Yaqeen Institute for Islamic Research
Prayer-to-Overcome-Pessimism-Hero-Image

دفع التشاؤم بالإيمان

نظرًا لمناخ التشاؤم والخوف الذي يتردد صداه في وسائل الإعلام الحديثة والسياسة، فليس من الغريب أن دراسة عالمية حديثة أجراها الباحث ماكس روذر، من جامعة أكسفورد ومؤسس برنامج عالمنا بالأرقام، تميط اللثام عن أن “التشاؤم يضرب بجذوره في شتى بقاع المعمورة، لا سيما في البلدان المتقدمة، إذ يعتقد 6 في المئة من الأمريكيين أن العالم يتجه صوب التقدم، كذلك فإن قلة قليلة قد تبنت الرأي ذاته في جميع أرجاء أوروبا وأستراليا”[1]، كما أن ليلي روثمان التي تعمل محررة في قسم التاريخ والمحفوظات لدى جريدة التايم، ترى هي الأخرى من بين المؤلفين الآخرين فيما يتعلق بهذا الصدد، أن التصرفات السلبية هذه ترجع إلى”تفشي سياسة الخوف” التي تستغلها وسائل الإعلام والسياسيون والتكنولوجيا على نطاق واسع اليوم.[2]

هل الكآبة حقًا تتغشى المشهد؟ حتى في ظل هذه السلبية المتفشية، هناك تلك الأصوات التي تجتذبنا نحوها بشكل طبيعي وكم نتمنى أن نتبنى في قرارة أنفسنا أصوات المتفائلين الذين ينظرون إلى النصف الممتلئ من الكوب، فقد أجري العديد من الدراسات، وهناك المزيد في الطريق يقوم عليها الخبراء في مجالات علم النفس وعلم الأعصاب والفلسفة والدين في محاولة لفهم طبيعة التفاؤل ومصادره وآثاره على الصحة والسعادة والنجاح في الحياة اليومية، وقد صرح الأستاذ صمويل نيولاندز، الأستاذ والمدير المشارك لمركز فلسفة الدين في نوتردام:

“إنك لئن استطعت اختيار خصلة نفسية واحدة يمكنك تنميتها بداخلك، فإني موصيك بالتفاؤل فهو حاوٍ لكثير من العطايا… فالمتفائلون عادة ما يتمتعون بطول العمر والصحة الجيدة، كما يتمتعون برضا غامر حيال الحياة فضلًا عن النجاح الدنيوي، وهذا من الثوابت على الصعيد الاقتصادي والديني والاجتماعي”[3] 

ويرى الأستاذ نيولاندز– شأنه في ذلك شأن الكثيرين- أنه يمكن السعي إلى التفاؤل وتعلمه، كما يقول الطبيب النفسي بيتي فيليبس،

“يزعم أناس كثر أن السعداء يرون “العشب نضِرُ الخضرة” كناية عن التفاؤل، وبالرغم من ذلك فقد أظهرت البحوث أن السعداء والتعساء يمرون في حياتهم بالكم ذاته من العوارض السلبية، إلا أن الفارق الوحيد بينهم هو كيفية تفسيرهم لأحداث الحياة المؤسفة، فالمتفائلون مستعدون وقادرون على وضع خطط عمل إيجابية للحياة لمواجهة الأحداث السلبية خلال حياتهم، في حين أن المتشائمين هم أكثر ميلًا لعدم القيام بفعل أي شيء، ومن ثم يقعون ضحية للسلبية والخمول بل وحتى الاكتئاب”.[4]

ولما كان ذلك يعيننا بنظرة ثاقبة في علم النفس البشري وكذا يمدنا بالأدوات المفيدة، فهناك سؤال أكثر جوهرية جدير بأن يطرح – والذي تشكل إجابته البنية والركيزة الأساسية لتوقعاتنا وسلوكنا باعتبارنا مسلمين. كيف يحثني إيماني على التفاؤل؟ ومن المفارقة أن معظم الخوف والتشاؤم المروج له اليوم يقع على عاتق الإسلام، فكل الاتهامات الخاطئة والحاقدة واسعة النطاق ضد الإسلام، تهدف إلى محاولة جعله بذرة للنزاع والشر والعنف في جميع أنحاء العالم، فهي بذلك تبرر استخدام السياسات والقرارات المروعة، التي لا يترتب عليها إلا مزيد من الخوف إزاء التطرف من جهة وكراهية الإسلام من جهة أخرى.[5]

وذلك ليس بجديد فالتاريخ يعيد نفسه، فإن لمحة موجزة عن سيرة النبي محمد ﷺ تروي لنا نضال رجل نبيل لإقامة العدل والسلام عن طريق عبادة الله جل جلاله ضد الموجات المستمرة من الجهل والتعصب والاضطهاد والمقاطعة والحرب التي تحتم عليه هو وأتباعه تحملها، إلا أنه نجح في النهاية في امتلاك القلوب والعقول، ونجحت بعثته أعظم النجاح، إذ بلَّغ رسالته التي بُعِث من أجلها والتفاؤل الذي استقر في نفسه وصبغ به قلوب كل من سار على نهجه لهو خير دليل على أن الإسلام يدعو إلى التفاؤل.

فقد روى ابن جزء:” ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم”.[6]

وعليه فإننا جميعًا نتوق إلى حلول سريعة سهلة ناجعة مفيدة والتي من شأنها أن ترفع الغمة عن صدورنا وعقولنا، وتمدنا بالسكينة والسعادة حين نواجه التحديات الشخصية وضغوط الحياة بل وحتى الخوف العارم الذي يجثم علينا بين الفينة والفينة، وما يلي هو وصفة حقيقية ومختبرة تمكن الفرد من تنمية التفاؤل وتأصيله في الذهن بصفة دائمة، مستوحاة مباشرة من مصدرها – ألا وهو القرآن والسنة.

