Yaqeen Institute for Islamic Research
Repentance-Redemption-Salvation-An-Islamic-Framework-Hero-Image

التوبة، الخلاص، والنجاة : منظور إسلامي

المقدمة

 كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.”[[1]] بينما تبدوالكلمات متناقضة في ظاهرها، إلا أن هذا التصريح البليغ من النبي ﷺ يمثل أحد الأركان الأساسية لفهم التوبة في ظل الشريعة الإسلامية. بل هناك الكثير نستخلصه من هذه الكلمات المعدودات؛ ربما السؤال الأكثر استرعاء للانتباه هو “كيف للمرء الذي يكون حاله ما بين الخطيئة والتوبة في ذات الوقت أن يكون هو خير بنى آدم؟” بل إن هذا السؤال يحتل أهمية أكبر في ظل تلك الظلمات والسلبيات التي غالباً ما ترتبط بالخطيئة التي تجول في خيالنا الجماعي، وربما هذا الارتباط هو ذلك الارتباط الناشئ عن تلاحم العقيدة الدينية والدائم الاصطدام بالثقافات، والعادات والتقاليد، والأساطير، والمؤلفات الأدبية كما في قصيدة “الجحيم” لدانتي أليغييري. لا شك أن استحضار مشاهد خيالية للرحلة المؤدية إلى الجحيم في أغلب الأحيان يعني سقوط المرء من الدرجات العلى إلى وادِ سحيق، واقصائه عن اكتشاف الملجأ والملاذ؛ مما يساهم أكثر في تكوين آرائه. إلا أن إحدى ميزات التوبة أنها في الواقع تُعين المرء على بلوغ نتيجة أكثر تزكيّة للنفس ومكانة أكثر رفعة عند الله. 

“إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ”[سورة البقرة:الآية 222]

للتوبة دور أساسي في تشكيل رؤية المؤمن للحياة، مما يجعلها وسيلة لتحصين إيمان المرء، حتى إن المرء من دونها يكون عرضة للشك والقنوط. هذا البحث يتناول وجهة نظر الخطاب الديني حول التوبة ويسلط الضوء على الدور الحيوي الذي تمارسه التوبة في حياة المؤمن. وقد ورد وصف الأركان الأساسية للتوبة في المصادر الأساسية للإسلام، القرآن والسنة، فضلًا عن مميزاتها الفريدة، خاصة في ضوء التفسيرات الأكثر شيوعا لكلمة “التوبة”. هذه الكلمة تستخدم لتصف عملية الندم على المعصية والسعي الدائم نحو الخلاص من المعاصي والذنوب التي يرتكبها المرء في جنب الله – كما أنها غالبًا ما ترتبط بالتقاليد اليهودية المسيحية التي تشترك مع الإسلام في بعض المعتقدات الشائعة، ولكنها تختلف اختلافًا جوهريًا في البعض الآخر. [[2]] فالتوبة تمثل ما يقوم بها المرء من أفعال ظاهرة أمام الناس، وأفعال باطنة لا يعلمها إلى الله. ويتتبع هذا البحث ورقة متابعة تتناول دراسة للتوبة وتطبيقاتها العملية من منظور أدبي، وتتعرض لأبعادها الروحية الجمة التي تنطوي على تفحص النفس الإنسانية وما يحول دون توبتها، فضلًا عن مراحل الرحلة الروحية التي تؤدي إلى القرب من الله وفق ما علمه النبي ﷺ للمسلمين وداوم على تطبيقه. إن مناط الأمر يصب في وعي المرء وقناعته بالتوبة. هذا الوعي وتلك القناعة تهديان المرء إلى الطريق المستقيم لمواصلة حياته بشكل طبيعي وترسّخان لديه ذلك التوجه طوال حياته. ولا يتوقف دور القناعة عند ذلك، بل إنها تمد المرء بالحافز اللازم لدفعه نحو الإقدام على التوبة وتجنّبه المعاصي وخيبة الأمل والقنوط من رحمة الله. وعلى ذلك، فالقناعة بالتوبة تمثل أحد العناصر الجوهرية للإيمان وأحد أركان العبادة؛ ومن ثم فهي تؤدى إلى تقويم النفس وتغرس فيها حب النجاة وصلاح الحال.

“وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى” [سورة طه:الآية 82]

الدار الآخرة، التوبة، والخلاص

عندما يأتي الحديث عن الإيمان بالبعث بعد الموت وسؤال المرء عن أفعاله في الدنيا وحاجته إلى التوبة، تتباين وتختلف في جميع أرجاء العالم. وبما أن التركيز في هذه الدراسة يتبلور حول التوبة، فعلينا أن نذكر بإيجاز بعض المعتقدات السائدة حتى يكون بين أيدينا نقاط مرجعية نستطيع من خلالها مقارنة المنظور الإسلامي وإدراكه على نحو أمثل وأن نستخلص منه فوائده العديدة.

 لا يزال معظم البشر يتمسك بالإيمان بالله بصورة بديهية، بالنظر إلى تزايد أعداد أتباع الجماعات الدينية الكبرى في جميع أنحاء العالم.[[3]] غير أنه جدير بالذكر أن هناك شريحة متزايدة من سكان العالم تؤيد مجموعة من الأيديولوجيات الليبرالية العلمانية التي تنحصر معتقداتها إما بين شكوك ومفاهيم خاطئة عن الله والدين أو إنكار وجود الله تمامًا، هذا بدوره يقود إلى إنكار وجود أي فكرة للآخرة التي يجني فيها المرء حصاد أعماله، بل حتى يقتل الدافع لهذا الفكر، ومن ثم فهذا الفكر لا يرى إلا الحياة المادية التي تحيط بنا فحسب.

 انطلاقًا من هذ الفِكر، تنحصر مفاهيم الأخلاق والعدل بشكل مباشر بين أيدي البشر، ممن يفترض بهم أن تفكيرهم وقدراتهم كافية لإدارة شؤونهم لمدة زمنية قصيرة نسبيًا على وجه الأرض.[[4]] مع غياب أي إحساس بالمساءلة أمام الله، فإن الحاجة إلى التوبة أمر مقضي كذلك، ويقترن بها عنصر أساسي – من منظور إسلامي – يعمل على تسهيل عملية التطور الأخلاقي.

