Yaqeen Institute for Islamic Research
how-the-prophet-rose-above-enmity-and-insult-heroimage

كيف تَعالَى النبىُّ ﷺ عنِ العداوةِ والإهانةْ

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ نفي النبوة عن الرسول [1] هي دعوة إلى التشكيك  في الرسالة بأكملها . ففي زمانه، رماه المْكّيونْ -من جملة ما وُصِف به- بأنه شاعرٌ أو ساحرٌ، أو مجنون، أما اليوم، فيُساءُ إليه لكن بمسمياتٍ أُخَر. ولربما الإساءةُ الأكثر إثارة للاستياء والتى صُممت لتقليل من قوه الانجازات والانتشار القويِّ لدعوته، وهى أنه تغلب على أعدائه بالإرهاب فقط ليستبدهم.إن تفاصيل حياه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومسيرته العسكريَّة، بجانب عاداته وتقاليده، هنَّ بمثابة الأسس التي انبثقت منها  معظم  الأحكام حول بعثته. ويتم النظر إلى الإسلام ككلٍ من خلال هذه التصورات أو التكييفات إما كدين سلامٍ، أو دين حربٍ، ويكون ذلك تبعاً للتفسير المتَّبع للرسول ورسالته. والمقالات النقدية المعاصرة لبعض تعهدات النبى صلى الله عليه وسلم ترمي إلى التشكيك في رحابة الإسلام في الصراعات المختلقه المستمرة بين الحضارات، والتي تغذِّي كلاً من كارهي الإسلام والمتطرفين.
ويشير مايكل بونر إلى أن: “العديد من هذه الاعتراضات الحديثة عن التأريخ، وعن ظهور الإسلام وجذور الجهاد بشكل عام، قد بدأت فى القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين الأوساط الأكاديمية الأوروبية لمتخصصين في دراسة الشرق، والذين يشار إليهم عادةً بالمستشرقين”.[2] ويسترسل مشيراً إلى أن الباعث وراء هذه الاعتراضات لا يمكن فصله عن “انخراطهم [أى المستشرقين] فى المشروع الاستعماري”[3]

ولا يخفى أنه من خلال تصوير النبى صلى الله عليه وسلم على أنه بربريٌّ، فسيُعامَل أتباعُه تباعاً على أنهم هيئة سياسية تأصَّل فيها العنف والتي من شأنها توظيف أي وسيلةٍ ضروريةٍ لتحقيق الهيمنة العالمية.

ومما لا شك فيه، أن محمداً صلى الله عليه وسلم نجح في امتلاك قوةٍ غير مسبوقةٍ على الرغم من عقود الاضطهاد. وفي هذا كتب مايكل هارت الشهير الذي يعتبر النبي محمد  الرجل الأكثر تأثيراً فى التاريخ:
“إن اختياري لمحمدٍ ليتصدر قائمة (أكثر الأشخاص تأثيراً فى العالم) قد يفاجئ بعض القرَّاء، وقد يريب ذلك آخرين، ولكنَّه كان الرجل الوحيد فى التاريخ الذي استطاع أن ينجح نجاحا ساحق على الصعيدين: الديني والعلماني”[4]

وتتطلب مسألة ما إذا كان قد ضحَّى بمبادئه في سعيه لذاك النجاح نظرةٌ عميقةٌ فى ثباته وصلابته -أو افتقاده لهما- فى مختلف الظروف السياسية.

“كان خُلُقُهُ القرآن”

 كان هذا ما وصفته به السيدة عائشة رضي الله عنها..
فقد عَمِل بكلِّ ما كان يدعو إليه، بل كان صلى الله عليه وسلم تجسيداً للرسالة نفسها؛ فكل آيات النعم، والأخلاق، والجمال تجسدت فى صورته. فعندما يقول الله تعالى: {
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [سورة فصلت، الآية رقم 34] فإنه في مثاله نجد كيف نتسامى عن كل شرٍ قد نواجهه، لا سيّما تجاه مظهري العداوة لنا.

والشر أمرٌ نسبيّ.. وكذلك ردة فعلنا تجاهه. وتأسيساً على ذلك، كل حادثٍ فريدٍ مر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، في الأصل يتطلب ردة فعل مختلفةٍ أيضاً. لكن الثبات الذى اتخذه النبيَُ بموجبه أنبل وأرقى تصرف فى كل حادثة هو ما كان واضحاً كالبدر، وهو ما جعله عليه الصلاة والسلام مستحِقَّاً لكل توقيرٍ ومهابةٍ وإجلال.  

ويدَّعِي كارهي الإسلام أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤلِّف القرآن بنفسه، وبالتالى، أصبح القرآنُ أقل تسامحاً بالتوازى مع ازدياد قوته [أى النبىّ]. أما المسلمون فيحآجُّون بأن النبىَّ صلى الله عليه وسلم كان تجسيداً للقرآن الذى هو كلام الله تعالى، وأنَّ كلاً من شخصيته ولفظُ القرآن كانا فى بهائهما ورونقهما: ثابتين متناغمين. فآياتُ القتال لم تتنزل إلا بعد الهجرة؛ ذلك لأن الحروب لم تقع إلا بعد أنْ تولى النبى صلى الله عليه وسلم دور رئيس الدولة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أبرز الآيات وأشهرها عن التسامح، مثل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [سورة البقرة، آية رقم: 256] قد تنزلوا أيضاً بعد الهجرة.

رُبَّ ضارَّةٍ نافعة

“إذا لم نذق صقيع شتاءٍ مظلمٍ قط، فلن نُقدِّر دفء يومٍ صيفيٍّ مشرقٍ أبدا”[5]
بينما نحن مغرقين أنفسنا في تلمُّس كيف أنَّ النبيَّ محمد صلى الله عليه وسلم عامل أعدائه بشهامة، وكيف رد على عقودٍ من التعدي وكيف إنه استطاع  أن يتجاوز عن  الإصابات و الإهانات د والتجريح بلا هوادة، إذ بنا نصل إلى عددٍ من ومضاتٍ صارخةٍ من المدرَكات، والتى من بينها أن كره الإسلام وما يلحق به من بث الخوف في أفئدةِ الناس منه هو خيرٌ كامنٌ في شر؛ فالسيل الغزير من المفتريات على رسول الله صلى الله عليه وسلم كإكراهه الناس فى الدين،[6] أو كونه شخصٌ انتهازيٌ عديم المبادئ،[7] كل ذلك في النهاية يُرغمنا على إعادة إكتشاف شخصيته من جديد.

وإنَّ أيَّ قارئٍ حياديٍّ لسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم – سوف يكتشف سريعاً أيٌّ من تلك اللقطات المقتطفة من حياته غير أمينةٍ فى عرضها، وأيٌّ منها كان تصويراً لممارساته الطبيعية، وأيٌّ منها كان استثناءً من القاعدة. وفي الحقيقة -وبقراءة المرء منا أكثر- يدرك أنّ حتى هذه الاستثناءات لا يستقيمُ أن تكون ولو سقطاتٌ طفيفةٌ في شخصيته، بل إنما تعد بعداً آخر في شخصيته الرفيعة ورحمته العالمية والتي يفشل البعض منا ببساطة فى إدراك كنهها.

أُعِدّتْ الصفحات القادمة خصيصاً لوضع القُرآء على مُبتدَى هذه الرحلة، ولتسمو بهم فوق المعلومات السطحية والتفسيرات الماكرة للنبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذى وصفه الله تعالى بأنَّه: {رَحْمَةً لِلْعَاْلَمِيْن} [الأنبياء (21): 107]، و أنَّه {عَلَى خُلُقٍ عَظِيْم}[القلم (68): 4].

ولقد جمعنا سبعين أثراً تسامى النبيُّ فيهم عن العداوة والإهانة. وقبل أنْ نفنِّد الحوادث الثلاث أو الأربع التى استخدمها أولئك الذين يتمنون تصويره كانتهازيٍّ عنيف، فإنِّه لمن الأهمية بمكانٍ أن يُسلَّط الضوءُ على هذا العدد الهائل من الآثار والذي يخيط في أذهاننا تصور شموليّ عن معاملاته، وسياساته… وغيرها. وكل أثرٍ قد أعيد صياغته اختصاراً، لكن مراجع الروايات الأصلية قد زُيِّلت (كمصادر مواد) لأولئك الذين يرغبون في التنقيب عن مزيد من الفوائدٍ في هذه المأثورات.

والغاية الأسمى من ذلك هو أن نشكل أساساً ندرك به كيف دأبَ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم على ضرب المُثُل فى النبْل والشرف إذا ما أُهين أو هوجم. فبهذه الصورة الشمولية فقط يمكننا أن نحلل بدقة ما قد يبدوا أن يكون أثراً مستثنى.

وهناك هدفٌ آخرٌ من ذكر تلك الباقة من الآثار، وهو حَثُّ أتباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم لإظهار الرحمة والإحسان، تماماً مثل نبيهم عليه الصلاة والسلام. فبالتأكيد، كل القسوة والعصبية التي رُمي بها أتباع محمد صلى الله عليه وسلم اليوم تتلاشى بالمقارنة مع الهجمات الوحشية التي تحمَّلَها. وكما يؤلمنا أن نراه يُهَان، فكم سيؤلمه أيضا عليه الصلاة والسلام أن يرانا نرد بطرقٍ تهين تراثه.

عَقْدٌ مأساويٌّ في مكة

بمجرد أن بدأ النبيُّ محمداً صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الإسلام علناً ، وجد أتباعه الأقلاء أن محض إعلان إسلامهم يعني مواجهة مختلف ألوان العذاب الوحشيِّ، حتى الإعدام. فهاهم شرفاء مكة، أمثال سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه)  قد ضُربوا في الشوارع حتى الإغماء. أما العبيد منهم أمثال سيدنا بلال بن رباح وصهيب بن سِنَان (رضي الله عنه) فقد صُفِّدوا بالأغلال وتُركوا لتنسلخ جلودهم فى ظهيرة شمس الصحراء. وأول من استشهد كانت سُمية بنت الخياط (رضي الله عنها) والتي قُتلت بطعنة رُمحٍ في حوضها.. وابنها، عمَّار بن ياسر (رضي الله عنه) فقد عذب بالنار -كمثل آخرين كُثُر- حتى أظهر لهم ردته عما صبأ إليه لفظًا.[8] وهذا خبَّاب بن الأَرَطُّ (رضي الله عنه) أُجبر على التمدد على فحم يشتعل حتى بانت رائحة جلده وهو يُطهى.[9] وبعض هذه الفواجع إنما صُعِّدت كلما تقدم بهم هذا العَقْد المأساويُّ أكثر.

أما بالنسبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسه، فإن الإذلال الذي تجرعه من وثنيِّي قريشٍ كان غاشماً.. فلم تتوانى لهم فرصة لتشويه سمعته أمام الناس إلا واستغلوها، أما بناته فطلقوهنّ، وأما عشيرته جمعاء فلثلاث سنواتٍ تم تشريدها وتجويعها.

وأما عن الانتهاك البدني، فقد حاول عُقْبة بن أبي معيط خنقه من وراء ظهره بينما كان يصلي بين الناس.. أما أبو جهلٍ فقد أمر أن يُلقي على بدنه الشريف سلا الجذور [أي أمعاء الإبل]  بينما هو ساجد.. بَصَق عليه عُتَيْبَة بن أبي لهب..  وضربه آخرون حتى أن فقد وعيه..

ويمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات العديدة من فترة الاضطهاد هذه. فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم قد انتهج ضدهم -بوضوح- سياسةً من المثابرة والرد السلمي تجاه سلسلة الاستفزازات المتكررة من قريش. هذه الاستفزازات زادت خطورةً كلما ازداد إحباط قريش لفشلهم في إيقاف دعوته؛ فقد كان له جمهور توَّاقٌ منصتٌ وفي ازديادٍ على الرغم من كل الجهود المبذولة لغرس الخوف من هذه الدعوة. فأبو لهب -وهو أحد أعمامه- بدأ برميه بالإهانات من اللحظة التي بدأ فيها دعوة أفراد عشيرته من فوق جبل الصفا بالقرب من الكعبة، وهو مكان يستخدم عادةً في مخاطبة الناس.[10] هذه الحادثة مهدت الطريق لتطبيع الإهانة الجماهيرية للمسلمين، خصوصاً إذا ما ارتُئوا يصلون في حرم الكعبة.[11] 

{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)}
[الشعراء(26)].
[12]

قامت قريش بجهودٍ متضافرةٍ -نظرت للمسلمين خلالها على أنهم جناةٌ متمردون لتخليهم عن الوثنية دين آبائهم- وذلك لمنع أي من قدروا عليه من الاستماع لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم. وكان هذا واقعاً داخل مكة وخارجها على حد سواء، إذ أنَّ الناس الذين يرتادون مكةً المكرمة من جميع أنحاء الجزيرة العربيه للعبادة والتجارة قد بدأوا بالإتصال به وبرسالة الإسلام. ومن هذه الجهود ما فعله الوليد بن المُغِيرة -أحد أثرياء مكة وتاجرٌ ذو نفوذٍ عالٍ- ففي مجلسٍ لقادة القبائل أطلق حملة تشويهٍ لمحمد، وفيها أوصى بخطةٍ لاتهام محمدٍ بالسحر كوسيلةٍ لتحذير الناس من تأثير بيانه الساحر على الذين استمعوا له وهو يقرأ القرآن.[13]


وهناك آثارٌ أخرى خُلِّدت فى القرآن
[14] لجهودٍ دعائيةٍ إضافيةٍ تتهمه بالكذب، والجنون، والمسّ، وحتى بكونه شاعراً قد فتن الناس وتلاعب بهم لكي يتبعوه.

{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)} [القلم(68)].

{وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)} [ص (38)].

ومع تألُّمه لرؤية معاناة أتباعه بلا أي قدرةٍ علي حمايتهم من الاذي، كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه في غاية الأسى بسبب عجزه عن إقناع مجتمعه كله والذي من بينه العديد من أفراد عشيرته. وعلى الرغم من كل ذلك، كانت استراتيجيته متأنية: وهي دعوة الناس، مختاراً أن يلمس أوتار فضائلهم ورشدهم على أن يشعل فتيل العنف المحتمل والمدمر. فالناظر من عدسة المجتمع القَبَليٍّ يجد أنَّ واحدةً فقط من استفزازات قريش هذه كانت لتصبح سبباً كافياً لقيام حربٍ بين القبائل المتورطة. ورغم ذلك، رأينا إيماناً وضبط نفسٍ فرديٍّ وجماعيٍّ غير مسبوقٍ، ومثابرةٍ لم تكُ لتُدرَك إلا بروحٍ عظيمةٍ، وبصيرةٍ أخلاقيةٍ حادة؛ هذه البصيرة كانت أساس استراتيجية قيادية للإصلاح والتي كان محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- يبنيها أثناء مكوثه في مكة.