العودة إلى الأصول

إن الرحمة والأمل والسلام هم سنام الأمر ومناطه في الإسلام، وحين ننتصب لنصلي فإننا نستنشق رحيق الراحة من وحي خطابنا مع خالقنا وتدبر كلامه، طالما يظل الوجدان محافظًا على هذه العبادة من أن تصبح مجرد شعائر تؤديها الجوراح، وكان من ديدنه صلى الله عليه وسلم أنه كلما ألم به هم نزع بالفطرة للراحة واللجوء إلى الله من خلال الصلاة.

كما ورد عنه أنه قال: “أقم الصلاة يا بلال: أرحنا بها”.[7] يبلغنا الله تعالى أن القرآن نعمته العظمى لبني البشر، وهو في حد ذاته يستحق الابتهاج، كما أنه مورد يومي للتزود بالمشورة والعون من الله، حيث يبث في قلوبنا الرحمة والهداية والعون والراحة من الشك والارتباك والقلق، وكل تلك الأمور إنما هي في الواقع من ثمار التفاؤل الحق والدائم الذي يوفر حياة طيبة تعدنا بالسرمدية التي تفوق أي وكل من طموحات هذا العالم. إن الوصف العظيم والمتواتر للجنان في القرآن وآيات الأمل الكثيرة التي لا تترك مجالًا لليأس هو في الواقع عوامل حاسمة ومميزة للعقيدة الإسلامية تساعد المرء في تحديد غرضه وتوجهه وإقباله على عبادة الله وإرادة وجهه وفعل المعروف.

” يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون[8]

وتجدر بنا الإشارة إلى أن رب العزة في تتمة الآية يقول “إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون”.[9] وفي الآية الكريمة نقع على إحدى السمات الأساسية للمؤمن والمتفائل، ومن أقر النعم من ذكر أو أنثى كان عليه شكرها والرضا بها، وكذا الإقبال على الله بالشكر في العبادة والطاعة، وأن من لا يرى أي خير فيما يتمتع به من نعم فإنه يرى الدنيا بطبيعة الحال دارًا لكل كَبَد وشقوة ولن يجد فيها ملتحدًا يؤويه، وفي هذا المقام يمكننا إيراد ذلك التشبيه؛ إذ يرى المتفائل كوبًا على أنه نصف مكتمل بينما يعلم يقينًا ويثق بأنه سينتهي به المطاف ممتلئًا، على الناحية الأخرى يرى المتشائم نصف الكوب فارغًا دون أمل في أن يتم. وعلى الرغم من أن هذه الآيات نزلت لتخاطب مشركي مكة،[10] فإنها ظلت لنا نبراسًا حتى اليوم، ذلك أن السواد الأعظم من الناس لا يزالون يجشمون أنفسهم عناء البحث عن أوثان يعبدونها، وهم بذلك يسلكون بأنفسهم بنيات الطريق، فيضحى الإيمان والتوكل والخشية موجهًا للناس من حولهم، بل ويمتد ليبلغ الأيديولوجيات التي استحدثها الإنسان والأشياء المادية بدلًا من خشية الله تعالى الواهب الأحد سابغ النعم.

ومفهوم توكل المرء على الله مخلصًا كيما يُستَجاب دعاؤه حين يطلب العون مع إيمانه حق الإيمان في أن الله لن يرده خائبًا، يتجلى في الآية التالية مؤكَّدًا فيها أنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يصيبهم من هم ولا نصب ولا وصب ولا يعملون مثقال ذرة خيرًا كانت أو شرًا إلا جازاهم الله عليها، وكلٌ في كتاب، ناهيك عن صلاح البال يلحق بالمرء حتى في الساعات التي لا تؤتي فيها أعمال المرء أكلها من فورها.

“وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين[11]

ثم يختتم الله الحديث بأن من اختاروا الإيمان والصراط المستقيم (الذين آمنوا وكانوا يتقون) وعاشوا في معية الله وكنفه فهم أولياؤه وأصفياؤه وأنصاره، وهم كذلك من وعدهم الله بالنجاة ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (وعدان كبيران يمكنهما دحض التفاؤل واستئصال شأفته)، بصرف النظر عن مدى ضجيج وتهديد أصوات العذاب والشقاق والخوف التي قد تظهر عندئذ. في الواقع، ليس لأحد من بني البشر أن يتغلب على التفاؤل أكثر من أولئكم الذين يؤمنون بوجود الله باعتباره الوحيد القادر على تقليب المصائر.

 ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم. ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم.”[12]

الخوف الحق- ما يستحق الخوف ليس الخوف نفسه

لا جرم أن الخوف شعور إنساني طبيعي تبتعثه المواقف الحقيقية منها والمتصورة، المؤلمة والخطيرة. أطرِقْ للحظة مفكرًا في المخاوف التي قد تكون لديك في الجزء الخلفي من عقلك ولا تزال بكرًا حتى الآن. أنت يقينًا لست وحدك بل نحن جميعًا نتقاسم هذه المشاعر لأنها غالبًا ما تكون مرتبطة بطموحاتنا لحياة طيبة وتهددها، لا سيما الحفاظ على الحياة ذاتها والصحة والعافية والرفاهية الاجتماعية والنجاح.[13] يعيد الإسلام توجيه هذا الخوف إلى شيء أكثر إيجابية – فبالنسبة للمسلمين، فهذا يعني توجيه خوف المرء كليًا قِبَل الله من بيده القوة المطلقة والقدرة على تغيير عواقب الأمور، ومن هذا المنطلق، فالخوف حقيقة لا سبيل إلى إنكارها إلا أن الشعور بالخوف والتوجه إلى الله بات سبيلًا ناجعًا لاجتياز ما احتدم من أمر وسبيل للتهوين على النفس من خلال الاستعانة بالله -والأهم من ذلك- والتقرب إليه بالعبادة الخالصة لوجهه والتوكل عليه دون غيره.

