاج، 2010)، 40-1: “كانت غزواته صلى الله عليه وسلم في هذه المدة خمسًا وعشرين، وقيل سبعًا وعشرين وقد حارب في سبعة منهم.”

[42] محمد سليمان المنصور بوري، رحمة للعالمين (الرياض: دار السلام، 1997)، 468. ورد عدد الإصابات والقتلى لكل جانب وفي وكل معركة في الصفحات من 433-456. في الطبعة الأوردية الأصلية، راجع رحمة للعالمين (باكستان: مركز الحرمين الإسلامي، 2007)، 2: 462-80.

[43] الإسلام ومصير الإنسان (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية، 1997)، 30.

[44] الشيخ، “عدد الجثث: دراسة كمية مقارنة للقتل الجماعي في التاريخ، في محمد وكالين وكمالي (الناشرون)، الحرب والسلام في الإسلام: استخدامات وانتهاكات الجهاد (كامبريدج: MABDA وجمعية النصوص الإسلامية، 2013)، 165-214.

[45] البخاري، رقم 2797؛ صحيح مسلم، رقم 1497.        

[46] صحيح مسلم رقم 1910.

[47] إعلام الموقعين (الرياض: دار ابن الجوزي، 2002)، 337:4.

[48] ذِكر الله: تأملات في الإسلام (كامبريدج: جمعية النصوص الإسلامية، 2000)، 101.

[49] المرجع نفسه، 102.

[50] المرجع نفسه، 102.