Yaqeen Institute for Islamic Research
Worship-2

لِماذْا سَأَلَ اللهُ العَالميِنْ عِبادتُهْ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

أصبح هذا السؤال بمثابة انتقاد متكرر فيما بين معارضي الدين. وقد أثار هذا السؤال شكوكاً أكثر لدى العديد من الخارجين عن الملة الذين أتلفهم تكراره المستمر، أو ببساطة فقدوا الأمل في إجادة إجابة مُرضية لهذا السؤال. هذا المقال مُقتبس من كتاب يحمل نفس العنوان حُرِّر بواسطة دكتور/ سامي عامري،[1] حيث يقوم هذا الكتاب بتوفير نقد مُقنع لهذا السؤال بالإضافة إلى عدد متنوع من الإجابات عليه.

أصبحت مؤخراً دفوع الملحدين واسعة الانتشار وصوتها عالي حتى ظن البعض أنها كثيرة وعميقة. على الرغم من ذلك، بتحليل أكثر دقة، سيُدرِكْ المرء أنها في الواقع قليلة العدد، ويتم تدويرها على نطاق واسع. عادةً ما يُقحِموا افتراضات لا أساس لها عن حقائق تتخطى عالمنا المحدود، مثل الخلود أو صفات الله وتصرفاته. بالطبع، تُعّدْ الأخيرة أكثر صعوبة من الأولى حيث أنها تتعلق بعالم غير ملموس، وبالتالي لا يمكننا ولوجه.

يتم طرح سؤال معتاد عن حكمة الله في سؤال خلقه لعبادته. عادةً ما يكون السؤال شئ من هذا القبيل: لماذا يسألنا الله أن نعبده بينما لا يحتاج لعبادتنا له؟ كيف يستفيد الله من صلاتنا، وتضرُعنا، وصومنا؟ ما الحكمة التي خلقنا الله من أجلها؟ وفي اللحظة التي يتم الرد عليهم فيها بأنها للعبادة، يعترضوا على الفور: وماذا يجني الله من عبادتنا له؟ وبهذا نعود إلى السؤال الأساسي الذي بدأ به هذا المقال، بعرض ثلاث أسباب لماذا هذا السؤال ــ “لماذا يسألنا الله أن نعبده؟” ــ يُعٌدْ مُعضِل مُتأصِلْ. ثم يتوجه المقال لتناول السؤال الاكثر صلة: “لماذا نريد نحن أن نعبد الله؟”.

إعادة بناء السؤال  

فهم السؤال جيداً ضروري، لأن الكثير من دفوع الملحدين عادةً ما يتم صياغتها بطريقة تُخفي مغالطاتهم الموروثة. الاعتناء بصياغة السؤال نفسه يقوم بكشف الافتراضات الخاصة به. ومن المهم أيضاً وضع أسُسْ التضارب الداخلي للسؤال قبل البدء في جمع الدفوع لدحضه. يحدث التضارب الداخلي للسؤال عندما تكون المقدمة “المنطقية” التي يعتمد عليها السائل لتقديم السؤال مطلقاً غير “منطقية” كما يزعمون. 

1- حدودنا في فهم الإله

قال رسول الله  “حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ‏.”[2]

الحكم على شيء يستدعي فهمه أولاً. ولما كان البشر مخلوقات محدودة، فإنهم غير قادرين على فهم حقيقة الإله الأبدي كاملةً، واستيعاب كماله سبحانه وتعالى. وعلى كُلٍ، هُم لا يمتلكوا المنفذ المباشر إلى الله، ولا القدرة البصرية أو العقلية لاستيعاب ذلك إذا مُنِحوا هذا المنفذ، وليس لديهم منفذ لأي شيء مُماثِل يُمكِّنهُمْ مِن استخدام مُخيلاتهُم لبناء صورة ذهنية. ومن ثم، فإن السوابق المتقدمة لانتقاد الإله ــ فهم الإله ـــ غير موجودة. قال سبحانه وتعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١١﴾} (سورة الشورى: الآية ١١)، ويكرر المولى عز وجل في مكان آخر قائلاً: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴿١١٠﴾} (سورة طه: الآية ١١٠). لهذا السبب، نقول ان العقل البشري مستقلاً بدون وحي، لا يمكنه بأي حال من الأحوال وصف الإله. يمكن بل ويجب على البشر التفكر في علامات وجود الله، واستنتاج بعض الحقائق الغير قابلة للانكار منها عن الخالق وسماته. على الرغم من ذلك، يكون فعل هذا مع إدراك أنه فقط تم تقليل الحجاب بين عقولهم والجوهر الكامل لطبيعة الإله. حيث يتضمن الذكاء هنا إدراك حدود ذكاء الفرد.

على سبيل المثال، تدارس حجم وروعة تصميم الكون يُتيح لنا فرصة استنتاج عظمة وفضل “الواحد الأحد” الذي الذي وجده من العدم. ومن ثم يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾} (سورة آل عمران: الآية ١٩١). ومع ذلك، عقولنا محدودة فيما تقدر فك شفرته من هذه العلامات، ونتيجةً لذلك، يجب علينا الامتناع عن محاولة الفهم الكلي لشئ محجوز خلف حصن منيع.

هذه الحدود البشرية هي أيضاً سبب جعل القرآن النقاش على الله ـــ بتوضيح قليل ـــ محدود لبعض الصفات المُوحاة، طبقاً لقدرة العقل المحدودة على فهم الإله. ومع أخذ هذه الحدود في الاعتبار، فمن غير المناسب أن يسأل الكائن البشري بلا مبالاة عن حكمة المولى عز وجل في سؤاله للعبادة.

