ماهية “علم الكلام التحليلي الإسلامي”

What-Is-Islamic-Analytic-Theology-Hero-Image

Omar Edward Moad

Dr. Omar Edward Moad is Associate Professor of Philosophy in the Department of Humanities, Qatar University. He has published numerous articles on Islamic philosophy and comparative moral epistemology, as well as a textbook, Logic and Critical Thinking: An Introduction for Muslim Students (2017: Kazi Publications).

View all posts

مُلَخَّصٌ

تهتم هذه الورقة بتبادل بعض الأفكار والمقترحات واسعة النطاق حول تعريف علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر وآفاقه والدور الذي يمكن أن يسهم به اليوم وبعض المهام التي يجب أن يقوم بها. بادئ ذي بدء، سأقترح تعريفاً لهذا المجال، من حيث هدفه والغاية منه وإطاره المنهجي، كما سأتطرق إلى ما يضفي إلى الفرع طابعًا “إسلاميًا”، وكيف يختلف عن ما يُعرف عادةً بالدراسات الإسلامية. ثانيًا، سأعرض ثلاثة مقترحات بشأن الحدود المعرفية لهذا الفرع من المعرفة. وثالثًا، سأناقش كيف أن الظروف الحديثة تدفع هذا الفرع من المعرفة إلى أن يسهم بدور مختلف نوعًا ما عن دوره السابق في علم الكلام العام. ثم أخيراً، سأستعرض بعض المهام الخاصة التي ينبغي أن يقوم بها علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر.

مقدمة

يبدو أن الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي شهدا اختزالاً ملحوظًا اليوم إلى مجرد دروس في التاريخ الفكري، وفي نفس الوقت لم تشهد المعتقدات والسنن الإسلامية هذا الاختزال. أليس للعيش والعمل المعاصر دور في هذه المجالات؟ إن الكثير مما يجري اليوم في اللاهوت المسيحي، الذي ليس ذي طبيعة تاريخية محضة، قد جرى تحت اسم “علم الكلام التحليلي”، كما عرضته شخصيات معروفة مثل ريتشارد سوينبرن، وألفين بلانتينغا، و روبرت آدمز، وغيرهم كثير.[1] وهذا يدعونا للتفكير في آفاق علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر. أما هذا المقال، يهدف إلى تبادل بعض الأفكار والمقترحات واسعة النطاق حول تعريف علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر والدور الذي يمكن أن يسهم به اليوم وبعض المهام التي يجب أن يقوم بها.

في بادئ الأمر، أقترح تعريفاً لعلم الكلام التحليلي الإسلامي من حيث هدفه وغايته وإطاره المنهجي، وأنا أزعم أن علم الكلام التحليلي الإسلامي، من حيث موضوعه وغايته المباشرة، لا يختلف عن اللاهوت التحليلي بوجه عام. إن هدفهم وموضوعهما واحد، ألا هو الله وصلته بخلقه، بقدر ما هو مفهوم في حدود التحليل، ومن ثم تكون الغاية المباشرة من علم الكلام التحليلي الإسلامي فهم الله وعلاقته بالخلق بقدر ما يكون ذلك ممكنًا ضمن تلك الحدود، وهذا يميز علم الكلام التحليلي الإسلامي من ما نسميه “الدراسات الإسلامية”. فما يضفي إلى علم الكلام التحليلي الإسلامي طابعًا “إسلاميًا” هو إطاره المنهجي، أي أنه يجري في ظل إطار “إسلامي” بحت، ولكن، ماذا يعني ذلك بالضبط؟ سأتناول مفهوم “نهج إسلامي” تمامًا مثل أي نهج متوافق منطقياً مع افتراض واحد وهدف أسمى، والذي تخضع له تلك الغاية المباشرة لعلم الكلام التحليلي الإسلامي بغية تحقيق غاية ما، فالهدف الأسمى هو رضا الله وثوابه في الآخرة، والافتراض هو أن الإسلام هو رسالة عالمية من الله للبشر أجمعين، ليوفر التوجيه لتحقيق هذا الهدف.

ثانيًا، سأعرض ثلاثة مقترحات بشأن الحدود المعرفية لهذا الفرع من المعرفة. أولها هو أن علم الكلام التحليلي الإسلامي ربما – بل يجب – أن يكون فضوليًا أصيلًا فضلاً عن كونه دفاعيًا عن ركائز الإيمان بعلم الكلام الإسلامي. والثاني هو أن الحدود المعرفية للتحليل، في ظل الإطار المنهجي لعلم الكلام التحليلي الإسلامي، لا تمتد لتشمل أساس العقيدة الدينية – ذلك أن العقيدة ليست “قابلة للدحض” من الناحية التحليلية. والثالث هو أن الحدود المعرفية لعلم الكلام التحليلي الإسلامي لا تتجاوز ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عنه.

ثالثًا، سأتطرق إلى بعض التحديات الخاصة التي تستثيرها ظروف الحياة المعاصرة، والتي تقتضي تغييرًا في طريقة إدراكنا لدور علم الكلام التحليلي الإسلامي، والذي يختلف عن الدور المفهوم تاريخياً لعلم الكلام بوجه عام، والذي أفهم منه أن علم الكلام التحليلي الإسلامي علم متجدد بطبيعته. وبالتحديد، من شأن علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر أن يلبي احتياجات مجموعة أوسع نطاقًا من عامة المسلمين المعاصرين مما كان عليه الحال في الحقبة الكلاسيكية. وأختتم بوصف بعض المهام الإلزامية لعلم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر في هذا الصدد.

