تكريم الإنسان منذ خلق آدم: الإسلام وقيمة الحرية الإنسانية

Omar Edward Moad

Dr. Omar Edward Moad is Associate Professor of Philosophy in the Department of Humanities, Qatar University. He has published numerous articles on Islamic philosophy and comparative moral epistemology, as well as a textbook, Logic and Critical Thinking: An Introduction for Muslim Students (2017: Kazi Publications).

View all posts

قضيت وقتًا أكثر مما يلزم من شهر رمضان في قراءة الأخبار ومتابعة الفوضى العارمة في الشرق الأوسط؛ وعند نقطة ما، فرّ الألاف من اليزيديين إلى الجبل حيث حاصرتهم داعش.[1] وفقًا للحادثة، أنقذهم الجيش الأمريكي بطريقة بطولية.[2] وهنا تغيّر مجرى الأحداث: فالعدد على الجبل كان قليلًا جدًا عمّا اعتقدناه من قبل، كما أن الأغلبية منهم لم تكن راغبة في الرحيل. حتّى الآن لا أعرف ماذا حدث بالفعل؛ فهل هناك طريقة لنعرف طبيعة الأمر من خلالها؟ وما الشيء المفيد الّذي قد تقدمه معرفتنا بما حدث؟[3]

من الواضح (مرّة أخرى، وفقًا للحادثة)، أن أهالي العراق يلقبون اليزيديين “بعبدة الشيطان”. وأخبرني أحد ما أنهم يوافقون إبليس في رفضه السجود لآدم عندما أمر الله الملائكة بهذا. إن المنطق الواضح هنا هو أن إبليس كان موحدًا حقًّا حتّى أنه لم يرغب في السجود لأحد إلّا لله. لا أعرف حقًّا ما يؤمن به اليزيديين، ولكن وفقًا لهذا المصدر[4] فيبدو أن ما قاله الرجل ليس صحيحًا.

الأمر الأهم بالنسبة لي (والأجدى تأمله) ليس إيمان اليزيديين بذلك (أو ما يؤمنون به عامة)، ولكن الفكرة نفسها: وهي رفض إبليس السجود لآدم لا يعبر عن عصيانه لله، ولكن عن إيمانه الخالص. قد يكون رد المسلمين التقليدي على ذلك (وفق فهمي) أنه لم يمتثل لأمر الله. فطاعة الله لا تعني رفض أي أمر لأي أحد غير الله، ولكن الخضوع هو العمل الإيجابي للطاعات، ولذلك تحتاج لأمر خاص-مثل “افعل ذلك”، وتكون تلك الطاعة حقيقية عند قيام الإنسان بها مثل الطواف حول الكعبة سبع مرات، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات… والسجود لآدم.

كان الأمر في هذه الحالة-أوّل حالة عصيان لله-هو السجود لآدم. تبدو تلك فكرة ماكرة، فعدم الطاعة هنا هو شكل خالص من أشكال الطاعة الفعلية. قد تكون هذه الفكرة مبررًا للشيطان، لكن عندما سأله الله، لم يستطع إخفاء دافعه الحقيقي فقال: “أنَا خَيْرٌ مِّنْهُ (القرآن 38: 76). لذلك، فأي ذريعة لإبليس بعدم طاعته لغير الله باتت واضحة. وضع إبليس أولوية له قبل الله، وهذا هو المعنى الحقيقي لعصيانه، وأيضًا، وأخيرًا، المعنى الحقيقي لذلك الغرور والاستخفاف بباقي المخلوقات والبشر خاصة، والّذي يُعدّ، من جهة أخرى، تعبيرًا عن التوحيد، أو الإيمان التام بوحدانية الله وتفرده. وفي ضوء هذا، من دواعي السخرية، اتهام أتباع داعش الآخرين بعبادة الشيطان.