وكانت هذه المعاناة  في زمنٍ لم يكن للنبيِّ ولا لأتباعه الإذن الإلهي بحمل السلاح فيه، ولا حتى كوسيلة دفاع. ولأن المسلمين كانوا قلةً يعيشون في مدينة يعاديهم أغلبها، كانت الحرب لتدمر تلك القلة التي التحقت بصفوف المسلمين حتماً، بالإضافة إلى القضاء على أي فرصةٍ لبناء هذا المجتمع الناشئ. ففي ضوء النظام القبلي الذي نشأت عليه قُرَيش، لم يكُ من السهل أبدأ أن يُحَارَب المسلمون بتلك البساطة؛ لأن محمداً وأتباعه لم يكونوا من عشيرةٍ واحدةٍ وإنما كانوا من عشائر متفرقة، بل وكان من بينهم أيضاً شباب أكثر القبائل ثراءً وقوةً، ولذلك كانوا محصنين. وبالأحرى، كانت الحرب في هذه المرحلة لتستوجب مشاركةً على نطاقٍ واسعٍ من العديد من العشائر، حتى ليكون الحلفاء وأفراد العائلات يومئذٍ ضد بعضهم. وفي ذلك نوَّه الصلاَّبي: “وفي ظل تلك الظروف، انتشر الإسلام بين العشائر بلا أي آثارٍسلبيةٍ ناجمةٍ عن الولاء القَبَلي”. 
[15]

وأخيراً، أفلت النبيُّ محمدٌ من هذا الاضطهاد بالهجرة مع أصحابه إلى المدينة، مسطِّراً ورائه في صفحات التاريخ إرثاً منقطع النظير من العفو والصفح، والتعامل بكرامه وشرف مع أعداء الواحد منا.  ومن الحياة الأكثر إشراقاً في تاريخ البشرية، نذكر أدناه بعضاً من هذه الآثار:

1. دع الملائكة يرُدُّون عنك:

على الرغم من تأكيد القرآن على حقيقة أن إهانات قريش[16] للنبي صلى الله عليه وسلم قد عصرت قلبه ألماً، فلم ينزلق ليبادلهم بمثل ما أهانوه به أبداً. وعلى العكس، اتخذ النبي الطريق الأسمى بعدم الرد على الإطلاق، راجياً أن يخترق ذلك في يومٍ من الأيام أغشية قلوبهم القاسية، مصداقاً لأمر الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} [فصلت (41)].

في إحدى المناسبات، ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم بصمتٍ لما امتنع أبو بكرٍ الصديق (رضي الله عنه) -صاحبه الأكثر نبلاً- من الرد على شخصٍ سبَّه، ولكن لما فاض بأبي بكرٍ الكيل فرد عليه، غضب النبيُّ وقام. ثم بعد ذلك قال موضحاً: “إِنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَرُدُّ عَنْكَ ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ ، وَوَقَعَ الشَّيْطَانُ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْلِسَ”.[17]
علمنا هنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما ننزل إلى مستوى شخص أهاننا، فإننا نسمح للشيطان أن يقود دفَّتنا. وإن إحدى مبادئ التزكية الإسلامية هى ألا نسمح للشيطان بتخطف مشاعرنا وتصرفاتنا للنقطة التي تكون فيها قراراتنا موجهةٌ على غير مراد الوحى.
وفي مواجهة ذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم طرقاً متنوعةً، مثل: الاستعاذة بالله من الشيطان، أو تغيير وضعية البدن ليكون أقل حدة، أو أن نتوضأ…إلخ. فنستعين بذلك على إبقاء رباطة جأشنا عند الغضب. فنحن نميل أثناء الغضب إلى الرد بشكلٍ متكبرٍ، شيطانيٍّ لا لشئٍ إلا إرضاءً لغرورنا وانتصاراً لأنفسنا. وليس كل غضبٍ مذمومٍ، فالغضب الذي له محلٌ مشروعٌ أمرٌ لا مرد له، ولكن يُكتَم إذا كان المرء منا قد أُغلق عليه. ولهذا انتصر النبي صلى الله عليه وسلم على أي محاولةٍ من أعدائه لاستفزاز مكامن الكذب والبذاءة أو أي أمرٍ لا يليق بشخصه النبيل.

2. ضلُّوا في سبِّهم:

 كانت أروى بنت حرب (المعروفة بأم جميل، زوجة أبي لهب) تقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم بغية أذيته وإذلاله، وكانت تتهكم فيه بقولها: “مُذَمَّمُ أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا”. وبدلاً من أن يرد عليها، كان عليه الصلاة والسلام يُسَلِّي نفسه بإخبار أصحابه: “أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؛ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ”.[18] فهدَّأ الموقف بسرعة وأوجد سبباً للتفاؤلِ في وقتٍ بدا من المستحيل فيه رصد أيّ بصيصٍ له. ونحنُ أيضاً يجب أن نرى أن الأفلام الكارتونية والرسومات التي يدَّعي البعض مماثلتها للنبي هي في الحقيقة بعيدةٌ تمام البعد عن نبينا الحبيب.

3. الدعاء بهدايتهم، واستئناس خيريَّتِهِم:

كان عمرو بن هشام (والمعروف بأبي جَهْل) عدو النبي اللدود حتى لُقِّب بفرعون هذه الأمة. وعلى الرغم من إلحاق الجروح البدنية والنفسية برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من كسره لعظام أصحابه، وأخيراً قيادة أول جيشٍ ضدهم، فعلى الرغم من كل ذلك كانت هدايته مسكناً لرجاءِ النبي.. فكان عليه الصلاة والسلام يدعو بمكة أن “اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ [أي عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام]”. وفي صباح اليوم التالي، اعتنق عمر بن الخطاب الإسلام.[19]
فبالرغم من كون أبي جهلٍ فرعون المسلمين، فمازال عند النبي قلبٌ ليدعو له، وبصيرةٌ يَنْفُذُ بها لإدراك صفاته القيادية الواعدة والتي يمكن أن تُوظَّف في الخير.

4. رفع العذاب الإلهي عنهم:

“إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ ‏”‏ اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ ‏”‏‏.‏ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، [فنزلت بعض آياتٍ من سورة الدخان] فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسُقُوا الْغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ فَقَالَ ‏”‏ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا ‏”‏‏.‏ فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ‏”.‏ لكن بمجرد أن استسقوا وأصبحوا آمنين، انقلبوا على أعقابهم إلى الرفض والتمرد.[20] 

5. رحمته في أشد يوم في حياته :

 رَوتَ عَائِشَةُ (رضي الله عنها) زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ‏ “‏ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَىَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا‏”‏‏.[21]
وفي رواياتٍ أخرى:  أنّه عليه الصلاة والسلام قبل ذلك الموقف مكث عشرة أيامٍ يدعو في الطائف، فما ترك أحدًا إلا كلَّمه في الإسلام، حتى احتشد سفهاءهم وغِلْمَانَهُمْ ليطردوه، فَصَفُّوا أَنْفُسَهُمْ صفين خارج الطائف، وارغموه وصاحبه زيدًا على المرور بين الصفين، وجعلوا يقذفونهما بالسب بالحجارة، حتى سالت الدماء من قدميه الشريفتين، وشُجَّتْ رأسُ زيدٍ بن حارثة!
[22]

6. أكثر أملاً  في القبيلة من قائدها نفسه:

 لما زار الطفيل بن عمرو (رضي الله عنه) مكة، كان خائفاً من أن يُسحر من النبي -صلى الله عليه وسلم- لدرجة أن حشا أذنيه قطناً أثناء طوافه بالكعبة. ومع ذلك، اعتنق الإسلام بعد فترةٍ وجيزة. ولما عاد إلى قومه مبلَّغاً إياهم الرسالة، تجنَّبوه وأصروا على معاندته. وروى أبو هُرَيْرة (رضي الله عنه) أنه عاد للنبي فقال: “يا رسول الله إن دَوْسَاً قد عَصَتْ [أى رفضت دعوتك]، فادع عليهم”. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهد دوساً وأتِ بهم [أي مسلمين]”.[23] وبعد ذلك بعَقدٍ من الزمان، هاجر الطُفَيْل بن عمرو (رضي الله عنه) إلى المدينة مع ثمانين عائلةٍ أسلموا حديثاً.

7. صونُ ودائعِ مضطهديه:

 كان لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى مكة ودائع لمضطهديه يحرسها. ولم يُسَاوم على نزاهته قط، حتى على الرغم من أن أولئك الأفراد قد طردوا أصحابه وأخضعوهم لألوانٍ من الإضطهاد.
قالت عائشة 
(رضي الله عنها):”وَأَمَرَ [تَعْنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ “.
ولم يكن أحدٌ بمكة -حتى أعدائه- بخائفٍ على منقولاته لا لشئٍ إلا لأنه أودعها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِمَا عرفوه عنه من أمانةٍ ووفاء. ولذلك، مكث عليٌّ 
(رضي الله عنه) لثلاثة أيامٍ بلياليهنّ لرد أمانات الناس عند رسول الله صلى الله عليه سلم ثم لحق من بعدُ بالنبيِّ بعد آداءه المهمة.[24]

8. النَّزاهةُ في لحظات اليأس:

كان سُرَاقةُ بن مالك (رضي الله عنه) من صائدي الجوائز، وكان يسعى وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- أثناء هجرته إلى المدينة، فلما دنا منهم، أعرب أبو بكرٍ عن خوفه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما دعا رسول الله: “اللَّهُمَّ اكْفِيْنِيهم بما شِئْتَ”. سَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ؛ فَادْعُ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا؛ فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ”. قَالَ: “لاَ حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ”. ودعا له حتى أُطلق سراحه وعاد إلى قومه.[25] 

استمرار الإرث بالمدينة.

التمس النبي (صلى الله عليه وسلم) الحماية باستمرار من أنصاره في القبائل الأخرى. فاستجاب أهل يثرب (المدينة المنورة حالياً) والتقوا النبي (صلى الله عليه وسلم) سراً خلال موسم الحج بمكة. وقد عاهدوا النبي (صلى الله عليه وسلم)  خلال هذا اللقاء واقترحوا أن يهاجموا المطمئنين الآمنين من أهل مكة ليلاً. ولكن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) رفض موضحاً أن مثل هذا الفعل لا يليق برسالته. وقد أحبط رفض النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حمل السلاح ضد الطبقة الحاكمة بمكة، حتى بعضاً من أشد أنصاره وفاءاً. وقد عبّر الخبّاب بن الأرت، وهو واحد ممن عذبوا عذاباً شديداً لدخولهم الإسلام، عن ذلك قائلاً: “قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ “‏كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”.‏‏[26]‏        

ومن المثير للاهتمام أن نشير إلي أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يعد أنصاره أبداً بأي ضمانات ذي حافز مادي لكي يدعموه بل وعدهم بثواب الآخرة فحسب. وقد كان الإخلاص الذي حظي به النبي من القليل من أنصاره، الذين لم يحصلوا على أي فائدة دنيوية من إتباعه، قوياً للغاية لدرجة أنهم أصبحوا معروفين بعدم هروبهم أبداً في أرض المعركة.[27]     

وقد فرّ النبي (صلى الله عليه وسلم) من الاضطهاد الذي تعرض له في مكة ودُعي إلي حكم المدينة المنورة. وتحول النبي عملياً بين عشية وضحاها من فاّر إلي حاكم وعدّل استراتيجياته تبعاً لذلك:

مثّلت الهجرة نقطة تحول في حياة سيدنا محمد ومرحلة جديدة في تاريخ الحركة الإسلامية. فقد أخذ الإسلام شكلاً سياسياً بإقامة دولة المجتمع الإسلامي بالمدينة المنورة. تنعكس أهمية الهجرة في اعتمادها كبداية للتقويم الإسلامي. وفي المدينة، سنحت الفرصة لمحمد أن يقيم إرادة الإله ورسالته فقد أصبح الآن النبي القائد لمجتمع ديني سياسي. فقد استطاع النبي تحقيق ذلك بتأصيل قيادته في المدينة، وإخضاع مكة، وترسيخ الحكم الإسلامي على بقية الجزيرة العربية بسبل دبلوماسية وعسكرية. فقد أتى محمد إلي المدينة كحكم أو قاضٍ للمجتمع ككل، المسلمين منه وغير المسلمين على حد سواء.[28] 

وبعيداً عن سن سياسة الثأر والتعصب، طبّق النبي (صلى الله عليه وسلم) نظام الرحمة والذي كان على طرفي نقيض من القسوة التي تعرض لها النبي وأنصاره في مكة.    

9. النهي عن التعدي بالألفاظ:

كان عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ (المعروف أيضاً بابن سلول) رأس المنافقين في المدينة المنورة وكان دائم التخطيط لتقويض سلطة وتأثير النبي (صلى الله عليه وسلم). فبعد وصول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلي المدينة بفترة وجيزة، مر بجوار جماعة من بينهم ابن سلول وبدأ في دعوتهم للإسلام. فَقَالَ ابن سلول بوقاحة: “أَيُّهَا الْمَرْءُ لاَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلاَ تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ”‏.‏ وفي رواية أخرى: “قَالَ إِلَيْكَ عَنِّي فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ”.‏ قَالَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهُمْ ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ ‏”‏أَىْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ – يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ – قَالَ كَذَا وَكَذَا”‏‏.‏ قَالَ اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصْفَحْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ”.‏[29]‏ فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم)‏ واستمر أيضاً في العفو عنه في مناسبات عديدة لاحقة.‏  

10. الله يُحب الرفق:

استأذنَّ رهط من الْيَهُودَ في المدينة أن يدخلوا على النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ‏.‏ قَالَ ‏”‏وَعَلَيْكُمْ ‏”‏‏.‏ فَقَالَتْ عَائِشَةُ “السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ‏”.‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏”‏يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوِ الْفُحْشَ‏”‏‏.‏ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ ‏”‏أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ‏”.[30]‏‏‏ واللافت للنظر، أنه بالرغم من وجود النبي (صلى الله عليه وسلم) في مركز قوة، لم يسع إلي القصاص أو الرد بالمثل، بل ولم يترك زوجته ترد بقسوة على من أهانه (صلى الله عليه وسلم).