2- افتراض انسانية الإله ما هو إلا بناء مغلوط

من أين أتى هذا السؤال عن “احتياج” الخالق للعبادة؟ لماذا تُمثِّل مسألة كيف “ينتفع” المولى من عبادته مسألة رئيسية لهؤلاء الذين يقوموا بطرح هذا السؤال؟

تنبع هذه الأسئلة من ميول إنسانية للتجسيم (وهو ربط الغير إنسانيين بالإنسان). هذه ظاهرة طبيعية معروفة عبر التاريخ وُجِدت في عبق الحضارات، واحتضنها الوثنيون بكل تفاني وإخلاص. هؤلاء الذين يفترضون أن الله يسأل بدافع الحاجة أو نقص قد احتفظوا ببعض العقلية الوثنية القديمة، حيث كانت آلهتهم الأسطورية تمثل البشر الذين يسألون بدافع التبعية، والذين يحرمونهم بدافع الغيرة، والذين كانوا يشعلون الحروب بينهم بدافع تأمين الهيمنة على قبائلهم. يُعلق الفيلسوف اليوناني المشهور زينوفانس (المتوفى سنة ٤٧٥ قبل الميلاد) على ذلك قائلاً: “يرى الحبش (الأثيوبيين) إلههم بأنف مسطح، بينما يعطيه التراقيون شعر أحمر وعيون زرقاء.. والأغرب من ذلك أن تلك الآلهة تشارك في أبشع الأفعال والتي تتعارض مع الشخصية السوية، مثل القتل، والسرقة، والنهب، تماماً كما يفعل الذين يعبدوهم… وإذا كان للأبقار والخيل والأسود أيادي وقادرين على الرسم، لرسمت الخيل إلاهها على شكل خيل، ولكان إله البقر على شكل بقرة.”[3] 

المشكلة الهائلة في التجسيم هي افتراض أن الله هو قياس لكل جوانب الكائن البشري، مع عدم وجود أي نوع من أنواع التباين أياً كان. هذا الإفراط في القياس من شأنه أن ينكشف في النمط الآتي: تتولد أفعال الناس وطلباتهم من خلال حاجة، لذلك لابد أن تنبعث كل الطلبات والأفعال من دافع الحاجة، بما تحتويها من أفعال وطلبات الإله.

يقول ابن تيمية (المتوفى سنة ١٣٢٨هجرياً):

“لهذا السبب، درب القرآن ـــ والذي يعتبر أيضاً درب الأئمة والتابعين ـــ هو الامتناع عن استخدام قياس الشمول، والتي يفترض وجود عناصر متطابقة، وقياس التمثيل فيما يتعلق بالإله. بدلاً من ذلك، يستخدمون قياس أولوية، على أن الانتماء إلى الله لهو أسمى وصف.”[4] بمعنى آخر، رفض القرآن والتابعين تفسيرات تجسيد الله على أن مثل هذه التفسيرات تُقحِم البشر على أنهم الحاجز الزجاجي الذي من خلاله يفهموا صفات الله. بدلاً من ذلك، هم فهموا صفات الله بقياس أعظم، بمعنى إذا كان البشر يمتلكون صفات جديرة بالاطراء والثناء، فمن المؤكد أن الإله يمتلك صفات جديرة بالاطراء والثناء، بالتالي يتم فهم شكل اعظم من هذه الصفات عن الإله، صفات تليق أكثر بتميزه وكماله. للتوضيح، يمتلك البشر الصفات الجديرة بالاطراء والثناء الخاصة ب”الحياة”، ويمتلك الله أيضاً حياة (ناهيك أنه يمتلك أصلاً الحيوات وهو الذي يحيي ويميت)، لذا يجب فهم حياة الإله على أنها مختلفة وأعظم (على سبيل المثال: حياته ليس لها بداية ونهاية). على نفس المنوال، يمتلك البشر صفة “العلم” الجديرة بالإطراء والثناء، والله أيضاً يمتلك معرفة (ناهيك أنه سبحانه هو الذي آتى البشر هذا القدر من المعرفة)، إلا أن معرفة الله كاملة. لذا، أيُما تشارك الإله والبشر في صفة ما، هذا لا يتطلب التطابق بالضرورة، لكن التشابه يوجد فقط في الأسماء المستخدمة لوصف تلك الصفات. تماماً كما أن ساق حصان السباق ليست ساق الكلب، وعين العاصفة ليست كعين الإنسان، صفات البشر ما هي إلا صورة باهتة من الصفات الأعظم والأكثر كمالاً الخاصة بالمولى عز وجل.

لذا، هؤلاء الذين يعتقدون أن الله يسأل العبادة لتلبية حاجة أو لتعويض نقص في الأساس يُحاولوا تجسيد الإله. هؤلاء الناس يتخيلون أن كل المطالب تكون برغبة ملئ فراغ لأن خبراتهم الحياتية مع البشر تفترض أن هذا هو السبب في طلب الناس الأشياء. ومع ذلك، مد هذا الباعث إلى الإله مع عدم فهمنا الكامل لطبيعته عز وجل هي مغالطة واضحة، خاصةً عندما يكون ما نفهمه عن طبيعته ـــ من خلال الأسباب والوحي ـــ أنه سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أي شيء.

3- لا يُستلزم أن يكون كل طلب منبعث من حاجة الطالب

حتى بين البشر، تأمل في الطبيب الذي يطلب من مريض أن يفتح فمه لكي يعطيه الدواء. هذا الطبيب سيُفضِل كثيرا إذا انصاع المريض لأمره، ليس لمنفعة شخصية بل لأن الانصياع سيؤدي إلى منفعة للمريض. وبالمثل، تفضيل الله لعبادته تشير إلى المنفعة التي ستحدث للبشر من ذلك. اعتبر أن رجلاً غنياً طلب من شحاذ أن يمد يده، ويُفضِلْ أن يمتثل لما طلبه منه لكي يُعطيه المال. هذه الأمثلة هي قياسات أفضل لرغبة الإله في أن يكون معبوداً: حبه لأن يكون معبوداً ومطاعاً لا تستلزم كونه في حاجة لذلك ولا أي طلب ـــ حتى بين البشر ـــ دائماً ما يكون مترابط مع الرغبة في أكثر من ذلك.