لكن، أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، أوّل البشر وأبو البشرية. لنضع جانبًا مصادر الحيرة، فالله لم يأمر الملائكة بعبادة أحد آخر غيره عندما أمرهم بالسجود لآدم. على العكس، فيُعدّ سجودهم لآدم بأمر من الله نوعًا من العبادة، ليس لآدم ولكن لله. وهذا النوع من عبادة الله كان تعبيرًا عن تبجيلهم لآدم الّذي فرضه الله كواجب من خلال فعل متواضع كالسجود. لذلك، فهؤلاء الّذين يتهمون الملائكة بالوثنية لأنهم أطاعوا أمر الله وسجدوا لآدم، قد يتهمون من أطاعوا أمر الله بحب محمد ﷺ لنفس السبب. بالتالي، لا ينبغي المجادلة فيما يؤمن به اليزيديين أو غيرهم، ولكن ينبغي صب تركيزنا على ما يأمر به الله.

لو أُمر الملائكة بالإعراب عن تبجيلهم، خاصة، لآدم، فكيف ستكون تأثيرات ذلك علينا؟ ألا يستحق آدم تبجيلنا؟ إننا، بالطبع، نبجّل آدم كنبي، ولكن، ينبغي تذكّر أن النبي الأوّل كان أيضًا الإنسان الأوّل. تتشارك الإنسانية والنبوة الأصل نفسه، وينتهي بي هذا إلى أن فرض الله تبجيل آدم هو تبجيل للإنسانية في ذات الوقت. فهل هذه نهاية متسرعة؟ إن مكانة ومنزلة الإنسان العادي، مثلي ومثلك، لا تساوي منزلة ومكانة آدم؛ فهو نبي ونحن لسنا مثله؛ هو أبو البشر ونحن مجرد أبناء. بعض الروايات ذكرت أن طوله كان ستين قدمًا، ونحن محظوظون إذا كنّا ستة أقدام. ومع ذلك، يظلّ آدم أصل البشرية ونحن فروعها، ويجري دمه في عروقنا. إن آدم، مثل كلّ الأنبياء، نموذج مثالي للبشرية-النموذج المثالي الّذي وضعه الله للبشرية في أبهى كمالها، ” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”(القرآن 2:286). لذلك لا يتجسّد شيء في النبي إلّا ما يتجسّد في أي إنسان آخر-الّذي قد نكون عليه لو كان أمرنا بيدنا، ولكننا بالطبع، لسنا ما أردنا. ” لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” (القرآن 95:4-5). وبالطبع، بإمكاننا أن نكون من بين هؤلاء الّذين يقول عنهم الله “إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ” (القرآن 95:6). بالتالي، إن أمر السجود لآدم هو أيضًا أمر بتبجيل القدرة الكامنة في كلّ كائن حي.

يترتب على ذلك أن استحالة تبجيل الله دون تبجيل الإنسان، ونفس الشيء عند التبجيل الحقيقي للإنسان المستحيل بدون تبجيل الله. يمكن وضع تصورين متناقضين بشأن هذه النقطة؛ الأوّل: أن تبجيل الله يتطلّب رفض تبجيل الإنسان، والثاني: أن تبجيل الإنسان يتطلّب رفض تبجيل الله. قد يظهر التصور الأوّل على مدار التاريخ بشكل مختلف يُدّعى “الأصوليات”-وهي تظهر في كلّا من الدين والعلمانية.  وتظهر هذه الأصوليات على هيئة تأثير فكري يُحفّز التكفيرية المتعصبة. أما التصور الثاني فهو المبدأ الأساسي للعلمانية “الإنسانية” الّتي تُطالب بتبجيل البشرية باعتبارها مبررًا للإلحاد، وللقضاء على كلّ أشكال الدين.