إذن من أين يأتي نوع الخوف هذا الذي يجهز على النفس؟ إنه الشيطان عدو البشرية الأعظم ومحاربها الدائم، يوسوس في صدر كل شخص بأفكار هدامة ممنهجة يعترض بها ويعوق جهوده للحيلولة دون التركيز في طاعة الله وبلوغ رضاه، وقد نبهنا النبي ﷺ إلى أن نكون متيقظين لدخول الشيطان الخناس فقال: «يجري الشيطان من ابن آدم مجرى الدم».[14] وعلاوة على ذلك، يسلط القرآن الضوء على علم نفس الشيطان من أجل تحذيرنا وتزويدنا بالمعرفة والوسائل اللازمة لدحره، وإنه لمن خلال البحث عن الالتجاء لله ينشأ في أفكارنا وأعمالنا يقين راسخ حتى لا نسمح للشك أن يتسور علينا الحياة، في حين نسعى أيضًا إلى الرفقاء ممن يمكن استشارتهم للتذكير الإيجابي والبناء، وعليه سنكون من الناجين، مثل المتفائل الذي يسعى للصحبة والمشورة من المفكرين الإيجابيين، مع تجنب الصحبة وتأثير المتهكمين، كما يجب علينا أيضًا أن ينظر أحدنا من يخالل.

“الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم”[15] 

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن العديد من مخاوفنا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحبنا لهذه الدنيا.

وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك حين قال:

“يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها”. فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن” فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”‏[16] 

يشير هذا الحديث إلى العلاقة الأساسية بين أن يفرط المرء في حب الدنيا والخلل الروحي، كما أن من لا يوازن في السعي المفرط لهذه الحياة المادية (الدنيا) أكثر من سعيه من أجل الحياة الغيبية القادمة (الآخرة)، يضحى معرضًا للوقوع في اليأس والخوف، بل والأسوأ من ذلك، التشكيك في الإيمان في حد ذاته عند مواجهة المتاعب والمعاناة الشديدة، وعلى النقيض من ذلك، فإن الشخص الذي منح قلبًا قويًا متصلًا بالله يمكنه تعزيز إيمانه والتحلي بالتفاؤل في مواجهة المدلهمات. تترسخ العلل الروحية داخل القلب بسبب تناقص الإيمان وطاعة الله، فقد تحدث النبي ﷺ عن هذه الحالة عندما قال:

” ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ.”[17]

ولنا دروس وعبر في قصص الأنبياء الذين سُطرت ووثُقت حياتهم في القرآن كسبيل للهدى والتحفيز والتفاؤل مع التحذير من الغفلة، فكل أنبياء الله بشر، بعثهم الله لأداء المهمة السامية المتمثلة في دعوة الناس إلى عبادته دونما شريك، وفيها يواجه كل نبي محنًا لا سبيل إلى حلها، تحمل في جنباتها ريبة وخوفًا مريرًا، فعلمهم الله الدأب على مناجاته عز وجل والتوكل عليه وحده إذا احتدمت بهم الشدائد وكشرت في وجوهم الخطوب وتقطعت بهم السبل، فأيدهم الله بالحجج وصلاح الباب؛ ما يجعلهم قادرين على الحفاظ على التركيز في الرسالة (الهدف الأسمى) الذي أرسل كلًا منهم في سبيلها، وهكذا استطاعوا أن يواصلوا الجهاد المخضب بالأمل واليقين بالله وهزيمة الخوف، وأن يكونوا نموذجًا يحتذى به لقوتهم الروحية وقيادتهم، وأن يحققوا الصلاح والفائدة الكبيرة للمجتمع بأسره من خلال رسالة الهداية، وفي النهاية لن تتحقق هذه الإنجازات إلا بعون من الله، ولم يسلم أولئك الأنبياء من أذى الناس، ولا نحن طالما ندعو إليه سبحانه.

ولنا في إبراهيم (عليه السلام) مثالًا حيًا إذ ترك من ورائه أسرته تقطع دربًا لاحبًا إلى الله. لا يمكن للمرء أن يعي قدر المحن التي تحملها من أجل النعم التي أنعم الله بها عليه إذ بعث من ذريته الأنبياء؛ كما خصه الله أيضًا بأعظم اللقب وأشرفه أن اتخذه الله خليلًا.[18] ولنا كذلك في قصة يوسف (عليه السلام) آيات للسائلين، لما تخلى عنه إخوته، وإذ به يجد نفسه بعيدًا عن منزله في مصر وكان فتى صغيرًا، وبعد مرور أعوام بعثه الله نبيًا في قومه ورفعه مكانًا عليًا، فقد تحمل فراقًا طويلًا عن والده الحبيب، ثم سنوات من السجن ظلمًا، لكنه لم ينفك قط عن الإيمان بالله

وصدق الرجاء فيه. “…  إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ”.[19] والنبي ﷺ الذي نشأ يتيمًا، عورض وأجبره قومه على الخروج من بيته وابتلي بفقدان أحبته -حبيبته السيدة خديجة زوجه لمدة 25 عامًا، وناصره عمه أبو طالب، إذ فقدهما في وقت من الأوقات العصيبة لرسالته في مكة المكرمة، وكان عليه أيضًا أن يتحمل في النهاية فقدان جميع أبنائه، باستثناء واحد منهم، ناهيك عن بعض أقاربه، كما كان إيمانه وتفاؤله من أهم العوامل الدافعة التي جعلته أكثر هدوءًا وإيجابية في جهوده وأدى إلى إنشاء مجتمع نموذجي من شأنه أن يصبح منارة الإرشاد للأجيال القادمة.

