Yaqeen Institute for Islamic Research
Infographic-Islam-and-the-Abortion-Debate-Hero-Image

الإسلام والجَدَل حول الإِجهاضْ

هل يُعارض  الإسلام مسألة الإجهاض، أم أنه مؤيدا لها، أم الاثنين معاً؟ أم يتَغيَّر تبعاً للظروف؟ وما هي الآثار المترتبة على إجابة هذا السؤال على الخطاب السياسي الحالي؟ يهدِف هذا المقال لطرح نظرة شاملة حول كيفية تعامل علماء المسلمين قديماً والمعاصرين مع مسألة الإجهاض ومنع الحمل طبقاً للمناهج المتطورة والظروف والجدال القائم حول هذين الموضوعين.

قُدْسِيِّة الحياة في الإسلام

كما هو الحال في جميع الكتب السماوية، يُقدِّس القرأن الحياة الإنسانية. فقد حَرَّمَ القُرآن  قتل النفس البريئة – بغض النظر عن عُمْرها أو انتمائها الديني – وجاء ذلك التحريم بأكثر التعبيرات صرامةً: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام:١٥١).

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شهير: قال النبي صلى الله عليه وسلم (أول ما يُقْضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء)[1]

ويُعَدْ إنجاب الأطفال والدعاء لهم بالصلاح عبادة في الإسلام، وتَبَيَّن ذلك في عدة آيات قرآنية منها:

قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (الصافات:١٠٠).

وقال زكريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (مريم، ١٩: ٤-٦)

كما أنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عادة وأد البنات التي كانت منتشرة

 في زمنه، فكان يتلو على الناس قول الله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير، ٨١: ٨-٩).

وخاطب القرآن أيضاً الذين قتلوا أولادهم خوفا من شدة الفقر: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}  (الأنعام :١٥١).

مَنْع الحمل

على الرغم من أن الإسلام قَدَّس الحياة الإنسانية ومَنَعَ وَأْد البنات وشجَّع على إنجاب الذرية الصالحة، إلا أنه أيضاً يعترف بأن أرغام الأخرين علي الإنجاب دون مراعاه الظروف المحيطه بهم أمر غير عملي. وبعبارةٍ أخرى، يُعَلِّم الإسلام المسلمين أن إنجاب الأطفال بالنسبة للقادرين هو نعمة، بينما يُقَرِّرأيضاً أن الظروف المحيطة لا تسمح دائماً بذلك. وتُضيف كتب الفقه الإسلامي القديمة لهذا النقاش ظروفاً مثل قدرة المرأة الصحية على حمل جنين أو سفر الرجل مكان بعيد عن زوجته لمدة غير محدودة.

يبيح أغلبية الفقهاء سواء القدامى أو المُعاصرين منع الحمل مؤقتا على المستوى الفردي فقط وليس كفكرة مجتمعية عامة، حيث أن الأخيرة تتجاهل التشجيع على الإنجاب المُناقَش أعلاه. وتنبثق هذه الإباحة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح العَزْل أو سحب العضو قبل القذف، في مناسبات عِدَّة يُمكن اسْتِقْصائِها بسهولة من أكثر من ١٠ من أصحابه.[2]  ويقول جابر بن عبدالله (رضي الله عنه) في أكثر هذه الأحاديث شهرة: “كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَنْهَنَا”.[3] 

وعلى الرغم من ذلك، فإن إباحة العَزْل هذه مشروطة بشروطٍ عِدّة، وبعض هذه الشروط مُختلَفْ عليها.[4] ولما كان الإنجاب هو نتيجة طبيعية ومتوقعة للزواج، فإن الشرط الأكثر ترسُّخاً هو موافقة الزوجين معاً على ذلك، وأن ذلك حق على كلٍ من الزوج والزوجة بالتساوي. وناقش علماء الحديث أيضاً أن الموافقة المشتركة بين الزوجين شيء ضروري لأن الإشباع الجنسي استحقاق مشترك للزوجين، وقد لا تحظى الزوجة بمتعة الجماع إذا سحب الزوج عضوه قبل القذف.