إن لكلّ من هذين التصورين المتناقضين بُعده النظري المعرفي. والقول بأن التبجيل الحقيقي للإنسانية يتطلب رفض الله هو تضمين مشترك للإعتقاد في الاعتماد على الذات في الذكاء الإنساني، وأن مثل تلك الثقة بالله في أمور تتخطى فهم الإنسان هو احتقار مُهين لا يُناسب الإنسان؛ على الجانب الآخر، فالّذين يدّعون أن التبجيل الحقيقي لله يتطلب رفض الإنسان مولعون بتأكيد قابلية الذكاء الإنساني للخطأ وبذلك يدّعوا وجود نوعًا من الخطأ بالالتفاف على الذكاء نهائيًا والاعتماد الكلّي والمباشر على الوحي.

إن الكلمة الأخيرة -“الأصوليات”-صائبة للإشارة إلى أن الذكاء قابل للخطأ، ولكنهم يفترون عليه بوصفه بالتدني الضروري، وكذلك يكذّبون بادعائهم أنهم لا يستغلونه لفهم دينهم. إن الحصول على الهداية من الوحي غير ممكن بدون فهمه، وفهم أنه غير ممكن بدون ذكاء. لذلك تؤدي القابلية للخطأ في الذكاء حتمًا إلى القابلية للخطأ في فهمنا للوحي، وتلك بكلّ بساطة هي الحالة الإنسانية. أصبح التواضع المعرفي ضرورة أخلاقية منذ انعدم وجود أشخاص يطالبون بتفادي هذه الحالة الإنسانية. لكن منذ أصبح هذا صعبًا جدًا أو مرعب جدًا لبعض الناس، لجأوا للإدّعاء بالقدرة على تخطي الذكاء الإنساني وقابليته للخطأ؛ وبفعلتهم هذه، أثبتوا أن الذكاء الإنساني قابل للخطأ ويمكن أن يكون واهن وأنه ليس على الدرجة التي يحتاجونها.

يتضمن المفهوم الّذي يُدّعى الأصوليات عند العديد من المسلمين إدراك وجوب فهم القرآن، مع ادّعاؤنا بإمكانياتنا تحصين فهمنا له من القابلية للخطأ في الذكاء بالاعتماد على السُنّة، كما لو كانت السُنّة نفسها لا تحتاج لفهم. هل يوجد آية في القرآن لا يُمكن فهمها بدون الاستدلال بحديث عن النبي ﷺ أو تفسير واحد من السلف، وهل يمكن فهم الحديث المفترض تفسيره للآية كلّه على ما يُرام بنفسه؟ بكلّ تأكيد، تحتاج كلّ الأشياء للفهم، ولذلك تعتمد على الذكاء الإنساني بكلّ قابليته للخطأ. تحتاج الأحاديث إلى التوثيق، وإلى فهم سياقها، وغيره. ويتطلب هذا الإجراء الذكائي المنظم مباديء منهجية تحتاج إلى أساس عقلي بقدر ما يفعل الوحي، ولا يوجد طريقة لتفادي هذا الأمر.

أما أيسر طريقة لإثبات وجهة النظر هذه هي طرح السؤال، لماذا لم يُوحى الإسلام للحجارة بدلًا من البشر؟ الإجابة ببساطة هي أنه ليس بإمكان الحجارة استخدام الكلاشينكوف، في حين، بكلّ وضوح، يستطيع البشر ذلك. إن الأمر ليس كذلك، ولكن ما يجعل البشر مختلفين عن الحجارة هو القلب والذكاء. إن رسالة الله تخاطب القلوب من خلال الذكاء بكلّ قابليته للخطأ وقدرته المتدنية. إن رحلة الأصوليين من الذكاء، وتظاهرهم بعدم الاعتماد عليه في فهمهم للدين، هو فقط عبارة عن بعد نظري معرفي لرحلتهم بعيدًا عن الإنسانية نفسها-ومبدأهم هو إن تبجيل الله يتطلب ازدراء الإنسان والمخلوقات عامة. يطالب الأصولي بحتمية تخطي إنسانيته لفهم رسالة الله بدون اللجوء لمساعدة ذكائه القابل للخطأ، والحديث بصفة أساسية ومباشرة مع الله بدون قابلية للخطأ. بكلّ تأكيد، لن يذكر ذلك صراحةً، لأنه في أي حالة، سينكر أنه من يتحدّث. لذلك، فإن غطرسته غير المعقولة منغلقة على نوع من التواضع الكاذب. لا تكون تلك أفكاره، كلا، فهو لا يملك أفكارًا خاصة به؛ إنه فقط يتلقى الرسالة. حقًّا، الذكاء الإنساني قابل للخطأ وقد يكون متدنيًا.