وفي الواقع، فإن السيرة حبلى بنماذج عديدة للتفاؤل الذي أظهره النبي ﷺ طوال حياته: قناعته وامتنانه وطريقة عمله وطريقة دعائه للناس وطريقة تعامله معهم، فلطالما رأى فيهم الخير ورأى فيهم أملًا في الغد – حتى في أولئكم الذين يعارضونه أيما معارضة- والمتمثل في نظرته الإيجابية نحو المستقبل على الرغم من الابتلاء الشديد.

وفي هذا الصدد يمكن ذكر الكثير من الأمثلة، لذلك سوف أذكر باختصار مثالين بارزين. من أكثر الأيام صعوبة على النبي ﷺ عندما عانى المعاملة القاسية لأهل الطائف الذين قذفوه حرفيًا بالحجارة، وطردوه خارج البلدة في أشد صور الطرد إهانة، وعندما خيَّره الله ليهلكهم، فما كان منه إلا أن منحهم الفرصة لعل الله يُخرج من أصلابهم من يوحده، وفي النهاية اعتنق أهل الطائف الإسلام بعدها بعدة سنوات وذلك خلال حياة النبي ﷺ.[20] وأثناء هجرته من مكة إلى المدينة برفقة صاحبه أبي بكر، اتخذا ملجأ في غار فرارًا ممن يعقدون العزم على القبض عليهما وقتلهما، وقد كانت من أكثر الأوقات خوفًا واهتمامًا من أبي بكر بحياة النبي ﷺ حيث إنه هدأ من روعه وأثلج صدره قائلًا “لا تحزن إن الله معنا”.[21] وأوحي إليه الآيات القرآنية الأكثر تفاؤلًا وطمأنينة خلال الأيام الأولى من البعثة النبوية.

“والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث.”[22]

“فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا. فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب.”[23]

لا مثيل لرحمته

ومن المعتقدات الراسخة في الإسلام أن كل تجربة في الحياة تجري في النهاية وفقًا لما أراد الله وتحوي من الخير المتأصل ما يفوق بكثير الشر الذي قد يبدو حينئذ جليًا، وذلك إنما يرجع إلى رحمة الله الغامرة التي وسعت كل شيء والتي تتأتى من صفة (الرحيم) التي اختص الله بها المؤمنين دون سواهم:

هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما.”[24]

فحين تحتدم بالمرء الخطوب أو تساوره المخاوف، يغمره الشعور بالراحة لإيمانه بوجود هذه الرحمة الإلهية وأنه سيجد من الخير ما تقر به عينه فيما بعد، ويمكن تشبيه ذلك بتردد المرء في تجرع الدواء تحسبًا لمرارته مع التسليم بأن في ذلك الدواء الراحة والعلاج، وعلاوة على ذلك، فقد اقتضت حكمة الله أن يذيقنا طعم الضرر حتى نكون قادرين على أن نميز الخير متى وجدناه، وعندها نعترف بجميل فضل الله علينا، والسعي بجدية للحصول عليه.

وتحكي سورة ياسين قصة المؤمن الذي حاول إقناع أهل قريته بقبول دعوة الرسل المرسلين من الله لهدايتهم. ولما نبذت القرية الرجل، وفضلت أن تدافع عن وثنيتها وهددوا بقتله، رد عليهم بهذه الآية: “أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون.”[25] مشيرًا إلى الله بصفة الرحمن في الآية ذاتها التي تشير إلى تعرضه للضرر والذي قد يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، ولكن الله يفسر هذا المفهوم بصفة أشمل، فتتضح رحمته في معرفة أن هناك الكثير من الحكمة والخير وراء مواجهة المحن.

أولًا، غالبًا ما تكون الكارثة دعوة صحوة للعودة إلى الله، خاصة مع من ابتعدوا عن سبيل الله، وهذا بدوره يظهر محبة الله لعباده بإرادة الخير لهم – في الرغبة بتطهيرهم من خطاياهم وإعادتهم إلى طريق الهدى.[26] 

ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.[27]

ثانيًا، الحسنات والدرجات العلى والقرب من الله هم جزاء الإيمان والصبر في الشدائد.

ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه رجعون. أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.[28] 

لا جرم أن الله يحب أنبياءه، وهم أكرم من وطأوا البرية – إلا أن الله ابتلاهم أشد البلاء، ليتضح لنا أن البلاء هو من مظاهر حبه تعالى للعبد، وقد روى أبو سعيد الخدري:

دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك. فوضعت يدي عليه. فوجدت حرَّة بين يدي فوق اللحاف. فقلت يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك. يُضَعَّف لنا البلاء ويُضَعَّف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء: قال الأنبياء قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال ثم الصالحون. إن كان أحدهم ليبتلي بالفقر. حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يُحَوِّيها. وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء.[29]

 ويظهر السبب الثالث جليًا في الأمثلة التي تبدو في ظاهرها مصيبة، إلا أنه يكمن في باطنها الحكمة الإلهية التي تدفع ضررًا أشد، فقصة موسى كما جاء في سورة الكهف تحتوي على صور حية لردود الفعل والأسئلة المتلاحقة التي وردت بذهن موسى عندما شهد ما بدا له أنه جريمة صارخة وذلك