في الواقع، بعض الطلبات يمكن أن تكون أفعال فضل نقية في الجزء الذي يتعلق بالطالب الذي يتمنى للآخرين تحقيق مصالحهم وأهدافهم. بعض الطلبات الأخرى تلبي غاية التعليم والقولبة. تُظهر هذه الأمثلة وأمثلة أخرى أن مجرد طلب شيء لا يستدعي لهذا الشيء: تستخدم الطلبات لعدد متنوع من النوايا التواصلية، الكثير منها لا يتطلب أن يوجد حاجة عند الطالب. بالنسبة للمولى عز وجل، فينتمي إليه الجوهر الكامل الذي جميع الصفات. لا تزده عبادة الناس أي شيء، بل أن فرص عبادته وفعل الصالحات ما هي إلا عروض مطلقة من الله تعالى للبشر ـــ مع الأخذ في الاعتبار أنه هو من أعطاهم الفرصة لفعل الصالحات في المقام الأول ـــ فيقول سبحانه وتعالى: {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿٥٢﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾} (سورة النحل: الآية ٥٢- ٥٣).

معالجة السؤال

بعدما وضحنا الافتراضات الخاطئة وراء التساؤل المطروح، سنشرع الآن في استعراض إجابة للسؤال: لماذا تعد عبادة الإله ضرورية ونافعة؟

1. وحده الرب مستحق للعبادة

بما أن الكثير من الناس يرون “العبادة” على أنها مجموعة من الشعائر الجسدية الاعتيادية، وجب علينا بدءاً أن نحدد الشعور الكامن في جوهر التعبير القرآني العبادة (والذي عادة ما يترجم بلفظي عبادة أو زهد). يشرح العالم الجهبذ الراغب الأصفهاني (المتوفى عام 1108) أن لفظ العبادة يرمز إلى غاية التذلل[5]. أما عن ابن القيم وهو عالم اللاهوت الخبير فيوضح أن التعبد (أي الالتزام بالعبادة) هو غاية الحب حيث يكون الشخص مسلوب القوة أمام محبوبه أي كمال المحبة مع كمال الذل[6]. في موضع آخر، يُفسر ابن القيم قائلاً “لَا ريب أَن كَمَال الْعُبُودِيَّة تَابع لكَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الْمحبَّة تَابع لكَمَال المحبوب فِي نَفسه وَالله سُبْحَانَهُ لَهُ الْكَمَال الْمُطلق التَّام فِي كل وَجه الَّذِي لَا يَعْتَرِيه توهم نقص أصلا وَمن هَذَا شَأْنه فان الْقُلُوب لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْهَا مِنْهُ مَا دَامَت فطرها وعقولها سليمَة وَإِذا كَانَت أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهَا فَلَا محَالة أَن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته واستفراغ الْجهد فِي التَّعَبُّد لَهُ والإنابة إِلَيْهِ وَهَذَا الْبَاعِث اكمل بواعث الْعُبُودِيَّة وأقواها حَتَّى لَو فرض تجرده عَن الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب استفرغ الوسع واستخلص الْقلب للمعبود الْحق.”[7]

لهذا فإن العبادة تشتمل على حالة تتجلى في استسلام القلب والجسد. وتقوم على ركنين أساسين: الحب المطلق والتذلل المطلق. ينبثق هذان الشعوران من تفهم لكمال صفات الإله وإدراك فضائله (التي ينتج عنها تولد الحب) والاعتراف بنواقص الشخص مقارنةً بذات الله الكاملة (وهو ما يُولد التذلل). من الممكن أن نقول أن العبادة هي الظاهرة النابعة من ملاحظة طبيعة الوجود المزدوجة: الخالق والخلق، المعطي والمعطى، والواهب والموهوب له. فليس الغرض من العبادة التكليف الشاق ولا أن تكون مجرد عمل يُؤجر عليه المرء ولكن هبة عظيمة تتحقق بالتبصر الروحاني والجهد الصادق. فكلما زاد إلمام المرء بعظمة الإله وعفوه الغير محدود، كلما زاد تفهمه لضرورة العبادة. تُمثل العبادة اعلان الحب للإله وذلك لأن “عبادة” الإله دون البدء بمحبته لا يعد عبادة وكلما اعتلى الشخص سُلم المحبة، كلما تزايد شعوره بالراحة في جنان العبودية.    

ففي فاتحة الكتاب، هناك مغزى من وضع عبارة “إِيَّاكَ نَعْبُدُ” بعد آيات مدح الإله والثناء عليه. فهذا التتابع يُصور العبودية كفرع من فروع التسليم الذي ينتج عنه تحول المسلم إلى عبادة الإله باطنياً وظاهرياً. فيكون الدافع الخارجي أمر الإله المنزل والذي يفرض على الناس أداء العبادات الدينية بينما يتولد الدافع الباطني من تقدير لكمال الإله التام واعتراف المرء بنواقصه وتقديره للطف الإله. وهكذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (وهو أفضل الخلق) يقف في صلاة قيام الليل (وهو أفضل أوقات التعبد) ليردد في سجوده (وهو أفضل موضع لإعلان الاستسلام والطاعة): “لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ”[8]. فحتى الملائكة الذين يملئون كل شبر من السماوات والأرض سيرددون في سجودهم واستسلامهم يوم البعث: “سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ”[9]. فكما نرى فإن هذه الكائنات النورانية العظيمة الذين ينقطعون لعبادة الإله دون توقف بطاعة أبدية يعرفون حق المعرفة أن الإله (سبحانه وتعالى) لا يمكن أن يعطيه أي مخلوق حق عبادته.      

إن الإله مستحقٌ للعبادة حتى من قبل بدء الخلق وحتى وإن قرر ألا يخلق أي شيء بالمرة فإن طبيعته الجليلة وحدها تخوله لأن يكون محل عبادة القلب. ولئن لم نحظى منه على أي شيء، سيظل مستحقاً للعبادة فكيف بالحال عندما يمطرنا بوافر نعمه في كل لحظة من لحظات حياتنا؟ فتبجيله ضرورة لأن هذا العالم بأكمله والعالم التالي أيضاَ مملوكون له ولأنه سيحاسبنا بعدل متناه يوم القيامة وسيجازي المتقين دون حدود. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ” (سورة سبأ 1:34). كما أن تبجيل الإله تعد ضرورة لأن كل ذرة في هذا الكون المذهل تشير إليه. يقول تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا” (سورة الطلاق 12:65).      