11. لم يزده الأذى إلا سمواً:

كان زيد بن سعنة (رضي الله عنه) حبر عظيم من أحبار يهود المدينة. وعندما شاء الله له الهداية، فكر زيد في اختبار النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن يقرضه 80 مثقال (وهو ما يعادل 350 جراماً) من الذهب لفترة محددة من الزمن. وقبل حلول موعد أداء الدين بأيام قليلة، جذب زيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مجامع ثوبه، وشده شداً عنيفاً أمام كبار الصحابة. وقال له بغلظة: أوفِ ما عليك من الدين يا محمد، إنكم يا بني هاشم قوم مطل ـ أي: تماطلون في أداء الديون. فقال الرسول (عليه الصلاة والسلام) لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الذي غضب غضباً شديداً مستأذناً الرسول (صلى الله عليه وسلم) بضرب عنق زيد: “يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلي غير ذلك … اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين (32 كيلوجرام) صاعاً من تمر مكان ما رعته”، وقد كان هذا الجواب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو ما أقنع زيداً باعتناق الإسلام. فقد قال لعمر فيما بعد: “لم يكن من علامات النبوة شيء إلا قد عرفت في وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين نظرت إليه- إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، فقد اختبرتهما، فأخبرك يا عمر: أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد –صلى الله عليه وسلم- نبياً، وأشهدك أن شطر مالي –فإني أكثرها مالاً- صدقة على أمة محمد- صلى الله عليه وسلم”.[31]

12. مستطلع الأخبار لقريش:

وفي الطريق إلي بدر، تمكن المسلمون من أسر رجلاً ممن يقومون باستطلاع الأخبار لقريش وقدِموا به إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يصلي. وعندما بدأ الصحابة في تعنيف الرجل وضربه أثناء استجوابه عن أخبار قريش للإدلاء بمعلومات حيوية، سارع النبي (صلى الله عليه وسلم) بإنهاء الصلاة، وقال: “إذا صدقكم ضربتموه، وإذا كذبكم تركتموه!”.[32] فبالرغم من انتماء هذا الشخص لجيش معادٍ، وبالرغم من أن تعذيبه قد يكشف معلومات بالغة الأهمية عن نقاط ضعف العدو، تدخل (صلى الله عليه وسلم) لمنع ذلك. ولذلك، عندما سؤل الإمام مالك (رحمة الله عليه): “أيُعذّبُ الأسيرُ إن رُجِيَ أن يدلّ على عورة العدو؟ قال: “ما سمعنا بذلك”.[33] 

13. أفِ بوعدك:

وَقبيل غزوة بدر، جاء حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ (رضي الله عنه) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بمعضلة أخلاقية، فقَالَ إنه خَرَجَ هو وَأَبِيه فَأَخَذَتهمَا قريش، وأطلقت سراحهما بعدما أَخَذُوا مِنّهمَا العَهْدَ أَلاَ يقاتلا قريشاً مَعَ الرسول (صلى الله عليه وسلم). وعلى الرغم من احتياج جيش المسلمين للعدد وكونهم على وشك مواجهة جيش يزيد عن تعدادهم ثلاث مرات، فقد أمر رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) حذيفة بالذهاب إلي المدينة قائلاً: “‏انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ”.[34]‏‏ فلم تسمح أخلاق النبوة له (صلى الله عليه وسلم)، حتى وإن كان في موضع ضعف بالغ، بأن يتنازل عن مبادئه.

14. لا أمثل بأحد فيمثل الله بي:

عقب غزوة بدر، وجد المسلمون سهيل بن عمرو- الذي كان من قادة قريش اللامعين وخطيباً هاجياً للإسلام- بين أسارى الحرب. ففرح سيدنا عمر (رضي الله عنه) بهذه الفرصة السانحة للثأر من عمرو واستأذن رسول الله قائلاً: “يا رسول الله، دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو حتى لا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم”، ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) أجابه: كلا يا عمر، لا أمثل بأحد فيمثل الله بي، ولو كنت نبياً”.[35] وفوق أكثر من ألفية سابقة لظهور المعاهدات المواثيق الدولية، رسخ نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) أحقية أسارى الحرب في التعامل معاملة إنسانية. وقد كان هذا 1300 عاماً قبيل تعريف الموقعين على اتفاقيات جنيف للمعاملة الإنسانية لأسرى الحرب. قم بمقارنة هذه السنة النبوية بالطرق المتعددة للتعذيب الجسدي والنفسي التي تقع في السجون اليوم. وفضلاً عن ذلك، أبرز النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من خلال الحديث السابق أن ما من سلطة -وإن كانت سلطة نبي- تُفلت من عبء المسائلة عن تعذيب من في رعايتهم.

15. غرائز الرحمة:

بالرغم من حث عمر (رضي الله عنه) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ضْرِبَ أَعْنَاقِ أسارى بدر، وقبيل نزول الوحي الذي صوب قرار النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر ميلاً للعفو عنهم- مفترضاً أن يكون هذا للخير الأعظم.[36] ففي واقع الأمر، أكد النبي (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه بعد غزوة بدر أن “اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا”.[37] وقد كان هذا على الرغم من أن هؤلاء الأسارى استهدفوا قتل النبي تحديداً وكانوا على استعداد للاحتفال على جثته محتسين الخمر.

   

16. إطعام الأُسارى:

يقول الله سبحانه وتعالى: “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا” (الإنسان 76: 8). ففي هذه الآية، يُخبر الله المسلمين أن إطعام الأسرى  من سُبل التقرب إليه عز وجل وأنه يجب عليهم أن يُقدموا لهم مما يحبون من الطعام -وليس طعاماً ذي جودة أقل، ولا بعد أن يكون المرء قد أشبع جوعه أولاً. فقد روى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن: “عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ‏”.[38]‏‏ وقال ابن عباس (رضي الله عنه): “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يُقدِّمونهم على أنفسهم عند الغداء”.[39] وقد قال زرارة بن عُمير (المعروف أيضاً بأبي عزيز)، وهو أخ لمصعب بن عمير من المشركين، وكان ممن أسر المسلمون يوم بدر: “فكانوا إذا قدموا غذاءهم وعشاهم، خصوني بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياهم بنا”.[40] ومن الطبيعي ألا ينسى أبو عزيز هذه المعاملة غير المتوقعة، ومن المؤكد أنها أثرت في قراره النهائي باعتناق الإسلام. ‏

17. الكسوة للأسارى:

يروي الإمام البخاري في باب اسماه “باب الكسوة للأسارى” في صحيحه أن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ـ رضى الله عنهما ـ قَالَ: “لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ (والذي كان طويلاً أيضاً) يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُ”[41]‏. وفي وقت لاحق من حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)،‏ قام الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى بإرسال رجلاً إلى مكة شراء نوع خاص من العباءات لأسرى هوازن.[42] 

18. التسامح في الفدية:

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يراعي الحالة المادية لكل أسير من أعدائه عندما كان يعطيهم فرصاً لتحرير أنفسهم. فقد دفع الأسارى الأغنياء كأبي وداعة وزرارة بن عمير أربعة آلاف درهم، أما عن الأسارى الفقراء فقد دفعوا أربعين أوقية (1600 درهم) فحسب.[43] وفي حقيقة الأمر، تحرر البعض دون دفع أي فدية بالمره- كالمطلب بن حنطب، وأبي عزة الشاعر، أبو العاص بن الربيع، وصيفي بن أبي رفاعة[44].

19. ازدياد فرص التحرر من الأسر:

وقد روى ابن عباس (رضي الله عنه) أنه: “‏كان ناسٌ من الأسرى يوم ‏بدرٍ ‏لم يكن لهم فداءٌ ‏‏فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ‏فدائهم أن يعلِّموا أولاد ‏الأنصار”.[45] ومن الواضح أن من يعتزم السعي وراء الثأر أو الأموال، لن يُوفر أبداً هذا التعدد في السبل ليعيد المجرمين إلي أهلهم ليصلحوا من أساليبهم المنحرفة. وعلاوة على ذلك، كانت ممارسة تعليم الناس القراءة في مقابل فداء الأسارى المتعلمين غير مسبوقة. فقد أبرز هذا تأكيد النبي (صلى الله عليه وسلم) ورسالته على التعليم كوسيلة للتنوير والتقدم.

20. استحداث تبادل الأسرى:

قلما شارك الناس في الجزيرة العربية في تبادل الأسارى لأسباب عدة، ولكن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) جعلها ممارسة شائعة. فيكفي أن نذكر أن المسلمين سلّموا بعض الأسارى كعمرو بن أبي سفيان مقابل أن يطلق المشركون سراح سعد بن النعمان بن أكال، بالرغم من أن الأخير لم يكن أسير حرب، إنما رجل برئ أسره العباس وهو يعتمر بمكة.[46] فقد استبدل النبي (صلى الله عليه وسلم) ممارسة التمثيل بالأسرى بتطبيق ممارسة تبادل الأسرى الأكثر إنسانية، كوسيلة لردع استمرار الأعمال العدائية.

21. إبقاء عائلات أسرى الحرب معاً:

والأعظم من ذلك، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يعتني بالنواحي النفسية للأسارى، فلهذا نجد النبي (صلى الله عليه وسلم) يعطي توجيهات إنسانية مفصلة في شأن التعامل مع الأسارى من الآباء والأطفال بإبقائهم معاً. فعن أبي أيوب (رضي الله عنه) قال: “سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.[47] فحينما أتى أبو أُسَيْدٍ (عبد الله بن ثابت) الأنصاري (رضي الله عنه) بسبي من البحرين فَصُفُّوا، فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فنظر إليهم؛ فإذا امرأة تبكي؛ فقال: “ما يُبْكِيكَ؟” فقالت: بِيعَ ابني في بني عبس؛ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأبي أُسيد: “لَتَرْكَبَنَّ فَلَتَجِيئَنَّ بِهِ”. فاستجاب أبو أسيد مباشرة وركب فجاء به ليجمعه بأمه”.[48]

22. لا لنسيان المعروف:

وفي أعقاب غزوة بدر، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أسارى بدر: “‏لَوْ كَانَ ‏الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ ‏حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ”[49].‏ لم يكن ابن عدي مؤمناً ولكنه اشترك في نقض الصحيفة التي قاطعت بها قريش بني هاشم، وكذلك أجار النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة عند عودته من الطائف. وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أظهر الولاء والامتنان لأي شخص ساعده في وقت الحاجة بغض النظر عن اختيارهم لقبول مهمته النبوية من عدمه.

23. تجنب الحرب مع بني قَيْنُقَاعَ:

فعقب عودة النبي (صلى الله عليه وسلم) من غزوة بدر إلي المدينة، هددت قبيلة بني قَيْنُقَاعَ النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته قائلين: “لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا”[50].‏‏ كانت هذه واحدة من أواخر المضايقات التي استمرت عامين من السخرية بالله والرسول (صلى الله عليه وسلم) جهراً وإثارة الأعمال العدائية بين المسلمين. ويروي البعض أيضاً قيام أحد الحرفين من بني قَيْنُقَاعَ بتجريد امرأة مسلمة من ثيابها في السوق فاقتص منه أحد المسلمين بقتله بعد أن سمع صراخ المرأة. فاجتمع بنو قَيْنُقَاعَ وقتلوا الرجل انتقاماً للحرفي. وفي نهاية المطاف، عندما قرر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يخرج لقتالهم، حاول عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ منع النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن أمسك درعه وأصر على النبي بأن يلغي الحملة. فغضب النبي (صلى الله عليه وسلم) غضباً شديداً وأمر ابْنُ أُبَىٍّ بإرساله ولكنه أبى. وأخذ يكرر رجاءه حيث أن بني قينقاع كانوا مواليه وأنه كان يخشى أن تدور عليه الدوائر بدونهم. وفي نهاية الأمر، قَبِل النبي (صلى الله عليه وسلم) منه أن يفتدي هؤلاء ووهبهم له، وسمح أن تترك قبيلة بني قينقاع المدينة المنورة بكاملهم سالمين، وأن يأخذوا كافة ممتلكاتهم عدا أسلحتهم.[51]    

24. فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ:

خلال أحداث المعركة الثانية الكبرى (أُحد) ضد المسلمين، تمكن جيش قريش- الذي بلغ عدده هذه المرة 3000 مشرك قوي في مواجهة 700 مسلم- من محاصرة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومهاجمته فتكسرت رباعيته (صلى الله عليه وسلم) وتمزق جسده، و تفجرت الدماء من موقع خوذته التي شجت وجهه. وبشكل ما بينما تسيل دماؤه الشريفة بأيديهم مجدداً، كان لايزال لديه (صلى الله عليه وسلم) من قوة الشخصية ما مكنه أن يدعو وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ‏ “‏رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏”.‏[52] وفي روايات أخرى، قال (صلى الله عليه وسلم) أولاً: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ”‏.‏ ثم سكت (صلى الله عليه وسلم) للحظة قبل أن يبتهل إلي الله بالصفح والغفران. وعلى الرغم من الخسائر المفجعة التي حدثت في غزوة أحد، وبالرغم من معاناته وتعرضه لعذاب قريش الغير محتمل لسنوات، تمكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الحفاظ على شهامته. فجاءه صحابته (صلى الله عليه وسلم) وقالوا له بينما ينقشع الغبار، “ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ” قَالَ “‏إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً”.[53] ومع أن القرآن الكريم يذكر أن كفار بني إسرائيل لُعنوا بلسان أنبيائهم،[54] ورغم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لعن أفعالاً بعينها[55] وكان في بادئ الأمر يدعو الله بأن يلعن أئمة الكفر،[56] فقد كان معياره (صلى الله عليه وسلم) الدعاء بالمغفرة لمن آذوه ولتابعيه على حد سواء.

25. التجاوز عن الخيانة:

إسر عودته من أُحد، كان هناك العديد من الصحابة -الذين كانت مشاعرهم لاتزال متأججة بفعل النكبة التي حلت بهم- فدعوا إلي إعدام عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بن سلول. ففي نهاية الأمر، هجرهم ابن سلول قبل المعركة مباشرة مصطحباً ثلث الجيش معه قائلاً: “لقد أطاعهم (هؤلاء من أرادوا الخروج) وعصاني (وأردت أن أقاتل من داخل المدينة). فلماذا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة؟”. لم يأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بإعدام ابن سلول جزاءً لخيانته -خشية انتشار الشائعات بأن محمداً يقتل أصحابه وأملاً في أن يفتح بعض المنافقين صفحة جديدة.[57] 

26. الله أوحى له (صلى الله عليه وسلم) بمحاولة قتل:

في إحدى الليالي، بينما كان جالساً مع صفوان بن أُمية في الكعبة مُعرباً عن ألمه لفقدان من قُتلوا أو أُسروا من قبل المسلمين في غزوة بدر، أقسم عُمير: “أما والله لولا دَيْنٌ عليَّ ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعة بعدي، لركبتُ إلى محمد حتى أقتله”، فتعهد صفوان بن أُمية قائلاً: “عليَّ دينك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا”، فسافر عُمير إلى المدينة بعد أن صقّل سيفه وسمّمه. وكان عمر (رضي الله عنه) والصحابة متشككين في نوايا عُمير ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بالسماح له بالدخول. وعندما أدعى أنه قد أتى ليفدي قريب له من الأسارى، حثه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقول الصدق وأشار أن السيف الذي يحمله عُمير يحكي قصةً مختلفة. غير أن عُميراً تمسك بروايته، فأخبره النبي (صلى الله عليه وسلم) بتفاصيل الحديث الذي جرى بينه وبين صفوان سراً ثم نبهه إلي أن الله سيمنعه من تنفيذ مهمته. فما كان من عُمير إلا أن شهد أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) رسول الله مقراً أنه ما من أحد يمكن أن يُخبر النبي بهذه الأخبار إلا الله تعالى.[58]

27. العفو عن ساحر:

كان لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ شاباً صغيراً اعتاد أن يخدم النبي محمداً (صلى الله عليه وسلم) وكان مأجوراً من بني قبيلته ليقوم بأعمال سحر ضد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ولستة أشهر، تسببت هذه التعويذات بضعف النبي (صلى الله عليه وسلم) وإرهاقه عقلياً (بالرغم من وقوع التأثير على التزاماته الدنيوية فحسب). وما إن انكشف أمر لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ وبعد التماس الإذن بإعدام لبيد، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “قَدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا”.[59] 

 28. امرأة مباركة:

بعد غزوة بني المصطلق، اشترى النبي (صلى الله عليه وسلم) جويرية بنت الحارث (رضى الله عنها) ابنة سيد قبيلة المصطلق من ثابت بن قيس (رضى الله عنه) واعتقها. ثم تزوجها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، الأمر الذى شجع المسلمين على عتق مائة رجل من قبيلة بنو المصطلق وقد اعتنقوا الإسلام جميعاً. وقد قال الصحابة: “إنهم الآن أصهار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأرسلوا ما بأيديهم!” من الواضح أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عرف أن زيجته من هذه المرأة النبيلة سيُقنع صحابته بعتق أهلها، كما ترآى لجويرية (رضى الله عنها) الأمر ذاته. ولهذا السبب، كانت السيدة عائشة (رضى الله عنها) دائماً ما تمدحها قائلة: “فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.”[60]

 29.  محاولة انقلاب مُدبرة:

خلال الحملة على قبيلة بنو المصطلق، اقسم عبدالله بن أبى بن سلول ” يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا (و يشير لنفسه) الْأَذَلَّ ۚ (و يشير إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (سورة المنافقون (63): 8). وقد وصل هذا الخبر إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ ‏”‏ دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ‏”[61]‏ . فى الحقيقة، فقد سمع ابنه سُبة أبيه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأتى رسول الله، فقال إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه (من سبه لك)، فإن كنت فاعلاً فمُرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فقال النبي: “بل نحسن صحبته ما بقي معنا”[62]

30. “حتى يبردوا”:

نكثت قبيلة بني قريظة عهدها مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالتآمر مع قبيلة قريش وغطفان لدخول المدينة والبطش بصبغة المجتمع المسلم الناشئ. فبعد ما أرسى المعتدون حصاراً طال شهراً على المدينة، خلالها تضور المسلمون جوعاً وعطشاً محبوسين فى خنادقهم، قضى الله أن يشك كل الحلفاء فى أمر بعضهم البعض، الأمر الذي أفقدهم الحماسة التى اتقدت لاستمرار الحصار. وبالرغم من أن مجتمعه الناشىء كان قاب قوسين من الإبادة، لم يرد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على هذه الخيانة برغبة في الانتقام. فبعدما تسابق المسلمون إلى مساكن بنو قريظة، لم يسمح الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهذه القبيلة المعادية فقط باختيار حليفهم (سعد بن معاذ) لتحديد ما يستحقونه من عقاب، لكنه قال لأصحابه عند رؤية أسارى بنو قريظة ينتظرون فى حر الشمس: “لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح قيل لهم  واسقهم حتى يبردوا.”[63] 

31.  “وَدَعْ أَذَاهُمْ”:

أراد الله أن يُنهى ممارسة عادة التبنى التى انتشرت آن ذاك والتي يترتب عليها فشل حفظ النسب. ورغم ذلك، فقد كان التبنى عادةً متأصلةً فى الثقافة العربية التى تحدت أن ينهيها أحد غير الرسول (صلى الله عليه وسلم) حيث أنه معصوماً وفوق أى نقد. ولهذا السبب، أمر الله رسوله (صلى الله عليه وسلم)  بأن يكف عن دعوة ابنه بالتبنى فى هذا الوقت، زيد بن حارثة (كما كان يدعوه بالسابق زيد بن محمد)، ويدعوه باسم والده. لكن ترسخت قاعدة بصورة واضحة بأن يحفظ للطفل المكفول نسبه من أهله، كما أمره الله أيضاً (فى سورة الأحزاب) بأن يتزوج من زوجة زيد بعد أن طلقها زيد. وبالطبع، استغل المنافقون الفرصة وهاجموا الرسول (صلى الله عليه وسلم) متهمينه بالفسق لأنه سمح لنفسه بالزواج من زوجة ابنه، كما وصفوه بأنه أفاك حيث حرم على الناس أن يتزوجوا من زوجات أبنائهم وقبِل هذا على نفسه.[64]  لم يكن هذا الأذى عديم الضرر، بل خلق محاولة أخرى من تجميع كتلات حرجة بين أهل المدينة المحاولين بالإطاحة برأس الدولة. لم يعاقبهم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولكنه غض الطرف تماماً وترك الأمر لله كما أمره ربه قائلاً: “وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وكيلا” ( سورة الأحزاب (33): 48). كان هذا بعد مرور ما بين أربع إلى خمس سنوات من تأسيس النبي (صلى الله عليه وسلم) لمجتمع المدينة بعد الهجرة، ولم يكن أمراً صعبا أن يعاقب من تطاولوا عليه. ولكن أمره القرآن بالتغاضى عن تلك الأفعال تماماً كما كان يفعل فى مكة.

32. “أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ”:

كان مسطح واحد من الذين افتروا على السيدة عائشة (رضى الله عنها). فبعد العودة من غزوة المصطلق، بدأ عبدالله بن أبى بن سلول فى نشر الاشاعات بأن زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم) السيدة عائشة قد ارتكبت الفاحشة. وبعد بلاء دام لشهر طويل من الشكوك والتوتر في المجتمع المسلم، أنزل الله آياته فى سورة النور موضحاً بأن هناك رؤوساً وراء تلك الفتنة الكاذبة. لم يكن ذلك إلا بعد تصديق بعض المؤمنين لهذه الكذبة وترويج هذه القصة المختلفة. كان مسطح (رضي الله عنه) من المؤمنين راسخي الإيمان وقد وقع فى خطأ ترويج هذه الاتهامات. لم يسامح الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا الرجل فحسب، بل عاتب (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر والذى قد اعتاد أن يتصدق على مسطح. قالت عائشة رضى الله عنها: “اقسم أبو بكر قائلاً والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ( سورة النور(24): 22) قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال والله لا أنزعها منه أبدا.”[65]

33. غارة على وادى الحديبية:

بعد أن وصل الرسول (صلى الله عليه و سلم) و1400من أصحابه مرتدين ملابس الإحرام القاسية فى شعاب مكة ليس لديهم أى غرض إلا أداء العمرة، انتشرت الأخبار فى مكة أن المسلمين قد جاؤوا لقهر أهل مكة. قال أنس بن مالك:

أن ثمانين من الرجال المسلحين نزلوا من مكة إلى الحديبية عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من جبل التنعيم يريدون أن يأخذوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) على غرة ففطن لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخذوهم دون حرب وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بإطلاقهم فأوحى الله “وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا” (سورة الفتح (48): 24)

هنا، أنعم الله (عز وجل) على المسلمين بنعمتين فى هذه الحادثة. الأولى أنهم باتوا مطلعين على الهجوم عليهم قبل أن يُباغتوا، والثانية أن الله أوحى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يسامح و يطلق الأسارى.[66]

34. ضيافة السفير المسيء:

شارك عروة بن مسعود (رضى الله عنه)، عندما كان لا يزل مشركاً، نيابة عن قريش في صلح الحديبية. وخلال المفاوضات، أظهر احتقاراً لشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى وصل به الأمر إلى أنه سحبه من لحيته الشريفة، رغم تهديد الصحابة له شاهرين الأسلحة فى وجهه. و قد تطاول على الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلاً أنه لا يقدر على مواجهة قريش، “فَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ.”‏ ورغم تلك العجرفة، فالحقيقة أن عروة بن مسعود هو سيد قبيلة ثقيف- الذين تعدوا عليه (صلى الله عليه وسلم) في الطائف- فقد أكرم الرسول صلى الله عليه و سلم سفيره و ضايفه طوال ما بقى عنده.[67]

35. حريص على السلام:

بُعث سهيل بن عمرو بعد عروة من قِبل قريش لعقد صلح الحديبية. وحتى قبل أن يبدأ فى عرض شروطه المتعسفة ذات المعايير المزدوجة، رفض سهيل بن عمر وبشدة أن يُوثق الصلح على ما تعاهدت عليه قريش مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: “وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ.” و أصر على أن يمحُ “محمد رسول الله” فرفض علي بن أبى طالب (رضى الله عنه) أن يمحوها، لكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمره أن يدع الزهو الشخصي من عقد سلام مع قريش حيث أنه (صلى الله عليه وسلم) كان ينوى حقن الدماء خاصة فى منطقة الشعائر المقدسة بمكة. ولنفس السبب، وافق قسرا على ارسال أبو جندل (رضي الله عنه) ، وهو ابن سهيل بن عمرو وأسيره لاعتناقه الإسلام، إلى مكة مجدداً عملاً بتحقيق المصلحة العليا. يتضح من خلال ذلك الرحمة وتقوى الله دون استحياء، لأن الرسول قال بادىء ذى بدء لبُديل بن ورقاء ، أول سفراء قريش للمسلمين بالحديبية، “إنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ.”[68]  قال الإمام الزُهري، وهو راوٍ آخر لهذه الحديث، “أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) فعل هذا (لأنه أعلن بقدومه للحديبية)” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا.”

‏36. “هذه حاجتك”:

عندما اختطفت ثقيف مسلمين قبل فتح خيبر، استطاع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أسر رجل من بنى عقيل وهم حلفاء لثقيف، لاستبداله بالأسارى المسلمين. بات الرجل الأسير ينادى: قائلاً “يَا مُحَمَّدُ. بِمَ أَخَذْتَنِي؟ …. يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي مُسْلِمٌ …يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ ‏ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي.” و رغم أنه استمر ينادى على الرسول وهو حاكم الدولة باسمه دون ألقاب، ورغم أنه كان يزعج الرسول (صلى الله عليه وسلم) في كل مرة يتولى عنه الرسول، إلا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يجيبه بمنتهى التواضع و يجيب على مطالبه قائلا: “هذه حاجتك.”[69] وبالتالي، فهذا خضم حنوه (صلى الله عليه وسلم) واحترامه لإنسانية أعدائه وتعاطفه مع بلواهم.

37. أم صاحبه:

يبدو وأن والدة أبو هريرة (رضى الله عنه) قد هاجرت إلى المدينة مع ابنها دون أن تدخل في الإسلام، هذا لأن أبو هريرة (رضى الله عنه) قال: “كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) مَا أَكْرَهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ فَتَأْبَى عَلَىَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) ‏”‏اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ‏”‏ ‏.‏ فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَىَّ فَقَالَتْ مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ‏.‏ وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ – فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ – قَالَ – فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ – قَالَ – قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ.‏ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا – قَالَ – قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا – قَالَ – فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) ‏”‏اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا – يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ – إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ‏”‏ ‏.‏ فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلاَ يَرَانِي إِلاَّ أَحَبَّنِي.”[70] يجب الإشارة أيضاً إلى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يعلم بسُباب أم أبى هريرة له، و لم يتخذ إجراء ضدها. بدلاً من ذلك دعا لها (صلى الله عليه وسلم). هذه الواقعة، ونتيجة للهجرة المتأخرة لأبو هريرة (رضي الله عنه) إلى المدينة، حدثت فى السنوات الثلاث الأخيرة في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما كانت سلطة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المدينة وسكانها لا ينكرها أحد.

38. “مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟”:

وأثناء العودة من غزوة ذات الرقاع، والتى حدثت فى السنة السابعة الهجرية للميلاد، كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته يترجلون متفرقين فى أحد الوديان يتلمسون الظل فى حر النهار. ‏فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ونام الصحابة نومة، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) يَدْعُونَا. يقول جابر بن عبد الله (رضى الله عنه): حضرنا إلى رسول الله وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ (أضاف الحكيم: يُدعى الغورث بن الحارث) قَالَ للرسول (صلى الله عليه وسلم) ‏”‏إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَىَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا”‏‏.‏ فَقَالَ “أتخشانى؟” قال الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) “لا”  قال الأعرابي: “مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ ‏اللَّهُ”‏‏.‏ ثَلاَثًا فشام السيف (أى اغمده) فإذا هو ذا جالس[71] وأضاف جابر رضى الله عنه، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وَجَلَسَ‏.[72] وفى رواية أخرى”سقط السيف من يده، فأخذه النبى صلى الله عليه و سلم و قال، “مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟” ‏ قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ».قال: أُعَاهِدُكَ أَنْ لاَ أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ – قَالَ-: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ.[73] الشاهد هنا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تركه يذهب دون أن يجبره على الدخول فى الإسلام.

39. الأسير القوى:

ثمامة بن أثال (رضي الله عنه) هو من سادة قبيلة بنو حنيفة وهم الذين قتلوا العديد من صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كما أنهم تآمروا لقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) نفسه. ورغم أنه (صلى الله عليه وسلم) قد أحل دمه لما جنته يده من قتل المسلمين مرات عديدة، إلا؟ أن معاملته لثمامة كأسير كانت إشارة واضحة على أمل الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيه أن يدخل الإسلام وأن يُنعم الله عليه بمغفرته. و بعد أن أسره المسلمون وشدوا وثاقه بأحد أعمدة مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم).عُمل ثمامة باحترام وعطف من قبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى درجة أن ما يُحلب من ناقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من حليب كان يؤخذ إلى مكان وثاقه له ليشرب منه. و كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) كل يوم يسأل ثمامة أن يعتنق الإسلام، قبل طلبه للصحابة بأن يطلقوا سراحه. ولكن عندما حدث ذلك، خرج من المسجد إلى روضة النخيل بجانب المسجد واغتسل و دخل المسجد يقول: “ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏.‏ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَىَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَىَّ وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ كُلِّهَا إِلَىَّ.”[74]

40. دفع الأذى عن قريش مرة أخرى:

عندما دخل ثمامة فى الإسلام، رجع إلى أهله، قبيلة اليمامة، و بعدها دخل كل أهله بعده فى الإسلام. و بناءاً على ذلك، فقد قاطعوا قريش و رفضوا أن يرسلوا لهم محصول الحبوب وهو ما كانت تعتمد عليه قريش بصورة كبيرة. تصديق مثل هذه المقاطعة كان من الممكن أن يكون له بالغ الأثر على استنزاف موارد القوة لدى قريش، ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) توسط نيابة عن قريش-رغم حربه معهم- لخوفه (صلى الله عليه وسلم) على الأبرياء خلف خطوط العدو. وطاعة لأمر النبي (صلى الله عليه وسلم)، استأنفت قبيلة اليمامة تجارتها مع مكة، لإنقاذ المدينة التى قاطعت نفسها الرسول (صلى الله عليه وسلم). لسنوات عدة.[75]

41. “أفلا شققت عن قلبه؟!”:

فى رمضان من السنة السابعة للهجرة، أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) كتيبة من صحابته لمحاربة أهل غالب. وفيما يتعلق بهذه الغزوة حكى أسامة بن زيد رضى الله عنه قائلاً: “ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا، بلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!)) قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: ((أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟!)) قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم!”[76] وفى رواية أخرى للأعمش أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نهر أسامة قائلاً: “أفلا شققت عن قلبه حتى تعرف أقالها أم لا؟!” فلا فرق إذا كان هذا الرجل قد أصبح مسلماً فقط لينقذ نفسه من الموت. ولا فرق أيضاً أن أسامة بن زيد رضى الله عنه هو ابن زيد بن حارثة (رضى الله عنه) وبالتالي فهو عزيز لدجى النبي (صلى الله عليه وسلم) معزة الأحفاد. فلا فرق فى كل ما سبق لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الأكثر حنواً فى التعامل العادل نحو الآخرين ومدى صدقهم.