 “عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ ” لاَ يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ”.[[5]]  إذن فالتوبة اعتراف المرء بأخطائه في ظل خياراته الأخلاقية وأي شعور بالشر في داخله، والاعتراف بأن تلك الخيارات بحاجة إلى ضبط وتعديل. وعلاوة على ذلك، لا يخرج جوهر الإسلام عن الخضوع الكامل لخالق الكون ومدبر الأمور، الله سبحانه وتعالى، لذلك ليس من الغريب أن نجد القرآن الكريم يميز بوضوح بين عواقب الغفلة والإنكار – لمن أدركوا رسالته – والثواب الذي وعد الله به من اختاروا الإيمان والطريق المستقيم:

“الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.” [سورة الكهف:الآية 104]

مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.” [سورة الروم: 44-45]

أما بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بالسلطة الإلهية العليا ، فيمكن تصنيفهم على نطاق واسع إلى جماعتين – ديانات شرقية و ديانات إبراهيمية. أمّا الديانات الشرقية، مثل الهندوسية والبوذية [[6]]، فهي تركز على تزكية النفس، وهي بوجه عام تؤيد التجسد الإلهي والتناسخ، والكارما (مصطلح في المعتقدات الهندية ويعني ” الأعمال التي تقرر مصير الانسان في الاخرة”) كوسيلة للخلاص. وهكذا، يتحقق الخلاص من خلال مواجهة البشر للمساءلة عما عملوا من خير وعما ارتكبوا من شر في الحياة الدنيا خلال دورات “إعادة ولادة النفس”؛ هذا النهج لا يدع مجالًا لدور الله ومغفرته فيما يتعلق بقدر الإنسان وأجله. والتناسخ يمثل مراحل الحياة والموت التي يخوضها المرء من حياته إلى مماته. ومع كل دورة من دورات الولادة الجديدة للنفس، تعود النفس مرة أخرى إلى هذه الحياة الدنيا في هيئة مختلفة تمثل حالتها الجديدة في نظام هرمي. ومن ثم، تعود الروح إلى هذه الحياة الدنيا من الطبقة الدنيا التي تتأتى من الأفعال الشريرة التي يرتكبها المرء إلى مكانة أكثر رفعة ونُبلًا (الطبقات الكهنوتية والمحاربة) لكونها عاشت حياة صالحة. كل هذا يعتمد على سلوك المرء في حياته السالفة بهدف الوصول في نهاية المطاف إلى حالة النِرْفانَا (السَّعَادَةُ القُصْوَى في البُوذِيَّة)، وعند هذه المرحلة بالذات، يكون المرء قد بلغ أعلى مكانة روحية وتحرر من الوجود الدنيوي وكذلك من الألم والرغبة والأسى”[[7]] بأن تكون حياة المرء أبدية من خلال العظمة والكبرياء الإلهي- وهو هدف سامِ لا يسعى إليه إلا قلة مختارة، وأيضاً يمثل وحيًا لعدد من الأعراف والتقاليد الصوفية.

إن الخيط المشترك الذي يجمع بين هذه التقاليد الدينية ينطوي على السعي للعزلة، وإلى حد كبير، نكران الذات والزهد في الدنيا لتحصين الروح وفهمها – وهو النهج الذي يمكن أن يفضي بهذه الحياة الدنيا إلى التوقف التام لو كان هدفه الوحيد هو الخلاص. [[8]] على النقيض من ذلك، يصف الإسلام التوازن التام بأنه السعي إلى تحقيق المنفعة الشخصية ومنفعة الآخرين؛ أي على المرء أن يستفيد من تلك النعم التي أسبغها الله في هذه الحياة الدنيا وأن يظل عضوًا فعالاً في المجتمع، وفي ذات الوقت، أن يتحمل التحديات التي تحيط بها الفتن والأذى من كل جانب، وأن يسعى إلى تنمية أخلاقه وتحقيق المكاسب الروحية بالتوبة، حتى ينال رضوان الله في الدنيا والآخرة. الإسلام نقيُ في جوهره، رافضُ جميع أنواع الشرِك ومحرِمُ الشرِك بالله وتشبيهه بصفات البشر. من هنا، يتضح جليًا أن جميع البشر قد خُلقوا متساوون في نظر الله، فالله لا ينظر إلى نسب أو حسب، بل جميع خلقه متساوون كأسنان المشط، وهو لم يخلقهم إلا لغرض وحيد؛ هو عبادة الله وحده، و نرجع  جميعًا إليه ليحكم بيننا، فإما ثوابه أو عقابه في الدار الآخرة.

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.”[سورة المؤمنون :99-100].

أما الجماعة الأخرى فهي الديانات الإبراهيمية. تعود كل من اليهودية والمسيحية والإسلام بجذورهم إلى الخليل إبراهيم وكلهم يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته. ومع ذلك، يرى كل منهم أنه وحده يوفر الطريق الوحيد للخلاص[[9]]. ومع ذلك، لكل منهم تفاهمات توحيدية وتعاليم وممارسات خاصة به فيما يتعلق بتعرض الإنسان لارتكاب الخطأ وحاجته إلى التوبة والمغفرة من الله، والحياة في الدارة الآخرة. علينا أن نقر بوجود عدد لا يحصى من الطوائف والفرق الدينية داخل الحركات الأرثوذكسية والإصلاحية لكل من هذه الأديان الرئيسية، والتي تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها، حتى إن البعض يرفض مفاهيم لاهوتية معينة يعتبرها الآخرون مفاهيم جوهرية. إن استمرار وجود مثل هذه المفاهيم، بالإضافة إلى وجود مراجع محددة لها في القرآن والسنة، يستلزم مناقشتها فيما يتعلق بعلاقتها وارتباطها بمفهوم التوبة.

“وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.”[سورة المائدة-الآية 48 ]

ما هي التوبة؟

التوبة كلمة مشتقة من فعل في اللغة العربية يعني حرفيًا “الرجوع”، [[10]] أمّا “التوبة” في السياق الإسلامي تشير إلى ترك ما حرمه الله، فإن خالف المرء ذلك فهو عاصِ، لأنه لم يخضع لأمر الله. [[11]] أمّا “الحلال” فنطاقه أوسع بكثير؛ إذ يضم كل شيء يدخل في دائرة المسموح به، فضلًا عن تلك الأعمال التي تنتظر ثواب خاصًا من الله؛ وهي تشمل معظم الأمور والشؤون اليومية بالإضافة إلى العبادات التي خصها الله عزّ وجلّ لعبادته فحسب. التوبة في جوهرها “رجوع” إلى الله، بالاعتراف بالمعصية والتضرع اللذان يعبر بهما الخادم لسيده عن ندمه، وسعيه لنيل مغفرته (بالاستغفار)، وطلبه الملجأ إلى سيده لارتكابه خطأ أو معصية. ومن ضمن مفاهيم التوبة أيضًا النية في كبح جماح النفس وصلاحها وتحسينها وتأديبها. عرّف القرآن الكريم “التوبة” في الجزء الثاني من قصة سيدنا آدم وزوجته حواء والشيطان، وقد تم توثيق قصة الخلق في الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن. والقرآن يسرد القصة على عدة أجزاء، وقد نُسجت في جميع جوانبها لتذكرنّا باستمرار بأصلنا، وعلاقتنا مع الله، وأننا غير معصومين، و الغرض من الحياة على الأرض، ومآلنا إلى الله ووقوفنا بين يديه:

“وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.” [سورة البقرة: 35-38].