إننا في حياتنا اليومية نشعر أننا مرغمون على التسليم بإنجازات البشر الاستثنائية وتفوقهم الأخلاقي. فبالتالي كيف لا نسلم بتدابير الخالق التي لا مثيل لها وإسباغه على البشر بفطرة (طبيعة نقية) يشع منها كل ما هو محبوب منهم؟ إننا نعتبر من يدعي من البشر أنهم وحدهم يستحقون الثناء على انجازاتهم جاحدين وناكرين للجميل. ألا يجب أن يتضاعف هذا الشعور بلا حدود تجاه من يرفضون حمد الإله-هذا الإله الذي يغمرهم بنعم يعلمونها وأخرى لا يشعرون بها ويذلل لهم وسائل راحة واستمتاع لا تعد ولا تحصى؟    

2. الإله لطيف بالغ اللطف

إن الله ليحب أن يكرس عباده حياتهم لعبادته وطاعته لأن هذه العبادة ترجع عليهم بالنفع. فكما يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) أن “اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ” ثم وجد فرصة للنجاة بعد أن كان واثقاَ من قرب هلاكه[10]. ولكن إن لم يعد هذا بالنفع أو الضرر عليه سبحانه وتعالى، فلما يأمرونا بالعبادة؟ تأتي إجابة هذا السؤال مباشرة من الإله في قوله تعالى: “مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا” (النساء 147:4). فإن ذلك يرجع لأن الله هو الشكور الذي يعطي بلا حدود ويُقدر أقل جهد في سبيله. وذلك لأن الله هو الرحمن فهو أحن وأرحم بعباده من أي الأم على وليدها. وذلك لأن الله هو الكريم الذي يحب العطاء والمغفرة حتى لمن يقضون حياتهم في الأخذ والنكران. ويحب أن يرى الله عباده في ازدهار دائم ولذلك يحب أن يراهم يعبدوه من أجل تحقيق هذا الازدهار. ونستعرض في الأجزاء التالية من المقال العديد من الأوجه التي تؤدي فيها العبادة إلى الازدهار الإنساني.

العبادة من أجل السلام الداخلي وتحقيق الذات

تُمكن العبادة البشر من التمتع بالسلام الداخلي والسعادة التي تنتج عن الانخراط المباشر مع الله العظيم القريب. يُضفي هذا الإخلاص التعبدي على الروح القرب منه سبحانه وتعالى وصفاء واكتمال لا يحدث بغيره. نستطيع تحقيق هذا القرب أما عن طريق التذكر الواعي (ذكر الله) أو من خلال الحركات الجسدية التي يعيها العقل (طاعة الإله). ولذا فإن عبادة الإله تعود بالنفع على الجانب الروحاني للمرء وتؤدي إلى صفاء يجعل للحياة معنى وتُوفر مهرب من الشعور بالقلق الوجودي.

فبداخل كل إنسان رغبة في تحقيق الكمال الروحاني لا تهدأ وبدونها تعاني الروح من ظمأ شديد يعقبه هلوسات بسراب يليه آخر يخلق كلٌ منها أملاً لحظياً بواحة سحرية قبل أن يحدث الخذلان التالي. يعد هذا التشبيه تمثيلاً لمأساة التجربة الإنسانية كلما يحاول الإنسان أن يلتمس سلامه الداخلي من العالم الخارجي أو كلما حاول أن يحقق بذاته من خلال المادية. فحقيقة الأمر أننا كائنات روحانية تعيش في أجساد مادية ولسنا كائنات مادية تعيش في مكون روحاني وما نحن بكائنات ذي تركيبة مادية وروحانية متساوية. لهذا يدعو الإله البشر لعبادته وطاعته لكي يكتشفوا ويواجهون طبيعتنا المزدوجة على النحو الملائم. فكما تحتاج أجسادنا إلى التغذية لتنمو فأرواحنا في احتياج أكبر للعبادة من أجل أن تحيا وتزدهر. وأينما تغيب هذه العبادة، لا يكون الإنسان غير مكتمل فحسب بل في جوهر الأمر هولا يعيش حقاً. يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): “مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ”[11].              

وليس من الغرابة أن المجتمعات الحديثة تعاني من زيادات مرعبة في معدلات الانتحار، مع وجود الكثيرين المقتنعين بأن حياتهم لا تستحق العيش. وبالفعل تثبت استطلاعات رأي جالوب بصفة مستمرة أن الدول ذات مستوى التدين المتدني تعاني من معدلات انتحار أعلى[12] كما أكدت الدراسات أن “الدين يلعب دوراً وقائياً في العديد من السياقات التي يُجرى بها أبحاث عن الانتحار”[13]. فبدون عبادة حقة للإله، يُبتلى البشر بآفات عاطفية وسلوكية تؤدي إلى اختناقهم ومن حولهم. يقول الله العلي المتعالي في كتابه: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ” (طه 124:20). فكما أن يعد الاكسجين ضرورة للجسم ليتنفس فإن محبة الإله وتذكره ضرورة للروح لتتنفس. فمن يفهمون ذلك من عباد الإله و ينخرطون في عبادة الخالق فكأنما يصعدون جبلاً روحانياً فريداً من نوعه يمتاز بهوائه المنعش ولا تؤدي فيه المأساة البشرية إلى اليأس ولا تصاب فيه العلاقات الاجتماعية بالشلل ولا تُشيب فيها المغريات ثبات الإنسان الأخلاقي.

ولهذا تُمثل العبادة في الإسلام خارطة الطريق الحاسمة لمن يريد أن يحقق التميز الإنساني وتبدأ هذه العبادة باطنياً في شكل روحاني وتمتد ظاهرياً في شكل طابع استثنائي. فبدون العبادة، يكون البشر في طريقهم لأمراض نفسية روحية و خلل سلوكي. ولهذا السبب، وعلى خلاف رؤية معظم البشر للعبادات الدينية، يُشير القرآن الكريم أن من ضمن الوظائف العميقة للصلاة اليومية النهي عن الفحشاء والمنكر (45:29)- كما يحقق الصيام الاستقامة (183:2) وكما يعمل إعطاء الصدقة والزكاة على تطهير نفس الإنسان من الشح والمكاسب غير المشروعة (103:9).      