42. سيف الله:

إنه لقب خالد بن الوليد (رضى الله عنه)، العبقرية العسكرية الذى تصدر جيش المشركين من وراء جبل أحد و قتل العديد من المسلمين. و لكن بعد أربعة أعوام من مشاهدة ثبات المسلمين بميدان القتال، صار خالد مقتنع أكثر مما مضى أن هناك حقاً قوة غير مرئية تدعم المسلمين. وفى السنة السابعة للهجرة، تزوج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من ميمونة بنت الحارث (رضى الله عنها)- وهى خالة خالد- وبعد أن انتهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) من عمرته بمكة، كتب خطاباً لخالد يدعوه فيها للإسلام. من الممكن أن يعتقد أن هذا ما هو إلا مكيدة أو فخ أريد به قتل أهم قادة قريش العسكريين، ولكن خالد لم يدع تلك الفكرة تجول بخاطره لأنه يعلم أن أمانة محمد (صلى الله عليه وسلم) ليست محل نزاع أو مثاراً لجدل. ولما وصل خالد إلى المدينة بعدها بشهور لإعلان دخوله للإسلام، استقبله الرسول (صلى الله عليه وسلم) بابتسامة مشرقة قائلاً: “الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير الله” قال خالد: “إنّي قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق، فادع الله أن يغفرها لي.”  فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صَدٍّ عن سبيلك.”[77]

43. الإسلام يجُب ما قبله:

وهناك أيضاً عمرو بن العاص وهو قائداً حربياً آخر حارب الإسلام لفترة طويلة وارتحل مع خالد فى رحلته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المدينة. ويقر ابن شماسة المهرى أنه عندما زار عمرو بن العاص وهو على فراش الموت “حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجـدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بكذا؟ أما بشرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إني قد كنت على أطباق ثلاث. قد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكَنْتُ منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.
فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت: ابسط يمينك فلأُبايعك. فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: [مالك يا عمرو] قال: قلت: أردت أن اشترط. قال: [تشترط بماذا؟] قلت: أن يغفـر لي، قال: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله]. وما كان أحد أحب إلي من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه.”[78] 

44. “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”:

و بعد الهدنة القائمة على صلح الحديبية، زارت قتيلة بنت عبد العزى ابنتها أسماء بنت أبى بكر (رضى الله عنها) وقالت أسماء : “قدمتْ عليّ أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك.[79] ورغم أن ذلك يبدو أمراً غير ذات أهمية، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) سمح امرأة مشركة من قبيلة معادية للمسلمين أن تقيم فى بيت أحد أكبر رجال الدولة، حيث أن أسماء رضي الله عنها كانت بنت أبى بكر الصديق وزوجة الزبير بن العوام رضى الله عنهما. وقد يكون ذلك هو السبب فى تردد أسماء حول قبول دخول أمها إلى بيتها لئلا تحاول قتل أحد الرجلين أو تحاول تحسس أى معلومات ذات أهمية لدى أعداء المسلمين. وقال ابن عُيينة، وهو راوٍ آخر للحديث، أن فى موقفها أنزل الله الآية: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.” ( المُمتحنة [60]: 8).

الزحف إلى مكة: فتح لا مثيل له

قبل الخوض في فتح مكة المكرمة، ومن أجل فهم طبيعته الملحمية، يجب على المرء أولاً أن يضع نفسه في مكان النبي ﷺ. وهو يسير وسط 10 آلاف رجل قوي، يتجه بقوة لإطاحة قريش من المناطق المقدسة. قريش نفسها التي آذته بكل طريقة يمكن تخيلها لمدة ثلاثة عشر عاما في مكة المكرمة. قريش نفسها التي أعدمت رفاقه، وكانت السبب في وفاة زوجته خديجة، حيث اعتدى القرشيين على أطفاله، وهجروه من موطنه، وأصابوه في أُحُدْ، وحشدوا لإبادة أمته في الأحزاب، ووقٌعوا على معاهدة (الحديبية) التي نقضوها بسرعة. الآن، بعد أكثر من 20 عاما من الأعمال العدائية التي لا هوادة فيها، أدرك النبي محمد ﷺ المكيين على حين غُره، واقفين أمامه عاجزين تماما مع عدم وجود إمكانية للمقاومة.

45. شريك أبو جهل

عندما دخل النبي ﷺ على عمه المحتضر، أبو طالب، كان عبد الله بن أبي أمية هناك مع أبو جهل. على الرغم من دعوات النبي محمد ﷺ اليائسة لأبي طالب، عبد الله بن أبي أمية اخجل عم الرسول ﷺ عن اعتناق الإسلام قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.[80] أصبحت هذا العام يُعرف بأصعب عام في حياة النبي، حيث سُمٌي: عام الحزن. لم يكن الحزن يرجع فقط إلى فقدان عمه العزيز، وهو أطول من رعاة، وأقوى مؤيد له؛ فقد تفاقمت بالعلم بأن اللقاء مع أبو طالب في الآخرة كان مستحيلا. وبعد عقد من الزمان، قبل مسيرة المسلمين مباشرة إلى داخل مكة المكرمة، ” عبد الله بن أبي أمية اقترب من المعسكر الإسلامي يعتزم دخول الإسلام على يد النبي. ومع ذلك، فإن النبي ﷺ ظل يرفض أن يدخل عليه. وبمساعدة أخته غير الشقيقة، أم سلمة، التي كانت زوجة النبي، واصل طلب الرأفة من النبي ﷺ، مذكرا بأنه من العائلة (نسيبه)، وأن النبي ﷺ كان قد غفر لأشخاص ارتكبوا جرائم أكبر منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية المطاف ما قاله يوسف لأخوته الذين كانوا قد حفروا ندوبا مماثلة فيه بفصله عن والده: ” لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ” [يوسف (12): 92].[81]

46. “من دخل دار أبو سفيان …”

 لم يكن أبو سفيان بن حرب عدوا اعتياديا أو داعيا للحرب. لقد كان أقوى عدو للنبي ﷺ منذ عقدين. وكان أيضا من بين الذين اجتمعوا في دار الندوي للتخطيط لاغتيال النبي محمد ﷺ قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة. منذ بدر أقسم ان يقود القتال ضد رسول الله ﷺ، وحتى انه اقتحم المدينة ذات ليلة وقتل اثنين من الأنصار قبل الفرار.[82] بعد قيادة الوثنيين في أحد، قال للمسلمين: ” إنكم ستجدون في القوم مُثلة لم آمر بها، ولم تسُؤْنِي “[83] هذا الحادث، وحصاره للمدينة المنورة (ساعيا لقتل حتى النساء والأطفال)، لم تكن من العادات المعروفة بين العرب، مما يعكس تعطشه لسفك دماء المسلمين. مع كل هذه التفاصيل وأكثر من ذلك، كيف عامله رسول الله ﷺ عندما انقلب الأمر؟ بعد اكتشافه أن الجيش المسلم أخذهم للتو على حين غرة، وجد أبو سفيان نفسه مشلولا وغير قادر على التفكير. كان يعرف بيقين مطلق – أنه في اعلي “قائمة المطلوبين”. ومع ذلك، توسط العباس له، واعتنق الإسلام في اليوم التالي جنبا إلى جنب مع عبد الله بن أبي أمية. النبي ﷺ غفر كل شيء، منحه الأمان، وحتى وعده بأن أي مكي دخل داره سيكون آمنا[84] حقيقة أنه حتى مشاعر هذا الرجل – الرجل الذي تسبب في الكثير من الألم للنبي ﷺ – تم اتخاذها في الاعتبار يشير إلى الطبيعة الاستثنائية لقلبه.

47. “الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ”

أبو سفيان -هو الآن مسلم – يركب إلى مكة المكرمة ويشجع قومه على الاستسلام، ويطمأنهم أن كل من دخل داره فهو آمن. دخل المسلمون مكة، بقيادة النبي ﷺ، الذي أبقى رأسه منخفضه من التواضع لله لدرجة أن لحيته تقريبا لمست سرجه.[85] وصل إليه ﷺ أن البعض كانوا يقولون: ” يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الكعبة “. وردا على ذلك، قال ﷺ،” هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ “.[86] في رواية ​​آخري: ” اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريشا”.[87] بعد تأمين المدينة، تجمع الجميع قبل النبي ﷺ في الكعبة، وسألهم بعطف،” يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ” قالوا: ” خيرا أخ كريم وابن أخ كريم”. منهيا لحظة الترقب، قال: ” فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ لإخوته،” لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ”[يوسف (12): 92]. اذهبوا فأنتم الطلقاء”[88] النبي ﷺ ارتقي فوق كل شيء، خلد نفسه بهذا السمو في واحدة من الأحداث الاستثنائية في تاريخ البشرية.

حتى الأنصار تعجبوا من هذا الخير العميق، إلى حد أن البعض قال: ” أما الرجل -ويقصدون الرسول – فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. ” وقال أبو هريرة، ” وَجَاءَ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لاَ يَخْفَى عَلَيْنَا، فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: “يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ”. قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: “قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ”. قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ: “كَلاَّ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ”. ” فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: “والله ما قلنا الذي قلنا إلاَّ الضَّنَّ باللَّه وبرسوله” قال رسول الله ﷺ ” إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ”[89] ما حدث مع قريش كان من الصعب ان يفهم، حتى بالنسبة لقلوب الأنصار الجميلة. ﷺ علم أن فهم هذا الفعل من الغفران الكامل كان صعبا، وبالتالي قال: “… وَيَعْذِرَانِكُمْ “.

48. الدخول مسموح

عثمان بن طلحة كان يرفض دخول النبي ﷺ للكعبة، لكونه من بنو عبد الدار – عشيرة من قريش الذين فخروا كثيرا لكونهم حملة مفاتيح الكعبة. وكان يسخر من النبي محمد ﷺ ويعمل لإبادة رسالة الإسلام. مع الثقة في وعد الله، كان ﷺ ببساطة يقول لعثمان بن طلحة أن هذا المفتاح سيكون يوما ما بين يديه. يروي ابن جريج أنه في فتح مكة، أخذ النبي ﷺ المفتاح من “عثمان بن طلحة. ﷺ دخل الكعبة، ثم خرج قارئا: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا» [النساء (4): 58].. على الرغم من ماضيه المسيء، رسول ﷺ دعا عثمان بن طلحة، وأظهر عفواً نموذجياً عن طريق إعادة المفتاح إليه.[90]

49. رجل مختلف

سهيل بن عمرو الآن رجل مسن مكسور مع تاريخ مظلم، أجبره إخفاقه في إطفاء الإسلام ليطلب من ابنه، عبد الله أحد أبنائه العديدين الذين أصبحوا الآن جزءا من الجيش المسلم المنتصر – ليلتمس له الأمان في فتح مكة. دون تردد، النبي ﷺ منحه الأمان وذهب أبعد من ذلك ليقول إن رجلا بمثل هذا الشرف والعقل لا ينبغي له أن يغفل عن مزايا الإسلام [لفترة طويلة]. في الواقع، سهيل سرعان ما جاء واعتنق الإسلام، وأصبح معروفا لتفانيه في العبادة. في الواقع، عندما وصلت أخبار وفاة النبي ﷺ إلى مكة المكرمة، هذا الرجل الذي كان قد بشر طويلا ضد الإسلام أعلن، ” يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله إن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما في ظلام طويل. “[91] هذه الطريقة الجميلة التي تعامل بها رسول ﷺ حولت الناس بطرق لا يمكن تصورها. خُلُقه الجيد، تسامحه العظيم، والقدرة على نسيان المشاعر السيئة، يشعر المنتصرين بالخجل إلى الأبد مما يفعلون قبل وبعد دخول أي مدينة، مطاردة قيادتها، وممارسة الانتقام لمجرد الكراهية، والرغبة في الإخضاع، والثأر الشخصي.

50. قلب يفتخر تواضع.

كان صفوان بن أميه من أشد الأعداء للإسلام منذ ظهوره. ساعد والده، أمية بن خلف، في تعذيب بلال بن رباح، وشارك في كل معركة بين قريش والمسلمين، أرسل “عمير بن وهب لاغتيال النبي ﷺ، وزود بنو بكر بالأسلحة لمهاجمة بنو خزاعة (حلفاء المسلمين)، مما أبطل معاهدة الحديبية. لذلك، من الصحيح القول إن صفوان كان السبب الرئيسي وراء قرار النبي صلى الله عليه وسلم في الزحف إلى مكة، وبالتالي هرب من مكة أثناء غزوها بعد قتال قصير، على عكس الغالبية الساحقة التي استسلمت سلميا. لقد شعر بالهوان والتشرد، لذلك عمير بن وهب – وهو مسلم الآن – طلب من النبي ﷺ العفو عن جرائم صفوان والسماح بعودته. لم يقتصر النبي ﷺ على الموافقة، بل إنه أعطى عمير عمامته كرمز ضمان أنه ﷺ وعد شخصيا بهذه الحماية. عندما جاء صفوان، أعطاه النبي ﷺ من كرمة أربعة أشهر أخرى للتداول قبل قبول الإسلام، واغرقه بأكوام من الهدايا خلال هذه الفترة لتدفئة قلبه نحو الدين. في النهاية، ذاب قلبه الفخور من كل هذا الكرم، وقال إنه قَبِلَ الإسلام، وقال: “والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ”.[92]

51. التي مثلت بعمه

كانت هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان وابنة عتبة بن ربيعة، وهما من نبلاء قريش الذين كانوا على حد سواء أعداء اقوياء للنبي محمد ﷺ. هند أيضا كانت تغلي بالكراهية السامة وشنت الحملات شخصيا ضد الإسلام والمسلمين. وكانت من بين أولئك الذين استأجروا وحشي لقتل حمزة بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ، ووعدته بالمكافآت العظيمة إذا انتقم لوالدها الذي قتل في بدر. كثير من المؤرخين القدامى أفادوا بأنها قطعت آذان حمزة وأنفه واستخدمتها لعقد قلادة، وبعضهم يقول إنها اخرجت كبده وحاولت أكله. عندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم جسد عمه المشوه بعد أحد، فإنه بكى كما لم يبكي من قبل، ودع عمه الحبيب بقوله: ” رحمك الله يا عمي فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات “. بعد خمس سنوات، وقفت هند في فتح مكة، احتجاجا على قريش لاستسلامهم للمسلمين. وسرعان ما أدركت أنه لا جدوى من المقاومة، وأن السماوات حقا تدعم محمد ﷺ، وهكذا ذهبت مع نساء أخريات له ﷺ وأقسمت بالولاء مُنْتَقبة. عندما أعلنت عن هويتها، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: ” مرحبا بك، هند”. متأثرة بشهامة الرسول ﷺ، قالت: ” والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يَعزّوا من خبائك “.[93]