يمثل هذا الازدراء للذكاء، كما أشرنا، البعد النظري المعرفي فقط من الازدراء الكلّي للإنسان باسم الله. وتكون ظواهره أكثر وضوحًا في العالم المسلم اليوم. هناك سباق لإضعاف وتدمير الإنسان، ليس فحسب بين الجماعات التكفيرية المسلحة الّتي تعدم البشر في مقاطع الفيديو وتدمر التراث الإنساني.  ما الّذي يمكننا قوله عن الأنظمة الّتي تقمع وتقتل مواطنيها في مجازر جماعية، وعن العلماء ممن يُفترض أنهم وسطيون تقليديون ويلتزمون الصمت عند التخلّص من هؤلاء المواطنين، ولكنهم يرفعون أصواتهم عندما تهدم المليشيات التكفيرية ضريحًا؟ لقد أُخبرنا أن دم امريء مسلم أعظم عند الله من هدم الكعبة (سنن ابن ماجه 3932). وبات من الواضح اليوم أن الاستهانة بحرمة الإنسان بين مسلمي اليوم ليست محدودة بفصيل واحد في التنافس السخيف من أجل القوة السياسية من خلال السلطة الدينية فقط.

قد يؤدي كلّ هذا بالفرد إلى الاعتقاد أن العلمانية الإنسانية-في التصور المناقض الأخر-صحيحة، وأن تبجيل الإنسان يحتاج بشدة إنكار وجود الله؛ ولكن ما يتجاهله هؤلاء هو أنه حتّى لو كان الذكاء قابل للخطأ، وكان البشر رغم هذا عقلانيين، قد لا نجد مسوغات لتبجيل الإنسانية على أساس العقل وحده. من الممكن أن الملائكة لم تجد هذه المسوغات عندما أخبرهم الله بأنه سيجعل في الأرض خليفةقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟” (القرآن 2:30). إن الله هو الكمال، وتطيعه الملائكة، تطيعه في أكمل صورة؛ فما الّذي يضيفه مخلوق في الأرض من الممكن أن يكون عاصيًا؟ لماذا قد يخلق الله مخلوق كهذا، ويأمر الملائكة بالسجود له؟ “ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.” (القرآن 2:30).

لو كان الملائكة لا يعلمون، لما قلنا غير ذلك. يعتقد الملائكة، في حدود علمهم، بأن خلق الإنسان قد لا يسبب غير الفساد والتدمير. ووفقًا لما رأيناه وما نراه مما اقترفته الأيدي الملطخة بالدماء اليوم، لو كان غرض الله من هذا كلّه يتخطى حدود إدراكهم، فحينها ما هو الأمل الحقيقي الّذي قد يجده شخص ما في الجنس البشري، بدون ثقة في شيء ما، وبصورة عمياء كما هو حالها، تتجاوز قدرة الفرد على الفهم؟ بكلّ تأكيد، ومن منظور العقل وحده، ينتظر وباء الجنس البشري علاجًا ولكنه تعالى يقول: “ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”.