يوضح ابن رجب، عالم اللاهوت الحنبلي الكبير (المتوفى 1393) أن “لَا صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِيهَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَعَظَمَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ وَمَهَابَتُهُ وَرَجَاؤُهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، وَتَمْتَلِئَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ” فَلَا صَلَاحَ لِلْقُلُوبِ حَتَّى يَكُونَ إِلَهُهَا الَّذِي تَأْلَهُهُ وَتَعْرِفُهُ وَتُحِبُّهُ وَتَخْشَاهُ هُوَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَهٌ يُؤَلَّهُ سِوَى اللَّهِ، لَفَسَدَتْ بِذَلِكَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] فَعِلْمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مَعًا حَتَّى تَكُونَ حَرَكَاتُ أَهْلِهَا كُلُّهَا لِلَّهِ، وَحَرَكَاتُ الْجَسَدِ تَابِعَةٌ لِحَرَكَةِ الْقَلْبِ وَإِرَادَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَقَدْ صَلَحَ وَصَلَحَتْ حَرَكَاتُ الْجَسَدِ كُلِّهُ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَكَةُ الْقَلْبِ وَإِرَادَاتُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَسَدَ، وَفَسَدَتْ حَرَكَاتُ الْجَسَدِ بِحَسَبِ فَسَادِ حَرَكَةِ الْقَلْبِ”[14].

العبادة تحرر الإنسان

خُلق البشر خصيصاً ليستثمروا حياتهم في خدمة غاية بعينها. إن السعي الدائم لغاية ما هو جانب حتمي من وظيفة البشر موضوع في فطرتنا-ومن الممكن أن نطلق عليه الحمض النووي الخارق للطبيعة. ولكن من الممكن أن يكون الإله هو الغاية التي نخدمها ومن الممكن أن نكون عبيداً لرغابتنا الجسدية، لذاتنا، أو للضغوط الاجتماعية. تحمينا عبادة الإله الحق من التشوه النفسي الروحي-من أن نكون ممزقين في آن واحد بين تلبية رغبات قوى متصارعة لا حصر لها في حياتنا. يقول الله العلي المتعالي: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (الزمر 29:39). فمن هذا المنطلق تُحرر عبادة الإله والعبودية له البشر من الاستعباد والتكبل بأمور دونية.

فعندما يكرس البشر حياتهم لخالقهم، يستشعرون قوة عبادة من وحده يستحق العبادة. حيث يمثل استسلام قلب الإنسان وجسده للإله الحق قمة الشرف مقارنة بمهانة الاستسلام للخلق الذي لا يرحم ولا حول له ولا قوة. ولذلك يعد اعتناق نمط حياة مأسورة بعبادة الإله أصدق درجات التحرر لأنها في نهاية المطاف تخدم أعظم احتياجات واهتمامات الإنسان بينما إذا سمح الإنسان لنفسه الوقوع أسيراً لأي شيء آخر فإنه يوضع نفسه طواعيةً في زنازين العبودية. يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) بشأن هذا الصدد: “تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ”[15]. وهذا ما جعل ابن تيمية، بعد دخوله السجن وقبل وفاته به في النهاية، يقول: “المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه”[16].

فمن بين من حباهم الله بمكانة اجتماعية رفيعة حولنا، من السهل ملاحظة أن عبيد الثروات والشهرة أكثر تعاسة مقارنة بمن يعتنقون نمط حياة بسيط نسبياً. تشير الدراسات إلى أن الجماعات التي تشجع المتعة ويرون معنى ضئيل للحياة بما فيها من لذات جسدية-وبالرغم من سهولة حصولهم عليها- تكون الأكثر عرضة لإنهاء حياتهم بأنفسهم. تعاني هذه الطبقة الاجتماعية من معضلة فريدة يرثى لها: بالرغم من سهولة حصولهم على أي شيء يسهل شراؤه بالمال فإنهم لا يجدون سعادة فيما يملكون من ثروات ولا يجدون القدرة على التخلي عنها. لماذا يشعرون هكذا؟ بكل بساطة، لأنهم يؤمنون أن سعادتهم تقوم على هذه الممتلكات المادية. أما محبي الإله، فإنهم يعبدون رب العزة فحسب ويتمتعون بمتع العالم المادي في حدود دون الوقوع عبيداً له.        

العبادة تُشكل أساس الأخلاق بمبادئها

يجب على البشر أن يتذكروا أنهم خُلقوا لخدمة هدف بعينه وأن الإله مكنهم الأرض عن عمد. فترك هذا التصور الصحيح، يؤدي إلى احتدام جدال أخلاقي دون أي إجماع على المسائل الأساسية. فمن زاوية الدافع الأخلاقي، يلتزم الكثير من الناس خلقياً لكي يظهروا بمظهر جيد في عيون الآخرين، أو لتنشيط تدفق هرمون السعادة وقد يتوقفوا عن التصرف بأخلاق جيدة عند غياب هذه الدوافع. ولكن عندما يُعد الإنسان نفسه عبد من عباد الإله ويدرك أن المبادئ الأخلاقية تأتي من الإله وأن التصور الوحيد ذي الأهمية هو تصوره، يصبح سلوك الإنسان الأخلاقي متبعاً ومتسقاً مع المبادئ. فقد يؤدي افتقار هذا التصور إلى مشاعر متضاربة تعد غريبة إلى حد كبير على المسلمين المتدينين، لأن صورتهم كعبد في ملكوت الإله تظل حية بفضل عبادتهم المنتظمة.          

فقد أظهر النبي (صلى الله عليه وسلم) في شتى مجالات حياته إدراك متسق مع كونه عبد من عباد الإله. فعلى سبيل المثال، كان صلى الله عليه وسلم يردد كل صباح ومساء: “اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ”[17].