ترسي قصة الخلق الأساس للوجود الإنساني وفهم الحياة نفسها، وتنطوي على منهجيةِ محددة للتعامل مع التوبة ووصفًا لأبعادها العملية والروحية، كما أنها توضح بجلاء علاقة الإنسان بالله – وأولاً وقبل كل شيء – تثبت أن الله خلق آدم أول البشر [[12]] وبعد ذلك أخرج من ذريته جميع البشر، لغرض وحيد هو عبادة الله وطاعته. علّم الله آدم وأسبغ عليه المعرفة، [[13]]حتى يعيش مع زوجته في الجنة وأن يستمتعا بنعم الله الوافرة و بما تمنوه، إلا شجرة واحدة نهاهما الله عن الاقتراب منها. انطلاقًا من العناية الالهية، أسبغ الله عزّ وجلّ على آدم العقل والقدرة على الإرادة الحرة، مما منحه القدرة على فعل الخير والشر وفق اختياره. ولكن، ما ترتب على ذلك وما وقع في الحديقة كان هو الدرس الأسمى على مر الأزمان. فقد أغوى إبليس آدم وحواء لمعصية الله، وكانت عاقبة ذلك العصيان أنْ أنزلهما الله من الجنة. لكن – في إشارة استثنائية تدل على كرم الله ورحمته – علّم الله آدم كلماتِ ليتوب إليه، لتكون سببًا له وذريته لمغفرة الله عزّ وجلّ. ومن هنا، جعل الله التوبة وسيلة للمغفرة والخلاص من المعركة الدائمة على الأرض ما بين الخير والشر، وكذلك الوسائل التي من خلالها يحظى برضوان الله في هذه الحياة الدنيا ويحوز الخلاص الأبدي عند الوقوف أمامه يوم القيامة.

إن قصة آدم وإبليس تشكل إطارا عامًا لأكبر تحدِ يواجهنا على وجه الأرض: معركة حازمة حاسمة من المهد إلى اللحد ضد عدو مخادع دائمًا ما يظهر نفسه وكأنه صديق لنا، تمامًا كما فعل في الجنة، حتى يسوقنا إلى المعصية.[[14]] ومن بين الأساليب العديدة التي يتبعها إبليس أنه يغرس فينا صفاته من اليأس والغطرسة (أول تعبيرعن العنصرية جعل إبليس يعتقد أن متفوق على آدم) ليعيق الإنسان عن التوبة، وذلك بأن يغرس في نفوسنا اليأس بأن الله يرى أننا لا نستحق بأن نتوسل ونتضرع إليه مباشرة. وأولئك الذين قنطوا بهذه الطريقة غالبًا ما يطلبون المغفرة بطلب مساعدة وسيط ورع تقي يرونه أقرب إلى الله، وبالتالي يقعون في الشرِك [[15]] (بأن جعلوا لله شركاء). حتى أنه قد يقنعنا بالاستسلام وعدم التفكير في الرجوع إلى الله مطلقًا. واستمرارً لذلك، لا يزال إبليس يمارس حيله التي ترمي إلى استفزاز الغرور وحب الذات بداخلنا، حتى ننصرف إلى الغفلة والاستهتار. وقد ينجح في إقناعنا بأننا لسنا بحاجة إلى التوبة لأن أعمالنا الدنيوية تشير إلى مكانتنا الرفيعة عند الله، أو أن رحمة الله وحده ستضمن لنا الخلاص – وما إلى ذلك من مفاهيم خاطئة سائدة حتى يومنا هذا.

هذا هو ما نكافح من أجله على الأرض. فطبيعة الإنسان أنه خطّاء ودائم الارتكاب للمعاصي، لأن الكمال لله وحده، وبالتالي فإن الوقوع في الخطيئة والعزم على التوبة هما حال المؤمن دوماً. إن قصة الخلق تعلمنا أن تعرض الإنسان لارتكاب الأخطاء جزء من تدبير إلهي مُحكم، فكما تميل طبيعتنا إلى عبادة الله وطلب الهدى منه، فنحن نميل أيضاً إلى ارتكاب المعصية والخطيئة. ومن ثم فإن التوبة هي أعظم النعم وأرفع العبادات التي نتعلمها، والتي نحقق هدفنا من خلالها، ونعزز إنسانيتنا، و نقوي علاقتنا بالله، وفي ذات الوقت، نزداد حبًا له بالتفكير والأمل في رحمته وغفرانه وكرمه.[[16]] 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لولا أنكم تذنبون؛ لخلق الله خلقاً يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم”.[[17]]

بدأ الإنسان وجوده في الجنة، وقد أمرنا الله بأن نقضي طوال حياتنا نكافح من أجل الرجوع إليها، بأن نتبع الهدى الإلهي ونعتبره المبتغى المطلق، وأن نتخذ التوبة كزاد نتزود به للرجوع إلى ما بدأ وجودنا فيه؛ الجنة. ومن ثم، فليس من المستغرب أن ننجذب بشكل غريزي إلى جمال هذه الحياة الدنيا ووسائل الراحة فيها، وأن نجد بغيتنا و دوافعنا في المراجع والأوصاف العديدة في النصوص المقدسة لما ينتظرنا في الجنة.

وصف النبي صلى الله عليه وسلم الجنة بأنها “لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِلاَطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ وَلاَ يَبْأَسْ وَيُخَلَّدْ وَلاَ يَمُوتْ لاَ تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلاَ يَفْنَى شَبَابُهُمْ”.[[18]] 

السلطة المطلقة

من الناحية المنطقية، يجب أن تكون السلطة المطلقة بين يدي الله تعالى [[19]] في أن يغفر وأن يقبل التوبة؛ ومن ثم فإن التوبة لا يجوز إلا أن تكون لله. إن الإسلام يحرم جميع أشكال الوساطة التي يُعترف من خلالها بالذنوب أو يُطلب الغفران عن طريقها. وهنا يتميز الإسلام عن غيره من المعتقدات الأخرى ويقي المؤمن من الدعاء من خلال الوسطاء؛ مثل الأصنام التي ترمز إلى آلهة أو إلى أي من أنبياء الله. لقد اصطفى الله جميع الأنبياء والرسل من بين أفضل خلقه، ومع ذلك كانوا بشر عاديين، ولكنهم كانوا قدوة للناس ونموذجًا صالحًا، جاءوا لينقلوا إليهم رسالة الله لعبادة الله وتوحيده، كما كان الحال مع يسوع ومحمد (عليهما السلام). [[20]] وقد قبل ذلك طائفة أخرى من الوسطاء المتقين الذين رفعهم أتباعهم إلى مكانة القداسة، وغالبا ما كانوا يتبركون بهم ويقدسون قبورهم ويجعلونها أماكن للعبادة؛ لما كانوا يعتقدون فيهم أنهم نالوا مكانة وصلاحية مطلقة للتشفع لهم عند الله، أو لأنهم كانوا يمتلكون صفات الألوهية. ومن المحزن أن أصبحت هذه الآراء واسعة الانتشار عبر بعض القنوات الدينية، بما في ذلك بعض الطوائف التي تعرف بالإسلام. ويدخل في ذلك أيضًا رجال الدين الذين يعتبر الاعتراف إليهم [[21]]وعد بمغفرة الله، بالإضافة إلى تعظيم الآخر أو تعظيم الذات فيما يتعلق بالسلطة بشأن مصير أي شخص. كل ذلك، فضلًا عن عقيدة الثالوث [[22]]في تأليه يسوع كوسيلة للتكفير عن خطايا البشر والخلاص عن المعاصي والتي جلبها الرسول بولس إلى اللاهوت المسيحي، فهي تعد من أشكال الشرك في الإسلام.

“مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ.” [سورة السجدة:الآية 4]

لا شك أن الإسلام جاء ليصلح طائفة من الناس منغمسة في الشِرك، إذ جاء ليبين لهم حُرمته و كراهته في نظر الله، لأنه أشر الخطايا، التي يحتاج مرتكبها إلى التوبة عنها في هذه الحياة الدنيا. [[23]] وبشكل أكثر وضوحًا، من ناحية التوبة، يعد هذا أيضًا من قبيل رحمة الله الواسعة على عباده بمحو الخطيئة، بغض النظر عن مدى جسامتها أو حجمها، بما في ذلك الشِرك، إلا أن هناك مجال لرجوع الشخص العازم على التوبة. فقد قال الله تعالى “قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”.[سورة الزُمر:الآية 53][[24]]

بالإضافة إلى ذلك، هناك مبدأ أساسي آخر في الإسلام هو أن جميع المسائل التي يشرعها الله تحمل في طياتها الخير من أجل الحفاظ على البشر ورفاهيتهم وحمايتهم من الأذى. وكما أوجز ابن القيم (توفي. 1347 م)“فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي: عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.”[[25]] حتى التحليل العابر لتحريم الشرك يكشف النقاب عن ثروة من الفوائد – أكثرها وضوحًا – ما يتعلق بالتوبة – تلك العلاقة المباشرة التي تنشأ بيننا وبين الله. من البديهي أن نقترب مباشرةً إلى خالقنا، الذي يستجيب دائمًا لمن يدعوه، والمُشَرِّع والحَكَم الوحيد الذي يعرف نوايانا الحقيقية، وله السلطان والقوة المطلقة ليغفر لنا خطايانا. يجب أن تكون التوبة استباقية وأن تنطوي على التوجه المباشر إلى مصدر المغفرة وأن تكفل ليس فقط الحماية من أولئك العاجزين وغير مسموح لهم بالتحدث نيابة عن الله، بل أيضًا من الضرر المحتمل المرتبط بالانتهازيين الذين يسعون إلى الاستفادة من الضعفاء. فقد يكون هؤلاء الناس على أقل تقدير غليظي القلوب مفتقرين إلى التعاطف مع أولئك الذين يتنازعون مع الصراعات الداخلية المرتبطة بالأخلاق والمعاصي، أي إن الأمر ببساطة، لا يمكن لأحد أن يسبق رحمة الله.[[26]] 

مما لا شك فيه أن استجابة الله المباشرة لآدم ومنحه مغفرته ثم تكريمه كرسول ووعده بالرجوع إلى الجنة أصبح مصدراً للفرج وتحفيزًا لكل آثم وتعبيرًا عن الشكر إلى الواحد الذي أسبغ نعمه التي لا تحصى على البشر أجمعين ومن يستجيب لمن يدعوه. ومن ثم لا يمكن تجاهل الأثر النفسي والروحي والمعنوي للتوبة في المرء، الذي قد ينغمس في المزيد من المعاصي والغفلة أو ينساق إلى القنوط من رحمة الله، ولكن هذا الأثر، في ذات الوقت، قد يصبح ربيعًا من المنفعة الهائلة، التي تمكّن المرء من غرس وتعزيز علاقة مغمورة بالثقة والمحبة إلى خالقه كلما مر المرء بنمو روحي وبناء للعزيمة اللازمة لتعزيز أخلاقه وتطويرها. وفوق كل ذلك، فإن التوبة تجلب الأمل والتحفيز، وهما من أكثر الصفات قيمة في هذا الحياة الدنيا، والوقود اللازم لتحقيق النجاح التالي.

“وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.” [سورة آل عمران :الآية 135]

بلا خطية عند الميلاد

ينكر القرآن والسنة بوضوح الفكرة القائلة بأن البشر يحملون خطيئة آدم أو أن حواء كانت هي السبب، ومن ثم يتحمل كل النساء على مدار الأزمان المقبلة عواقب أفعالهن (كما افترض بعض اللاهوتيين الأوائل).[[27]] إن الاعتقاد بأن جميع البشر يرثون خطيئة آدم وحواء نشأ من عقيدة الخطيئة الأصلية[[28]]التي أرساها قِبلًا القديس أغسطينوس (334-430 م).[[29]]فقد وضع نظرية مفادها أن جميع البشر يولدون خاطئين، وعليهم أن يبحثوا عن الملاذ والخلاص من خلال القنوات الأسقفية مثل التكفير عن الذنوب والغَسْلُهُ بِمَاء الْمَعْمُودِيَّة لتحريرهم من الخطايا. وقد عارض بعض العلماء المسيحيين هذه العقيدة وتم تعديلها فيما بعد من قِبل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية حول ما يتعلق بمصير أولئك الذين ماتوا في سن الطفولة، ولم تعد هذه العقيدة عالمية بعد؛ ولكن هناك البعض ممن لا يزالوا يجرون تعميد الرضع وآخرون يحصرون ذلك على البالغين الذين يدخلون الإيمان. [[30]]ولكن موقف الإسلام حيال ذلك واضح وضوح الشمس، إذ يقف رافضًا ذلك عندما يأتي الحديث عن الخطيئة الأصلية وما يتعلق بالعقائد الأخرى التي تحمل ادعاءات مماثلة. من بين هذه الادعاءات هو الإيمان بالكارما، الذي تكون نتيجته النفي الكامل لأي مولود وُلد في الطبقة الدنيا أو النظام الأدنى مثال “الداليت” (لا يُلمس)، كالمنبوذين تمامًا ، بل و يُعتبرو أدنى طبقات المجتمع.