وقياساً علي ذلك، يرى معظم الفقهاء في عصرنا الحديث أن وسائل منع الحمل الآمنة، خصوصاً التي تمنع التَّخْصيب من البداية، مباحة قياساً على العَزْل عندما تستوفي شروطها خاصةً عندما تكون مَكفولة بالظروف المُلِحَة المحيطة. ويُفضِّل بعض العُلماء وسائل أخرى مثل العازل واللولب، حيث أنها تعتبر بدائل أفضل تفوق الوسائل الأخرى كحبوب منع الحمل التي تؤخذ عن طريق الفم ولها خطورة على صحة المرأة من حيث تأثيرها السلبي وأعراضها الجانبية على المرأة، أو كتلك التي تدخل بعد التخصيب،[5] حيث أن أي من هذه التدخُّلات بعد حدوث التخصيب حتى وإن كان حدث حالاً وقبل أن تنغرس البويضة المُلَقَّحَة   في جدار الرَّحِم يجعل المسألة أكثر تعقيداً ويعتبره بعض الفقهاء في بعض الحالات إجهاضاً غير شرعياً للحَمْل.[6]     

الإِجْهَاض

نظره العلماء المسلمين للجنين بصفةٍ عامة على أنه أصل الحياة الإنسانية، واعتبروا الرَّحِم وعاءً هَشاً يحمل روحاً إنسانية فريدة من نوعها، والجدير بالملاحظة أن هذه الروح تتطلب حماية ومعاملة حذرة، حيث يُصَرِّحْ القرآن الكريم:

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة :٢٢٨)

ويُعتَبَر الرَّحِم مُقَدَّساً حيث تتشكل الروابط بداخله. يقول الله تعالى في حديثٍ قُدْسِي:

“أَنَا الله ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وشْقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ‏.‏”[7]

ومع ذلك، كما هو الحال في الجدال القائم حول معنى و دلالة لفظ بداية الحمل الدائر حالياً في الولايات المتحدة ، نجد أن الفقهاء المسلمين أيضا ناقشوا مطولاً متى يبدأ رسم الخطوط الحمراء   حول هذا الأمر. فإن الجدل القائم حول الإِجهاض يبدأ عامةً بنقاش متى تبدأ الحياة.

سنتجه في الفقرات التالية عدة خُطُوات إلى الوراء تجاه بدأ الحمل، وعرض آراء المذاهب الأربعة أو المدارس التفسيرية في التشريع الإسلامي.

يتفق الفقهاء بالإجماع على أنه بعد مرور ١٢٠ يوماً على الحمل[8] يكون قد نُفِخَت الرُّوح. ويعتمد ذلك على حديث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تنفُخ الرُّوح (بأمر ربها) في الجنين بعد مرور ١٢٠ يوماً على الحمل. وعلى الرغم من ذلك، فإن علماء المسلمين لا يُسلِّمون بأن نفخ الرُّوح يوازي بالضرورة إكتمال التخلُّق، فبعض العلماء مثل عالم القرن الثالث عشر الزملكاني (المتوفى سنة ٧٢٧ هجرياً، رحمة الله عليه) تحفّّظ على هذا الرأي وقال أن التَّخَلُّق يكتمِل في اليوم الأربعين أو الثاني وأربعين من الحمل[9] (خلال حوالي ٥٤-٥٦ يوماً من بدء التخصيب) طبقاً لحديثٍ نبويٍ شريف. تَؤول الرُّوح حينها إلى جسدٍ مُعَد لاستقبالها تماماً كما تنفصل عنه عندما لا يكون مُلائماً لإيوائها. يقول المولى عز وجل في القرآن الكريم: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون (٢٣): ١٢-١٤).