52. القاتل

كان وحشي بن حرب رقيق اثيوبي مملوك إلى جبير بن مطعم. بسبب كونه قاذف رماح مشهود له بالبراعة، وُعد بحريته مقابل قتل حمزة بن عبد المطلب في أُحد. نجح وحشي في القيام بذلك، مرضيا المتعطشين للانتقام من القرشيين الذين قتل أقاربهم على يد حمزة في بدر و مروعاً النبي ﷺ. يقول ابن مسعود: ” ما رأينا رسول الله ﷺ باكيا قط أشد من بكائه على حمزة “.[94] في فتح مكة، فر وحشي، مع العلم جيدا أن قتل أحد أفراد عائلة الحاكم يضمن قتله. ومع ذلك، كان النبي ﷺ على عكس أي حاكم. قال وحشي: “سمعت أنه مهما كانت شدة الجريمة ضده، فإن النبي محمد ﷺ دائما ما اختار الغفران”. وهذا ما شجعه على العودة في نهاية المطاف إلى مكة المكرمة، واعتناق الإسلام، ورأي مباشرة كيف سامح رسول الله أعدائه.[95] وحشي يكاد لا يصدق انه عاش لرؤية هذا اليوم. كان يتذكره دائما ويقول “الله كرم حمزة بن عبد المطلب والطفيل بن النعمان [بالاستشهاد] على يدي، ولم يذلني على أيديهم [بالقتل على الكفر] “.[96]

53. وعد بالأمن

كان عبد الله بن سعد (المعروف أيضا باسم ابن أبي السرح) واحدا من عدد قليل جدا من الذين اعتبر دمهم مباحا في فتح مكة. وكان ذلك لأنه حاول تزوير سجلات القرآن (بعد أن أصبح كاتب الوحي). وقد هرب من المدينة المنورة، وارتد عن الإسلام، ونشر شائعات بأن “محمد ليس لديه فكرة عما يقوله”. في فتح مكة، تسلل إلى بيت عثمان، وناشده أن يتدخل نيابة عنه عند النبي ﷺ. “حاول عثمان عدة مرات ان يستحضر عطف النبي ﷺ علي عبد الله بن سعد، أو يعفوا عنه كخدمة لعثمان (الذي رضع من أمه عندما كان طفلا)، قبل ان يتراجع ﷺ أخيرا. في وقت لاحق، عندما سأل النبي الصحابة لماذا لم يقتلوا هذا الرجل، اقترحوا أنه كان يجب أن يغمز إليهم. فقال: ” ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين”. بعد ذلك، في كل مرة عبد الله بن سعد رأى رسول الله ﷺ، كان يفر منه هاربا. ثم ذهب إليه عثمان فقال عثمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي [أنت] وأمي، لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال أو لم أبايعه وأؤمن؟ قال بلى أي رسول الله ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام. رد النبي ﷺ،” الإسلام يَجُبُ ما قبله “. عاد عثمان وأبلغ عبد الله بن سعد بهذا، وقال انه سيأتي ويحيي رسول الله ﷺ وسط الناس بعد ذلك. وقد صلح إسلامه ولم يرتد أبدا.[97]

54. علاج قلب عنصري

كان أبو محذورة وثنيا شابا لا يتحمل رؤية رجل اسود يصعد الكعبة ويؤذن للصلاة من اعلي سقفها عند فتح مكة. بدأ هو وأصدقاؤه يسخرون من بلال ويقلدون أذانه بأصواتهم. سمع النبي ﷺ صوته الجميل للغاية ودعا به. تم جلب أبو محذورة، على الأرجح كان يظن أنه سيتم إعدامه لسخريته من الإسلام. ولكن بدلا من ذلك، فإن النبي ﷺ مسح يده المباركة على صدر ورأس هذا الشاب. قال أبو محذورة: ” فامتلأ قلبي والله إيماناً ويقيناً وعلمت أنه رسول الله”. واعتنق الإسلام، وعُلِمَ كلمات الأذان، وعين مؤذن مكة عندما عاد الصحابة إلى المدينة المنورة.[98] ويذكر بعض المؤرخين أن المهمة الفخرية المتمثلة في دعوة الأذان في الكعبة ظلت مع أبو محذورة، ثم ورثت من قبل أحفاده، لعدة أجيال بعد وفاته.

55. لمسة من الرحمة

بعد فتح مكة، كان هناك البعض قلوبهم لم تُكسب بسهولة. فضالة بن عمير كان واحدا من أولئك الذين يغلون بالكراهية ويائسين للانتقام. وتعهد بقتل النبي محمد ﷺ، رغم إعلانه قبول الإسلام. ذات يوم، عندما كان النبي ﷺ يطوف حول الكعبة، فضاله خبئ سيفه تحت ملابسه وتبعه عن كثب، تدريجيا حتى يقترب بما فيه الكفاية ليهاجمه، ويحدث نفسه بالفعل الغادر الذي كان على وشك أن يرتكبه. فجأة، استدار النبي ووجد نفسه وجها لوجه مع فضالة. “مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟” سأل النبي. ” لا شيء، كنت أذكر الله.”، قال فضالة. النبي ﷺ ببساطة ابتسم وقال: “اسْتَغْفِرِ اللَّهَ”، ووضع يده على صدر فضالة، ونقل الهدوء إليه. قال فضالة: “والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خَلْقِ الله شيء أحب إليَّ منه.”.[99] هذا قاتل في المكان الأكثر قدسية، تماما تحت سيطرة النبي، وملبيا لدعاء المحبة من النبي ﷺ بدلا من العقاب الذي يستحقه.

56. الذي اضطهد ابنته

أصاب هبار بن الأسود النبي محمد ﷺ بجرح شخصي جدا. عندما حاولت ابنته زينب الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، لحقها هبار واستمر في وخز جملها بالرمح حتى ألقاها على الأرض. تعرضت زينب لإجهاض من هذه السقطة، بالإضافة إلى إصابات خطيرة أثرت بشدة على صحتها وساهمت في وفاتها بعد عدة سنوات. كانت ضربة قاسية للنبي ﷺ الذي فقد حفيده الأول وهو لم يولد بعد ومن ثم ابنته العزيزة. على الرغم من ذلك، عندما جاء هبار طالبا للعفو في فتح مكة، نبي الرحمة ﷺ عفا عنه على الرغم من وجود الوسائل والمبرر لتنفيذ الانتقام المستحق.[100]

57. ابن أبو لهب

عتبة وشقيقه، عتيبة، ابني أبو لهب الذين أجبرهم ابوهم على طلاق بنات النبي ﷺ، من الكراهية لمحمد ودينه الجديد. في فتح مكة، سأل النبي ﷺ العباس عن عتبة وأخ آخر له، معتب. بعد أن قيل له أنهم هربوا من مكة المكرمة، أمر ﷺ العباس بمطاردتهم وإعادتهم إلى ديارهم. عثر العباس على أبناء أخيه في عرفة وأحضرهم إلى رسول الله ﷺ الذي دعاهم إلى الإسلام. وقبلوا، واظهر عتبة بسالة عالية إلى جانب النبي ﷺ في حنين والطائف، مأسورا بالتأكيد من قبل سمو الرجل الذي كان قد حاول أن يشينه قبل عشرين عاما.

58. ابن أبو جهل

لم يكن عكرمة بن أبي جهل عدو لمجرد أن والده (أبو جهل) الذي كان فرعون هذه الأمة. لقد كان يلقب “أسد قريش” بسبب شراسته، قاد الجناح الأيسر لقريش ضد المسلمين في أحد، فضلا عن هجوم ضد المسلمين في الأحزاب، وكان واحدا من عدد قليل من الذين حملوا السلاح في فتح مكة وقاتلوا المسلمين قبل الاستسلام والهرب. بعد تجربة قريبة من الموت في البحر، أوفى عكرمة بالنذر الذي قدمه لله لإنقاذه من خلال العودة والسعي إلى مغفرة محمد ﷺ. وساعدت زوجته أم حكيم (الآن مسلمة) في إقناعه بالوفاء بنذره، وحصلت له علي وعد بالأمان من النبي ﷺ. ولدى وصوله إلى مكة المكرمة، انتشرت الأنباء أن “ابن عدو الله” قادم، القول الذي رد عليه النبي ﷺ بشكل رائع “سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت “. عندما وصل عكرمة أخيرا، وثب إليه النبي ﷺ حتى يستقبله، مرحبا بمضطهده السابق بعاطفة حقيقية.[101] عكرمة في وقت لاحق أصبح واحدا من الذين هم الأكثر شغفاً في الدفاع عن الإسلام، حتى استشهد في معركة اليرموك.

59. تغير النغمه.

كان كعب بن زهير شاعر عربي شهير كتب أبيات ساخرة عن النبي محمد ﷺ. في شبه الجزيرة العربية، لم يكن الشعر فقط هجوم على جوهر الإسلام، بل هو سلاح سياسي مختار أيضا؛ كان الشعراء هم الدعاة في أوقات الصراع. وقد أمر النبي ﷺ باغتيال كعب، لكنه هرع للاستغاثة برحمة النبي ﷺ وغفرانه عندما رأى الإسلام يرتفع إلى السلطة. فعل ذلك من خلال تأليف ما سيصبح قصيدة أسطورية تشيد بنبل النبي ﷺ، وذلك باستخدام لغة جميلة ومخيلة الصحراء التي حركت العرب. ولم يقتصر الأمر بعد تأثُر الرسول ﷺ بهذا على أن يغفر له، لكنه ألقى على عاتق كعب عباءته اليمنية، أو البردة، التي أصبحت القصيدة التاريخية معروفة باسمها.[102] 

نهاية مثالية

انتقل النبي ﷺ بعد فتح مكة إلى تأمين شبه الجزيرة العربية من القبائل العربية المعادية التي خرجت عليه ومن تهديد الإمبراطورية البيزنطيه . ومع ذلك استمر في عفوه ورحمته بالناس تاركاً خير ميراث وضارباً خير مثلاً للأخلاق والاستقامة، لم يرى العالم مثلاً لهما.

60. سيد منكسر:

انطلق مالك بن عوف – رضي الله عنه – وهو سيد هوازن، بجيش هو أعظم جيش شهدته العرب يضم تحالفاً كبيراً، أراد به استئصال المسلمين قبل أن تتعاظم قوتهم أكثر من ذلك. حيث بلغت قوة جيش المشركين 25000 وجلبوا معهم أزواجهم وأطفالهم ومواشيهم وأموالهم حتى يستحثوهم على القتال. لقد كان ذلك مقتلة مروعة في وادي حنين تكبد المسلمون خلالها خسائر كبيرة قبل أن يُلملموا شتاتهم ليمنعوا نور الإسلام من أن ينطفئ. وبعد أن انقشع غبار المعركة كان مالك بن عوف من بين الذين فروا إلى حصون ثقيف (إحدى قبائل الحلف) في الطائف بعد أن فقدوا كل شيء. ومع حالة الانكسار والانهزام هذه ظل النبي ﷺ يُفكر به. فعندما علم النبي ﷺ أنه حي وأنه قد احتمى بتلك الحصون خوفاً على حياته قال: “أَخْبِرُوا مَالِكًا إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتَهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ”[103] هل يُتوقع من شخص منتصر أن يفعل ذلك بمن هزمه؟ إن الجيوش في كل مكان تُحقق مرادها بملاحقة قادة العدو ومعاقبتهم والتنكيل بهم. أما التعاطف مع العدو بعد هزيمته وإجزال العطاء له هو أمر لا يمكن لكثير من قادة العالم أن يستوعبوا ناهيك عن أن يُقدموا عليه.

61. رجل من ياسين:

بُعيد حصار الطائف لحق عروة بن مسعود بالنبي ﷺ قبل أن يصل المدينة وسأله الدخول في الإسلام، فواق النبي ﷺ وأشار عليه ألا يرجع إلى قومه حيث قال ﷺ: ” إني أخاف أن يقتلوك.”(لأنه قد أسلم). لم يعتقد عروة ذلك وقال: “يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم ولو وجدوني نائماً ما أيقظوني (فكيف يؤذونني).” فقدم الطائف حتى إذا أسحر وطلع الفجر، قام على غرفة له في داره فأذن بالصلاة فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله. وفي بعض الروايات قال النبي ﷺ حين بلغه أمر قتله: “مثل عروة مثل الرجل من سورة (ياسين) ، دعا قومه إلى الله فقتلوه”.[104]

62. المنافقون في تبوك:

حاول خمسة عشر رجلاً من الذين أظهروا إسلامهم أن يقتلوا النبي ﷺ بعد أن عاد من غزوة تبوك. فقُتل ثلاثة منهم وعلم حذيفة -رضى الله عنه – أسماء من بقي منهم. فأنزل الله فيهم آيات تفضحهم وتدعوهم إلى التوبة. [105] وعلى الرغم من أن النبي ﷺ قد عرفهم إلا أن كل ما فعله هو أن أنذرهم عذاباً في الدنيا والآخرة حيث قال: ” فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ.”[106]

63. موت ابن سلول:

توفي عبد الله بن أبي بعد غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة. وعلى الرغم من إيذائه لرسول الله ﷺ وللمسلمين طيلة ما يُقارب عقداً من الزمان، أعطى النبي ﷺ قميصه ليُكفن فيه وصلى عليه وقال ” “آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ ‏”‏‏. فأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ‏.‏ يقول عمر – رضي الله عنه – فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَىٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ ‏”‏ أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ ‏”‏ ‏.‏ فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ ‏”‏ إِنِّي قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ فَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا .”[107] يقول الإمام الخطابي -رحمه الله- “إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا فَعَلَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنَ الدِّينِ وَلِتَطْيِيبِ قَلْبِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلِتَأَلُّفِ قَوْمِهِ مِنَ الْخَزْرَجِ لِرِيَاسَتِهِ”[108] كما أن النبي ﷺ شعر بأنه مدين لابن سلول عندما أعطى قميصه للعباس عم النبي ﷺ بعد غزوة بدر حتى ولو أن فعله ذلك كان بسوء نية.

64. الرجل الذي رجم الرسول ﷺ في الطائف:

كان عبد ياليل بن عمرو من بين الذين آذوا النبي ﷺ أشد إيذاء. وقد كان سيد ثقيف وهو الذي أمر بأن يُرمى النبي ﷺ بالحصى وأن يُخرجوه من الطائف. وقد قاومت قبيلة ثقيف ظهور الإسلام في الطائف طيلة ما يقارب عقداً من الزمان، وبعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة تحالفوا مع هوازن في غزوة حنين. كما أنهم قتلوا عروة بن مسعود -رضي الله عنه- عندما جاءهم وكان ذلك إيذاءً آخر للنبي ﷺ. وبعد أن تشتت جيش الروم في غزوة تبوك أدركت ثقيف أن المسلمين أصبحوا قوة لا تهزم في جزيرة العرب، لذلك أرسلوا وفداً إلى المدينة على رأسه عبد ياليل الذي استقبله النبي ﷺ بلطف دون أن يذكره بقبيح أفعاله فيما مضى.  فقد ضيفهم وحملهم بالهدايا حتى أنه نظر فيما اشترطوا لدخولهم في الإسلام وهو أن يأذن لهم بالربا والزنا وشرب الخمر وأن يتركوا الصلاة وألا يُهدم صنم اللات. فكان النبي ﷺ يناقش هذه الأمور معهم كل ليلة بعد صلاة العشاء في خيمة قد نصبها لهم في مسجد رسول الله ﷺ، حتى لانت قلوبهم للإسلام وتأثرت بحسن معاملة النبي ﷺ لهم فأصبحوا من أعظم من يدافعون عن الإسلام حتى أثناء حروب الردة عندما انتشر الخوارج.