حول ماهية علم الكلام التحليلي الإسلامي وما الذي يضفي عليه طابعًا “إسلاميًا”، ولماذا يختلف عن الدراسات الإسلامية

أزعم أن الموضوع الحقيقي لعلم الكلام التحليلي الإسلامي، مثله مثل علم اللاهوت التحليلي بشكل عام، هو الله وعلاقته بخلقه، بقدر ما هو مفهوم في معايير التحليل، أما الغاية المقابلة له فهي فهم الله وعلاقته بالخلق بقدر ما يكون ذلك ممكنًا ضمن تلك الحدود. إذن، فالإسلام نفسه، ليس بشكل مباشر، هو موضوع علم الكلام التحليلي الإسلامي، كما هو مفترض في المجال الذي نسميه اليوم “الدراسات الإسلامية”، لذا فإن علم الكلام التحليلي الإسلامي والدراسات الإسلامية مجالان مختلفان. ثم ما الذي يجعل علم الكلام التحليلي الإسلامي “إسلاميًا”؟ لديّ اقتراح سأعرضه يدور حول أن هذه مسألة منهجية: يسعى علم الكلام التحليلي الإسلامي نحو الهدف منه”إسلاميًا”. ولكن ماذا يعني هذا؟

في ظل البيئة الأكاديمية اليوم، يغدو القول بأن الإسلام نفسه موضوع الدراسات الإسلامية يدعو إلى التساؤل: ما هو الإسلام؟ إن كيفية الإجابة على هذا السؤال تحدد بشكل أساسي طبيعة المجال، من حيث موضوعه وغرضه ومنهجه، بحيث أن الإجابات المحتملة المختلفة المتاحة تحدد فعليًا مجالات مختلفة تمامًا للدراسة. على سبيل المثال، قد يستمر البحث في الدراسات الإسلامية على أساس الفرضية القائلة بأن الإسلام مجرد تطور ثقافي تاريخي، وليس رسالة عالمية إلى الإنسانية كشف عنها خالق متعال. وعلى أساس هذه الفرضية، نستبعد بعض الأساليب الإسلامية في دراسة الإسلام ومقاصده لترجح كفة هيمنة الافتراضات العلمانية، يمكننا بعد ذلك القول بأن مثل هذا البحث غير إسلامي من الناحية المنهجية. بالنسبة للمنهجية، يجب أن تكون مناسبة لهدف المرء وغايته. الغرض الإسلامي لدراسة الإسلام هو معرفة رسالة الله لإرضائه ودخول الجنة. وإذا لم يكن الإسلام رسالة عالمية منزلة من الله إلى الإنسانية حول كيفية القيام بذلك، فسيتم استبعاد هذا الغرض، إلى جانب أي عناصر منهجية كانت مناسبة لهذا الغرض.

ولكن هل يعني هذا بالمثل أن الأبحاث الإسلامية المنهجية تستبعد ما قد يسميه البعض أساليب “غير إسلامية”؟ فهذا يعتمد على كيفية تحديد ماهية الأساليب غير الإسلامية، وعلينا أن نتوخى الحذر هنا، لأنه فرضية بأن الإسلام مجرد تطور ثقافي تاريخي، فإن فكرة أن شيئًا ما “إسلاميًا” هي بالضرورة مسألة أصله التاريخي أو الثقافي، وهذا يأخذنا إلى كلا الاتجاهين. إن الفكرة القائلة بأن ما إذا كان شيئًا إسلاميًا هو بالضرورة مسألة أصله التاريخي أو الثقافي تقتضي أن يكون الإسلام بحد ذاته مجرد تطور ثقافي تاريخي. لذا لاستبعاد العناصر “غير الإسلامية” من منهجيتنا، ومن ثم تحديدها من خلال أصولها التاريخية، فإن من الحسم تبني منهجية علمانية (وإن كانت عرقية)، وليس موقفًا منهجيًا إسلاميًا، بغض النظر عن كيفية طفوه “أصوليًا” على السطح.

انطلاقًا من هذا، أعتقد أن أي منهجية غير إسلامية هي طريقة لا تتوافق مع الغرض الإسلامي لدراسة الإسلام، ألا وهي فهم رسالة الله وذلك لإرضائه ودخول الجنة. فالتوافق مع هذا الغرض يستلزم قبول الفرضية وعلم الوجود ذات الصلة بها، والتي بدونها لا معنى للغرض؛ أي أن الإسلام رسالة عالمية للإنسانية أنزلها الله من خلال النبي محمد ﷺ. وإذا استلزم استخدام منهجية ما إنكار ذلك الغرض أو الالتزامات الوجودية التي يفترضها، فإن هذه المنهجية بالضرورة غير إسلامية.

على سبيل المثال، إن اقترح أحد في إطار مجال الدراسات الإسلامية تحليل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في الوسط التاريخي للنبي محمد ﷺ، يمكن له حتى اقتراح إطار تحليلي ماركسي لدراسة تلك الظروف من خلال منظور البنية والصراع الطبقيين. فمن الناحية المنطقية، يمكننا القيام بذلك بهدف اكتساب فهمِ أعمق وأكثر ملاءمة للوحي نفسه و استطرادا بكيفية تحقيق ضروراته في ظروفنا التاريخية الخاصة على وجه أفضل.لكن إذا كنا سنقوم باستخدام مثل هذه المنهجية بهدف تفسير الوحي الإسلامي بشكل شامل، مما يعني ضمنًا أن الوحي هو مجرد تأثير أو وظيفة للظروف المادية التاريخية، كما ينظر إليها الماركسي الإيديولوجي، فإن هذا من الناحية المنطقية من شأنه أن يعوق علم الوجود الذي يجعل في إطاره أي غرض إسلامي للدارسة أي منطق عقلاني. ولأغراض المنهجية، يتبلور التبني المؤقت لإطار عمل وجودي في شيء واحد، أمّا تبني منهجية ما لهذا الغرض أو مع أثر فرض الهيمنة على علم وجود معين هو شيء آخر. فالفرق بينهما يدور حول ما يُعتقد أنه يمكن تحقيقه بواسطة المنهجية المتبعة.