“ثُمَّ” مستخدمة في الآيات الكريمة لتُعَبِّر عن التَّرتيب مع التَّراخي، وقد استخدمت في النص القرآني أعلاه للفصل بين مراحل التَّخَلُّق و مرحله”أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ” ، وهذا هو ما رواه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وأؤمن على نطاق واسع أنه إشارة إلى مرحلة نفخ الرُّوح.[10] بالإضافة إلي أنه في الآية السابقة ذُكِرَت مراحل تشكُّل العظام وكَسْوِها لحماً بين المراحل الأولى للأنشاء و الإشارة إلى نفخ الرُّوح.

وبناء علي ما سبق، يصبح إجهاض الحمل مُحرَّماً تحريماً قاطعاً في هذا الوقت، حيث يُعَد الجنين في هذا الوقت علي أنه حياة إنسانية، ويعتبر الإجهاض في هذه الحالة جريمة قتل في الإسلام إلا إذا أقر طبيب أن الاحتفاظ بالجنين كان سَيُعرِّض حياة الأُمْ للخطر. يمكن في هذه الحالة فقط إجهاض الحَمْل بعد مرور ١٢٠ يوماً. ويعتمد هذا المنطق على قولٍ عربيٍ مشهور وهو: قطع الشك باليقين. بعبارةٍ أخرى، لا يجب أن تُهَدِّد حياة محتملة (وهي حياة الجنين)، حياة مستقرة (وهي حياة الأم). فعلى الرغم من أنه عملياً الاثنين في ذلك الوقت أحياء، لكن حياة الأم لها الأولوية حيث أن بقاءها مُسبَق الدلالة، بينما بقاء الجنين بداخلها يُصاحِبه شك أكبر. ومن ثم، فإن اليقين ينتصر على الشك ويفوقه، ويُلاقى أقل الضررين تلافياً للخسارة الأعظم.  ويدعم الفقهاء ذلك أيضاً من زاويةٍ أخرى: بما أن الأم هي أصل الرضيع – فحتى لو كانت لديهما نفس فرصة النجاة – بما أن الجنين يعتبر جزء منها ويعتمد في بقائه عليها، فلا تقطع الجذور لتنقذ الفروع. فإذا أُجبِرت على الاختيار بينهما، عليك أن تضحي بالفرع لتُنقِذ الجِذْر.

 تختلف المذاهب الأربعة حتى فيما بينهم فيما بين اليوم الأربعين  إلى المائة وعشرين، لذا سنذكر الرأي الراجح في كل مذهب. المالكية هي أكثر المذاهب صرامةً في هذه المسألة حيث أنهم يرفضون أي تقنية طبية كوسيلة للتحكم في الحمل (مثل أخذ حبوب منع الحمل على سبيل المثال)، ويرفض بعض علماء المالكية حتى عَزْل المَنِي بعد الجماع. وكان الرأي الراجح في المذهب الحنفي أكثر تساهلاً بكثير عن المالكية حيث أجازوا الإِجْهاض حتى ١٢٠ يوماً من تخصيب البُوَيْضَة حتى أن بعض الأحناف أجازوا الإجهاض في بعض الحالات بدون موافقة الزوج.[11] ويُرَجِّح كثير من الفقهاء المعاصرين رأي الحنابلة الذي يُجيز الإجهاض حتى ٤٠ يوماً من الحمل في الظروف العادية، وحتى ١٢٠ يوماً من الحمل في حالة وجود حاجة مُلِّحَة (مثل إذا ما كان الجنين نتيجة اغتصاب، أو في حالة الخطر الشديد أو التشويه غير المتوافق مع الحياة).