تُشير بوصلة المرء الأخلاقية على قيمه ومسئولياته وتمثل العبادة الأساس الوجودي لهذه القيم من خلال العلاقة مع الرب. يستطيع المرء أن يتغلب على مصاعب الحياة عندما يتقرب من الإله متمثلاً بصفات تعكس أسماء الإله وصفاته الحسنى كالرحمة والطيبة والحب والكرم. ولهذا فعندما يقوم البشر بفعل حسن كمساعدة المحتاج أو اللوذ عن الضعيف دون أن يكون هذا الفعل بنية التقرب من الخالق، فهم بذلك يغفلون عن جوهر أساس هذه الفضائل. بالإضافة إلى أن هناك مسئولية أخلاقية قوية تجاه الواحد الصمد الذي منح الحياة وأغدق نعمه التي تعادل ثروات لا حصر لها على البشرية. فبدلاً من إقرار هذا الواجب الأخلاقي الأساسي، يتمتع هؤلاء البشر بمتع هذا العالم دون أن يرفعوا يدهم حامدين شاكرين رب النعم و يحاولوا أن يتحلوا بالفضيلة في حياتهم بينما يغفلوا عن مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه الإله. كمثل من يتجول في قصر يملكه شخص ذي ثروة ونفوذ-والمثل الأعلى لله بالطبع-ويتسكع على كرسيه المترف وينام في فراشه الباهظ (دون تدنيسه طبعاً). فبمجرد عودة صاحب القصر وهلعه من تعدي هذا الشخص وتمتعه بهذه الأشياء الثمينة دون إذن، يرد عليه المتعدي قائلاً: “أنا لم أخرب أي شيء بل حافظت على نظافة المكان” منكراً بذلك فضل الرجل المترف وسلطته على قصره المهيب. فهذا بالضبط موقف من يقوم بعمل الفضائل في هذا العالم دون الإقرار بأساس هذه الفضائل ولا بسلطة مالكها.

أضف إلى ذلك أن العبادة تؤهل الأطراف المتحلية بالأخلاق للثواب في نظر الإله. فهناك أدوات أساسية تمثل ضرورة لكي يصبح الإنسان فاضلاً وهي وجود هذا الإنسان، النية الطيبة والهبات العديدة (كالجسد والثروة وغيرهما) ليعمل الفضائل. فبما أن الإله هو المانح لكل هذه الهبات، فإن انكار الاعتراف بالإله من خلال عبادته هو في جوهره فضلاً مسروقاً. فلا الإله ولا البشر يعتبرون الأعمال المسروقة، مهما عظم تأثيرها، جديرة بالثواب. ولكن إذا وُجدت العبادة، يمكن ترجي الثواب على ما مضى ومدد للمستقبل. يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): “أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاء” [18]. يعد سجود المرء وملامسة وجهه للأرض عبادة وتعبيراً عن أقصى درجات التذلل للإله ولهذا يكون دعاء الإله في تلك الحالة ذي قوة راجحة. وفي جوهر الأمر، فإن هؤلاء المغرورين المستكبرين عن العبادة يرفضون دعوة الإله ولذلك يقول الله تعالى: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (غافر 60:40).              

العبادة تُنعش الإيمان

تُعلق العبادة الدائمة في الإسلام القلب بربه على مدار الساعة. فنجد القرآن يدعو إلى ذكر الإله آناء الليل وأطراف النهار وإلى تخصيص جزء من الليل لصلاة قيام الليل. كما يدعو القرآن المسلم إلى تذكر الإله بإقامة الصلوات الخمس ومن خلال الوضوء والابتهالات السابقة لتلك الصلوات ومن خلال شهر الصوم السنوي ومن خلال قراءة دورية للقرآن ككل وغيرها. تُبقى هذه الدورة البديعة القلب في حالة تناغم مع حقيقة الخلق وتأمل مستمر إزاء علاقاتهم الأساسية بالخالق.  فطبيعة القلب أنه متقلب ميالاً للنسيان والدخول في حالة من الثورة والهياج أما العبادة فتُبقى القلب مصقولاً ومضيئاً. فعندما يستيقظ المرء من غفلة النوم ويتذكر الله مصلياً صلاة الفجر التي تعزز الحالة النفسية وتعدها ليوم جديد. وتذكر دعاء الخروج عند ترك المنزل يعزز مناعة المرء ضد مصاعب التعامل مع العالم المادي. كما تعمل صلاة الظهر على شحن طاقة المرء التي أشعلتها صلاة الفجر والتي قد تكون قد بدأت تخبو. فبمنتصف النهار ومع انشغالات المرء بالأمور الدنيوية التي تكاد تكون استهلكت الروح تماماً، تأتي صلاة الظهر لتعيد الروح إلى اشراقها الأصلي. وما إن تبدأ الغفلة في الرجوع مجدداً، حتي تأتي صلاة العصر لتعيد للقلب اشتياقه لربه. عند المغرب، يجد المرء خلاصه في صلاة المغرب التي تهدأ من روع روحه المنهكة القلقة. وقبل العودة إلى النوم، يُصلى المسلم صلاة العشاء منهياً اليوم في تناغم. فهكذا يستجلب أقل القليل من العبادة التدبر وتنعش إيمان المرء وتمحي أي شوائب وتُبقي القلب حياً نشطاً. فبدونها قد يصبح من المستحيل أن ينجو البشر من مشاعر الوحدة والغربة التي قد يشعرون بها حتى في وجود الأهل والمحبين. تحافظ العبادة على استقلال المرء وحقه في أن يكون أكثر من مجرد ترس يتحرك في مطحنة الحياة القاسية وتكفل له حياة متجددة من ملك الكون.    

العبادة تؤدي إلى اتساق البشر مع الكون

يُلقى الكون بأكمله ساجداً بمعنى أنه يسلم لإرادة الإله في كل وقت وحين. يقول الله عز وجل: “وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ” (الروم 26:30). يُكمل الإله العلي المتعالي موضحاً أن هذا الكون الطائع خُلق لأجل خدمة الإنسان. ولذلك، فقد أُخضع كل ما هو موجود حولنا للإنسان ليس لأحقية البشرية في الحصول على أي منها ولكن لتحقق العبادة لإكمال اتساق الكون الذي يمتد من أصغر نواة إلى أكبر مجرة. يقول الله تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم 30:30). يعكس اتساق المرء طواعية مع إرادة الإله اتساق الكون قسراً مع إرادة الإله وتنعكس فوائد هذا الاتساق على البشرية بتوازنها واستقرارها بصور أبدعت الأجيال الأولى من المسلمين في تصويرها أيما ابداع.      