65. أمير نصراني:

كان لدى عدي بن حاتم الطائي أسباب كثيرة تجعله يكره الإسلام حيث كان سيد قبيلة طيء (إحدى القبائل المنافسة لقريش) وقد كان نصرانياً وحليفاً للقوة العظمى وهم الروم. كما أن النبي ﷺ كان قد أقام حد القتل على والد كعب بن أشرف لتحريضه على الفتنة والحرب وهو من قبيلة طيء. علاوة على ذلك فإن القبيلة قد تلقت هزيمة سهلة من جيش المسلمين. يقول عدي -رضي الله عنه- ” بُعِث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث بعث فكرهته أكثر ما كرهت شيئاً قط” [109] وبعد أن استسلم قومه، جال في الأرض هارباً حتى ضاق به الأمر فتوجه إلى النبي ﷺ في المدينة أعزلاً من السلاح ومستضعفاً، فآواه النبي ﷺ ودعاه إلى الإسلام وصبر عليه حتى أفهمه الحق الذي جاء به وأخبره بما سيقع من أحداث. وبذلك دخل هذا القائد العظيم في الإسلام دون أن يسمع من النبي أي شيء يتعلق بما فعله فيما مضى من حرب ضد المسلمين وإيذاء للنبي ﷺ.[110]

66. المرأة التي سممت النبي ﷺ:

في آخر حياة النبي ﷺ دعته امرأة من خيبر هي زينب بنت الحارث وكان هدفها أن تضع له السم في الطعام حيث أعدت له شاة مسمومة ووضعت مزيداً من السم في كتف تلك الشاة حيث كان النبي ﷺ يُفضل أكل الكتف، فأكل منها هو وأصحابه حتى نزل الوحي يُخبره بأن الشاة مسمومة، فجيء بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك قالت: “أردت لأقتلك” فقال: “ما كان الله ليسلطك علي” “قالوا يا رسول الله ألا نقتلها؟” فقال: “لا” وعفا عنها. يقول أنس -رضى الله عنه- “فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله.”[111] 

67. وفود مسيلمة:

كان لقبيلة بني حنيفة قوة عظيمة وذكراً مهيباً وقد قبلوا الإسلام في أول الأمر مثل باقي قبائل العرب. ولكن عندما هموا بالعودة إلى ديارهم سألوا النبي ﷺ أن يرفع من شأنهم وأن يجعل لهم الخلافة من بعده. وعندما رفض النبي ﷺ ذلك ارتدوا عن الإسلام واتخذوا من مسيلمة الحنفي (أو مسيلمة الكذاب) نبياً لهم. على الرغم من عظم ما ارتكبوه من ردة وخيانة إلا أن النبي ﷺ تمسك بمبادئه وقال لرسل مسيلمة ” أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا.”[112] أما بنو حنيفة فقد ظفروا برسول رسول الله ﷺ وهو حبيب بن زيد -رضى الله عنه- ومزقوا قطعاً عضواً عضواً أمام أهله حتى مات.

لا تفسُد أخلاقه أبداً

يزعم بعض دعاة الإسلاموفوبيا ” أن سلوك محمد وتعاليمه التي تغيرت في المدينة هي أكثر إقناعاً وتحقق الرغبة الذاتية لأي شخص لديه رغبة في إدراك حقيقة الطبيعة البشرية.”[113] وعلى الرغم من أن الرأي القائل بأن السلطة قد أغرته في المدينة هو أفضل ممن يصفونه بالانتهازي الذي تظاهر بالضعف في مكة إلا أن كلاهما مغالطة عظيمة.

أولاً: تقول عائشة -رضي الله عنها- وهي التي عاشت مع النبي ﷺ في غرفة واحدة حتى آخر نفس له في حياته ” ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى‏.‏”[114] ومن المفارقة أن عائشة -رضي الله عنها- عاشت أربعين عاماً بعد وفاة النبي ﷺ وهي تخبر العالم عن أخلاقه التي لا نظير لها، إلا أن دعاة الإسلاموفوبيا يحرفون روايات عائشة -رضي الله عنها- ليطعنوا في عرض النبي ﷺ.

ثانياً: إن اليأس يمكن أن يكون تحدياً للاعتدال مثله مثل السلطة تماماً، ولذلك نجد الجماعات الإرهابية تنشأ عادة من الأقليات السياسية المضطهدة، فعندما يشعر الناس أن المخرج قد سُد عليهم وأن السقف ينهال من فوقهم حينها يلجئون إلى أساليب غير أخلاقية. ألم يتعرض النبي ﷺ إلى التهميش والاضطهاد طيلة ثلاث عشرة سنة قضاها في مكة (وطيلة سنواته الأولى في المدينة)؟ ومع هذا ظل يدعو أعداءه إلى السلام ويسأل الله أن يهديهم، بينما كان يدعو أصحابه إلى الصبر على ما يلاقونه من عذاب أهل مكة لهم ولا يرون نهاية قريبة له.

ثالثاً: مع أن قوة النبي محمد ﷺ بقيت تتعاظم حتى وفاته إلا أننا لم نر مع ذلك إلا وهو يزداد رحمة. أليست رحمته بأهل مكة بعد الفتح خير مثال على ذلك، حتى تساءل الصادقون ممن يتبعون مذهب الشك عن السبب الذي جعل محمداً ﷺ لا يأخذ بثأره من أولئك الذين شوهوا سمعته وأخرجوه وقتلوا أهله وأصحابه ولم يتوقفوا عن ذلك طيلة عشرين عاماً؟  هل يمكن لرجل يستحوذ عليه الثأر أن يحافظ على أخلاقه ويمتنع عن قتل امرأ أو طفل أو راهب أو شيخ أو غير المحاربين؟ هل يمكن لمثل هذا الرجل أن يقف وسط حملة عسكرية عند امرأة قد قُتلت ويقول “ما كانت هذه لتقاتل”؟[115]

لمزيد من التوضيح حول هذه النقطة الأخيرة، من المفيد أن تنظر للناس دون تأثير في مجتمع النبي ﷺ وفي زمانه. حتى أن اضطهاد الفئات الأضعف في المجتمع قد حظيت بقدر مماثل من تسامح النبي ﷺ. لا شيء يمكن أن يفسر معاملة النبي ﷺ لهم بمثل هذا العطف وتلك المثالية بشخصيته العظيمة وحرصه على إنقاذ أكبر عدد من الأرواح.

68. الرجل المتطرف:

أثناء توزيع غنائم الحرب اتهم ذو الخويصرة النبي ﷺ أنه لا يقسم الغنائم بالعدل. حيث قال ” إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللَّهِ” فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النبي ﷺ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ ثُمَّ قَالَ ‏”‏ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ‏”‏‏.‏ قَالَ ثُمَّ قَالَ ‏”‏ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ ‏”[116] وفي رواية قال ” أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ؟”

69. يتسامح في قضاء ديونه:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ” أَنَّ رَجُلاً، تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ ‏”‏ دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً‏.‏ وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ‏”‏‏.‏ وَقَالُوا لاَ نَجِدُ إِلاَّ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ‏.‏ قَالَ ‏”‏ اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ‏”‏‏.‏[117]

70.  الأعرابي الذي خنق النبي ﷺ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ.‏ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ‏.‏[118]

لم يستنبط الفقهاء المسلمون -على مر أربعة عشر قرناً- من هذه الحوادث الصفات الدالة على حسن خلق النبي ولينه فحسب، بل أدركوا أنها توجيهات للحكام من بعده بأن يكونوا متسامحين مع شعوبهم عن الضرر البدني والمالي ويتغاضون عن أي ازدراء حتى يؤلفون قلوبهم للإسلام.[119]

الخطأ في فهم الرحمة

أحياناً قد يجد بعض الناس مشكلة في أن النبي ﷺ قد يخرج عن مبدأ التسامح والرحمة. ومع أن تحليل كل واحدة من هذه “الحوادث العنيفة” هو أمر جدير بالاهتمام، إلا أن ذلك خارج عن موضوع هذه الدراسة. لكن يمكن لنا أن نوضح فقط أن النبي ﷺ يميل -بدون شك- إلى حسن الخلق والعفو والرحمة بشكل عام. كما أن التزامه بالرحمة كان -قبل كل شيء- إرضاءً لله سبحانه وتعالى ليكون ممن رضى الله عنهم ورحمهم. لهذا السبب نجد النبي ﷺ وأبا بكر -رضى الله عنه- يبكيان خوفاً من الله: ومثال ذلك عندما أوحى الله تعالى آيات يلومهما فيها على ما اتخذاه بشأن “تعاطفهم الزائد” مع الأسرى. وبالتأكيد يجب ألا يُفهم ذلك على أنه يعني أن الله لا يحب الرحمة، فهو أرحم الراحمين. لكن الله حكيم في رحمته، فهو أعلم بأن الرحمة التي لا يحدها حد ولا يسبقها شرط إنما تتنافى مع القيم الأخرى مثل العدل، وأنها لا تُصلح أحوال البشر. ومن هذا المنطلق يمكن لنا أن نفهم السبب الذي لأجله قد أقام رسول الله ﷺ حد القتل على بعض الناس، ولماذا قاتل البعض الآخر مع أنه تمنى لو كان بإمكانه تجنب ذلك.[120]

أحياناً كثيرة ما نخفق نحن البشر – حتى مع حسن نياتنا- في الموازنة بين القيم المتقابلة، وهذا هو أحد الأسباب التي لأجلها أوحى الله إلينا الهدى ليرشدنا إلى تنظيم حياتنا ووضع هذه  القيم في سياقاتها. يقول الله تعالى في القرآن الكريم }فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ{ (هود 74-75) ففي هذه الآية ثناء من الله لإبراهيم -عليه السلام- لأنه حزن لمعاناه بعض البشر ثم إنه عاد واستسلم لأمر الله سبحانه وتعالى. فهذا هو التوازن عند الأنبياء وهو ما أراد الله أن يغرسه في قلب نبيه محمد ﷺ عندما أوحى إليه تلك الآيات. لم يُرد الله لخاتم النبيين أن تُنزع الرحمة من قلبه، ليكون مثل أولئك الذين من حوله، ولم يُرد له كذلك أن يكون مستسلماً فيتجرأ عليه خصومه الذين نُزعت الرحمة من قلوبهم ويستغلون ما قد يظنونه ضعفاً.  إن قتل النبي ﷺ لأبي عزة (وهو أحد الشعراء) بعد غزوة أحد وكان قد أطلق سراحه في غزوة بدر قبل ذلك بعام دون أن يأخذ منه الفدية هو أحد الأمثلة على ذلك. لعله أراد أن يعفو عنه مرة أخرى كما عفى عن غيره أكثر من مرة ولكنه ﷺ قال” والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرتُ بمحمد مرتين.”[121] 

إن عدم وجود مرجع خارجي يسوي الأمر بين تلك القيم (أقصد الوحي الإلهي) قد جعل العالم يختلف بشأن الحدود الواقعة بين الرحمة والعدل. فالبعض انجذب إلى طرف مثالي وغير عملي من الموضوع، حيث لا يجدون مبرراً للقوة من أي نوع كانت، متجاهلين حقيقة أن بعض الناس لن يكون لديهم أبداً “ضمير أخلاقي” كما هو الحال بالنسبة لأنفسهم، وسوف يستمرون في انتهاك حقوق بعضهم البعض ما لم تكن هناك قوة توقفهم. أما البعض الآخر فقد انجذب إلى الطرف الآخر حيث استخدموا الوحشية والترهيب كوسائل لتحقيق غاياتهم “الصالحة”. بينما بقي الأغلبية يسيرون في منطقة ضبابية بين هؤلاء وأولئك، كل يزعم وضع حد لفضيلة مثل الرحمة وبداية لأخرى مثل العدل. إن بعض النفوس تحتاج إلى قدر من “الشدة” حتى تستقيم، فالعملة الصدئة لا يصقلها أن تحكها بلطف. وكما أن جراحة استئصال العضو غالباً ما يتجنبها المريض إلا أنها قد تكون ضرورية في بعض الأحيان كحل أخير لإنقاذ حياته، فالرحمة قد تتمثل في التضحية ببعض الأرواح من أجل الحفاظ على البقية.

نأمل من خلال هذه الدراسة أن تصوير مسيرة النبي ﷺ على أنها مسيرة مليئة بالكبر والكره والانتقام قد ظهر زيفه. حيث يكيفها المؤرخ الفرنسي لويس بيير قائلاً:

إن ذلك لتحريف للحقائق التاريخية عندما يتهم بعض الكتاب النبي محمد بالقسوة … حيث نسوا أنه لم يدخر جهداً في القضاء على الرغبة المتوارثة في الثأر بين العرب؛ على الرغم من أن هذا الثأر كان له اعتبار كبير في الجزيرة العربية مثل المبارزة في أوروبا. ألم يقرأوا الآية القرآنية التي قضى بها النبي على تلك العادة القبيحة وهي وأد البنات. ألم يتفكروا أبداً في العفو الذي منحه لأشد أعدائه بعد فتح مكة، ولا تأملوا الرحمة التي أظهرها لكثير من القبائل أثناء الحرب. ألم يعلموا أنه لم يسئ أبداً استخدام قوته في تحقيق أي رغبة تتسم بالقسوة؟ فلو أن أحد صحابته ارتكب أي أمر خاطئ فإنه يوقفه ويصحح له خطأه. كما أنه من المشهور عنه أنه رفض رأي أقرب أصحابه وهو عمر بن الخطاب بشأن قتل أسرى الحرب. وعندما حان الوقت لمعاقبة بني قريظة ترك الحكم في هذا الأمر لسعد بن معاذ الذي اعتاد قبل ذلك أن يكون حليفاً لهم والذي كان لديه علم بالشريعة اليهودية. كما أنه عفى عن قاتل حمزة ولم يرفض أبداً أي مطلب للسلام أو العفو.[122] 

كما يكتب عن القرآن في موضع آخر قائلاً:

إنه يُخرج الإنسان من ظلمات ضعفه ويسمو به إلى نور الأخلاق… إن الذين يصفون الإسلام بأنه دين بربري هم أناس فقدوا وعيهم لأنهم أعموا أبصارهم عن آيات القرآن النقية والواضحة، ولم يدرسوا كيف أن القرآن قضى على تلك الأفعال المشينة التي دامت لقرون.[123]

أدعو الله وآمل لهذه المواقف السبعين التي أوضحتها بهدف الوعي أن تكون تذكرة لما كانت عليه سيرة النبي ﷺ حقاً: رجل الرحمة وحسن الأخلاق والذي لم يسعى إلى استجداء ثناء من هذا العالم بل إلى صلاحه من خلال المثل الصالح الذي جسده. أدعو الله أن يصلى ويسلم عليه أبداً وعلى آله وصحابته ومن اتبع سبيله.


[1]إشارة للتشريف ونصها: “التحيَّات والسلام عليه”.

[2]مايكل دايفيد بونر، الجهاد في التاريخ الإسلامي: أصول وممارسة، (برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 2006)، 16.  

[3]المرجع السابق.  

[4]مايكل هـ. هارت، المائة: ترتيب أكثر الأشخاص تأثيراً في التاريخ، (نيويورك: شركة هارت للنشر، 1978)، 21.

[5] أنثون مارتن، حياة إلهية: المرشد الأساسي لقدرك الحقيقي.