وأجاز معظم الفقهاء الإجهاض في الأربعين يوماً الأولى من الحمل عند وجود موافقة مشتركة من الزوجين وعند وجود أسباب واضحة تُشرِّع ذلك (مثل إذا ما كان الجنين نتيجة اغتِصاب، أو عدم الأهلية الجسدية أو العقلية لتربية أطفال). وكَحُكْم العَزْل، فلم يجز الفقهاء الإِجْهاض فقط بدافع الخوف من الفقر حيث أنهم لم يعتبروا ذلك مبرراً. وعارض المالكية ذلك كلياً، فقال ابن الجوزي، عالم المالكية (المتوفي سنة ٧٤١   هجرياً): “وإذا قبض الرحم المَنِي لم يَجُزْ التَّعَرُّض له. وأشد من ذلك إذا تَخَلَّق، وأشد من ذلك إذا نُفِخَ فيه الرُّوح فقد قتل إجماعاً.”[12] 

ويعرض معظم الفقهاء المعاصرين نصائح ومشورة معنوية لهؤلاء الذين يريدون إجهاض الجنين في الأربعين يوماً الأولى له. وترَكِّز تلك المشورات بشكل كبير في تشجيع علي استكمال الحمل طالما لا يوجد خطر محتمل على الأم أو الجنين مع ترك الباب مفتوحاً لهؤلاء الذين يختارون غير ذلك. وطبقاً للدكتور/ حاتم الحاج: “الإجهاض جائز في الأربعين يوماً الأولى بموافقة الأبوين و لسببٍ مشروع، مثل خوف الأم من أن تكون غير قادرة على تربية طفلٍ جديد. وبعد قولي هذا، يَجْدُر القول بأنه من المُسْتَحَب دائماً تَجَنُّب ذلك، ولو توكل المرء على الله ووثق/وثقت به فلن يخذلهم المولى عز وجل. عسى أن يكون هذا الجنين ابنهم المفضل يوماً ما”.[13] 

مقارنة مع مجموعات دينية أخرى

كما أن هناك آراء متعددة الجوانب في التشريع الإسلامي حول هذا الموضوع، فإن المذاهب الدينية الأخرى لها آراء شتى حول العناصر الضرورية المحيطة بهذه النقاشات. فعادةً ما يكون الموقف الكاثوليكي أكثر حزماً حيث قال البابا فرانسيس مقولته الشهيرة: “إن من المفزع مجرد التفكير في أن هناك أطفال، ضحايا الإجهاض، لن يروا أبدا ضوء النهار”[14]. قُبَيْل البابا فرانسيس، كتب البابا يوحنا بولس الثاني “بشارة الحياة” (أي إنجيل الحياة) التي تؤكد على قُدْسِيَّة الحياة منذ بداية الحمل.[15] ولكن، حتى الكاثوليك أعطوا مساحة للجدل حول هذا الموضوع منذ قرونٍ مَضَت. قبل عام ١٨٦٩، كانت الكنيسة لديها موقفاً مماثلاً لموقف علماء الفقه الإسلامي حول تقبًّل بعض عمليات الإجهاض لاحتياجات عدة على أن يكون ذلك قبل اليوم الأربعين من الحمل.[16] والجدير بالذكر أيضاً، أن الكنيسة كانت على النقيض من الموقف الإسلامي الذي يعطي الأولوية لحياة الأم في كافة الحالات، بينما فضلت الكنيسة حياة الجنين على حياة الأم من منطلق أن الأم قد تم تعميدها بالفعل وضمنت الخلاص في حين أن الطفل لم يحصل على هذه الفرصة بعد.[17] تؤكد الكنيسة الميثودية المتحدة أنه “من المُحَتَّم احترام قُدْسِيَّة حياة وسلامة الأم و الطفل غير المولود بنفس القدر.”[18] ويرى اللوثريون والأنجوليون أن فعل الإجهاض بصورةٍ عامة فعلاً غير أخلاقي في أي وقت إلا إذا كان يمنع وفاة الأم أو كان في بعض حالات الاغتصاب وسِفَاح المحارم[19]. يُعَد هذا أيضاً موقف كنيسة إنجلترا العام والذي “يجمع بين معارضة شديدة للإجهاض مع التسليم بوجود حالات – محدودة للغاية – يُفَضَّل فيها الإجهاض أخلاقياً عن أي بديل آخر متاح”[20].