 تاريخيًا، كانت منازلهم تستند إلى أساس وحيد وهو ولادتهم في التسلسل الهرمي الهندوسي القديم الذي كان يعتبرهم في وقت من الأوقات معاقبين ولا يستحقون الخلاص في هذه الحياة لما ارتكبوا من آثام في حياتهم السابقة. وقد تحول ذلك منذ ذلك الحين إلى ممارسة تعرضهم لظلم اجتماعي واقتصادي بالغ حتى يومنا هذا، ذلك على الرغم من حركات الإصلاح الديني، بالإضافة إلى الاحتجاج العالمي على انتهاك الحقوق المدنية – حيث تم تصنيفه بأنه ليس إلا فصل عنصري قمعي. [[31]] هذا لا يعني أن بقية البشر لم يصبهم صور من الطبقية الدينية والاجتماعية، التي كانت مع الأسف تتفشى بين الانقسام والعنصرية والظلم البين في معظم المجتمعات – إن لم يكن كلها – عبر التاريخ. وسيكون من قبيل الخطأ أن نغفل أنه حتى العالم الإسلامي للأسف قد حاد عن تعاليمه في هذا الصدد ولم يسلَم من مثل هذا الجهل والطغيان. وها هو القرآن الكريم يذكر بأن آدم وحواء تعرضا للغواية لعصيان الله، وكلاهما طلب المغفرة، وكلاهما قد غُفِر له بعد ذلك قبل نزولهما إلى الأرض.

“فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ.” [سورة الأعراف: 22-23]

وعلاوة على ذلك، يحدد القرآن مسؤولية المرء عن أفعاله، فلا يمكن أن يتحمل أي شخص آخر عواقب أفعال شخص آخر، سواء كانت خلاصًا أو لعنةً، وبغض النظر عن ماهية الخطيئة أو اللعنة، فلا يمكن توريثها أو نقلهما إلى شخص آخر؛ ولا يمكن لأي شخص أن يتوسط للآخر دون إذن من الله – وهو تذكير آخر برحمة الله وعدالته العليا. وها هو العالم والفقيه الجليل، أبو حامد الغزالي (توفي 1111 م)، الذي استفاض في موضوع التوبة، وخصص كتابًا كاملًا له في مؤلفه الضخم “إحياء علوم الدين”، يصف طبيعة العهد بين الإنسان والله باعتباره عهدًا فرديًا بين خادم و سيده، حيث أشار إلى أن المجتمع كُلّه يتحمل مسؤولية جماعية لحماية نفسه من الظلم والطغيان. “ليس المجتمع مصدر الخلاص، بل هو – بالإرادة والأوامر الإلهية – مجال للمسؤولية يمكن للإنسان أن يسعى فيه إما إلى الطاعة أو العصيان”.[[32]] هذا يبدو جليًا في المسؤولية المجتمعية لطلب العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال رسول الله ﷺ “مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِلِسَانِهِ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ”. [[33]] ومن المفهوم أيضا من ذلك أن أفعال الفرد قد يكون لها آثار إيجابية أو سلبية في الآخرين حتى ينال هذا الفرد وكذلك الفرد المُلهَم بفعل الخير نصيبهما من الثواب على ذلك، وبالمثل الشخص المُلهَم بفعل الشر نتيجة لذلك سيكون له نصيبه من الخطيئة.

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ “..[[34]][سورة لقمان:الآية 33 ]

علاوة على ذلك، أوضح النبي ﷺ أن كل البشر مولودون على فطرتهم. حيث قال: “” كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ “.[[35]] هذا يعني أن البشر يولدون ولديهم القدرة على المعرفة بالله ويميلون بطبيعة الحال إلى عبادة الله. ومع ذلك، فهم يتأثرون بما يحيط بهم وتجاربهم في الحياة. وقد منح الله كل إنسان العقل والقدرة والإرادة الكافية التي تمكنه من توجيه ذاته؛ ولكن قد تتغلب عليه هذه المؤثرات، مما يؤدي إلى طمس فطرته ودفنها. إذ أن هذه المؤثرات قد تنجح في نهاية المطاف في إقصائه عن الإسلام، حتى ولو بشكل مؤقت، إلى أن يتمكن المرء من العودة إلى فطرته والسعي إلى طريق الحقيقة وهدى الله. وقد فعل الكثيرون ذلك، وما زالوا يفعلون بعد أن أدركوا أن أحد العناصر الجوهرية في وجود المرء مفقود ولا بد من البحث عنه حتى يعيش المرء حياة هادفة. إن رحمه الله وعدله وحكمته تثبت أن الله لا يعقد المرء مسؤولًا إلا بناء على قدراته المحدودة، وكذلك منذ لحظة معرفته بالإسلام. [[36]]وقد حدث ذلك عندما أرسل الله رسله وكتبه إلى أمم معينة وإرشادهم وتوجيههم، ومنذ ظهور الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يزال الإرشاد والتوجيه قائمين في التنزيل النهائي للبشر أجمعين: القرآن والسنة.

 “مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ”. [سورة فصلت:الآية 46]. 

فهم طبيعة المغفرة

أحد أبرز ميزات التوبة النصوح هي أنها تمحو كل الخطايا التي سبقتها. قال رسول صلى الله عليه وسلم “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ [[37]]وقد قال عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (توفى 1328 م) “” التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجباته”.[[38]] من هنا، تمنح التوبة فرصة هائلة لأي شخص يسعى إلى مخرج من المعتقدات الخاطئة وأسلوب حياة أدرك بأنه ليس بالطريق المستقيم إلى الله. قال عمرو بن العاص “لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال ما لك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله”.[[39]] في هذه الرواية، كان النبي صلى الله عليه وسلم يطمئن عمرو بن العاص – الذي كان من بين أبرز أهل قريش في معارضته للإسلام وكان من بين آخر الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام بعد ذلك – بأن من ترك الكفر والمعاصي من أجل الإسلام – يقصد التوبة ضمنًا – فقد غُفرت ذنوبه السابقة ورجع خاليًا من الذنوب كيوم ولدته أمه. والقرآن الكريم نفسه يدعو البشر للرجوع والخضوع الكامل لله؛ في دلالة على عالمية الإسلام الذي يعد بالخلاص لأي شخص يدق أبواب الإسلام بنية خالصة.

“قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ” [سورة الانفال:الآية 38].

لكن ماذا عن ذنوب المؤمن – هل كل ذنب يجب أن يتبعه توبة؟ هل يمكن لبعض الذنوب أن تخرج المرء من ملة الإسلام؟ هذه الأسئلة من بين الأسئلة الجوهرية الأخرى التي أصبحت موضوع اختلاف في أبحاث علماء التوحيد الأوائل من أجل فهم وتعريف العقيدة الإسلامية بشكل أفضل. وقد نشأت الحاجة إلى القيام بذلك مع انتشار الإسلام إلى ما وراء شبه الجزيرة العربية خلال مراحل تكوينه، مع مواجهة النمو مقترنًا بإيديولوجيات سياسية وفلسفية خارجية. 