على غرار الدراسات الإسلامية فيما أن تكون إسلامية أو غير إسلامية منهجياً، كذلك يمكن أن يكون علم اللاهوت التحليلي. فالغرض من علم اللاهوت التحليلي، كما هو مقترح أعلاه، هو فهم الله وعلاقته بخلقه بقدر ما هو مفهوم في إطار حدود التحليل. يكون علمُ الكلام التحليلي إسلاميًا:

  1. أينما يكون غرضه خاضعًا – كوسيلة – للغرض الأسمى من أن يصبح، من خلال الفهم المكتسب، شخصًا يتمتع برضوان الله وجنته.
  2. أينما يتبع فرضية أن الإسلام رسالة عالمية للإنسانية أنزلها الله من خلال النبي محمد ﷺ.
  3. أينما تتوافق المنهجية المستخدمة مع النقطتين 1) و 2).

في كلتا الحالتين، قد ينتهج البحث في مجال الدراسات الإسلامية أثرًا تاريخيًا أو معاصرًا في علم الكلام التحليلي الإسلامي باعتباره هدف له، ولكن سواء كان ذلك من خلال منهج إسلامي أو غير إسلامي، فإنه لا يقع ضمن مجال علم الكلام التحليلي الإسلامي، حسبما ورد تعريفه في هذا المقال، أي اللاهوت التحليلي المتبع في إطار منهجية إسلامية. وبهذا المعنى، أريد أن أميز بين علم الكلام التحليلي الإسلامي والدراسات الإسلامية، وهو ما يماثل ما يقع بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة، حيث الأول هو مشروع متميز نابض بالحياة، على الرغم من أنه ليس مستقلاً عن تاريخه أو بمعزل عنه.

ثلاثة مقترحات بشأن الحدود المعرفية لهذا الفرع من المعرفة:

فيما يتعلق بهذا التاريخ، قد يراودنا سؤال، هل سيكون علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر دفاعًا صارمًا عن العقيدة الدينية، أو سيكون أيضًا مشروعًا فضوليًا فلسفيًا؟ هذا السؤال يُطرح بالاستناد إلى الفكرة المعقولة بأنه سيكون ممارسة معاصرة في علم الكلام، إلى جانب حقيقة أن هذا الأخير عادة ما يعرف على أنه ممارسة دفاعية صِرفة. وهذا يجسد التمييز بين “النهج اللاهوتي القديم” و “النهج اللاهوتي الجديد” الذي ناقشه ابن خلدون، الذي يعزوه (أو يلوم) الغزالي على إطلاقه[2]، وهنا يكمن اعتراض محتمل على تفسري لغرض علم الكلام التحليلي الإسلامي. إذا كان علم الكلام التحليلي الإسلامي استمرارًا معاصرًا للكلام، فإن غرضه لا يمكن أن يكون الهدف الفلسفي الحقيقي الفضولي لفهم الله وعلاقته بالخلق، بقدر ما يكون ذلك ممكنًا من خلال التحليل. الاقتراح الأول الذي سأقترحه هنا هو الإجابة على هذا السؤال. إن علم الكلام التحليلي الإسلامي في إطار الواقع المعاصر كلامًا، ولكن مع ذلك، لا يمكن أن يتحاشى الممارسة في ظل استفسار حقيقي، وذلك لنفس الأسباب التي لا يستطيع الكلام الكلاسيكي أن يظل دفاعيًا بحتًا. أي أنه من أجل مواجهة التحديات الفكرية التي تواجه العقيدة الإسلامية، والتي أثارتها احتمالية أن يكون لها تداعيات عبثية عقلانية، فكان من الضروري توضيح الرؤى الفلسفية المكتشفة حديثًا والتي لم تُطرح صراحة في المصادر التي تم الكشف عنها.

ولنضرب مثالاً مشهوراً واحداً فقط، فقد أثيرت احتمالية أن عقيدة خلق العالم في الزمن تتبعها نتيجة عبثية مفادها أن هناك فترة غير محددة من “الزمن قبل الزمن” سبقت الخليقة، التي انتظر فيها الله ” من دون سبب. ولما كان من المستحيل إنكار أن هذه الفكرة عبثية، يجب أن ننكر أن عقيدة الخلق في الزمن تستلزم ذلك العبث، وقد أدى هذا إلى موقف مفاده أن الزمن خُلق مع الدنيا، والذي لم يكن هناك قبله زمن.[3]ما يتضح لنا الآن أن هذا يشكل نظرية جديدة من النوع الذي لا يعتبر صراحة جزءاً من العقيدة الأساسية بشأن الخلق بأن هناك نظامًا دفاعيًا بحتًا متوقع الدفاع عنه.وهذا الموقف، بطبيعة الحال، لم يكن أصليًا في ظل الشريعة الإسلامية – إذ نجد روايات منه في أوغسطين (354-430) بوثيوس (480-524) وفيلوبونوس (490-570).[4] لكننا مجددًا لا نحدد موضعه على أنه “إسلامي” على أساس الأصل التاريخي، بل بتوافقه مع العقيدة الإسلامية الراسخة وتيسيره لها.

وكما هو الحال في المسيحية، ففي الإسلام كانت التحقيقات الفلسفية الحقيقية حول طبيعة الزمن والأبدية والحركة والعلاقة السببية لا يمكن تجنبها في ظل الجهود المبذولة للدفاع عن تماسك العقيدة الدينية في مقابل التحديات الفكرية. لذلك، لم يكن ممكناً فعليًا الحد من الدور السلبي والدفاعي المحض سواء لعلم الكلام التحليلي الإسلامي أو الكلام، الأمر الذي لا يشكل في الواقع الدور الإيجابي والفضولي المتمثل في توسيع مدى إدراكنا للركائز اللاهوتية الأساسية عن طريق متابعة عواقبها المنطقية في مواجهة التحديات الفكرية. بقدر ما هو ممكن من الناحية التحليلية، فإن الهدف من الإدراك وهدف الدفاع عن العقيدة الدينية عن الله وعلاقته بالخلق ليسا هدفين مختلفين في الواقع، بل هي موحدة، وترمي في نهاية المطاف إلى محاولة فهم المعرفة التي تم الكشف عنها بأكبر قدر ممكن.

