عقلها وتوكّل: المنظور الإسلامي لمذهب الطبيعة الفلسفية

Tying-Your-Camel-perspectives-on-methodological-naturalism-HeroImage

Omar Edward Moad

Dr. Omar Edward Moad is Associate Professor of Philosophy in the Department of Humanities, Qatar University. He has published numerous articles on Islamic philosophy and comparative moral epistemology, as well as a textbook, Logic and Critical Thinking: An Introduction for Muslim Students (2017: Kazi Publications).

View all posts

مُلَخَّصٌ

انوى، في هذا المقال، المساهمة بالانخراط في العلوم الحديثة في هذا التحليل العقائدي الإسلامي، وذلك بالتركيز على مشكلة المنهجية العلمية. أحدد في الجزء الأوّل ما آخذه ليكون الالتزامات الأولية المعنية بالعلاقة المثالية للمسلم مع الخالق والخلق، والّتي تتعلّق بمفهوم العلم وممارسته. ثانيًا، إنني أنتقد قيام نضال قسّوم بتعريف المذهب الطبيعي الفلسفي على أنه السمة المميزة للعلم الحديث على أساس تمييزي غير محدد بين “الطبيعة” و”الخارق للطبيعة“. ثالثًا، أقترح أن هذا البديل _ متمثلًا في اقتراح سكوت تانونا ,من تعريف “الطبيعة” في هذا السياق، من الناحية المنهجية -هو الأفضل، من حيث الوضوح والحفاظ على التمييز بين المنهجية وعلم الوجودية الطبيعة.

اعقلها وتوكّل

نعلم جميعًا أن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم العزم والتوكّل على الله.[1] ولذلك أود اعتبار هذا نقطة البداية لحديثي، حيث أنها تمثل العلاقة بين الله وعباده على نحو بليغ. وحتى نستفيض في شرح الآثار الفلسفية المترتبة والكامنة في هذا التوجه المثالي، سيساعدنا التفكر في الهجوم الذي غالبًا ما يُثار ضده. فإن تخيلنا الوضع بالشكل الحرفي؛ أنك توكلت على الله وربطت جملك، وحين عودتك وجدت الجمل لايزال في مكانه. قد يقول المتشكك ما يلي: إما أن تكون ثقتك في محلها وأن الله قد أبقى الجمل في مكانه أو أنه ظل في مكانه لأنك ربطته بالحبل. فإن كان الحبل هو السبب في بقاء الجمل في مكانه، إذن لم يتسبب الله في بقائه، وإن كان الله هو السبب في بقائه، من ثمَّ لا يكون الحبل هو المتسبب في ذلك. وبالتالي إما أن يكون ربطك للجمل قد ضاع هباءً أو أن ثقتك وتوكلك على الله لم تكن في محلها.

إننا، بالطبع، ندرك أن هناك مغزى من ربطك إياه، ونؤمن أيضًا بأن توكلنا على الله في محله. لذلك، يتوجب أن يكون ردنا على هذا بأن هذا الهجوم يرتكز على معضلة كاذبة. ولكن هناك شيء واحد لتأكيد ذلك، وآخر لإظهاره.  وإظهار ذلك ينطوي أيضا على عملية إيضاح ذاتي. أين يمكن أن تُدحض حُجة المُتحدِ المُشكك؟

أولًا: علينا بالتأكيد البقاء على فكرة أن الله هو من حافظ على الجمل مربوطًا في مكانه، ثانيًا: يتعين علينا إيضاح الحكمة المنطقية من ربط الجمل بالحبل. وبشكل أكثر تحديدًا، هناك حس منطقي في ربط الجمل، على عكس غيرها من مسارات العمل الممكنة الأخرى. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال: “توكل آملًا في تحقيق مرادك فقط، حيث أن ربطك الجمل كان ذا مغزى، بينما تواكلك وأملك في بقائه في مكانه ليس له أي مغزى. لذلك، لا يمكننا أن نسلِّم بأنه منذ أن حفظ الله الجمل في مكانه، فلا فائدة من وجود الحبل. ومن ثم نحاول أن نجد مغزى من ربطه بطريقة أخرى. فإننا نؤمن، إلى حد ما، بالرأي القائل بأن ربط الجمل (أو أي شيء آخر) له مغزى حيث تسبب الحبل في بقائه في مكانه.