من الضروري أيضًا أن نورد مخاطر الجهل والتطرف التي يمكن أن تثني المرء عن فهم الجوهر الحقيقي للتوبة والمغفرة. ومن بين الأمثلة على ذلك هو الاعتقاد السائد في حركة الخوارج الأولى التي زعمت “أن الخطايا نفسها هي صورة من صور الكُفر بالله)؛ إي أن المرء إذا ارتكب معصية فإنه يكون بذلك – حسب قولهم- قد كفر بالله، وبالتالي يجوز محاربته وقتله، حتى لو كان أحد صحابة النبي ﷺ أو أحد الخلفاء المسلمين…[[40]] وعلى الرغم من هذه الحركة لم تدم طويلًا، إلا أن هذا الفكر المتطرف لا يزال صداه جليًا في ما نشهده اليوم من فظائع وأعمال وحشية، والتي تستهدف المسلمين إلى حد كبير، وذلك نتيجة لتشوية الإسلام من قِبل جماعات تحملها دوافع سياسية في عصرنا الحالي، وهم يتحملون مسؤولية الدمار الشامل والرهبة والخوف من الإسلام. ومن ثم، لم يكن من المفاجئ نشوء حركات مضادة تشكلت أيضًا في تلك الفترات المبكرة، مثل تلك التي تفترض أن السلوك البشري هو فقط نتيجة للقضاء والقدر الإلهي. لم يدع هذا الاعتقاد أي مجال للإرادة الحرة ومسؤولية المرء عن أفعاله؛ [[41]]فالطبيعة الإشكالية لهذا الرأي واضحة في ضوء تعاليم الإسلام الحقيقية. وكلا الطرفين المتطرفين يصف الدور الجوهري الذي يمارسه الفهم الصحيح للتوبة ودورها في تحقيق إيمان المرء في توقعاته وأفعاله التالية. 

 لخص الباحث الشهير، الطحاوي (توفي عام 933 م)، في كتابه “العقيدة” الذي حظي بإشادة بالغة، الموقف الإسلامي الثابت – موقف أهل السنة والجماعة – من المعصية والخلاص. يقول الطحاوي في كتابه إن الله أمر الإنسان أن يطيعه وحرم عليه معصيته؛ وفي ذات الوقت لا يجوز تحريم المرء على أساس تلك المعصية أو الذنب طالما أنه لم يصر على مشروعيته، رغم أن ارتكاب المعاصي والذنوب قد يكون له آثار ضارة في إيمان المرء. إن المؤمنين يعيشون على أمل مغفرة الله وعفوه، دون تيقنهم من ذلك، ويدعو الآثمين فيما بينهم، فهم يُعنون بخلاصهم دون القنوط من رحمة الله. سيُبعث جميع البشر بعد موتهم ويقفون أمام الله يفصل بينهم، وستُعرض أعمالهم عليه و سيجزيهم بما كانوا يعملون؛ فإما ثواب أو عقاب. حتى أتباع النبي ﷺ الذي يتعرضون لأعباء الخطيئة الأشد التي لم يتوبوا عنها ستطالهم رحمة الله وعدله في نهاية المطاف، وسيُمنح المتقين شفاعة خاصة لهم حتى يدخلون الجنة، على الرغم من أنهم قد يواجهون العقاب في جهنم في البداية لفترة من الزمن تنفيذًّا لإرادته وحكمته الإلهية.[[42]] 

ليس كل الخطايا متشابهة

منذ عهد الصحابة، استمد العلماء والفقهاء من المصادر الأولية طبيعة الخطيئة وحاولوا تصنيفها إلى كبائر أو صغائر (محقرات الذنوب)؛ ولكنهم اختلفوا في مؤلفاتهم حول تصنيف طبيعة الخطايا كلُ حسب فئته. من المقبول بشكل عام أن الخطايا التي حددها الله ليُطبق عليها عقوبة محددة في هذه الحياة الدنيا والخطايا التي تحمل تهديدًا بالعقاب في الآخرة تعتبر كبائر تجعل التوبة فرضًا؛ على سبيل المثال، قتل النفس التي حرم الله والشِرك بالله. [[43]]وهذا لا يعني أنه بإمكان المرء أن يتجاهل ما يمكن اعتباره من محقرات الذنوب. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن عندما قال: “إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ.”[[44]]وكأنه شعور مجسد يشير إلى أن محقرات الذنوب تتكدس على بعضها البعض حتى تتراكم لتصل إلى مستوى الكبائر؛ التي صورها بنيران متأججة.

 عندما سُئل الصحابي والفقيه الجليل ابن عباس عن عدد الكبائر قال “هي سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. [[45]]إلا أن ابن تيمية أخذ بهذه الخطوة إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن التوبة ليست نتيجة ارتكاب الشر فحسب؛ بل إنه على المرء أن يتوب عن عجزه عن أداء الأعمال الصالحة، وذكر أن التوبة واجبة على كل إنسان مسؤول عن ترك الفروض وعن ارتكاب ما هو محرم. كما أضاف أن التوبة مستحبة لمن لم يمتنع عن الأفعال المُثَبَّطة، على الرغم من أنها مسموح بها إلى حد أنها مكروة، ولأنه لم يقم بأفعال مندوبة، والتي تكون – إن لم تكن فرضًا – بمثابة إرضاء لله وابتغاء لثوابه. ومضى ابن تيمية يقول إن الذين يقدمون على هذين النوعين من التوبة هم من بين الأقرب إلى الله تعالى.[[46]]

مما لا شك فيه أنه من رحمة الله تعالى أن يغفر الذنوب بسهولة مع كل عمل صالح وعبادة. وهناك أمثلة على ذلك تشمل أن يكون المرء محبًا للخير ورحيمًا؛ بين كل صلاتين مكتوبتين متتاليتين، ومن الجمعة إلى الجمعة، وفي صيام رمضان، وكذلك الصوم المستحب، ولا سيما أيام عرفة وعاشوراء؛ و ذِكْر الله بوجه عام، كما سيتم شرحه بالتفصيل عند التعرض للجوانب العملية للتوبة. وهنا يظهر اثنان من أسماء الله الحسنى التي تدل على كرمه وجوده، أنه الغفور،[[47]]الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، وهو العفو، ،[[48]]المتجاوز والماحي للذنوب، الذي يطمسها من سجل أعمالنا كما لو أنها لم تقع قط، حتى أنه لا يُرى أي عاقبة تتبعها. وها هو الإمام الغزالي يعرض تأملًا رائعًا، إذ يشير إلى أنه ربما وُضع العدد المحدد للكبائر حتى تظل غير معلومة ويظل العبد أكثر يقظةً في تجنبها – تماماً كما هو الحال في إخفاء ليلة القدر في شهر رمضان، حتى يبذل العبد قصارى جهده أملاً في بلوغها.[[49]] 

“وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ”. [سورة هود:الآية 114]. 