لذا لا ينبغي لنا أن نفكر في أن الدفاعية والفضولية ضمن مواقف متبادلة حصرية تفصل مسعى لاهوتيًا بحتًا عن المسعي الفلسفي أو العلمي البحت. يعمل كل تحقيق علمي منهجي في إطار نموذج ما، والذي عادة ما يتبع نهجًا محافظًا في مواجهة الحالات الشاذة، وذلك بتوضيح الحالة الشاذة بمعزل كلما أمكن، بدلا من تجاهل أو تغيير النموذج بشكل أساسي.[5]وبهذا المعنى، فإن كل علم هو دفاعي وفضولي. يمكن القول بأن حالة اللاهوت مختلفة من منطلق إن الطبيعة الدينية للنموذج تجعلها غير قابلة للدحض على الإطلاق، وذلك بالمعنى الذي فهمه كارل بوبر كعلم متميز[6]، وإذا ما تم إدراك هذا على الوجه المطلوب، فإنه يكون حقيقًيا بالمعنى المحدود للغاية. وهذا هو موضوع اقتراحي الثاني.

أمّا المعنى المحدود الذي يمكن أن نسلم فيه بأن النموذج اللاهوتي غير قابل للدحض، فهو كما يلي: يُفهم ديننا على أن مصدره مصدر متعال يفوق العقل، ويكون هذا المصدر شخصًا ربانيًا. ونتيجة ذلك أن النموذج الديني ليس تحليليًا تمامًا بطبيعته، بل إنه – في جذوره – روحيًا وشخصيًا. وعلى ما أعتقد أن هذا ما يحفز التحذير التقليدي بالكلام جزئيًا، ولا ينبغي أن يكون للتحليل هيمنة على الحياة الدينية. إن الارتباط بالله من خلال منظور اللاهوت التحليلي وحده يمثل معرفة قرينك من خلال فحص الحمض النووي الخاص به (باستثناء أن الله ليس لديه حمضًا نوويًا). إن الحياة الإسلامية المثلى أشبه بحوار مع الله، ذلك أننا نتحدث إلى الله في الصلاة، وهو يصف صفاته العليا من خلال الوحي، وعلينا أن نستمع إلى ذلك وندركه بأقصى ما بوسعنا.

إذن فتزييف فهمنا لله أو قابلية هذا التزييف للتعديل هو شيء، وتزييف علاقتنا بالله أو وجوده شيء آخر. ولا عجب أن يظل إيمان المؤمن بهذا الأمر مرناً لينًا من خلال إدخال تعديلات أساسية نسبياً في الإطار التحليلي الذي ينظمه ذهنه عن طريق فهمه لهذه العلاقة. إن طبيعة ما يمكن أن يزيف الفرضية بأن علم اللاهوت التحليلي هو أمر مختلف كليًا عن أساس الإيمان ذاته، ذلك أن الأخير يرتبط ارتباطًا روحانيًا داخليًا بذات الله، في حين أن الأول هو مجرد هيكل فكري لفهم المرء لهذا الارتباط، فلا ينبغي الجمع بين الأمرين. من الناحية المنهجية، تكون نتيجة ذلك هي أن الحدود المعرفية للتحليل لا تمتد لتشمل أسس الإيمان: الوحي الإلهي والعملية الموضوعية للهداية التي من خلالها يجعل الله المرء مستجيبًا لهذه الرسالة.

إذن فما هي معايير التحليل اللاهوتي في الإسلام؟ إنها حقًا مسألة منهجية لعلم الكلام التحليلي الإسلامي؛ ومن ثم فإن صفة “إسلامية” تكون ذات صلة، لأن بعض – وليس كل – الإجابات حول ما الذي لا يقع ضمن معايير التحليل قد تم استخلاصه تاريخياً من مصادر إسلامية مُنزّلة. فمثلًا، من المسلم به أن جوهر الله ليس مفهومًا للعقل البشري، وهنا تكمن العلاقة الحيوية بين علم الكلام التحليلي الإسلامي والدراسات الإسلامية. في حين أن المصادر الإسلامية المُنزّلة والتراث التاريخي في تفسيرها هما الموضوع الصحيح للدراسات الإسلامية وليس علم الكلام التحليلي الإسلامي، فهي مورد لا غنى عنه بالنسبة إلى علم الكلام التحليلي الإسلامي.

أما اقتراحي الثالث هو أن الحدود المعرفية لعلم الكلام التحليلي الإسلامي لا تتجاوز ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عنه. أخبر النبي بكل ما أُوحي به، وفهِم كل ما هو ضمني في هذا الوحي، بما في ذلك جميع التفسيرات والتطبيقات الصحيحة لهذه المعرفة، في أي ظروف ممكنة. لذلك فإن توسع فهم المرء لما أُنزل، أو تغير فهم المرء للوحي، يقترن بالظروف المتغيرة (على سبيل المثال، عندما يبرز التقدم في العلوم الطبيعية آية قرآنية بطريقة جديدة لنا)، لا يكون بالضرورة بمثابة بدعة لاهوتية غير صحيحة، ولكن هذا لا يعني أن أي وكل تغيير صحيح. لا يزال هناك اختلاف منطقي بين ما هو في الواقع نتيجة ضمنية للسُنة كما هو مفهوم أو مطبق في ظل ظروف معنية من أشكال الحياة، وما هو ليس ضمنًا (على الرغم من أنه قد يبدو كذلك).