علاوة على ذلك، فإن حقيقة ربطك إياه قد تسببت في بقائه في مكانه لم نعرفها عن طريق الوحي. فالغرض من هذا الحديث ليس إخبارنا بالفعالية العامة لربط الجمال، حيث أننا على دراية بذلك بحكم التجربة. وإنما يأمرنا الحديث بالاعتماد على معرفتنا التجريبية للعالم الطبيعي حولنا أثناء تعاملنا معه، كما يعلِّمنا أيضًا عدم تعارض هذا مع إيماننا بالله، بل هما وجهان لعملة واحدة. إذا تعاملنا بجدية مع (حديث) اعقلها وتوكّل، فهذا يعني الاعتراف بفعالية ربطك للجمل في الحفاظ عليه في مكانه، ويمكن إدراك هذا بالطرق الطبيعة، التي نعني بها انفصالها عن الوحي (على الرغم من أنها ليست منفصلة عن معرفة وقدرة الله بالطبع) ويعني ذلك، الثقة في الخالق واللجوء إلى الإبداع بالطريقة التي لديك سبب واقعي للاعتقاد بأنها ستكون فعّالة و ستساعدك في تحقيق هدفك. وبالتالي، فهي تؤكد وجود نطاق مناسب لما يمكن تسميته “نوع من الطبيعة المنهجية”. والسؤال هو، ما هو نطاقه وما الذي يجعله “طبيعيًا” تحديدًا؟

تنبثق بعض العوامل المُتغيرة المُتعلقة بنطاق الطبيعة المنهجية من التأمل في اثنتين من المسلّمات الأخرى، والتي أفترض أننا جميعًا نأخذها بشكل بديهي من وجهة نظرنا كمسلمين. أولًا: إن لم يكن الله قادرًا على الحفاظ على الجمل في مكانه, فلن يفعل الحبل. ثانيًا: إن كان الله قادرًا على الحفاظ على الجمل في مكانه، فسيظل في مكانه إن كان مربوطًا بالحبل أو بدونه. إن التفكر في هاتين الافتراضيين يُسلط الضوء على اعتقاد المؤمن بأن الله هو من حفظ الجمل باقيًا في مكانه غير قابل للدحض. فإن ترك الجمل دون ربطه، ووجده قد رحل حين عودته، فيؤمن بأن الله هو من جعل الجمل شاردًا، وإن وجد الجمل لايزال باقيًا في مكانه، فيؤمن بأن الله هو من حفظه في مكانه. إذن، لا مجال لأي نتيجة مُحتملة تتعارض مع فرضية أن كل ما يحدث فهو يتم وفق مشيئة الله. يُسعدنا الاتفاق على أنه لا يمكن دحض هذا الافتراض، وبالتالي ليس علميًا بالمعنى الذي تُعد قابليته للدحض شرط ضروري لكونه “علميًا”.[2] 

ولكن علينا بالتأكيد معارضة وجهة نظر المتحدِّ المُتشكك التي يمكن التنبؤ بها، والقائلة بأنه في حالة شرود الجمل تكون ثقتك في الله قد وُضعت في غير محلها. هذا ببساطة لأن الغرض من ثقتنا بالله ليس الحفاظ على الجمل باقيًا في مكانه، لذلك بقاء الجمل في مكانه أو شروده عنه ليس اختبارًا مناسبًا لكون ثقتك في الله قد وُضِعت في محلها. إن الثقة في الله لها غرض يختلف كليةً عن قضية ربط الجمل، بعيدًا عن كونه ظل في مكانه أم شرد. ولذا يسعدنا أيضًا الإقرار بالاقتراح القائل بأن ثقتنا في الله قد وضعت في محلها، غير قابل للدحض، وبالتالي غير علمي. على النقيض من ذلك، فإن الاقتراح القائل بأن (كل الأشياء متساوية) ربط جملك سوف يبقيه في مكانه، هو قابل للدحض، وبالتالي يُعد موضوع مناسب للتجارب العلمية. فيمكن اختبار الحبل، ولكن حاشاه عز وجل أن نختبره.