وبصورةٍ عامة لا نجد الطابع الزمني الذي يحدده علماء الفقه الإسلامي متوفر لدى المعارضة البروتستانتية حول الإجهاض الذي يشدد على أن تكون فقط لبعض الظروف القصوى وفي هذه الحالة قد يفسح مجالا لبعض الحالات الاستثنائية. تُركِّز العديد من الكنائس في معارضتها للإجهاض على عدم أخلاقية الإجهاض “كوسيلة أساسية لتحديد النسل”[21] أو “للتناسب الشخصي أو الاجتماعي”[22]. وبشكلٍ عام، يُشاركهم فقهاء المسلمين نفس القلق ولكن دون الاعتراض على وسائل منع الحمل.      

أما فيما يتعلق بمسألة التشريع، تُدين الكنائس المِعْمَدَانية الأمريكية الإِجهاض ولكن لا يأخذون موقفاً صارماً ضده حيث يُفضِّلون تشجيع أعضائهم على “التماس الاستشارة الرُّوحية بينما يتخذون قرارهم بوعي”[23]. وعلى وجه العموم، يرفض أعضاء الكنيسة المشيخية الإجهاض مع التأكيد على أن قرارات الإجهاض شخصية ويجب تركها للآباء دون “تقيدها بالقانون”[24].

يتضمن الأدب اليهودي القديم العديد من النقاشات التقليدية والتي نجدها أيضا بين الفقهاء المسلمين. ففي الوقت الذي تدافع فيه الحركات اليهودية المتحفظة والتي تدعو للإصلاح علناً عن الحق في القيام بالإجهاض، يظل اليهود المتشددون منقسمين حول المسألة فيما بينهم مع ميل معظمهم لمعارضة الإجهاض إلا في حالاتٍ قصوى[25]. وكما هو حال الفقهاء المسلمين، رفض اليهود المتشددون رفضاً قاطعاً عمليات الإجهاض التي تقع لأسباب كالخوف من الفقر أو الخوف من أن يعاني الطفل من مشاكل طبية لا تُعَرِّض حياته للخطر، ولكن الجدل الأساسي يتعلق بإذا ما كان تهديد حياة الأم هو الاستثناء الوحيد للقاعدة أم لا. يُعطِي اليهود كالمسلمين الأولوية لحياة الأم على حياة الجنين في أي مرحلة من مراحل الحمل. وأخيراً، عادةً ما يتعرَّض الحاخامات الأرثوذكسيين في مسألة الحمل إلى الحالات الاستثنائية التي يمكن أن تُطَبَّق خلال أربعين يوماً من الإخصاب، ويتكرر هذا مراراً في النقاشات التقليدية[26]. ينفرد فقهاء المسلمين انفراداً تاماً بدرجة التحريم التي تقع بعد أربعة أشهر من الحمل حيث يستنبطونه من الحديث النبوي الشريف الذي يذكر أن الملائكة تنفخ الرُّوح في الجنين في تلك اللحظة.              

حقائق عَمَليَّة وتَوْجِيهات أخلاقية

يوضِّح مُؤيدي تنظيم الأسرة أن خدماتهم تُوفِّر بشكلٍ أساسي لذوي الدخل المحدود وغير المُؤَمَّن عليهم فرص الحصول على وسائل منع الحمل والصحة الجنسية[27]. في عام ٢٠٠٩، مَثَّلت رعاية تنظيم الأسرة لحالات الإجهاض ثلاثة بالمائة فحسب من خدماتها الطبية (٣٣٢.٠٠٠ حالة انهاء حمل من إجمالي ١١.٤ مليون خدمة).[28] وبغض النظر عن الإحصاءات، فمن الجَلِي أن فرص الحصول على وسائل منع الحمل تُقَلِّل بطبيعة الحال وجود حالات حمل غير مرغوب بها والتي قد تؤدي بدورها إلى الإجهاض. ويشير علماء أصول الفقه الإسلامي دائماً إلى تفضيل أولوية منع الظروف غير المرغوب بها بدلاً من الاكتفاء بمعالجة النتائج الإشكالية. ويتضمن ذلك إصلاح أخلاقيات المجتمع وأوجه عدم المساواة و التكافؤ التي تدفع المُهَمَّشين دون غيرهم إلى اتخاذ قرارات مؤلمة.