مع ذلك، يقول الّذين يتخذون العلمانية أسلوب حياة، “لا أحد يعرف ما (نحن…؟) لا أعرفه، وأيضًا، لا يعرف لماذا قد يكون الأفضل للجنس البشري ألّا يتواجد أبدًا، هذا التصور الّذي يزداد عنده كلّ يوم. إن الفرضيات الّتي سُمح بها كقيادة رشيدة ويمكن الدفاع عنها، في نهاية الأمر وبكل تأكيد، ستؤدي لنهاية الحياة الإنسانية بدون أي أهمية خاصة تخفف من المعاناة الّتي سببتها، وقد تكون، بدون أي مقياس موضوعي، أفضل لو توقف البشر فقط عن التكاثر كلّيًا. احصائيًا، يعتبر هذا واحدًا من الحالات النادرة لافتراضات الفلسفة الأخلاقية الّتي بالفعل لها تأثير قابل للقياس على السلوك الحقيقي للناس في المجتمعات العلمانية. هنا، بالنسبة لتبجيل العلمانية الإنسانية لله-الإيمان بالله والثقة بأنه كاتب كلّ شيء للإنسان يتجاوز حدود إدراكه-فهو الشيء الوحيد الّذي يجعل أي تبجيل حقيقي وأمين للإنسان ممكن.

أما عن القدر البشري، وما يمكن الوصول إليه من خلال العقل فقط فهو، باعتقادي، عُبّر عنه بإيجاز في الأيات القرآنية كالمشار إليها مسبقًا: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثمّ رددناه أسفل سافلين” (القرآن 95:4-5)، وأيضًا، “والعصر. إن الإنسان لفي خسر” (القرآن 103: 1-2). تعبّر تلك الآيات عن الحقيقة الأزلية الّتي يتشاركها الناس على مر التاريخ، واحتوت على الأربع حقائق النبيلة للبوذيّة. لكن، لا يُتوصل إليها إلا عن طريق الإيمان بالله وحده، وعمومية رسالته الّتي عبّرت عنها الآيات، في كلّ مرّة، مباشرة كما يلي: “إلا الّذين ءامنوا وعملوا الصالحات…”. يبين لنا الله هنا أن الطريق لوعده-السر الّذي يعرفه الله وحده، والّذي يبرر خلق آدم وحده، وأمر الله للملائكة بالسجود، والّذي يتضمن تبجيل الإنسانية-هو الّذي يجعل الإنسانية حقيقة ممكنة وحدها.

يقول الله بأنه خلق الإنس والجن لعبادته فقط-للإيمان والعمل الصالح. ويبلغنا الحديث أن أهمية أعمالنا-الأعمال الصالحة-تكمن في النيات، ولذلك، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ (القرآن 2:256). تحتاج النية الخالصة اتباعها باختيار صحيح، وأن تكون بعيدة كل البعد عن أشكال الإكراه الجسدي أو النفسي على حد سواء.  ينبغي بالضرورة على المخلوق المطيع برغبته امتلاك القدرة والفرصة لئلا يطيع برغبته؛ وتمثّل أي محاولة لإنكار تلك القدرة طريقًا لتجريد البشر من الغرض الّذي خُلق/خُلقت لأجله.

لهذا، تُعتبر الحرية، بالمعنى الصحيح، ضرورية لأي قيمة أخلاقية للإنسان. أي ببساطة، لا يمكن إجبار الناس، أو خداعهم، أو غسل أدمغتهم ليكونوا خيرين. يمكن بالطبع إجبارهم وخداعهم وغسل أدمغتهم، أو بطريقة أخرى، إكراههم لفعل ما قد يكون ذو قيمة أخلاقية حقيقية إذا كانوا سيفعلونه بمحض ارادتهم. إلا أن إكراههم على فعل ذلك قد يكون بلا قيمة أخلاقية. إن هذا هو المنطق الّذي يمكن تسميته، إلى حد كبير، ليبرالية الإسلام. إنني أستخدم مصطلح الليبرالية هنا نظرًا لأن بعض المفكرين الأوروبيين المعاصرين، بالأخص إيمانويل كانت (تُوفي عام 1804)، قد استخدموه للإشارة إلى فكرة متشابهة. ومع ذلك، ينبغي علينا الاختلاف معه ومع العديد من نظريات الفكر الحديث في هذه المسألة، وكذلك تأكيد عدم كفاية الحرية وحدها لأي قيمة أخلاقية للإنسان.