وفي النهاية، يمكننا توقع إثارة من يناقشنا هذا السؤال؛ انطلاقًا من تأكيدنا على أنه إن لم يحفظ الله الجمل باقيًا في مكانه، فلن يفلح الحبل في ذلك وأنه سيُشرد بعيدًا إن شاء الله ذلك، بوجود الحبل أو من دونه، فكيف إذن ندعي أن ربطه سيبقيه في مكانه، بحيث يكون هناك أي مبرر منطقي للقيام بذلك؟ لقد أكدنا بفعالية على أن مشيئة الله ضرورية وكافية للحفاظ على الجمل باقيًا في مكانه. بما يفيد وجود الحبل في هذا الوضع إذن؟

هذا ليس تساؤلًا جديدًا بالطبع . إذ نؤكد أن هناك سببًا معقولاً وراء ربط الجمل، فإننا نؤمن باعتبار الحبل “سبب ثانوي” بالمعنى التقليدي الذي يتميز فيه عن “السبب الأولي” وهذا السبب الأولي هو الله دئمًا وأبدًا.

وقمنا بهذا التمييز منذ زمن طويل، ربما، بغرض الحفاظ على وجهة نظرنا الدينية. لكن فلنفترض أننا نريد، إذا جاز التعبير، “ربط جمالنا”، بشكل منظم وعلمي قدر الإمكان، فهناك سبب وجيه لدراسة ما هو السبب الثانوي؛ ليس فقط لتوضيح الفرق بين السببية الثانوية والسببية الأولية، ولكن للتمييز بين السببية الثانوية وغيرها من العلاقات غير السببية.

في المسألة الـ17 من كتاب تهافت الفلاسفة، جادل الإمام الغزالي الشهير قائلًا: أن السبب في وجود شيء لا يستوجب بالضرورة أن يكون مسببه، وبالتالي تمييز السببية الأولية، ” الحصول به” عن السببية الثانوية                      “الحصول عنده “، يُحيل  الحصول به إلى الله وحده، والحصول عنده إلى السببية الثانوية.[3]الأمر يبدو جيدًا حتى الآن، من الناحية الدينية القائمة بذاتها. ولكن الإدراك بفعالية-“أن ربطك للجمل” بذكاء -يتطلب الاعتراف بأن كل “حصول عنده” لا يتساوى مع “الحصول به” في هذا الصدد. إن مجرد الترابط لا يعني السببية، لا بالمعنى الأساسي ولا بالمعنى الثانوي. ربما في نهاية المطاف يمكننا اعتبار السببية الثانوية ماهي إلا شكلًا من أشكال الارتباط، لكن يجوز للعلم التمادي كثيرًا، ويقول: إن كل أنواع الترابط تعتبر سببية. وتدعو فلسفة العلوم الإسلامية القابلة للتطبيق ليس فقط للتمييز بين السببية الأولية والسببية الثانوية، وإنما لتحليل السببية الثانوية التي من شأنها إيضاح الفروقات الموجودة بين السببية الثانوية وغيرها من الأشكال غير السببية للارتباط (على افتراض أن العلاقة السببية الثانوية هي شكل من أشكال الارتباط). [4] 

حتى الآن، لدينا مُهمتين مُقترحتين، الأولى منهما هي تحديد المعنى الدقيق للطبيعة المنهجية وتحديد نطاقها، والأخرى هي وضع تحليل علمي عملي للسببية الثانوية. وبالطبع، فإننا نود تفعيل الاثنتين بطريقة تتماشى مع الالتزامات الدينية الإسلامية. وعلى الرغم من أن هذين الموضوعين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، ولكن فيما يلي ينصب تركيزي على الأول منهما.