عندما خُرق قارب مجموعة من الفقراء عمدًا، حيث اقتضت الحكمة الإلهية ذلك لإنقاذه من الوقوع في قبضة حاكمهم الظالم، وبالمثل، فقد شهد مقتل غلام ليعلم في وقت لاحق أن الله لم يرد لأبوي الصبي الصالحين المعاناة من مشقة ابن فاسد وكافر إذا ما ظل ذلك الطفل حيًا، بل أراد الله أن يبدلهما طفلًا صالحًا بدلًا منه. وبعدها شهد موسى إعادة بناء جدار منهار في القرية التي أتى إليها ورفض سكانها تقديم واجب الضيافة له. وكما أُخبر بعد ذلك، أن انهيار الجدار كان سيكشف الثروة المخفية تحته والتي تركها والد صالح ميراثًا لأطفاله الأيتام، فشاء الله أن تبقى آمنة حتى يتمكنوا من الحصول عليها عندما يبلغون أشدهم.[30]

والابتلاءات أيضًا علامة على عظم الرحمة الإلهية في عدم إهلاكنا وما ذلك على الله بعزيز، فلا تأتي الابتلاءات في الواقع إلا منه وهو وحده القادر على رفعها، وبفضل الشدائد يحظى الناس بفرصة بعد فرصة للتوقف، والتدبر، ومن ثم العودة إليه جل جلاله.

مقال نشرته الإذاعة الدولية العامة مؤخرًا بحث زيادة معدل الدخول في الإسلام في الولايات المتحدة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، فعلى الرغم من هجوم التغطية الإعلامية السلبية وارتفاع عدد كارهي الإسلام وجرائم الكراهية المرتكبة ضد المسلمين، فإن هذا الاهتمام السلبي والمناخ العدائي في أعقاب المأساة هو ما دفع الكثيرين لاستكشاف الإسلام فقط للوقوف على جوهره الحقيقي الذي يشمل الإيمان والعدالة مع نظرة من التفاؤل.

وعلى حد قول أسماء أصفار الدين، أستاذة في لغات الشرق الأدنى والثقافات في جامعة إنديانا بلومينغتون، فقد كان ثمة اهتمام متزايد بالإسلام

في السنوات الخمسة عشر الماضية وبالأحرى بسبب الدعاية المحيطة به. “فعلى الرغم من انتشار كارهي الإسلام، إلا أن المفكرين من الأمريكان المتشوقين لمعرفة طبيعة الإسلام الحقيقية قد تحاشوا تلك الدعايات لاكتشاف تعاليم الدين من مصادر موثوقة”.[31]

يكشف الله الطبيعة الفطرية لحاجة الإنسان إليه سبحانه خلال حديثه عمن هم أبعد ما يكونون عن الإيمان به والذين سيدعونه وهم يائسون عندما تضيق بهم السبل.[32] وبغض النظر عن مستوى التقوى، فإن المؤمن يسعى دومًا إلى التقرب إلى الله ويتفكر في ردود فعله تجاه الحياة، واختيار استخدامها بحكمة للتكفير عن خطاياه وتصحيح مساره وطلب العون من الله والدروس المستفادة من كل موقف، وهذا نهج أكثر إنتاجية وعملية يدعو إلى التفاؤل حتى في أحلك الظروف، والإيمان الكامل بأنه “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.”[33] وقد وصف الرسول ﷺ التفاؤل قائلًا:

عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.[34]

ألم يعتن الله بك طيلة هذا الوقت؟ فأنت لا تزال حيًا، بصرف النظر عن كم من الشدائد والمحن ألم بك طوال الدرب، فعند نزول الشدائد ينسى المرء ما أسبغ عليه الله من النعم جمًا، وينسى كل ما هو آت من النعم، حتى صرنا نألف النعم أمورًا مسلمًا بها، وهذا بعينه هو التشاؤم الذي من خلاله نرى النصف الفارغ من الكوب. فمن الضروري أن نتذكر وساوس الشيطان وراء ذلك؛ فهو على أهبة الاستعداد دائمًا وحريص على بث الأفكار السلبية.

فالشيطان ينبت بذور المقارنة في عقلك ويغويك بالنظر إلى من يبدو عليهم الثراء المادي الذي قد تفتقر أنت إليه ويهيئ صورة وتوقعات زائفة عن “الحياة المثالية” التي تستحقها، وأخيرًا يحاول أن يودي بك إلى القنوط من رحمة الله كما هو مشهور عنه فِعل ذلك بنفسه.

في الواقع إن إيماننا بأنه “لا إله إلا الله” هو ما يتغلب على كل شيء آخر في الكون طرًا! فانظر كيف ستصبح حياتك مثالية فجأة عندما تفكر في حال من هو دونك ممن قد يفتقدون وظيفة حساسة في قدراتهم البدنية أو العقلية؟ كيف ستبدو حياتك مثالية عندما تسافر إلى خارج بلدك إلى بيئات أقل تطورًا حيث لا يمكن الحصول على أدنى الضرورات الأساسية المسلم بها مثل المياه النظيفة؟ كيف ستصبح حياتك مثالية وطيبة عندما تشهد التضليل والظلم والكراهية والتعصب ممن حولك مدركًا بذلك أن لديك هبة التوجيه الحقيقي والتفاؤل الدائم؟ فلا يوجد خير ممن خلق الحياة ذاتها ليعطينا تعريفًا للحياة المثالية بقوله:

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.[35]

وقد لخص رسول الله الهدف الحقيقي من ضمان أعظم محصلة لهذه الحياة الدنيا والآخرة بقوله:

من كانت الدنيا همه جعل الله فقره في قلبه وشتت عليه أمره ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة.[36] 

        

كما لخص ابن القيم مفهوم رحمة الله وحبه لعبده هذا في قوله الجامع:

فلو كشف (الله) الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا له وشوقا إليه ويقع شكرا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم.[37] 