رحمتي غلبت غضبي[[50]]

لعل أكثر جوانب البحث في موضوع التوبة هي تحقيق رحمة الله على خلقه – ولو حتى جزء منها، حيث إنه أمسك بتسعة وتسعين جزءًا من مائة منها ليوم الحساب. [[51]]ولمّا بدأ الأمر بتسليم آدم لرحمة الله وما سمح له بالاستغفار، فإن ذلك لا يدل إلا على رغبة الله في أن نجتاز اختبارات الحياة الدنيا. والهدف هو الرجوع إليه بسجل مليء بالأعمال الصالحة، نتيجة لرحمته سبحانه، لترجيح كفة أعمالنا ويكون كتابنا مليًئا بالحسنات، ذلك إن كنا صادقين في إيماننا بالله ومجتهدين في عبادته – على الرغم من عدد مرات العجز التي نشهدها على طول الطريق. في حقيقة الأمر، إن الله هو الذي يُقبل على عباده دومًا؛ فإنه التواب: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”. [سورة التوبة:الآية 118]. 

ومع أحد أكثر الأحاديث الأساسية لرسول الله ﷺ الذي يؤكد فيه هذا الأمر عندما قال “إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيّات، وَإِنَّمَا لكل اِمْرِئٍ مَا نَوَى”. [[52]] من هذا يأتي الفهم المؤكِد أنه لا توجد نية حسنة تذهب هباء دون إثابة صاحبها حتى لو أصبح عاجز عن مواصلة هذا العمل، وأنه لن يُعاقب ظلمًا بسبب ما فعله دون قصد. ومع ذلك، من المهم أن يكون المرء يقظ الضمير في ألا يسمح لسوء النية من التجذر في نفسه بالابتعاد عن الأفكار السيئة، التي بناء عليها قد يضطر المرء إلى مواجهة المسؤولية إذا ما عزم على التصرف حيالها وتقود المرء إلى ارتكاب الشر. عندما سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأفكار السيئة اللاإرادية ووساوس الشيطان التي تتغلل في الأفكار العابرة، أجاب قائلا “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ وَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ”.[[53]] 

“وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”. [سورة ق :الآية 16].

“إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً “.[[54]] 

أنّى للمرء أن يعرف أو حتى يتخيل أحدًا قادر على هذا الكرم وتلك الرحمة؟ بيد أن خالقنا وسيدنا لا يزال يمنّ علينا نحن خلقه برحمته وغفرانه،  مقدراً و راضياً بتوبتنا، مما يجعل التوبة هي الطريق إلى تحصين إيماننا، والسعي إلى نيل رضوانه، وفي نهاية المطاف، فهي وسيلة للقناعة المستمرة والثواب والخلاص الأبدي. إن المرء دومًا يشعر بالندم وقد يتساءل عما إذا كان قد فات الأوان أو ما إذا كان قادرًا على التغيير، فعليه أن يدرك أن هذه دعوة للعمل وأن باب التوبة مفتوح على مصراعيه طالما أنه على قيد الحياة.[[55]] ليست التوبة أساس للخلاص فقط، بل هي عمل يتم الإقدام عليه بضمير وإتقان لترقية مستقبل المرء، ونيل رضوان الله، والارتقاء إلى مكانة أرفع عند الوقوف بين يديه، طالما أنه كلما ارتكب ذنبًا، استغفر الله وتاب إليه وسعى إلى صلاح نفسه وحاله. يلخص ابن تيمية الأمر بشكل رائع في قوله: “إن العبد دائمًا ما بين نعمة تستحق الشكر وذنب يستلزم الاستغفار، وكلاهما – بحكم الضرورة – يقعان بين يدي العبد، فإنه يتحرك باستمرار بين بركات الله وخيراته، وهو خطّاء دائمًا وفي حاجة دائمة إلى التوبة والاستغفار، لهذا السبب، كان خير خلق الله وإمام المتقين – محمد صلى الله عليه وسلم – حريصًا على الاستغفار دومًا. [[56]]

“اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ”.[[57]]  


[1]سنن ابن ماجه، المجلد 5، الكتاب 37، الحديث 4251

[2] “التوبة”. الموسوعة الدينية. Encyclopedia.com. (2 نوفمبر 2017).http://www.encyclopedia.com/environment/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/repentance 

[3] بنيامين ورمالد. “مستقبل أديان العالم: توقعات النمو السكاني، 2010-2050.” مشروع الحياة العامة والأديان لمركز بيو للأبحاث. 2 أبريل 2015. تم الاطلاع في 06 نوفمبر 2017. http://www.pewforum.org/2015/04/02/religious-projections-2010-2050/..

[4] “الديانة الكبرى الجديدة العالمية: لا دين.” ناشيونال جيوغرافيك. 22 أبريل 2016. تم الاطلاع في 06 نوفمبر 2017.https://news.nationalgeographic.com/2016/04/160422-atheism-agnostic-secular-nones-rising-religion/

[5] مرجع في الكتاب، صحيح مسلم 214: الكتاب 1، الحديث 426 USC-MSA على شبكة الإنترنت (باللغة الإنجليزية) المرجع: الكتاب الأول، الحديث 416

[6]محمد علي محي الدين. دراسة مقارنة الأديان اليوم. نيويورك: فينتاج بريس، 1985.https://s3.amazonaws.com/compressed.photo.goodreads.com/documents/1329911133books/13487787.pdf ص. 23-24.

[7] المرجع نفسه ص 26-27، ص. 102

[8] عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ “الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ.” مسند أحمد 22588

[9] “الطريق الوحيد للخلاص – الشيخ ياسر القاضي”. MuslimMatters.org – الخطابات في التقاليد الفكرية والوضع السياسي والأخلاق الاجتماعية لحياة المسلمين. تم الاطلاع في 06 نوفمبر 2017. https://muslimmatters.org/2014/04/11/salvific-exclusivity-i-shaykh-yasir-qadhi/.

[10]معجم العربية – الإنجليزية تأليف إدوارد وليام لين. http://www.tyndalearchive.com/tabs/lane/ ص. 321.

[11]أبو أمينه بلال فيليبس. الخلاص بالتوبة (منظور إسلامي). الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية العالمية. ص. 1

[12] “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ. [القرآن 32:7]

[13] “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا.” [القرآن الكريم 31:2]

[14][القرآن الكريم 7:11-18]

[15]أبو أمينة بلال فيليبس. الخلاص بالتوبة (منظور إسلامي). الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية العالمية. ص 13-14

[16]أبو أمينة بلال فيليبس. الخلاص بالتوبة (منظور إسلامي). الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية العالمية. ص 3-4

[17]صحيح مسلم، رياض الصالحين، الكتاب 1، الحديث 423

[18]جامع الترمذي، المرجع الإنجليزي: المجلد. 4، الكتاب 12، الحديث 2526، المرجع العربي: الكتاب 38، الحديث 2717

[19]هذه إشارة إلى الغفران المطلق في الآخرة. وسنتناول لاحقًا العفو بين البشر والظلم الواقع بينهم، وذلك في إطار الجوانب العملية للتوبة التي تتعلق بالخطايا في ظل حقوق الإنسان.