العلوم التجريبية الحديثة و “جوهر ” فلسفة الطبيعة المنهجية

فيما يتعلق بمسألة الطبيعة المنهجية، فإنني أود البدء ببعض التعليقات النقدية على الرسالة التي كتبها نضال قسوم لمؤسسة كلام للأبحاث والإعلام، بعنوان “الارتباط الواجب بين علم الكلام والعلوم التجريبية الحديثة”. حيث يرى قسوم أن الطبيعة المنهجية هي السمة الأساسية للعلم الحديث. وفقًا لما كتبه قسوم، “تهتم فلسفة الطبيعة المنهجية بوضع تفسيرات للظواهر الطبيعية التي تعتمد على مسببات طبيعية والانصراف كليةً عن كل ما هو خارق للطبيعة، سواء كانت الأرواح، الملائكة، والشياطين، أو الله في الواقع “. [5] يهتم قسوم بالتفريق بين الطبيعة المنهجية وما يطلق عليه الطبيعة الفلسفية -ما أسميه هنا الطبيعة الوجودية -وهو الإنكار الموضوعي لوجود أي كيانات خارقة للطبيعة، بما في ذلك الله. وعلى النقيض من ذلك، فإن الطبيعة المنهجية ماهي إلا ادعاء افتراضي للفلسفة الوجودية، موضوعة لغرض البحث العلمي. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يشرع في إثارة بعض المشاكل بين المُعتقد الديني الإسلامي والعلوم الحديثة، التي لا يمكن إظهارها إلا عن طريق التمادي في هذا التمييز وتلك التفرقة.

وفقًا لما قاله قسوم، تكمن إحدى تلك المشكلات في كيفية التوفيق بين الدراسة الطبيعة وتفسير العالم/والطبيعة وبين الاعتقاد بوجود إله واحد. فهل يتصرف الله في العالم، وإن كان هو المدبر للأمر، فهل يتعارض هذا مع العلم الحديث؛ أم أنه لا يتصرف في العالم، أو على الأقل لا يتصرف بشكل جسدي؟[6] يكتب قسوم أنه يدافع شخصيًا عن الرأي القائل: “بعمل الإله الروحاني فقط” (أيًا كان معنى ذلك). ولكن طالما أن العلم الحديث لا يُلزمنا بالادعاء الافتراضي للطبيعة الوجودية للأغراض المنهجية المحدودة ولا تكوين رأي ثابت وخارق للطبيعة، فلا داعي لإثارة تلك المشكلة. إنما تنشأ تلك المشكلة فقط حين نتخذ الوسائل العلمية الحديثة كوسائل مناسبة لنحدد ما إذا كان الله يدبر الأمر في العالم أم لا؟ وهو ما يشكل في الواقع رأيًا غير طبيعي. فهي محاولة لتضييق الخناق على الإله، وربط الله والعالم أجمع بحبلٍ لا يليق سوى بالجمال.

هذا يثير السؤال، الذي نود افتراضه بالضبط، ألا وهو متى نأخذ في عين الاعتبار الطبيعة الوجودية، ولأي غرض؟ حتى الآن، فإن الإجابة على السؤال الأول هي افترضنا عدم وجود خوارق للطبيعة. إذن، ما هو الفرق بين ذلك وبين الطبيعة بالضبط؟  لم يقل قسوم شيء سوى ذكر “الأرواح، الملائكة، الشياطين، أو الله”. لكن ما الذي يجمع بين هذه الأشياء؟ هل يمكننا إضافة سانتا كلوز، الجني الصغير، ذو القدم الكبيرة (ساسكواتش)، أو فلوجستون؟ تُعد النقطة الأساسية هي عدم وجود تمييز مبدئي يمكن تطبيقه هنا، وبدون ذلك، يظل من غير الواضح معرفة ماهية الطبيعة المنهجية. وإذا كان هذا هو السمة المميزة للعلم الحديث، فلا يزال من المستحيل الدخول في أي تفاعل حقيقي معها. ويمكننا فقط إما الاستسلام أو المقاومة بشكلٍ أعمى هيمنتها المعرفية.

لذ دعونا نتشارك معًا، إذا كانت الطبيعة المنهجية هي الافتراض المؤقت للطبيعة الوجودية، فمن المفترض وضع تمييزًا بين ما هو طبيعي وما هو خارق للطبيعة في المصطلحات الوجودية. فمن منظور ديني إسلامي تقليدي، على سبيل المثال، يمكن للمرء تحديد أن ما كان في الطبيعة فهو من شأن الخلق، وما كان خارق للطبيعة فهو من شأن الخالق. قد يكون هناك رأي تقليدي أكثر اطلاعًا من الناحية الفلسفية يقول: بأن الطبيعة مُقيدة زمنيًا وخاضعة للتغيير، على عكس ما هو خارق للطبيعة. قد يكون هذين الموقفين متكافئين أو غير متكافئين، اعتمادًا على درجة إيمان الشخص بالغيبيات. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا يوضح ما يدور برأس قسوم، حيث تُعد الشياطين، الأرواح، والملائكة، أو على الأقل “الشياطين” (أو الجن) مخلوقات مُقيدة بالزمان والمكان على افتراض أننا نأخذ علم الوجود الإسلامي على محمل الجد في تعاملنا مع العلوم الحديثة.