3- يحب الإله أن يسمع عباده ويتحاور معهم

يرى بعض المشككين في الدين العبادة على أنها حوار أحادي الجهة. لكن القرآن يُخبرنا أن جوهر العبادة الدائمة يكمن في الحوار الحميمي بين الرب وعباده وأن رب العزة يستجيب للأعمال التي تهدف إلى التقرب منه بنشر الرحمة والمودة. وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه العلاقة بطرفيها موضحاً ن الإله يرد على كل آية من سورة الفاتحة عند قراءتها[19] عدة مرات في كل من الصلوات الخمس اليومية. ففي كل مرة يصلي فيها المسلم بقلب يقظ، يجد الإله مصغياً ومجيباً بعطايا لا يقدر عليها سوى خزائن الله الكريم التي لا تنفذ.

وبعيداً عن الصلاة، يظل المسلم مدعواً للاتصال مع الإله واختبار القرب منه في كل وقت، فيقول تعالى الرؤوف: “أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً”[20].

تؤكد هذه النصوص وغيرها فكرة أنه لا وجود لإله عدواني بارد يستمتع بهيمنة قاسية ولا حتى وجود إله يبادل التودد. ولكنه الله الأعلى الخالق-دون احتياج لأي شيء-والذي ببساطة يحب التواصل مع عباده أكثر مما يحبون التواصل معه ويسعى للتقرب منهم أكثر مما يسعون هم للتقرب منه ويسارع لهم أسرع مما يسارعون عليه.  

4- العبادة هي سؤال الامتحان الأمثل

يقول الله (العلي المجيد): “ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” (هود 10: 118-119).

إن الله العزيز القدير خلق البشرية لتُكرس نفسها له ولأجل هذا الهدف أنزل الكتب السماوية وأرسل الرسل. بيد أنه عز وجل خلقهم أيضاً بميول مختلفة ومتعهم بدرجة كبيرة من حرية التصرف تؤدي بالمتقين للارتقاء والطالحين للتردي. ومن خلال هذا الاستقلال الممنوح من الإله، تنغمس مجموعة في العبادة مما يقودها إلى النجاة بينما ترفض المجموعة الأخرى العبادة مما يقودها إلى الهلاك. يقول الزمخشري (المتوفى 1143) أن الله قد مكن البشر “من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق، وبعضهم الباطل، فاختلفوا فلذلك قال: “وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ” إلا أناس هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه. (ثم يقول الله) “وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ” … ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره”[21].

بالرغم من ذلك، يتضح في القرآن الكريم أن الإله يبتغي لعباده الرحمة لا العقاب. يقول الله تعالى: “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (فصلت 17:41). فعند تأمل الطرق العديدة والمتعددة لكسب الرحمة في الإسلام، يتضح لنا أن الإله يتمنى أن يهب عباده مكافآت لأهون سبب وأن يقبل تقريباً أي عذر ليسامحهم. يُخبرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن قول “سبحان الله وبحمده” مئة مرة تحُطَّ خَطَايَا المرء، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ[22] وأن قول “سبحان الله” مئة مرة يُكْتَبُ به للمرء أَلْفُ حَسَنَةٍ[23]. فكيف إذاً يكون لأحدهم رأي سلبي في الإله؟ إن إدراك أن المرء سيثاب في الجنة على الدوام على كل لحظة تمر في عبادة، حتى وإن كانت لحظة تأمل أو تسبيحة منسية، هو تذكرة مذهلة بتمام لطف الإله وفضله.      

إن العبادة هي المقياس الذي يختبر به صلاح البشر. وأي اختبار يستوجب درجة من التحدي لييسر تصفية من يجري تقييمهم والعبادة دائماً ما تستوجب مقاومة الولع الفطري بالراحة والاسترخاء. ولهذا يقول الله تعالى: “رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا” (مريم 65:19). والجدير بالذكر هنا أن ما قد ينم في ظاهره على تجنب “للكرب” ما هو إلا تضليلاً في حقيقة الأمر. فمع بذل مجهود متواصل في العبادة، يقول ابن القيم: ” … ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها. ويجد فيها من اللذة والراحة أضعاف ما كان ليجده في لذة اللهو واللعب، ونيل الشهوات”[24] ولأن الإله يرجو للإنسانية ارتقاء أسهل وعود أجمل فقد طلب منهم عبادته.  

فلا يوجد وسيلة للتقييم ترقى للمقارنة بالعبادة. فبادئ ذي بدء، تحمل العبادة في طياتها نظام ثواب باطني: فمعرفة الإله تؤدي إلى العشق الذي يؤدي بدوره إلى الرغبة في التعبد، والذي بدوره يزيد من معرفة وعشق الإله، ويؤدي إلى المزيد من العبادات خالقاً حلقة استجابة إيجابية ينتج عنها المزيد والمزيد من الارتقاء الروحاني. ثانياً، يكمن اغراء العبادة العقلي في معناها الباطني. فإن كان الاختبار الحياتي يشتمل على حمل صخرة ضخمة من أدنى نقطة في وادي إلى قمة جبل وإعادتها إلى القمة كلما سقطت، لتمردت البشرية بطبيعة الحال على هذه المهمة المؤلمة عديمة الجدوى. ففي واقع الأمر، إن المصاعب التي تنطوي عليها العبادة ما هي إلا هبات خفية، كثيرة الحلاوة. فالعبادة في الإسلام فريدة حيث أنها تمنح المتعبدين دفعات من الرحمة الإلهية الثمينة في حد ذاتها وتغذي الإنتاج من خلال الجمع بين قدم ثابتة على الأرض ونظرة ثابتة إلى السماء والحياة الآخرة.    

الخاتمة

بإتمام الدائرة، دعونا نكرر ما تم ذكره في القرآن: أن طبيعة المولى عز وجل السامية تنفي احتمالية تصرفه عز وجل بدون هدف. يعلم المولى عز وجل أن بعض الشكوك قد تثار في عقول خلقه، والتي تتعلق بالنقص الظاهري للحكمة في بعض الأحيان، فيقول: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿٣٨﴾ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾} (سورة الدخان: الآية ٣٨-٣٩). ويقول المولى عز وجل أيضاً: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾} (سورة المؤمنون: الآية ١١٥-١١٦).