إن هذا يمثل تمييزًا منطقيًا، فالمسألة المعرفية المتعلقة بكيفية التمييز في أي حالة محددة، رغم أنها حاسمة، هي مسألة أخرى. والجمع بين المسألتين – للدفع بحجة إيجابية للنسبية – غير شرعي. وهكذا، عندما نبلغ حدود معرفتنا ببعض المسائل، نقول “الله يعلم”. نحن لا نبالغ في القفز إلى الاستنتاج القائل بأن المعرفة الموضوعية مستحيلة من حيث المبدأ لأنه “لا توجد حقيقة” لمجرد أننا لم نصل إلى قاعها أو حتى إذا لم نتمكن من الوصول إلى قاعها – كما قد يكون الأمر كذلك، وذلك من أي وجهة نظر أفضلية غير منظورة على الإطلاق.

هذه الملاحظة، أن فهمنا لأية مسألة يتأثر حتمًا بجزء من وجهة النظر المنظورية، سواء التي تحددها الظروف الاجتماعية أو التاريخية أو غيرها، قد أسيء استخدامها في كثير من الأحيان كمبرر إيجابي لأي موقف ينحرف عما يوصف في الغالب بأنه “اتجاه سائد” أو “معتقد” قمعي. لكن هذا تغاضيًا عن حقيقة أن السؤال المهم في بعض الأحيان هو فقط ما هو الفهم الأكثر ملاءمة للمرء، إذا ما أعطي المرء وجهة نظر معينة، وليس كيفية فهم الأشياء من “منظور إلهي”، إذا جاز التعبير. إن الهدف الصحيح المتمثل في السعي وراء المعرفة ليس هو أن نصبح آلهة، بل أن نكون قريبين من الله بالخضوع إليه كعبيد له، في ظل ظروف للحياة يجد المرء نفسه فيها.

وجد أسلافنا في الإسلام ضالتهم، في ظل ما خاضوه من ظروف، من خلال الاستفادة من ربيع المعرفة النبوية. إذا وجدنا، بفضل الله، طريقنا من داخل ظروفنا الخاصة، مهما اختلف الأمر، فسيكون بالنقر على نفس المصدر. وإذا بدا لنا أن ظروفنا التاريخية والاجتماعية بحاجة إلى شيء من الاختلاف الجذري عن الطريقة التي فهم بها أسلافُنا الأشياء، فقد يكون مناط الأمر أننا لا نفهم ظروفنا الخاصة بشكل جيد بما فيه الكفاية. إن من يعرف نفسه يعرف ربه، وهذا يتعلق بالظروف التي تتغير وكذلك الظروف التي لا تتغير، وها نحن مجددًا بين الخط الفاصل بين “اللاهوتية” و “الفلسفية” البحتة كما يجب أن يكون.

الظروف الحديثة ودور علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر

إذن فما هي الخواص التي تميز الظروف المعاصرة التي قد تقتضي تغييراً في دور وشكل علم الكلام التحليلي الإسلامي من دور علم الكلام في الماضي؟ إذا ما اعتبرنا التغييرات الهيكلية في المجتمع الناشئة عن التعليم الحديث وتقنية الاتصالات – ما يمكن أن نسميه نمو الطبقة الوسطى الفكرية. في الماضي، كان الكلام وغيره من أشكال الخطاب العلمي يقتصر إلى حد كبير على النخبة العلمية. فالغزالي، على سبيل المثال، ثبًط همًة عامة الناس من التعرض للكلام؛ لكن ابن رشد اتهمه بانتهاك أحد المعايير الأكثر صرامة للفصل الاستطرادي عن طريق نشر وسائل تخيلية جعلت المواضيع الفكرية أكثر سهولة بالنسبة للمواضيع الأقل تأهيلاً.[7] 

في هذا المقام، تواجه الشريعة الإسلامية سؤالاً حقيقياً فيما يتعلق بموقفها من الحداثة بالتوازي مع السؤال الذي تواجهه حول مسألة السياسات التشاركية. هل التعليم ذو قيمة عالمية، عبر جميع قطاعات المجتمع؟ أم أنه يجب أن يقتصر على قلة مختارة فقط، من أجل تجنب إزعاج العامة بالأسئلة غير الضرورية التي قد تربك النظام الديني والاجتماعي؟ قد نتوق إلى الأيام التي عرف فيها الجميع مكانهم، لكن الظروف الحديثة ليست عدائية. ليس من الممكن اقتصار نوع التعليم والوصول إلى المعلومات التي تخلق حاجة إلى الكلام على النخبة فقط. إن الفكرة القديمة لعزل الجمهور عن مثل هذا الخطاب هي من قبيل المفارقة التاريخية غير الواقعية. يواجه أفراد المجتمع في المجتمع الإسلامي تحديات كانت في الماضي تقتصر على العلماء: من توترات واضحة بين العلم الطبيعي والمعتقدات الدينية والتحديات المعرفية والأخلاقية التي يفرضها التنوع الأخلاقي والديني، وضرورات وأزمات سياسات المشاركة الحديثة والجدال العام.

في الأغلب، يبدو أن الدوائر التقليدية للمنح الإسلامية كانت تحاول الحفاظ على سياسة الإقصاء العدائية في خطاباتها، متوقعة أن يستمر الجمهور العام في حالة من التقليد المبارك. كان هذا واضحًا جليًا، في بعده السياسي، في بعض الردود على حركات “الربيع العربي”. المشكلة هي أن الجمهور الحديث ليس ضيق الأفق، حتى في العالم الإسلامي، إذ إنهم يطالبون بأمور وأدلة وتفسيرات وحقهم في طرح الأسئلة، فقد أصبحت الأسئلة لزامًا عليهم. وفي الفراغ الذي خلفته التوقعات التقليدية في عامة الناس لاستبعاد ما يفترض أنه لا يهمهم، قدمت الحركات الأصولية براهينهم وتفسيراتهم الخاصة. فبينهم وبين توائمهم الحداثية العلمانية، أقنعوا قطاعات كبيرة من المجتمع الإسلامي بأنهم محتكرين العقل والأدلة، وأن الشريعة الإسلامية مجرد خرافة، بلا أساس عقلاني من حيث العلم أو الدين.