وفي ظل غياب أي تمييز واضح بين الطبيعة والخارق للطبيعة، فإننا نعتبر تعريف قسوم لمذهب الطبيعة المنهجية أقل إفادة من تفسيره لما يلي: لماذا أصبح هذا المذهب أحد ركائز العلم الحديث؟ والسبب وراء ذلك، كما يشير قسوم، أصبح هذا المذهب أحد ركائز العلم الحديث لأن “افتراض العوامل الخارقة للطبيعة كتفسيرات، سرعان ما أُعد على أنه “سدادة علمية”، أي نهاية العملية التفسيرية وبالتالي نهج غير منتج (أو حتى نهج معاكس) للتقدم (التقدم في العثور على مزيد من الحقائق حول الطبيعة وابتكار تطبيقات مفيدة)[7] هل يتعين علينا إذن، ألا نعمل على تحديد “تفسير الطبيعي ” باعتباره أحد العوامل التي تساهم في العثور على حقائق أخرى عن الطبيعة ووضع تطبيقات مفيدة؟ بمعنى أن التمييز بين ما ينتمي إلى “علم الطبيعة” وما ينتمي إلى “الخوارق الطبيعية” لا يمكن اعتباره تمييزًا وجوديًا على الإطلاق، ولكن يعرف بأنه تمييز قائم على  المتطلبات التي ينطوي عليها غرض معين، ويختص بكونه تفسيرًا لما نفهمه من حيث ما نقوم بفعله ، ومن ثمَّ نستطيع ، التحكم فيه على الأقل ولكن إن كان تفسيرًا قائمًا على شيء لا نفهمه فلن نتمكن من التحكم فيه وطبقًا لما قاله قسوم: “إن قام الطبيب بتشخيص نوعًا من الاضطراب العقلي على أنه مس من الشيطان، بالتالي لن يتمكن من فهم العمليات الدماغية الأكثر عمقًا، ومن ثم لن يجد له أي علاج. [8] 

ولكن في حالة التمييز بينهم على هذا المنوال، يكون تعريف قسوم  للطبيعة المنهجية معيوبًا. بينما يرتكز تحديد قسوم لخواص الأسلوب العلمي الحديث على أساس ثابت، (ولكن تمييز غير مُحدد) بين “الطبيعة” “والخارق للطبيعة”، ويُعرِّف الاقتراح الحالي، في هذا السياق، “الطبيعة” من خلال المُتطلبات التي تنطوي عليها الأهداف المُحددة للطريقة العلمية الحديثة. وبالتالي، لا نحتاج إلى التأكيد على أن الطبيعة المنهجية هي الافتراض المؤقت بأنه يوجد نوعًا معينًا من الأشياء، فقط لكي نجد أنفسنا غير قادرين على تحديد أي نوع من الأشياء هو. بدلاً من ذلك، يمكننا القول: إن الافتراض المؤقت هو أن كل ما هو موجود يفي بالمتطلبات التي تنطوي عليها أهداف العلم الحديث. ومن ثمَّ، يُعتبر التمييز بين “الطبيعة” و”الخارق للطبيعة” أمر طارئ للغاية. وسوف يعتمد على متطلبات هدفنا، والذي بدوره يعتمد على ماهية الهدف نفسه.  