ما الّذي نعنيه بذلك؟ أوّلًا، نتفق ألّا يوجد أي قيمة أخلاقية يمكن ممارستها بدون ذاتية واختيار حر. ثانيًا، يترتب على هذا أن أي فعل بدون نية خالصة ينتهك ذاتية فعل آخر وهذا خطأ. وبالتالي نختلف مع المفهوم القائل: “أن هذا يستنفد الاعتبارات المهمة أخلاقيًا. يمكن القيام بأي فعل بحرية طالما لا ينتهك حرية الآخرين”، وحتّى إن كان بلا قيمة أخلاقية أو خطأ. إن هذا ما أعنيه بقولي: “أنه إذا كانت الحرية ضرورية لأي قيمة أخلاقية للإنسان، فهذا لا يعني أنها كافية لأي قيمة أخلاقية للإنسان. بطريقة أخرى، إذا كانت قيمة عمل الفرد تعتمد على كونها قيمة حرة، فإن قيمة حرية الفرد تعتمد على ما يستخدمها الفرد فيه. بالتالي، لا يعني احترام ذاتية الإنسان أنها لا تترتب على الحرية المطلقة لأنها ليست بحرية مطلقة. ولكنها تترتب على الحرية المطلقة الضرورية للعمل الإنساني ليكون لها قيمة مطلقة”.

إنني أعارض، تأكيد هذا، الاتجاه العام في الغرب لربط كلّ الأخلاقيات بمبدأ الذاتية، ولترسيخ الحرية كقيمة أخلاقية موضوعية وحيدة، ولإحالة كلّ الاعتبارات الأخلاقية الأخرى إلى الأولويات الفردية غير الموضوعية فقط، أو للمثيرات الثقافية النسبية. إن التفريق بين الليبرالية الإسلامية الحقيقية وبين الخطوط الرئيسة في الليبرالية الغربية الّتي، أتوافق معها، في نهاية المطاف جوفاء، وغير متماسكة، وبالتالي صعبة التنفيذ، أمر حتمي. لذلك عندما أتحدّث عن الليبرالية الإسلامية، فأنا لا أقصد أي شيء مما يُشار إليه حاليًا بأنه “ليبرالي إسلامي”.

يمكن لحقيقة امتلاك القدرة على الاختيار أن تكون ذا قيمة موضوعية وذات مغزى إذا كانت بعض الاختيارات الملموسة أفضل من الأخرى في الموضوعية. ولو اعتبر أي معيار موضوعي كلّ الاختيارات الملموسة بأنها مساوية أخلاقيًا-يكون إذا كانت قيمة أي اختيار ملموس غير موضوعية-فحينها لن توجد قيمة موضوعية في كونك قادر على الاختيار. لقد أعلنتنا الليبرالية الغربية، في ترسيخ خاطيء للتلقائية كالقيمة الأخلاقية الموضوعية الوحيدة، أحرار ولكن، وضع تلك الحرية في نفس المكانة مع حيواتنا، لا مغزى له.