المشكلة هي أن المنطق الأصولي ضعيف وفقر، إذ أنه في النهاية يقود الدائرة الكاملة إلى العلمانية بالمعنى الميتافيزيقي. ولكن بالنسبة للمسلمين المعاصرين من الطبقة الوسطى الفكرية، فبعض الأسباب أفضل من لا شيء، وقد تم حجز سبب ومنطق الشريعة الإسلامية في برج ابن رشد العاجي. إذن ما الذي يحدث؟ أدى توتر محاولة الحفاظ على البنية الاجتماعية و الاستطرادية العدائية في المجال السياسي، في ظل الظروف الحديثة للتعليم والتواصل، إلى تحويل النظام الملكي التقليدي القديم إلى دكتاتورية عسكرية ساحقة مقفلة في مباراة حياة أو موت ضد الأيديولوجيين المتطرفين.

في إطار المجال الأخلاقي والديني، كُسر الرابط بين التقوى والأخلاق، مما خلق مجالين منفصلين – أحدهما فيه تدين خارجي من دون ضمير أخلاقي، والآخر ليس فيه – بصراحة – لا تدين ولا أخلاق لأن القاعدة الوحيدة هي التناغم مع ثقافة المستهلك أو مع مراسيم الدول التي تتفكك شرعيتها بسرعة. في حالة العلوم، انجرف الجمهور في معضلة زائفة بين وجهة نظر عالمية دينية إسلامية وأخرى “علمية”، ليس فقط من خلال “علم” راسخ يجعل من المزاعم تتجاوز مجاله المعرفي، بل بغياب نهج فكري إسلامي لتناول المشكلة، إذ يتم هذا النهج بسهولة وصول الجمهور العام إليه ومتانته وتطوره الكافيين لمواجهة التحدي بشكل كلي.

نتيجة ذلك هو انتشار الأصولية التي تصر على فرض “براهينها” في مجالات الفقه والسياسة، ولكنها تعارض أي تطبيق صارم للعقل في القضايا الفلسفية الكامنة وراء العلاقة بين العلوم الطبيعية وعلم الكلام. وهذا ينتج عنه حجة مفادها أننا نستطيع أن نستهلك المنتجات التقنية الحديثة في العلوم الحديثة، وأن نتطلع إلى تسخير التقنية الحديثة لغرض التمكين الإسلامي، دون أن نشارك في وجهة النظر العالمية التي نضحتها. بالنسبة للمسلمين المعاصرين، فإن المعرفة والواقع هما بين أيدي الماديين، في حين أن الإسلام هو ببساطة ثقافة وميثاق. وهذا الموقف لا يتعارض مع أعنف صور الطائفية الأصولية وأكثرها إثارة للخلاف، بل إنه يفضي إلى ذلك.

على وجه التحديد، فإن الأصولية، كما أفهمها، تولد في مواجهة الاستحالة الظاهرة لإضفاء تفسير منطقي للاعتقاد الديني، والذي بدوره يحفز التخلي عن المسؤولية الفكرية. إنها تنشأ عندما يشعر المرء بأنه مجبر على الاختيار بين خسران ربه أو فقدان عقله، أو يختار فقدان عقله في محاولة للهروب من هاوية الخلط الأخلاقي واليأس الملحد الذي يفرضه احتمال خسران ربه. إن هيمنة التمييز الحديث لقيمة الحقيقة، من بين أمور أخرى، كان له دور أساسي في إنتاج هذه المعضلة. إن الترياق الوحيد لهذه المسألة هو توفير الموارد اللازمة للمسؤولية الفكرية الدينية التي من شأنها تمكين الطبقة الفكرية الإسلامية الوسطى من تقديم سبب منطقي لحياتها الدينية. هذا هو بالضبط دور الكلام بالنسبة للعالم الإسلامي الحديث: أن يعل هذه الموارد متاحة، ليس فقط للنخبة، بل أيضًا للجمهور العام.

يجب أن يؤدي متكلّم المستقبل، المتكلم التحليلي المسلم المعاصر، دور المثقف العام. نحن بحاجة إلى إدماج تراثنا الروحي والفكري في مجموعة من القضايا التي تواجه الطبقة الفكرية الإسلامية الوسطى، ولا نريد فقط التخلي عنها لصالح خيال شاعري في ظل القرون الوسطى. من أجل القيام بذلك، لن نحتاج فقط إلى التدرب على هذه القضايا بدقة، أخلاقياً وفلسفيًا على المستوى العلمي، كما أننا سنكون بحاجة إلى إيجاد طرق متعددة لجعل هذا العمل مفيدًا ومتاحًا للجمهور، وهذا يقتضي شراكات منتجة مع الفنانين والإعلاميين لإيجاد طرق فعالة لفعل ما فعله الغزالي والرومي وغيرهم كثير من ذي قبل عن طريق نقل أفكار سليمة مجردة بأشكال تصورية، وإنتاج ثقافة إسلامية معاصرة زاخرة وغنية، سواء روحيًا أو فكريًا.