تصور “الطبيعة ” من الناحية المنهجية

تخيل أن الجن (أو “الشياطين”، كما يطلق عليهم قسوم) يشبهون الجراثيم. إنهم هناك يسببون العلل المرضية، ولكننا لم نتمكن بعد من اكتشافهم أو ملاحظتهم تحت ظروف خاضعة للرقابة. في هذه الحالة، اعتبار الجن كمُسبب للمرض العقلي لا يفضي إلى اكتشاف العلاج (على الرغم من أنه قد يساعد على استخدام العلاجات التي لم نتمكن من اكتشافها بأنفسنا ولكن أُبلِغنا بها عن طريق وسائل أخرى). وفي ذلك الصدد، يتم اعتباره على أنه أمر” خارق للطبيعة”، ولكن إن قُمنا مستقبلًا بتطوير وسائل اكتشافها ودراستها على أُسس منهجية، وعلمنا أن بعض الأمراض العقلية ماهي إلا استحواذ شيطاني (مس شيطاني)، هل هناك أي سبب مبدئي متبقٍ للقول: بأن هذا يُعد تفسيرًا “خارق للطبيعة”؟ وفي جزء آخر من رسالته، طلب منّا قسوم النظر بجدية في إمكانية وجود كائنات ذكية غير بشرية لم يتم اكتشافها حتى الآن، كائنات فضائية على سبيل الافتراض.

 هل تفسير اختفاء أحد ما على أنه اختطاف فضائي لا يعد أمرًا “خارقًا للطبيعة” كقولنا إن المرض العقلي من قبيل المس الشيطاني؟ تخيلوا بعد ذلك أننا اكتشفنا علميًا وجود شياطين في الفضاء الخارجي، وأنهم قد تسببوا في مرض عقلي باختطاف الناس والسيطرة عليهم. (جانبًا: إن هبط هؤلاء على مركبة فضائية وعرفّوا عن أنفسهم، فهل نعتبر ذلك “اكتشافًا علميًا”؟) على أي حال، فإن الشياطين الفضائية ستكون أقل فائدة من الجراثيم، كعامل مُفسّر، فيما يتعلق بغرض شفاء الأمراض، حيث من المفترض أن يكون لهم نفسية معقدة، وبالتالي فإنه على الأقل سيصعب على البشر التنبؤ بسلوكهم والتحكم به. هذا، بالطبع، هو ما أثار أسئلة حول ما إذا كان بإمكان العلوم الاجتماعية وعلم الاقتصاد الحصول على مكانة “العلوم الصعبة”.

لكن من الواضح أنه من الخطأ الحكم على العوامل التفسيرية المعمول بها في هذه العلوم بنفس المعايير التي نحكم بها على الفيزياء أو البيولوجيا، لأن أهداف هذه العلوم مختلفة تمامًا. وعلى هذا النحو، تختلف الظواهر المعرفية المفيدة المُستخدمة كعوامل تفسيرية من مجال لآخر. لذلك، فإن ما يُعد مقبولًا كـ “طبيعة” -بهذا المعنى الصحيح من الناحية المنهجية-سيختلف من فرع معرفي إلى آخر. سيكون البديل، على سبيل المثال، تصنيف العلوم الاجتماعية من حيث تقديم تفسيرات “خارقة للطبيعة” وبالتالي تنتمي إلى علوم “ما قبل الحداثة”، هو أمر غير محتمل.

من ناحية أخرى، قد يُقترح تحديد ما يعتبر “طبيعي” على وجه التحديد من حيث تلبيتها للمتطلبات المعرفية التي تنطوي عليها أهداف علوم الفيزياء والبيولوجيا وما شابه. ومن ثمَّ سيكون لدينا أسباب معقولة لعدم تصنيف العلوم الإنسانية والاجتماعية على أنها “علوم طبيعية”، بحكم أنها لا تعمل وفق منهجية طبيعية محددة. ولكن ذلك لن يكون أيضًا سببًا لاعتبارها علوم “خارقة للطبيعة”. هذا يعني فقط أن العلوم “الطبيعة” لا يمكن فهمها ببساطة إن تمت مقارنتها في معارضة ثنائية للعلوم “الخارقة للطبيعة” فلا يمكن اعتبار أن كل ما هو غير طبيعي يكون بطبيعة الحال خارق للطبيعة”. وهذا يشمل السلوك البشري والثقافة، وكذلك أي سلوك وثقافة افتراضية لشياطين الفضاء. مما يعني أيضًا أن تحديد الطبيعة المنهجية باعتبارها السمة الأساسية للعلوم الحديثة سوف يستبعد فعليًا العلوم الاجتماعية من الحداثة.