ولايزال المعمدانيين الأمريكيين (البابتيستس) الذين لا يأخذون موقفاً رسمياً تجاه النقاشات التشريعية التي تحيط بمسألة الإجهاض – على نقيض الإنجيليون والكاثوليك – يتحدثون حول أهمية التنديد “بالسلوك الجنسي غير المسئول وأفعال العنف التي تساهم في عدد كبير من حالات الإجهاض كل عام”،[29] لكنهم يدينون بنفس القدر الهجمات التي تتعرض لها مراكز تنظيم الأسرة وعيادات الإجهاض ويقرون حزن من يمرون بتلك الظروف الصعبة. وبالرغم من أن العفة والآداب الجنسية لا يمثلان جزءً كبيراً من النقاش، إلا أن لهم مساحة في المناقشة بشكلٍ واضحٍ.

الخاتمة

تُقَدَّس الحياة في نظام الأخلاق الإسلامي، ومن ثَمَّ يجب تكريمها وتعزيزها. إن إنجاب أطفال هو حق مشترك بين الزوجين، وبناء عليه لا يجوز لأي من الزوجين عرقله هذا الحق – قبل أو بعد حدوث الحمل – دون سبب وجيه، فمنع الحمل مسموح به مع إعطاء الأفضلية لوسائل أكثر أمناً. فمجرد أن تُخصَّب بويضة المرأة، يصبح إنهاء الحمل دون التراضي المشترك لكلا الأبوين غير مسموح، وما أن يبلغ الجنين أربعين يوماً من وقت حدوث الحمل، يصبح الإجهاض غير مقبول وفقا لأغلب الفقهاء إلا في حالة وجود ضرورة مُلِحَّة تُبَرِّر الإجهاض في عين التشريع الإسلامي. اتفق كافة الفقهاء  علي أنه بمجرد بلوغ الجنين ١٢٠ يوماً يُسمَح بإنهاء الحمل بجنين حي من أجل إنقاذ حياة الأم فحسب. وخلافاً لذلك، يعد هذا قتل أجنة غير قانوني: فهو قتل إنسان حامل لروح  و لكن لم يولد بعد. يجيز الفقهاء أيضاً في جميع الأوقات الإجهاض في حالة وفاة الجنين للاعتقاد بأن الرُّوح لم تعد موجودة.          

وأخيراً، فإن العديد من المفاهيم السابقة “لسبب وجيه” و”ضرورة مُلِحَّة” عادةً ما يحددها كافة  الفقهاء ذوي الخبرة والثِّقَل، فهذه المصطلحات دقيقة للغاية ويجب عدم اعتبارها عبارات تَعَسُّفيَّة يَتَرَتَّب عليها أي شيء لأي شخص. ولذلك لابد دائماً من استشارة خبير  في علوم الشريعة لمعرفة متى يكون الإجهاض مُبَرَّرَاً، وتكون مهمة الفقيه بحكم مؤهلاته تقديم رأي خبير قائم على التشريع الإسلامي الذي يأخذ في الإعتبار الحالة الفريدة لكل شخص. هذا هو الفرق بين الحكم (الحكم من حيث المبدأ) والفتوى (المرسوم المحدد).          

أما فيما يتعلق بالخطاب السياسي حول الموضوع، فنحن لا نؤيد الموقف القائل بالحَظْر المطلق لمنع الحمل والإجهاض ولا الموقف الذي يعتبر الإجهاض حق غير مُقَيِّد للأم. إن كل الأشخاص والأشياء التي خلقها الله لها حقوق مخصصة لهم من قِبَلِه، ويجب الحفاظ على هذه الحقوق كلما أمكن ذلك. وفي الحالات التي تتعارض فيها الحقوق، تُعطَي الأولويات في ضوءٍ ووفقاً للوحي السماوي والهدي النبوي. يجب أن يدعو المسلمين إلى فهم شامل لهذه المسائل والتي تأخذ في الاعتبار الخصائص المميزة المذكورة آنفاً.            