لا مكان لليأس – فلنمض قدمًا

وإيمانًا منا بأن القرآن خير معلم ومرشد، فمن الأهمية بمكان النظر فيما يعتقد أنه السبيل الأفضل للأمور عندما يبدو أن معضلة ما ليس هناك للخروج منها سبيل، أي عندما لا يوجد هناك بصيص أمل، فهذا هو الحال عندما انقلبت الأمور فجأة في غزوة أحد بهجوم مشركي مكة المباغت في الساعة الحادية عشرة عندما هجموا على النبي وأصحابه، محدثين العديد من الإصابات والفوضى بين صفوف المسلمين ما جعل الكثيرين يعتقدون أن النبي قد قتل، بينما بدأ آخرون يلوذون بالفرار يغشاهم الذعر والهلع، ومع ذلك فقد أحاط بالنبي حفنة من الرجال ملبين نداءه، على الرغم من التهديد والخطر الداهم، وهم الذين قال عنهم الله جل شأنه:

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين.[38]

وتبرز هذه الآيات أهمية رباطة جأش المرء في اللحظة التي يصعب عليه فيها القيام بذلك، وقد تتغير ظروف المرء في بعض الأحيان حتى تبدو أسوأ ظاهريًا بما يتطلب ردًا فوريًا ومتعمدًا، وعلى القلب الثبات! فقد زاد إيمان أولئك الذين وقفوا في ذلك اليوم إلى جانب النبي ولم ييأسوا مما واجههم وفازوا برضوان الله، وخرجوا منه أفضل مما كان بوسعهم تصوره، وفي تحول غير متوقع للأحداث، اختارت قوات العدو التراجع، فاقتضت حكمة الله وإرادته بتحقيق أعظم النتائج.

وفي الوقت الذي يكون على القلب الثبات فعلى المرء أن يستمر في السعي روحيًا وبدنيًا على حد سواء للمضي قدمًا في الحياة، وفي ذلك يضرب حديث النبي مثالًا بلاغيًا لذلك عندما شبه الحياة بنقطة استراحة لمسافر في رحلته فقال: “مالي وللدنيا، ومال الدنيا ومالي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها”.[39] فهذا التشبيه القوي يبث الروح في الحياة بتشبيهها على أنها رحلة، فهو يحط من شأن هذا العالم الدنيوي وشأن الاهتمام به، بل ويوجه تركيز المرء بدلًا من ذلك صوب طريق الحياة الآخرة، وأنه سيواجه الصعاب في بعض الأحيان خلال ذلك الطريق. فتخيل ما يمكن أن يحدث إذا توقف المرء عن الحركة أثناء محاولته لعبور نهر، فإما سيغرق في أعماقه أو يسحبه التيار القوي إذا لم يختر المرء على الأقل السباحة، وبالمثل، فإن هدف شيطان هو تشتيت انتباهنا، ومماطلتنا، وفي النهاية إغراقنا.

كما حدث مع موسى وأتباعه عندما كانوا في طريقهم للهروب من جيش فرعون، وجدوا أنفسهم على الشاطئ وفي أعقابهم جيش حثيث السعي للإمساك بتلابيبهم، فكانت ردة فعل أتباع موسى مزيجًا من الخوف والاستسلام في لحظة قلة حيلة رؤيتهم المياه العميقة أمام أعينهم، إلا أن موسى قد رد عليهم بكل عزم وإيمان لا يدع مجالًا لليأس – فجعل الله لهم مخرجًا خارقًا للعادة بقدرته سبحانه.

فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.[40] 

وقصد أيسر السبل للخروج من الشدائد هو إحدى السمات البشرية، إلا أن الله يعلم طاقة كل نفس، فمن رحمته وحكمته السرمدية، قد تقتضي إرادته طريقًا أكثر مشقة يخالف إرادتنا لمنفعتنا الخاصة، وإنه لمن الجلي أن أمتنا تواجه حاليًا أزمة على جبهات عدة – حيث نشهد اضطرابًا مستمرًا وظلمًا وفقدانًا في الأرواح، ما يخلي بيننا وبين الكثير من مشاعر العجز واليأس، بل وحتى التشكيك في وجود الله ذاته في وقت الحاجة الماسة، ولذا فالمضي قدمًا يبدأ بنفس الإيمان والثبات والتفاؤل الذي أوحاه الله لرسله ولنا جميعًا، وفي المقابل يتعين علينا جميعًا أن نحسن الظن بالله، وهذا ليس بأمر يدرك بالتمني – ويحدد ابن قيم الفرق بين التفاؤل (الرجاء) والتمني على النحو التالي:

وما بين الرجاء وبين التمني أن التمني يكون مع التواكل، ولا يسلك بصاحبه سبيل الجد والكد، أما الرجاء يكون مع بذل الجهد، وحسن التوكل، فالأول كحال من يتمنى أن تكون له أرض يبذرها، ويجني من ثمارها. والثاني كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها يرجو طلوع الزرع، لذا فقد اتفق العارفون على أن الرجاء لا يكون دون عمل يصحبه.[41]

كن مستعدًا– الجرعة اليومية

إنما فرضت الصلوات المكتوبة أو ذكر الله -كما علمنا إياه النبي- بصورة دائمة خلال الروتين اليومي للمرء عن طريق الدعاء وتلاوة القرآن، وغيرها من العبادات، كيما نعيد التبصر في مغزى الرحلة الدنيوية والمضي قدمًا نحو الحياة الآخرة، فكل ذلك يمدك بخارطة الطريق، وكذلك القدرة على عزل نفسك في معظم الأحيان، أو حتى للحظة، عن زينة الحياة الدنيا والتوجه نحو المصدر الحقيقي للإغاثة والعون والعزم والتفاؤل: ألا وهو الله!

فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم….[42] 

فإن اعتصام المرء بحبل الله يجعله متوكلًا على الله تمام التوكل في كل شئونه مع السعي في طريقه باتجاه حظه في الدنيا لتحصيل أعلى النتائج، وهذا ما ورد في حديث النبي الذي قال فيه:

واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.[43]

كما أن ذكر الله المتكرر يفضي إلى عنصر رئيسي آخر من عناصر التفاؤل الذي سبق مناقشته ألا وهو الشكر، فالشكر لا يعتبر مكافأة نظير العبادة فحسب، وإنما بطبيعة الحال، وبالعودة إلى نصف الكوب الممتلئ، يعزز الشعور بالسلام الداخلي والرضا والنظرة إلى المستقبل بإيجابية، فالله تعالى يأمرنا:

فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون[44] وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.[45]

وأخيراً، لا يمكن التأكيد على فضل الدعاء كوسيلة أساسية لبلوغ القرب من الله من خلال إظهار الرغبة في رحمته وغفرانه وكرمه، فالدعاء هو جوهر العبادة الذي يبرهن على أن الله وحده هو الجدير بالعبادة، ويمكن اعتباره على أنه أقوى أداة بأيدينا والتي من خلالها نحظى بعناية تجنبنا الأذى وننال الخير في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله تعالى ونحن على اليقين باستجابته تعالى لنا.[46]

يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي.[47]

ويستكين قلب المرء ويجد التفاؤل والراحة عندما يدرك أن الله سيستجيب له:

أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون.[48]

وعندما ندرس حياة النبي ﷺ كمثال حي لكيفية الفهم والرد على وحي الله، نجد أنه لا يعدل تفاؤله شيء ومن الجلي أنه يشكل جزءًا من طبيعته ومنظوره، كذلك فمن الواضح أنه يستمده من إيمانه الخالص بالله تعالى والاعتماد عليه طمعًا في الإرشاد والرحمة والجمع بين خيري الدنيا والآخرة.

ولا يقاس التقدم بالفوز بالحياة الدنيا؛ بل يقاس بحسن نوايا المرء وجهده الخالص لنيل رضى الله مقترنًا بالامتنان والتفاؤل اللذين لا ينبعان إلا من الإيمان الثابت والقناعة الحقة، وبينما نكافح للمضي قدمًا في أوقات الشدة، فإننا نؤمن بمستقبل أكثر إشراقًا للبشرية.

وما زلنا نبذل قصارى جهدنا لكي نعيش ونشارك رسالة الهداية والعدل والسلام هذه التي وهبنا الله إياها –فهي ليست أساس التفاؤل الذي يجب أن يتأصل بداخل كل منا فحسب، فيضرب لنا النبي ﷺ المثال، بأن هذا التفاؤل سيصبح جليًا للعيان ومن ثم وسيلة لكسب قلوب وعقول أولئك الذين نقابلهم ما حيينا. كما روى جابر بن عبد الله:

قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول “لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل”[49]


[1]  بيريزوي، أليكس.” 6% فقط من الأمريكيين يرون أن العالم يتجه صوب التقدم”، المجلس الأمريكي للعلوم والصحة، 3 يوليو 2016. أتيح للاطلاع في 15 فبراير 2017).

[2] روثمان، ليلي. “لماذا يشعر الأمريكان بالخوف أكثر مما اعتادوا”. جريدة التايم. 6 يناير 2016. أتيح في 15 فبراير 2017.http://time.com/4158007/american-fear-history/ 

[3]  جيت، كاري. “خصصت جامعتنا نوتردام وكورنيل منحة قدرها 3.8 مليون دولار لدراسة الأمل والتفاؤل”. أخبار نوتردام/جامعة نوتردام. 23 إبريل 2017. أتيح 15 فبراير 2017.  http://news.nd.edu/news/notre-dame-and-cornell-awarded-3-8-million-to-study-hope-and-optimism/

[4]  فيلبس، بيتي دبليو. “التفاؤل والسعادة.” بيتي دبليو فيلبس، دكتوراه في علم النفس. 5 فبراير 2017. أتيح في 15 فبراير 2017. http://www.bettyphillipspsychology.com/id15.html 

[5]  ماري بورمان. “إحصائية تزيح النقاب عن أكثر شيء يخافه الأمريكان” جريدة يو إس إيه توداي. 12 أكتوبر 2016. أتيح في 15 فبراير2017 http://www.usatoday.com/story/news/nation-now/2016/10/12/survey-top-10-things-americans-fear-most/91934874/ 

[6]  جامع الترمذي – كتب المناقب المرجع الإنجليزي: الجزء الأول، كتاب 46، الحديث 3641 المرجع العربي: كتاب 49، الحديث 4002https://sunnah.com/urn/635120

[7] سنن أبي داود – كتاب السلوك العام (كتاب الأدب) الحديث 4985. مرجع الكتاب: الكتاب 43، الحديث 213 الترجمة الإنجليزية: كتاب 42، الحديث 4967 https://sunnah.com/abudawud/43/213

[8] 10: 57-58 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/10

[9] 10: 59-60 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/10

[10] تفسير ابن كثير للقرآن – لا يمكن لأحد أن يجعل أي شيء حلال أو حرام إلا الله أو أولئك الذين أجاز الله لهم فعل ذلك. http://www.qtafsir.com/index.php؟option=com_content&task=view&id=2613&Itemid=65

[11] 10:61 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/10

[12] 10:62 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/10

[13] ألبرشت، كارل، دكتوراه “نتشارك جميعًا في 5 مخاوف (فقط)” علم النفس اليوم. مارس 22، 2012. تم الحصول عليه في 15 فبراير 2017. https://www.psychologytoday.com/blog/brainsnacks/201203/the-only-5-fears-we-all-share