علاوة على ذلك، تُعد الأهداف في إطار نظام علمي معين ليست ثابتة، ولكنها خضعت للتطور التاريخي، وعلى الأرجح ستستمر في هذا التطور. إذا كان مفهومنا للطبيعة المنهجية، باعتباره السمة المميزة للعلم الحديث، يرتكز على مجموعة محددة من المتطلبات المعرفية، عندئذٍ يتعين علينا إما إنكار إمكانية حدوث أي تطور إضافي في أهداف علومنا الموجودة حاليًا، أو الاعتراف باحتمالية تخطي العلم نفسه”الطبيعة المنهجية”، وبالتالي، الحداثة.

ولكن بيت القصيد هو إصرار المرء على أن بعض الأهداف الأساسية تكون عامة، وهذا صحيح، حيث أن غاية العلم هي التأكد من الحقائق، وغاية التكنولوجيا هي تحقيق ما نهدف إليه. إن العلاقة الضرورية بين الاثنين واضحة. ولكنها عامة لكليهما “الحديث” و “ما قبل–الحداثة” وصحة المنهجية كقاعدة، بالمعنى المُجرد لها، لا تُعد كافية لتمييز ما هو حديث. فيجب أن يعتمد ذلك على الطبيعة المحددة للأهداف التي تُفهم على أنها “حديثة” وأفكارنا حول الوسائل الصحيحة لتحقيقها. لكن هل تلك الأهداف لا تخضع للنقد والتطور؟

وطالما أننا نعرِّف الطبيعة المنهجية على أنها قبول مؤقت للتفسيرات “الطبيعة” فقط، ولأغراض منهجية معينة، إذاً، فإن أوضح طريق للمضي قدمًا هو تحديد “الطبيعة” في هذا السياق، باعتباره مجرد عامل توضيحي يُفسح المجال لتحقيق تلك الأغراض. ومع ذلك، فإن وجود شيء من الدقة في تصورنا لتلك الأغراض والأهداف المعرفية التي يستلزمها يُعد أمرًا ضروريًا، إن كان هناك شيء مهم ومفيد يمكن الاستدلال عليه فيما يتعلق بالمنهجية. ومرة أخرى، يجب أن يكون هناك مفهومًا مستقرًا وعامًا بما يكفي لتقديم وصف منهجي عام قابل للتطبيق على مجموعة من التخصصات العلمية، ومنفتحًا للإنمائيةì الحاسمة فيما يتعلق بأهم أهدافها الأساسية وافتراضاتها المسبقة.

ولتحقيق هذه الغاية، دعونا نعود إلى علم الوجود الأساسي للخالق والخلق، والمثال الإرشادي لربط الجمل، كممثل لعلاقتنا المعرفية والعملية بالخلق على هذا النحو. في هذه الحالة، فإن هدفنا هو فهم الخلق في حد ذاته، بقدر المستطاع. من هنا، نتذكر النقطة المهمة، التي ظهرت في المواجهة التقليدية بين علم الكلام في الإسلام والفلسفة، أنه إذا لم يكن الخلق مُنظمًا بما فيه الكفاية، لتعين أن يكون غير مفهوم بطبيعة الحال، ومن ثمّ يصعب فهمه في حد ذاته وتحقيق أهدافنا المرجوة منه. فإن لم نكن نعلم ماذا سيحدثه الله إن ربطت الجمل أو لم أربطه، فسيكون عملنا في هذا العالم لا جدوى منه. وقد تُظهر لنا مشكلة الاستقراء أنه لا يمكننا أبدًا أن نعرف كيف تُنظم الأمور حقًا. إذا كان الأمر كذلك، فهي مشكلة، فعلى وجه التحديد أنه إذا كانت الطبيعة ليست منظمة بشكل كاف، فإن معرفة الطبيعة أمر مستحيل. وهذا يعني أن المعرفة فيما يتعلق بالعالم لا يمكن أن تتبع بعقلانية ما عدا في إطار افتراض أن الأمور مُنظمة بشكل كافٍ. وسيكون هذا صحيحًا بصرف النظر عن كيفية تطور أهدافنا العلمية وافتراضاتنا الأساسية بمرور الوقت. هل هناك مواصفات أخرى يمكننا القيام بها؟