[20]حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } قَالَ ” يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ـ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ـ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ” صحيح البخاري 2753، مرجع في الكتاب: الكتاب 55، الحديث 16 USC-MSA على شبكة الإنترنت (باللغة الإنجليزية) المرجع: المجلد 4، الكتاب 51، الحديث 16

[21] أبو أمينة بلال فيليبس. الخلاص بالتوبة (منظور إسلامي). الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية العالمية. ص 15 – 19

[22] محمد علي محي الدين. دراسة مقارنة الأديان اليوم. نيويورك: فينتاج بريس، 1985.https://s3.amazonaws.com/compressed.photo.goodreads.com/documents/1329911133books/13487787.pdf ص. 49-50.

[23] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً.“[القرآن الكريم 4:116]

[24] روى البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ، رضى الله عنهما، أنه قال أَنَّ قَوْمًا، كَانُوا قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا وَانْتَهَكُوا فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً.‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏هذه الآية

[26]عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ “سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ”. قَالُوا وَلاَ، أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ “وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ “. صحيح البخاري: 6467، مرجع في الكتاب: الكتاب 81، الحديث 56، USC-MSA على شبكة الإنترنت (الإنجليزية) المرجع: المجلد 8، الكتاب 76، الحديث 474

[27] “الخطيئة الأصلية.” الخطيئة الأصلية -الموسوعة العالمية الجديدة.

 http://www.newworldencyclopedia.org/entry/Original_sin 

[28] “يتبلور الاعتقاد المسيحي في أن يسوع (عليه السلام) مات على الصليب لإنقاذ مريديه وطمس” الخطيئة الأصلية “التي ارتكبها آدم (عليه السلام) والإيمان المحض بيسوع بأنه ابن الله (صلى الله عليه وسلم) الذي يتصرف باسم الله وبالنيابة عن الله من خلال الرباط المقدس للثالوث وحده، وتحريرهم من كل الخطايا”. محي الدين محمد علي. دراسة مقارنة لأديان اليوم. نيويورك: فينتاج بريس، 1985.https://s3.amazonaws.com/compressed.photo.goodreads.com/documents/1329911133books/13487787.pdf ص. 51.

[29] أبو أمينه بلال فيليبس. الخلاص بالتوبة (منظور إسلامي). الرياض، المملكة العربية السعودية: دار النشر الإسلامية العالمية. ص. 16-17

[30] تعليم قواعد الدين المسيحي في الكنيسة الكاثوليكية Intra Text. http://www.vatican.va/archive/ENG0015/__P1C.HTM 

[31] “هل يمكنني أن أقدم المساعدة.” المنبوذون والنبوءات.https://www.dalitsolidarity.org/dalits-and-untoucchability.html 

[32]م. س. ستيرن، “محمد الغزالي: التوبة. نيو دلهي: ستيرلنج ببليشرز للنشر، 1990، ص. 22.

[33]سنن ابن ماجه، المرجع باللغة الإنجليزية: المجلد 1، الكتاب 5، الحديث 1275، المرجع العربي: الكتاب 5، الحديث 1334.

علاوة على ذلك، “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ”. [القرآن الكريم 104:3]

[34] “وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ” (“الغرور” هو الشيطان، كانت هذه وجهة نظر ابن عباس والمجاهد والضحاك وقتادة. الشيطان فالشيطان يعدهم ويمنيهم وما يعدهم إلا غرورا “أي يثير فيهم رغبات زائفة، وليس هناك ضمان على ذلك، كما قال الله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً [4: 120] “تفسير ابن كثير – المرجع الإنجليزي [31. لقمان – الآية: 33]http://www.recitequran.com/en/tafsir/en.ibn-kathir/31:33 

[35]صحيح البخاري 1385، مرجع في الكتاب: الكتاب 23، الحديث 138 USC-MSA على شبكة الإنترنت (الإنجليزية) المرجع: المجلد 2، الكتاب 23، الحديث 467

[36] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يَفِيقَ”. سنن النسائي 3432 وفي رواية أخرى: “إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ”. سنن ابن ماجه 2043

[37]سنن ابن ماجه (4250)

[38]شرح العمدة (4/39)

[39]صحيح مسلم (121)

[40]فراس الخطيب. “من هم الخوارج؟” التاريخ الإسلامي المفقود. 30 أكتوبر 2017. http://lostislamichistory.com/who-were-the-kharijis/ 

[41]م. س. ستيرن، “محمد الغزالي: التوبة. نيو دلهي: ستيرلنج ببليشرز للنشر، 1990، ص. 38.

[42]“العقدة للإمام الطحاوي. باللغة الإنجليزية والعربية.” الإيمان بالله. 22 مايو 2016. تم الاطلاع في 06 نوفمبر 2017.https://abuaminaelias.com/aqeedah-of-imam-tahawi/.

[43]م. س. ستيرن، “محمد الغزالي: التوبة. نيو دلهي: ستيرلنج ببليشرز للنشر، 1990، ص 56-65.

[44]مسند أحمد 22302

[45]تفسير الطبري 9207

[46]رسالة في التوبة، جمال الدين زرابوزو، تزكية النفس: المفهوم، والعملية، والوسيلة. دنفر، كولورادو: البشير للنشر والترجمة، 2002. ص. 382

[47]معجم العربية – الإنجليزية تأليف إدوارد وليام لين.http://www.tyndalearchive.com/tabs/lane/ ص. 2274.

[48]معجم العربية – الإنجليزية تأليف إدوارد وليام لين.http://www.tyndalearchive.com/tabs/lane/ ص. 2094.

[49]م. س. ستيرن، “محمد الغزالي: التوبة. نيو دلهي: ستيرلنج ببليشرز للنشر، 1990، ص. 59.

[50]البخاري ومسلم، رياض الصالحين، الكتاب الأول، الحديث 419

[51]صحيح مسلم 2753

[52]البخاري ومسلم، رياض الصالحين، الكتاب الأول، الحديث 1

[53]البخاري 5269

[54]البخاري 6491

[55]قال النبي صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ”. سنن ابن ماجه، المرجع باللغة الإنجليزية: المجلد. 5، كتاب 37، الحديث 4253. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم “من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه”. صحيح مسلم 2703

[56]المعجم، المجلد 10، ص. 88، جمال الدين زارابوزو، تزكية النفس: المفهوم، والعملية، والوسيلة. دنفر، كولورادو: البشير للنشر والترجمة، 2002. ص. 386-387.

[57]جامع الترمذي 55

Avatar

Roohi Tahir

Roohi Tahir has a BS with honors in Computer Engineering from Boston University and is a graduate of the BMAIS higher Bridge to Masters diploma and currently pursuing a Masters degree in Islamic Studies from the Islamic Online University. She is also the Founder and instructor of Nourish Your Soul, a platform for Islamic education.