[14] كتاب الأدب المفرد – المرجع الإنجليزي: الكتاب 55، الحديث 1288 المرجع العربي: الكتاب 1، الحديث 1288 https://sunnah.com/urn/2212440

[15] 2: 268 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/2

[16] سنن أبي داود – كتاب المعارك الحديث 4297 في كتاب المرجع: كتاب 39، الحديث 7 الترجمة الإنجليزية: كتاب 38، الحديث 4284 https://sunnah.com/abudawud/39/7

[17] سنن الترمذي – باب الدعاء الحديث 3479 في كتاب المرجع: الكتاب 48، الحديث 110 الترجمة الإنجليزية: المجلد 6، الكتاب 45، الحديث 3479 https://sunnah.com/tirmidhi/48/110

[18] 4: 125 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/4

[19]إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون 12:87 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/12

[20] المباركفوري، صفي الرحمن، الرحيق المختوم: سيرة النبي الكريم. الرياض: دار السلام، 2002. ص. 163-165 و522-524

[21] 9: 40 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/9

[22] 93: 1-11 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/9

[23] 94: 5-8 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/94

[24] 33:43 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/33

[25] 36:23 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/36

[26] فيليبس أبو أمينة بلال. تفسير سورة يس – شرح سورة 36 من القرآن، الجامعة الإسلامية على أون لاين. ص 55

[27]  30:41 صحيح إنترناشونالhttp://legacy.quran.com/30

[28] 2:155-157 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/2 الترجمة الإنجليزية: الجزء الخامس، الكتاب 36، الحديث رقم 4024https://sunnah.com/ibnmajah/36/99

[29] سنن ابن ماجه – كتاب الفضائل الحديث رقم 4024المرجع داخل الكتاب: كتاب 36، الحديث رقم 99

[30] 18:65-82 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/18

[31] حبيب، سمرا. “تفشي كراهية الإسلام في الولايات المتحدة. لكنه الإسلام” الإذاعة الدولية العامة. 9 سبتمبر 2016. أتيح في 15 فبراير 2017.

 https://www.pri.org/stories/2016-09-09/muslims-america-are-keeping-and-growing-faith-even-though-haters-tell-them-not.

[32] “وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور” 31:32 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/31

[33] 2:286 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/2

[34] صحيح مسلم – كتاب الزهد والرقائق، الحديث 2999 مرجع الكتاب: الكتاب 55، الحديث 82 شبكة USC-MSA المرجع الإنجليزي: الكتاب 42، الحديث 7138https://sunnah.com/muslim/55/82 

[35] 16:97 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/16 المرجع العربي: كتاب 37، الحديث رقم 2653

[36] جامع الترمذي أبواب وصف يوم القيامة، الرقاق والورع الجزء الرابع، فصل 11، الحديث 2465https://sunnah.com/urn/677710

[37] الجوزية، ابن القيم. طريق الهجرتين. ص 180.

[38] 3:173-175 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/3

[39] الترمذي – رياض الصالحين – كتاب المنثورات الباب 1، الحديث 486 https://sunnah.com/riyadussaliheen/1/486

[40] 26: 61-63 صحيح انترناشونالhttp://legacy.quran.com/26

[41] مدارج السالكين 2/27-28 – اللؤلؤة النفيسة لصاحبه السعدي، عبد الرحمن. لندن، يو كيه: دار طباعة الجوزية،2002 ص 8

[42] 4: 103 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/4

[43] جامع الترمذي – كتاب وصف يوم القيامة، الرقائق والورع – المرجع الإنجليزي: الجزء 4 الباب 11، الحديث 2516 المرجع العربي: الباب 36 الحديث 2706 https://sunnah.com/urn/678220

[44] 2: 152 صحيح إنترناشونال http://legacy.quran.com/2

[45] 14: 7 صحيح إنترناشونالhttp://legacy.quran.com/14

[46] جامع الترمذي – كتاب الدعاء الحديث 3479 مرجع الفهرس: باب 48، الحديث 110، الترجمة الإنجليزية: الجزء 6، الباب 45، الحديث 3479 https://sunnah.com/tirmidhi/48

[47] رياض الصالحين – كتاب الدعاء الباب 17، الحديث 35، المرجع العربي/الإنجليزي: الباب 17، الحديث 1499 https://sunnah.com/riyadussaliheen/17/35

[48] 26: 62 صحيح انترناشونالhttp://legacy.quran.com/27

[49] صحيح مسلم – كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، الحديث 2877، مرجع الفهرس: باب 53، الحديث 100 USC-MSA web (المرجع الإنجليزي): الباب 40، الحديث 6877https://sunnah.com/muslim/53/100

إخلاء مسؤولية: لا تعبر وجهات النظر والآراء ونتائج البحث والاستنتاجات الموجودة في هذه الأوراق والمقالات إلا عن رأي كُتابِها. وعلاوة على ذلك، “يقين” لا تُقِر أي من هذه الآراء الشخصية للكُتّاب على أي مَنصةٍ  كانت. فريقنا على قدرٍ من التنوع على جميع الجبهات، مما يُتيح استمرارية إثراء الحوار، والتي بدورها تُساعد على إنتاج بحث عالي الجودة.

حقوق النشر محفوظة  © ٢٠١٧. معهد يقين للبحوث الإسلامية

Avatar

Roohi Tahir

Roohi Tahir has a BS with honors in Computer Engineering from Boston University and is a graduate of the BMAIS higher Bridge to Masters diploma and currently pursuing a Masters degree in Islamic Studies from the Islamic Online University. She is also the Founder and instructor of Nourish Your Soul, a platform for Islamic education.