اقترح سكوت تانونا مؤخرًا صياغة مثيرة للاهتمام بشأن الطبيعة، من حيث الرغبات المعرفية (علم المعرفيات) والذاتيه المشتركة والقدرة على التنبؤ. ويضيف أيضًا: “أن الظاهرة أمر طبيعي إن اشتملت على اطراد بين الجوانب المتبادلة والقابلة للتحديد في العالم”، حيث يقيّد هذا الاطراد القيم المحتملة لتلك الجوانب المشتركة للسماح بعمل تنبؤات بشأنها، بما في ذلك، إن أمكن، التدخلات.[9] إن “تعريف جانب الذاتية المشتركة” هو أي جانب يمكن وصفه أو قياسه بطريقة يمكن الوصول إليها لأكثر من شخص (أو ملاحظ). من ناحية أخرى، فإن ما هو خارق للطبيعة هو “أبعد من أي قابلية تنبؤيه تبادلية”، بحيث “لا يتعارض فقط مع النظرية الفيزيائية المفهومة حاليًا، بل يتجاوز قدرتنا على دمجها في أي نظرية مستقبلية عن أي اطراد فيزيائي قابل للاختبار التجريبي أو القانون. [10] 

يتفق تانونا مع قسوم في أن الطبيعة المنهجية لا تنطوي على طبيعية وجودية. في الواقع، فقد أوضح صراحة أن دافعه الخاص هو الدفاع عن التمييز ضد الاتهامات الموجهة له بعدم الاستدامة. وقد عبر عن هذا التمييز من حيث (الطبيعة “الداخلية” و“الخارجية”، حيث يتمثل الأول في تطبيق النزعة الطبيعية في مجال العلم وحده، بينما يشير الأخير إلى تطبيقه بشكل عام.

تعتمد الطبيعة المنهجيّة الداخليّة على الحدّ الأدنى من أيّ سرد علميّ الذي  يجعلها على اتصال محدّدًا مع البيانات المتبادلة، وبهذا الاتصال نحصل على مطالبات محددة تنبؤية حول بيانات أخرى متبادلة. ولا يكون هذا السرد العلمي متوّج بالنجاح (في أي مكان كان ) كما أنه لا ينبغي أن يكون حصري. [11] 

وبعبارة أخرى، فإن صياغة هذه المنهجية الطبيعية لا ترتقي إلى الرأي الإيجابي القائل بأن كل شيء في العالم الطبيعي يمكن تفسيره من حيث الصلاحية، أو من حيث المبدأ، لعمل تنبؤات متبادلة. هذا يعني ببساطة الحد من اعتبارات المرء لعوامل تصلح لفعل ذلك، لغرض محدد، ألا وهو استخلاص أكبر قدر ممكن من الطبيعة، من حيث المبدأ، للقيام بذلك في الواقع الفعلي. وهذا يتفق تمامًا مع معرفتنا بأن هناك بعض الأشياء التي لا تصلح، سواء في جوهرها أو من حيث المبدأ. كما أنها تتماشى تمامًا مع معرفتنا بأنه لا يوجد شيء من النظام المُكتشف حتى الآن يمكن أن يزيل الاحتمالية الحقيقة بأنه في اللحظة التالية، سيتغير كل شيء بشكل جذري. ولذلك أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف قائلًا: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”[12]


[1] سنن الترمذي 2517

[2] انظر كتاب بوبر، وكارل “منطق البحث “دار نشر: جوليوس سبرينغر، فيينا. 1992.

[3] كتاب أبو حامد الغزالي “تهافت الفلاسفة” ترجمة: مايكل مرمرة، مطبعة جامعة بريغهام يونغ، 1997.

[4] لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع أنظر كتاب نظريات معاصرة وعرضية عن السببية للكاتب مؤيد، إدوارد. (سيصدر قريبًا)

[5] نضال قسوم،”” الارتباط الواجب بين علم الكلام والعلوم التجريبية الحديثة”، مؤسسة كلام للأبحاث والإعلام، سلسلة رسائل رقم: 6. 2011 صفحة رقم 4.

[6] قسوم 5

[7] المرجع السابق

[8] المرجع السابق 

[9] كتاب سكوت تانونا ” “السعي وراء الطبيعية”، دراسات فلسفية، مجلد.148، رقم 1 (مارس 2010) صفحة رقم 82.

[10] المرجع السابق

[11] المرجع السابق .83

[12] مسند أحمد بن حنبل  12491