بعض المهام الإلزامية لعلم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر

أختم هذا المقال بمناقشة ثلاث أسئلة تتعلق بالمنهجية ونظرية المعرفة التي أثيرت من خلال آفاق علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر. السؤال الأول، الذي يتناول طبيعة علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر فيما يتعلق بالتراث القديم، ألا وهو الدور المعرفي للبعد الأخلاقي والبعد الأخلاقي للفلسفة المتعلقة بنظرية المعرفة. وهذا يمثل تحديًا يطرحه الفكر الحديث مدفوعًا بالتراث القديم، سواء كان ذلك في مظاهره الكلامية أو الفلسفية أو التصوفية. من المسلم به أن جميع هذه المظاهر الثلاث لها علاقة بين الحالة المعنوية والروحية والحالة المعرفية. وسواء كان هذا البعد المعرفي لـ “القلب” يعتبر قوة تتعدى العقل، أو ببساطة غياب عائق دون وضوح العقل، فيكون التأثير هو ذاته، وينظر إليه من منظور النموذج الأكاديمي الحديث. كان التبصر والوعي الفلسفي الحقيقي ثمرة للسنن الروحية والدينية، وليس مجرد شيء يمكن تحقيقه في محادثة في حفلات الكوكتيل، أو مجرد سعي وراء مكانة أكاديمية، واعتبرت الحياة الأخلاقية جزءً من المنهج الفلسفي. وفي هذا الصدد، ستتأثر الاستمرارية أو عدم الاستمرارية بين علم الكلام التحليلي الإسلامي والتراث القديم بكيفية تصور علم الكلام التحليلي الإسلامي وتحقيق ذاته في البيئة الأكاديمية المعاصرة التي سيعمل في ظلها لا محالة.

والسؤال الثاني الذي نواجهه هو ما إذا كانت الحدود المعرفية للتحليل السليم تقتصر على أهداف تجربة محتملة. إذا كنا نأمل في أي مشاركة منتجة ومتماسكة مع تحديات الفكر والثقافة الفلسفية الحديثة ما بعد الفلاسفة المثاليين، علينا التعامل مع هذا السؤال بعناية والكشف عما نخفيه. إن كيفية فعل ذلك من شأنه أن يميز نموذجين مختلفين بشكل أساسي – على الأقل، والمناقشات التي تُجرى بين العلماء الذين يعملون على هذه النماذج، دون أن يطرحوا هذا السؤال لأول مرة ويقروا بهذا الاختلاف، ستؤدي إلى إرباك حتمي. من بين أمور أخرى، ستحدد الإجابة على هذا السؤال درجة ونوع الاستمرارية التي قد تكون قائمة بين علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر والتراث القديم.

في إطار المناقشات الكلاسيكية، كان من الممكن طرح سؤال مماثل عما إذا كان نطاق العقل الخالص يمتد إلى ما وراء نطاق الحواس والتصور. بالنسبة إلى الفلاسفة كانت الإجابة ب “نعم” مدوية. كان الهدف من التعليم الفلسفي هو رفع مستوى الإدراك، لأولئك القادرين على ذلك، على مستوى التصور الجلي المحض. أما بالنسبة لأولئك الذين أنكروا هذه الإمكانية من حيث المبدأ، مثلهم مثل التجريبيين المعاصرين، فقد كان الرد أن إنكارهم يعكس حدود قدرتهم المعرفية فحسب.

في حين أن تعاطفي الفلسفي يكمن في جانب من التراث القديم هنا، فلا أعتقد أن التحدي المعاصر لهذا يمكن ببساطة تجاهله. إن السؤال في ذاته يشكل تحديًا مهمًا لعلم الكلام التحليلي الإسلامي المنهجي المعاصر. ومن بين أمور أخرى، سيحدد السؤال نهجنا المتبع في المشكلة الإلزامية للعلاقة بين علم اللاهوت والعلوم الطبيعية والدور الصحيح للأخير في الأول. لأنه إذا لم تتجاوز الحدود المعرفية للتحليل السليم أهداف التجربة الممكنة، فعندئذ يبدو أنه لا توجد طريقة ما حول هيمنة الأساليب والنتائج لمفهوم معين للعلوم الطبيعية (والفيزياء النظرية، على وجه التحديد) فوق ما هو جائز وما هو غير جائز لعلم اللاهوت التحليلي.

هذا يقودنا إلى سؤال ثالث يتعلق بالعلاقة بين علم الكلام التحليلي الإسلامي والدراسات الإسلامية” في السياق المعاصر، فيما يتعلق بدور العلوم الاجتماعية. يبدو أن جزء من الخطاب الذي أرى أنه مخصصًا للدفاع عن عقيدة ترفض من حيث المبدأ إمكانية وجود أي نموذج فكري موحد يفهمه مصطلح “الإسلام”. وقد بدا للبعض، من بين هذه السلسة من علماء الاجتماع، أنه لا يزال بإمكانهم أن يشيروا بشكل متماسك إلى موضوع دراستهم (دون النظر عما يتضح أنه موجود في هذه العقيدة) وأن يتهربوا من الاتهامات الموحدة لـ “الجوهرية” عن طريق صياغة صيغ الجمع لمصطلحات خلافية (على سبيل المثال، “الإسلام”). من الواضح أن مفهوم “علم الكلام التحليلي الإسلامي” سيلقى اعتراضات من هذه الزاوية. هل نتحدث فقط عن “علم الكلام التحليلي الإسلامي”؟ الإجابة هي “لا”؛ والسبب هو – مرة أخرى – أن موضوع علم الكلام التحليلي الإسلامي ليس متجانسًا مع موضوع الدراسات الإسلامية.

لكن هذا يثير تحديًا معرفيًا آخر يطرحه علم الكلام التحليلي الإسلامي المعاصر، وكما أن البرهان على أن حدود التحليل اللاهوتية لا تمتد إلى ما هو أبعد من التجربة المحتملة يتناسب وهيمنة العلوم الطبيعية، فإن هذا التحدي يتناسب وهيمنة العلوم الاجتماعية. لكن هذا ينبع من موقف حول طبيعة موضوع اللاهوت. يجب أن تكون أساليب المجال مناسبة للموضوع. إذا كانت أساليب العلوم الاجتماعية تؤخذ على أنها مهيمنة في سياق علم الكلام، فإن المعنى الضمني هو أن الله مجرد ظاهرة اجتماعية وبنية اجتماعية.