[1] جمعه البخارى(6471)،عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

[2] أنظر زاد المعاد، (٥/ ١٤٢-١٤٥)، الطبعة السابعة، طبعة الرسالة (بيروت، لبنان) ١٩٨٥.

[3] جمعه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (٣٤٩٧).

[4] حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى العزل على أنه “وأد خفي”، فقال الفقهاء بعدم جواز العزل نتيجة للخوف من الفقر، حيث أن ذلك كان هو السبب الرئيسي للعزل عند العرب. بينما رضي به فقهاء آخرون بالأحاديث التي تجيزه، وقالوا بأنه مكروه لهذا السبب (ليس حراماً)، لأنها تقلل من مكانة نعمة إنجاب الأطفال، بطريقة أقل تبييناً، (وأقل اعتزاضاً).

[5] يؤمن الكثير من الأطباء أن مع وجود اللولب الحديث، فإن حدوث التخصيب قل عن ما كان في الماضي، فيصبح نقاش الغرس ليس له صلة بهذا الموضوع، خصوصاً مع اتباع هذه الطريقة.

[6] في ١٩٦٠، أعاد أطباء التوليد وأمراض النساء في الجامعة الأمريكية تعريف بدء الحمل باكتمال الغرس في الرحم، وهو عكس ما كان يتم تصديقه سابقاً من أن الحمل يبدأ مع بداية التخصيب. هناك ما يقرب من أسبوعين ما بين التخصيب والغرس في الرحم، وإعادة تعريف المدة تم ترسيخه في النقاش القانوني الدائر حول تلك المسألة هذه الأيام. ويعتبر منع غرس البويضة في جدار الرحم بالنسبة لهؤلاء الذين يعتنقون التعريف الجديد هو معادل لمنع الحمل، أما الذين يعتنقون التعريف القديم يعتبرونه قتل روح إنسانية.

[7] جمعه أبي داود ( ١٦٩٤)، والترمذي (١/٣٤٨ )، أحمد ( ١/١٩٤)، ابن حبان (٢٠٣٣ )، والبخاري في الأدب المفرد (٥٣)، والألباني في السلسلة الصحيحة (36/2: 520).

[8] يحسب الأطباء مدة الحمل منذ آخر دورة شهرية، والتي تكون حوالي أسبوعين قبل الحمل. لذلك تصبح مدة ال ١٢٠ يوم التي تقول بها الأحكام الإسلامية، ١٣٤ يوم طبقاً للأطباء.

[9] أنظر البرهان الكاشف (ص.٢٧٥) لابن الزملكاني.

[10] تفسير ابن كثير، سورة المؤمنون (٢٣)، آية ١٤.

[11] يجمع العلماء على أن الزوجة مخولة بالطفل ولذلك لا يمكن أن تجبر على إجهاض الحمل، ويرى أغلبية الفقهاء أن الزوج له نفس التخويل ولذلك لا يمكن الزوجة أن تتخلص من الحمل بدون سبب صحيح. انظر بدائع الصنائع، (٢/٣٣٤) للكاساني. المنتقى شرح الموطأ(134/4)، للباجي. فتح الباري (308/9)، لابن حجر. والإفصاح(141/2) لابن هبيرة.

[12] القوانين الفقهية (١٤١)، لابن الجوزي.

[13] الإجهاض نتيجة مشاكل أسرية، (مأخوذ من www.drhatemalhaj.com)

[14]  يندد البابا فرانسيس ب”فزع” الإجهاض. (١٤ يناير ٢٠١٤). استُرجع ١٠ فبراير ٢٠١٧ من http://www.bbc.co.uk/news/world-europe-25723422 

[15] البابا يوحنا بولس الثاني. الفاتيكان. بشارة الحياة. ٢٥ مارس ١٩٩٥. ١٩ مارس ٢٠١٣.  