عظمة المولى عز وجل معبر عنها في عظمة خلقه، في حقيقة الأمر: تصميم الخِلقة الخالية من العيوب ما هو إلا إشارة لخالق هادف وحكمته فريدة من نوعها، وليس خالق يتصرف تصرفات تخلو من الحكمة والمنفعة.

ويؤكد القرآن أيضاً، بمصطلحات لا غبار عليها، أن المولى عز وجل لا يحتاج للعبادة. فيقول الله تعالى:

{وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿٩٢﴾} (سورة النمل: الآية ٩٢)،  أما الآية التي يتم الاستشهاد بها كثيراً في هذا السياق: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾}(سورة الذاريات: الآية ٥٦). ويجدر الإشارة إلى أن الآيات اللاحقة لهذه الآية تنفي بوضوح حاجة الله إلى العبادة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾} (سورة الذاريات: الآية ٥٦ – ٥٨). تسلط الضوء العشرات من الآيات في القرآن أن الله عز وجل لا يجني أي شيء من كونه معبوداً، بل بالأحرى هو الرحمن العطٌاء للصالحين والفاسدين على حدٍ سواءْ. وفي آياتٍ أُخرى يؤسس أن عدم إيمان الكافرين لا يضر الله في شيء، وعلى الجانب الآخر إيمان من في الأرض جميعاً لا ينفعه في شيء. يقول سبحانه وتعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٨﴾} (سورة إبراهيم: الآية ٨).

بعدم استيعاب الفكر الكافي لطبيعة الخالق العظيم، وعدم الوصول لآياته الموحاة، قد يخطئ المرء تصور الإله على أنه (ولله المثل الأعلى) محتاج أو تجل نرجسي لأسطورة قديمة، لآلهة في توق مميت ومثير للشفقة للكمال. الإصرار على أن الإله هو إله تقوده الأنانية لطلب خدمة تعبدية لا يبدو بأي حال منطقي أو فطرة سليمة. بل الأحرى أنها نتيجة صورة خاطئة للإله، إله يسأل بدافع الحاجة، أو بسذاجة دون حاجة. بالنسبة للمسلمين، فهو أو هي من المحظوظين لفهم أن الله يُحب أن يكون معبوداً ومطاعاً من مخلوقاته، ليس لحاجته لدليل عبودية بل لمحبته لرؤية المنفعة التي نحققها من ذلك. والحمد لله عظيم السموات والأرض.


[1] دكتور/ سامي عامري، هو أستاذ جامعي للدراسات الإسلامية، كاتب مثمر في الفلسفة الإسلامية، ومن ضمن مؤسسي مبادرة أكاديمية البحث لمقارنة الأديان.  

[2] صحيح مسلم (١٧٩): مسلم، ابن الحجاج القشيري. (بيروت) (دار إحياء الكتب العربية، ١٩٥٥) ١/١٦١

[3] اتش دايلز، و دابليو كانز، طبعة داي فراجمنت دير فورسوكراتيكر، برلين ١٩٠٣، صفحات (١٥-١٦)

[4] تنبيه: لم يتم العثور على المصدر الآصلي وهذا مجرد اجتهاد من المترجم.

ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، دار الكنوز العربية، (الرياض، المملكة العربية السعودية) ١٣٩١ هجرياً، (٤/٣٥)

قياس الشمول: هو استخدام قاعدة لرسم استنتاج عن شيء معين يمكن استخدامه في الفئة الاكبر. قياس التمثيل: مقارنة شيء بشيء مشابه.

قياس الأولوية: استخدام ملكية شيء معين لرسم استنتاج عن شيء أعظم أو أكثر ضرورة بالمنطق.

[5] الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن. (بيروت: دار القلم، 2009)، صفحة 542.

[6] ابن القيم الجوزية، محمد ابن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996)، 3/28.  

[7] ابن القيم الجوزية، محمد. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة. (بيروت، دار الكتب العالمية، 2002)، 2/89-88

[8]  صحيح مسلم (486)، 1/352

[9] جمعه الطبراني في الوسط (4/44)، المروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/267)، ابن كثير في التفسير (8/297)، وصدق عليه الألباني فيالسلسة الصحيحة (941).

[10]  صحيح البخاري (6309)، صحيح مسلم (2747)، البخاري محمد ابن إسماعيل. صحيح البخاري. (بيروت: دار طوق النجاة، 2002)، 8/68. صحيح مسلم (بيروت: دار إحياء الكتب العربية، 1955)، 4/2104.

[11] صحيح البخاري (6407)، صحيح مسلم (779)، 1/539.

[12]  بريت بيلهم وزولت نيري، “في الدول الأكثر تديناً، معدلات انتحار أقل”. أخبار جالوب، 3 يوليو 2008.  صفحة الخبر: http://news.gallup.com/poll/108625/more-religious-countries-lower-suicide-rates.aspx

[13] وو أ.، وانج جاي واي، جيا سي أكس. الدين والانتحار المكتمل: استعراض التحليلات. بلوس وان. 25 يونيو 2015؛ إي0131715. يمكن استعراض المقال على الرابط: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/26110867

[14] ابن رجب، جامع العلوم والحكم، (بيروت: موسوعة الرسالة، 2001)، 1/211-212.

[15] صحيح البخاري (6435)، 8/92.

[16] ابن القيم، الوابل الصيب من الكلام الطيب، (دمشق: دار البيان، 1973)، صفحة 69.

[17] صحيح البخاري (6306)، 8/67.

[18]  صحيح مسلم (482)، 1/350.

[19] صحيح مسلم (395)، 1/296.

[20] صحيح البخاري (7405)، 9/121؛ صحيح مسلم (2675)، 4/2061.

[21] الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة، بيروت: 2009، صفحة 502.

[22] صحيح البخاري (6405)، 8/86.

[23] صحيح مسلم (2698)، 4/2703.

[24] ابن القيم الجوزية، محمد ابن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. (بيروت: دار الكتاب العربي، 1996)، 3/352.

Avatar

Mohammad Elshinawy

Mohammad Elshinawy is a Graduate of English Literature at Brooklyn College, NYC. He studied at College of Hadith at the Islamic University of Madinah and is a graduate and instructor of Islamic Studies at Mishkah University. He has translated major works for the International Islamic Publishing House, the Assembly of Muslim Jurists of America, and Mishkah University