إن البرهان على هذه الهيمنة سيظهر لا محالة، وذلك على أساس الملاحظة بأن علم الكلام، مثل أي مجال، هو نشاط اجتماعي حتمي. ولكن حتى لو سلمنا، من أجل البرهان، بأن ذلك ينبع من أن أي أفكار محتملة عن الله هي بنى اجتماعية، فإن ذلك لا يتبع الفكرة بأن الله مجرد بنية اجتماعية. ومع ذلك، يتبع ذلك بالضرورة أن فكرة الله بنية اجتماعي هي في حد ذاتها بنية اجتماعية، وأن تداول مثل هذه الأفكار بين المسلمين ظاهرة اجتماعية. قد يرفض أنصار الفلسفة البنائية أي إنكار بأن هذه الظاهرة الاجتماعية تسمى “الإسلام” أيضًا، لكن هذه الظاهرة الاجتماعية ستكون بالضرورة مختلفة تمامًا عن ظاهرة اجتماعية أخرى تتألف من إيمان مشترك بالله أو فكرة الله أكثر من كونه مجرد بنية اجتماعي. وستتميز هذه الظاهرة الاجتماعية الأخيرة عادة بإنكار قوي بأن الأولى، بصحيح العبارة، “إسلامية”. لذا فإن هيمنة أساليب العلوم الاجتماعية في علم الكلام ستقتضي بالضرورة “إسلامًا” مختلفًا تمامًا وعلم كلام تحليلي إسلامي مختلف، ليس موضوع أحدهما هو الله أو علاقته بالخلق، بل فئة ما من الظواهر الاجتماعية التي تتكون من بُنى اجتماعية، سواء كانت استطرادية أو عملية، يشار إليها في هذه المصطلحات.

لذا، فإن فكرة علم الكلام التحليلي الإسلامي، كما تم تعريفها في بداية هذا المقال، تحول دون الهيمنة المنهجية للعلوم الاجتماعية، إلى جانب كلا من هيمنة التاريخ المعرفية والوجودية، لكن هذا لا يعني أن العلوم الاجتماعية ليس لها دور تمارسه، بل إن لها دور حاسم وجوهري. لا يمكن لعلم الكلام التحليلي الإسلامي المضي قدمًا من دون دراسة متعمقة لأفكار تاريخية مختلفة، وتعبيرات عن الأفكار، حول موضوعه الصحيح. يمكننا أن نسلّم بأن هذه الأفكار عن الله تتأثر بشكل حتمي بالظروف الاجتماعية، من دون التوصل إلى الاستدلال الكاذب بأن الله هو بنية اجتماعية. وبالتالي، فإن الوعي الكامل بالظروف الاجتماعية التاريخية وأبعاد تلك المادة الحيوية هي ضرورية للفهم بنفس بقدر أبعاد ظروفنا في تحقيق الفهم. ولذات السبب، يجب أن يكون لدى عالم الفلك وعي كامل بالأمور الطارئة المادية حول تلسكوبه، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك في نظرته إلى النجوم.

مع تغير الظروف التاريخية، واجه المسلمون دائمًا تحديات فكرية جديدة وفريدة من نوعها، وقد تصدوا لها بتسخير موارد القرآن والسنة وأثرنا الفكري بطرق أصلية مناسبة. وهذا يقتضي عملية تعاونية من النقاش والتصحيح الذاتي، والسعي إلى الحفاظ على الصلة الصحيحة بمصادرنا النبوية أثناء تطبيقها عند التنقل بين الواقع الجديد والمتغير الذي يضعه الله بحكمته أمامنا باستمرار. ما حاولت عرضه هنا هو مساهمة متواضعة في هذه المناقشة، حيث ركزت على الحفاظ على الوساطة الفكرية للعقل المسلم، من خلال توخي الوضوح بشأن طبيعة مشروعنا المتبادل وغرضه وأساليبه ومعاييره، إلى جانب استجابتها لسياقنا المعاصر. وغني عن القول إن كل شيء هنا ليس مفتوحًا فحسب، بل أيضًا في حاجة مُلحة إلى تحقيق نقدي صادق، لذلك أنا أدعو القارئ إليه بحماس وشوق. نحن على طريق هذا المسعى معًا. والله أعلم.

 


[1] انظر ريتشارد سوينبرن. الثبات على الإيمان بالله (الطبعة الثانية). (2016: دار النشر بجامعة أكسفورد) ؛ ألفين بلانتيجا. أين يكمن الصراع فعليًا؟ العلم والدين والطبيعية. (2011: دار النشر بجامعة أكسفورد)؛ روبرت آدامز. الصالحات المحدودة واللامحدودة: إطار للأخلاقيات. (2002: دار النشر بجامعة أكسفورد).

[2] المقدمة، فرانز روزنتال، ترجمة. مطبعة جامعة برينستون: برينستون، 1967، ص 363.

[3] إدوارد مود “موقف الغزالي من” الدليل الثاني “للفلاسفة بشأن خلود الحياة، في المناقشة الأولى تهافت الفلاسفة،” صوفيا، 2015.

[4] بوثيوس، مواساة الفلسفة، بي. جي. والش، ترجمة: دار النشر بجامعة أكسفورد، 1999، أوغسطين. اعترافات، هنري تشادويك، ترجمة: دار النشر بجامعة أكسفورد، 1998، جون فيلوبونوس. ضد أرسطو بشأن خلود الحياة الدنيا. الأصوليون المسيحيون، ترجمة: بلومسبري، لندن – نيويورك، 2014.

[5] توماس إس. كوهن، هيكل الثورات العلمية. مطبعة جامعة شيكاغو، 1962

[6] كارل بوبر. Logik der Forschung. Verlag von Julius Springer، Vienna. 1992.

[7] انظر أبو حامد الغزالي. الاقتصاد في الاعتقاد، علاء الدين محمد يعقوب، ترجمة: مطبعة جامعة شيكاغو، 2013، وابن رشد. فضل المعقل (دراسة حاسمة)، تشارلز بتروورث، ترجمة: بريغهام يونغ ينوفرستي بريس، بروفو، أوتاه، 2008.