<http://www.vatican.va/holy_father/john_paul_ii/encyclicals/documents/hf_jp-ii_enc_25031995_evangelium-vitae_en.html>

[16]  جونستون، براين الخامس. (مارس ٢٠٠٥). “الإجهاض المبكر: أهو خطيئة طفيفة أم مُهلكة؟”. المجلة الربع سنوية اللاهوتية الأيرلندية.  

[17]  المرجع نفسه

[18] الاتصالات، يو أم. (بدون تاريخ). المبادئ الاجتماعية: المجتمع الراعي. استُرجع ١٠ فبراير ٢٠١٧  من  

http://www.umc.org/what-we-believe/the-nurturing-community

[19] مكتبة الحياة – الإجهاض. استُرجع ١٠ فبراير ٢٠١٧ من   http://www.lcms.org/page.aspx?pid=849

[20] تواجد مسيحي في كل مجتمع. (بدون تاريخ). استُرجع ١٢ فبراير ٢٠١٧ من

https://www.churchofengland.org/our-views/medical-ethics-health-social-care-policy/abortion.asp

[21]  قرار المعمدانية الأمريكية حول الإجهاض والوزارة التابعة للكنيسة المحلية، ١٢/٨٧. على الانترنت:    

 http://www.abc-usa.org/wp-content/uploads/2012/06/Abortion-and-Ministry-in-the-Local-Church.pdf

[22] كنيسة السيد المسيح لقديسي اليوم الآخر. (بدون تاريخ). استُرجع ٩ فبراير ٢٠١٧ من

http://www.lds.org/ldsorg/v/index.jsp?locale=0&sourceId=43de991a83d20110VgnVCM100000176f620a____&vgnextoid=e1fa5f74db46c010VgnVCM1000004d82620aRCRD

[23] قرار المعمدانية الأمريكية حول الإجهاض والوزارة التابعة للكنيسة المحلية، ١٢/٨٧. على الانترنت:    

 http://www.abc-usa.org/wp-content/uploads/2012/06/Abortion-and-Ministry-in-the-Local-Church.pdf

[24]  ٢،٢٣. أف. (٢٠١٦، ٥ أبريل). استُرجع ٤ فبراير ٢٠١٧ من http://www.presbyterianmission.org/blog/abortion-issues-2/

[25] بماذا يؤمن اليهود المتشددون فيما يتعلق بالإجهاض ولماذا؟ (٢٠٠٠،  ٢٥ أغسطس). استُرجع ١٧ يناير ٢٠١٧ من

http://www.slate.com/articles/news_and_politics/culturebox/2000/08/what_do_orthodox_jews_think_about_abortion_and_why.html

[26] المرجع نفسه

[27] كولمان، سي. (٢٠١١،  ١٥ أبريل). خمس خرافات حول تنظيم الأسرة. استُرجع ١٧ ديسمبر 2016 من

https://www.washingtonpost.com/opinions/five-myths-about-planned-parenthood/2011/04/14/AFogj1iD_story.html?utm_term=.2a68350e3ad8

[28] المرجع نفسه

[29]  قرار المعمدانية الأمريكية حول الإجهاض والوزارة التابعة للكنيسة المحلية، ١٢/٨٧. على الانترنت:    

 http://www.abc-usa.org/wp-content/uploads/2012/06/Abortion-and-Ministry-in-the-Local-Church.pdf

Dr. Omar Suleiman

Dr. Omar Suleiman

President | Imam Dr. Omar Suleiman is the Founder and President of the Yaqeen Institute for Islamic Research, and an Adjunct Professor of Islamic Studies in the Graduate Liberal Studies Program at Southern Methodist University. He is also the Resident Scholar at Valley Ranch Islamic Center and Co-Chair Emeritus of Faith Forward Dallas at Thanks-Giving Square.