 

[6]نُسِبت إلى مانيول بليولوغو الثاني، إمبراطور بيزنطي في القرن ال14 عشر. لكنها تقتبس حديثاً من البابا بنيديكت السادس عشر، “أروني فقط  شيئاً جديداً جلبه محمدٌ وعندها ستجدون الشر فقط وعدم الإنسانية: مثل طلبه لنشر ما يدعوا إليه بالسيف”. محاضرة الأب المقدس- الإيمان، والعقل، والجامعة: ذكريات وتأملات.  (مكتبة الفاتيكان للنشر، 12 سبتمبر 2006).

[7]تؤكد “آيان حرسي علي” من خلال كتاباتها على أن العديد من المسلمين اليوم يفهمون من حياة النبي صلى الله عليه وسلم أن إكراه الناس في الدين هو مطلبٌ دينيّ، وأن لحظة فراره صلى الله عليه وسلم إلى المدينة و “تجميعة لميليشيا”، قد أظهرت وجهه الحقيقي. انظر: الإسلام دين العنف،السياسة الأجنبية، 9 نوفمبر 2015.

 

[8]انظر: مستدرك الحاكم؛ باب التفسير؛ سورة النحل؛ إلا من أُكره وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان.

[9]انظر: سنن ابن ماجه (153)، وحلية الأولياء (472).

[10]الغزالي، فقه السيرة: فهمُ حياة النبي محمد، 117.

[11]الصلَّابي، السيرة النبوية الشريفة، 327.

[12] حليم، القرآن: ترجمةٌ جديدة ل م.أ.س عبدالحليم، 237.

[13]الغزالي، فقه السيرة: فهمُ حياة النبي محمد، 125.

[14]المرجع السابق، 121.

[15]الصلابي، السيرة النبوية الشريفة، 181

[16]كانت قريش تصف النبي بأنه مجنون، وساحر، ومنجم، ومحتال، ومحض شاعر، وعقيم، وملعون من الآلهة، وشتائمٌ أخرى مماثلة.

[17] مسند الإمام أحمد (9251)، وأبو داوود (4896)، وقال عنه الأرنؤوط: حسنٌ لغيره.

[18]جمعه البخاري (334)

[19]جمعه الترمذي (3683)

[20]جمعه البخاري(333،133)

[21]جمعه البخاري (3059) ومسلم (1795)

[22]جمعه بن هشام في السيرة (2/70-72)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/211-221).

[23]جمعه البخاري (4131)

[24]جمعه البيهقي في السنن الكبرى (12477) وابن كثير في البداية والنهاية (3/218-219)، والطبري في تاريخ الأمم والملوك (2/372).

[25]جمعه البخاري (3419) ومسلم (2009)، وهي ألفاظ أحمد (17627) والتي قال عنها الأرنؤوط: “إسناده قوي طبقاً لمعايير الإمام مسلم”.

[26] محمد بن إسماعيل البخاري ومحمد محسن خان. صحيح البخاري: ترجمة معاني صحيح البخاري: عربي-إنجليزي. (الرياض، المملكة العربية السعودية: دار السلام للنشر والتوزيع، 1997)، حديث رقم 3612.

[27]  زيتلين، محمد التاريخي، صفحة 317.

[28]  إسبوسيتو، جون ل. الإسلام: الصراط المستقيم. النسخة الثالثة المنقحة. نيويورك: دار نشر جامعة أكسفورد، 2005، صفحات 8-9.

[29] جمعه البخاري (856) ومسلم (4431).

[30] جمعه البخاري (410، 6528).

[31]  جمعه ابن حبّان (288)، البيهقي (11066) والحاكم (6547) الذي قال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (البخاري ومسلم)”. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: “روى ابن ماجه منه طرفًا، ورواه الطبراني، ورجاله ثقات.

[32] جمعه ابن هشام (1/616-617)، الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد (4/27)، والسهيلي في الروض الأنف (3/58).

[33] انظر: التاج والإكليل (3/353).

[34] جمعه مسلم (1787).

[35] جمعه الحاكم (3/318)، وابن هشام (3/200).

[36]  جمعه مسلم (1763).

[37] جمعه الطبراني في الكبير (977)، وفي الصغير (409)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/115): “إسناده حسن.”  

[38]  جمعه البخاري (3482)، ومسلم (2242).

[39]  كما رواه أيضاً سعيد بن جبير، عطاء بن أبي رباح، الحسن البصري، قتادة. انظر: تفسير ابن كثير (4/584).  

[40] انظر: السيرة (2/475) لابن كثير، الطبقات الكبرى (2/15) لابن سعد.

[41] جمعه البخاري (2846) والبيهقي في السنن الكبرى (18570).

[42] جمعه البيهقي في دلائل النبوة (5/264).

[43] انظر: الطبقات (4/14) لابن سعد.

[44]  انظر: عيون الأثر (1/352) لابن سيد الناس.

[45] جمعه أحمد (2216)، وقال شعيب الأرناءوط: “إسناده حسن”. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/172): “رواه أحمد عن علي بن عاصم، وهو كثير الغلط والخطأ، وقد وثَّقه أحمد.”

[46]  انظر: البداية والنهاية (3/311) لابن كثير.

[47] جمعه الترمذي (1566) وقال: حديث حَسَنٌ غريب. وأحمد (23546) وقال شعيب الأرناءوط: حسن بمجموع طرقه وشواهده. كما رواه الحاكم (2334) وقال: صحيح على شرط مسلم، والطبراني في الكبير (4080)، والبيهقي في الكبرى (18089)، وقال الألباني: صحيح. انظر:صحيح الجامع (6412).

[48] جمعه الحاكم (6193)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرَّجاه (البخاري ومسلم)، ورواه سعيد بن منصور أيضاً في سننه (2654).

[49] جمعه البخاري (2970)، وأبو داود (2689)، والطبراني في الكبير (1/302)، ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (1/337).

[50] جمعه أبو داود (3001).

[51] انظر: السيرة (2/48) لابن هشام بإسناد مرسل حسن.

[52] جمعه البخاري (6530) ومسلم (1792).

[53]  جمعه مسلم (2599).

[54]  يقول تعالى: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ” (المائدة 5: 78).

[55]  قال رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): “لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ.” (جمعه مسلم 1598).

[56]  توسل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلي الله بأن يلعن أمثال صفوان بن أُمية، سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، ولكنه كفّ عن ذلك عندما نزل قول الله سبحانه وتعالى: “لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ” (آل عمران 3: 128)، جمعه البخاري (4283) وآخرون.

[57] ففي شرح مسلم (6/167)، يُوضح الإمام النووي أن السر وراء قراءة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لسورة المنافقين خلال صلاة الجمعة “لِتَوْبِيخِ حَاضِرِيهَا مِنْهُمْ وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ أَكْثَرَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ فِيهَا.”

[58] جمعه البيهقي في دلائل النبوة( 147/3-149)، ابن سعد في الطبقات (4/200) والهيثمي في مجمع الزوائد (8/286) وأسنده إلي الطبراني. وأفضل هذه الأسانيد هو رواية مرسل حسنٌ مرفوع لعروة ورواية مرسل مسندة إلي أنس (رضي الله عنه). ولذلك، ناقش الباحثون هذه الروايات باستفاضة وخاصة تفاصيل اعتناق عُمير للإسلام بعد غزوة بدر.

[59] جمعه البخاري (5765) ومسلم (2189). ففي فتح الباري، يُوضح ابن حجر أن لُبيداً التمس عفو النبي، واعترف أنه كان يفعل ذلك لاحتياجه للمال فحسب، فلم يرغب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أن يثير العداء بين الناس ولا في أن يغذي شائعة أن محمداً يقتل أتباعه، خاصة وأن لُبيداً كان ينتمي لأحدى القبائل التي تكذب الدين الإسلامي.

[60]  انظر: البداية و النهاية (4/159)

[61] جمعه صحيح البخاري (3518) و صحيح مُسلم (2584)

[62] جمعه سيرة ابن هشام (2/291)

[63]  انظر: السير الكبير (2/591) للشيباني.

[64]  انظر:  تفسير القرطبى، (سورة الأحزاب (33): 37)

[65] جمعه صحيح البخاري (281/60) 

[66]    انظر: تفسير ابن عاشور (سورة الفتح (48): 24)

[67]   ( مأخوذ من صحيح البخاري ( 2731،2731) و من صحيح مسلم (4401، 4409)

[68]  مأخوذ من صحيح البخاري ( 2731،2731) و من صحيح مسلم (4401، 4409)

[69]مأخوذ من: صحيح مسلم (1641)،وأبو داوود (3316)، وابن حِبان (4859)، والشافعى (1490)، والدارقطنى (37)، والبيهقى فى السنن الكبرى (1845)، وأبو نُعيم فى حلية الأولياء (8/651)           

[70]     جمعه: صحيح مسلم 2491

[71] فى الفتح البارى (7/426)، قال ابن حجر، ” أنه عندما شهد الأعرابي الثبات العظيم للرسول صلى الله عليه و سلم و أدرك أنه حال بينه و بين النبى صلى الله عليه و سلم مانع و كأنه أقر صدقه و بات موقناً باستحالة الوصول إليه بأذى. و لهذا سقط منه السيف. 

[72]   جمعه صحيح البخاري(2910) و من صحيح مسلم (843)

[73]  جمعه الحكيم (4322) و الذى صححه بناءاً على معايير البخاري ومسلم، ووافقه الإمام الذهبي والألباني صححه أيضاً فى التعليقات  الحسان (2872).

[74]  جمعه صحيح البخاري (4372) ومن صحيح مسلم (1764)

[75] انظر: السير (4/284-285) لابن هشام 

[76] جمعه صحيح البخاري (83/11) ومن صحيح مسلم (1/ 176-178)   

[77] جمعه الواقدي (2/749) 

[78] جمعه صحيح مسلم (711) 

[79] جمعه صحيح البخاري (801) و من صحيح مسلم (2194 ) 

[80] جمعها البخاري (1360) في كتاب الجنائز.

[81] انظر: الإصابة في تعريف الصحابة (4/12)

[82] انظر: البداية والنهاية (2/540)

[83] جمعها البخاري (3817)، أبو داود (2262)، والنسائي (8635)

[84] الدكتور راغب السرجاني علق قائلا ” أيُّ عظمة…!! وأيُّ فضل…!! إننا لا يمكن أن نتصور مدى النُّبل الذي في هذا الموقف إلا أن نضع أنفسنا في الموقف ذاته، ولنكن صادقين مع أنفسنا، وليكن العالم صادقًا مع نفسه.. هل يفعل ذلك أحد غير رسول الله؟! أما زال هناك من يدَّعِي أن المسلمين لا يعترفون بغيرهم، ولا يحسنون التعامل معهم؟!! أما زال الإسلام دين إرهاب وعنف في رأي البعض؟! إننا نفتقر فقط إلى العلم.. إننا لا نعرف من حياة رسول الله إلا قشورًا سطحية، ولو تعمَّقنا في دراسة سيرته، ونقلناها لعموم أهل الأرض، لزالت الغشاوة عن أبصار قوم لا يعلمون.” من مقال “سماحة الرسول مع ابي سفيان” على موقع www.islamstory.com

[85] انظر: السيرة (4/1072) لابن هشام.

[86] جمعها البخاري (40300 والبيهقي في السنن الكبرى (18058)

[87] انظر: فتح الباري (8/9).

[88] انظر: السيرة (2/411) لابن هشام، زاد المعاد (3/356)، ابن القيم، الروض الانف (4/170) للسهيلي والسيرة (3/570) وفتح الباري (8/18) لابن حجر.

[89] جمعها مسلم (4395)

[90] انظر: تفسير الطبري (8 / 491-492) وتفسير ابن كثير (2/340)

[91] انظر: أسد الغابة لابن أثير، والإصابة لابن حجر، وفتح الباري أيضا لابن حجر.

[92] جمعها مسلم (2313)

[93] جمعها البخاري (6150، 6628) ومسلم (3234)

[94] انظر: السيرة الحلبية (1/461)

[95] جمعها البخاري (3844، 4072)، أحمد (16077)، والبيهقي في دلائل النبوة (3/241)

[96] انظر: الطبقات (3/573) لابن سعد

[97] جمعها أبو داود (4359) وابن سعد في الطبقات (339-448)

[98] انظر: الروض الأنف (7/239)

[99] انظر: الروض الأنف (7/114)

[100] جمعها الحكيم (2812)، وانظر: فتح الباري (8/11)

[101] جمعها الحكيم (5103)

[102] مقتبس من محمد: مقدمة قصيرة جدا، (ص 41، 56) لجوناثان أ. سي براون، مطبعة جامعة أكسفورد، 2011. انظر أيضا: سيرة ابن هشام (3 / 502-512)، زاد المعاد (3 / 455) لابن القيم، مجمع الزوائد لابن الهيثمي (3/407)، الذي قال فيه عن رواية الطبراني، “رواتها حتى ابن إسحاق جديرون بالثقة”.

[103] جمعة الطبراني في تاريخ الأمم والملوك 2/174.

[104] انظر: الواقدي 3/960-961.

[105]}يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{ (التوبة 74)

[106] جمعة مسلم 2779

[107] جمعة البخاري 1269 ومسلم 2774

[108] ذكره في فتح الباري 8/336

[109] رواه ابن الأثير في أسد الغابة 3/504 والذهبي في تاريخ الإسلام 1/354

[110] جمعة أحمد 19397 وقال الأرناؤوط هذا المتن حسن.

[111] جمعة البخاري 2617 ومسلم 2190؛ أما الروايات الأخرى فتبين أن النبي ﷺ قد عفى عنها بعد ما فعلته له ولكنه ترك أمرها لأهل بشر بن البراء رضي الله عنه الذي مات بسمها فكان لهم حق القصاص.

[112] جمعة أبو داود 2761

[113] انظر: مقالة كتبها فرد هوتشينسون تحت عنوان “لغز الإسلام؛ وجهين لمحمد، أمريكا جديدة” كتبها في 30 يونيو 2006

[114]  جمعه مسلم 644

[115] رواه أبو داود 2663 وأحمد 17158

[116] جمعة البخاري 73/85 ومسلم 1064

[117] جمعة البخاري 578 ومسلم 3898

[118] جمعة البخاري 3149 ومسلم 1057

[119] انظر: فتح الباري لابن حجر 10/506 وشرح مسلم للنووي 7/147

[120] قال النبي ﷺ “لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا” رواه البخاري 2863.

[121] انظر: الروض الأنف 6/30

[122] لويس سيديو (ت. 1875) Histoire des Arabes  (موجز من تاريخ العرب) 63-64، تم نشره 1854.

[123] المرجع السابق

Dr. Omar Suleiman

Dr. Omar Suleiman

President | Imam Dr. Omar Suleiman is the Founder and President of the Yaqeen Institute for Islamic Research, and an Adjunct Professor of Islamic Studies in the Graduate Liberal Studies Program at Southern Methodist University. He is also the Resident Scholar at Valley Ranch Islamic Center and Co-Chair Emeritus of Faith Forward Dallas at Thanks-Giving Square.

Sh. Mohammad Elshinawy

Sh. Mohammad Elshinawy

Fellow | Mohammad Elshinawy is a Graduate of English Literature at Brooklyn College, NYC. He studied at College of Hadith at the Islamic University of Madinah and is a graduate and instructor of Islamic Studies at Mishkah University. He has translated major works for the International Islamic Publishing House, the Assembly of Muslim Jurists of America, and Mishkah University