إن نوع الليبرالية الّذي أعارضه هنا، لأكون عادلًا، لا يعتبر كلّ الاختيارات الملموسة مساوية أخلاقيًا بطريقة مباشرة. ما يعنيه هذا أن المقياس الموضوعي الوحيد للقيمة الأخلاقية للاختيار الملموس يكمن فيما إذا كان هذا الاختيار ينتهك مباديء الذاتية أم لا. بكلّ بساطة، يُعدّ الشيء الوحيد الّذي يجعل أي فعل خطأ بطريقة موضوعية هو تقييده حرية فعل آخر بدون مبرر؛ وأن المقياس الموضوعي الوحيد لصوابه هو الدرجة الّتي يصل إليها نطاق حرية الفعل، بالطبع، بدون تقييده بدون مبرر. يتضمّن هذا أن المعيار الموضوعي الوحيد المستخدم للتفريق بين التقييد المبرر للحرية والتقييد غير المبرر يكمن فيما إذا كانت مسألة التقييد تتضمن أي فعل قد يقيد بنفسه حرية الآخرين بدون مبرر، مرّة أخرى. بعبارة أخرى، إن المبرر الوحيد لتقييد حقوق أي شخص هو حماية حقوق الآخرين. يمكننا بالفعل رؤية كيف سيقود هذا لدائرة مفرغة، بسبب عدم وضع أي حدود حقيقية تجعل الحقوق عالمية. بالأساس، هذا ما يجعل هذا النوع من الليبرالية يتحول إلى نموذج غير متماسك نظريًا ومستحيل عمليًا.

هناك إجابات متنوعة لهذه المشكلة، وبكلّ وضوح، قد يحتاج الفرد إلى التعامل مع كلّ منها على حدة للجزم بأنها قابلة للحل. ولكن قد تكون تلك مناقشة طويلة خارج نطاق ما يمكنني فعله هنا. لذا، دعوني أعبّر ببساطة عن الوضع التالي بوضع دفاع وتوضيح مبدئي عمّا أسميه “الليبرالية الإسلامية”. إن الطريقة الوحيدة للتحديد الكافي والمتماسك للحدود المسموح بها في الحرية الفردية هي الرجوع إلى المفهوم الموضوعي الجوهري للخير الّذي لا يمكن اختزاله في قيمة الحرية وحدها، وبالصحة غير المشروطة للأولوية غير الموضوعية فقط. بعبارة أخرى، أخطأ جون ستيورات ميل (تُوفي عام 1873) عندما قال: “أن المقياس الوحيد لقيمة أي شيء هو إذا ما كان أحد يرغب فيه”، وأيضًا كان إيمانويل كانت (تُوفي عام 1804) محقًّا عندما قال: “بأن هذه الحتمية القاطعة كانت كافية وحدها لحلّ كلّ القضايا الأخلاقية الحقيقية”.

تعتبر هذه مقدمة فقط لما أعتبره مشروعًا بالغ الأهمية للتحديد والدفاع عن طبيعة “الليبرالية الإسلامية” ضد المفهوم الإمبريالي غير المتماسك والمضلل والنسخ الهدّامة لليبرالية السائدة في الثقافة الغربية.  يحتاج هذا المشروع، بالطبع، لبيان أكثر تفصيلًا لمغالطات تلك الليبراليات الكاذبة الّتي كان لديّ الفرصة لأعرضها هنا. إن الشيء الأكثر أهمية هو احتياج الآثار العملية، والأخلاقية والسياسية لليبرالية الإسلامية للاستفادة منها أخلاقيًا. يعني ذلك أن مجموعة المباديء الواضحة والمتماسكة للتفريق بين القيود المبررة وغير المبررة للحرية تحتاج الاستفادة منها على أساس المفهوم الإسلامي الجوهري للخير. بالإضافة إلى وجود مفاهيم متنوعة للحرية، وللذاتية وللمؤسسات تحتاج للتمييز والتوضيح فيما يخص علاقتها بالحالة الماديّة المشروطة للحياة، وخاصة لدورها الأخلاقي البارز بالنظر للأحكام الأخلاقية في المرتبة الأولى. سيكون هذا العمل مهم، ليس فقط للدفاع عن وحدة الإسلام ضد مفاهيم الليبرالية الهدّامة وغير المتماسكة، ولكن الأكثر أهمية هو التوضيح والدفاع عن القيمة المشروعة للحرية الإنسانية في ظل الليبرالية الإسلامية في المجتمع المسلم الّذي، بكلّ أسف ولكن بدون شك، يبدو متغافلًا بصورة بالغة القلق وبدرجة خطيرة.