Yaqeen Institute for Islamic Research
Why-Do-People-Suffer-Hero-Image

لماذا يعاني البشر؟ وجود الله ومشكلة الشر

بسم الله الرحمن الرحيم واهب الرحمة

يناقش هذا المقال أن وجود الشر لا يقدم قضية منطقية أو محتملة ضد وجود الله ، وأن الإسلام يقدم نظرية للعدالة الإلهية شاملة : و هو حل نظامي لمشكلة الشر. هذا المقال هو في الأساس ملخص وترجمة لأبحاث الدكتور سامي عامري الإستثنائية حول هذا الموضوع.[1]

الجلمود الثابت

محورية الشر في الخطابة الملحدة ليست سرا. جورج بوشنر ، ملحد وشاعر ألماني ، يدعو مشكلة الشر “الجلمود الثابت للإلحاد.”[2] خلال مناقشة عام 2013 بعنوان “أصل الحياة : التطور أم التدبير ،” قال الملحد مايكل روس بوضوح أن السبب الوحيد وراء رفضه الإيمان بالله هو مشكلة الشر. في عمله الشهير ، هناك إله :  كيف غير أكثر الملحدين شهرة بالعالم فكره ، يؤكد الملحد السابق أنطوني فلو ، لا سيما في العالم الغربي ، مشكلة الشر تمثل الحجة الأكثر شيوعا للإلحاد.[3] هذا ليس صحيحا فقط في المجالات الفكرية. في دراسة معاصرة ، سٌئل الأميركيون ،”إذا كان بوسعك أن تسأل الله سؤالًا واحدًا فقط ، وكنت تعرف أنه سيعطيك إجابة ، فماذا ستسأل؟” كان السؤال الأكثر شيوعًا هو: “لماذا يوجد ألم ومعاناة في العالم؟”[4]

كانت هناك مدرستان رئيسيتان بين الملحدين عندما يتعلق الأمر بمشكلة الشر. المعسكر الأول – الذي بحسب تيموثي جي كيلر (مسيحي) ،يقول معظم الفلاسفة المسيحيين: إن وجود الشر لا يدحض وجود الله. بعبارة أخرى ، فأنهم يشيرون بشكل مباشر إلى المشكلة المنطقية بالجدال بأن وجود الشر دليل على الإلحاد.[5] المعسكر الثاني هو من رجال الدين: أولئك الذين يتجاوزون ويحاولون أيضًا فهم حكمة الله في السماح للشر بالوجود. يقدم هذا المقال نظرية العدالة الإلهية الشاملة  للإسلام السني ، التي تنبع بشكل بحت من النصوص المقدسة المحفوظة لدينا (القرآن والسنة الأصيلة) ، حيث تم تشويه الكتب المقدسة السابقة ، الذي أعاق العديد من علماء الدين من تقديم نظرية للعدالة الإلهية متماسكة . حتى داخل الإسلام ، كما يشير ويليام مونتجمري وات ، كانت فقط طوائف متحررة مثل المعتزلة – الذين حاولوا أن يربطوا بين القرآن والفلسفة اليونانية بعلم عقائدي هجين- الذين وجدوا أنفسهم يصارعون مشكلة الشر في مذهبهم ، ونادرا ما تحدثت الكتابات السنية عن ذلك.[6] إن العقل السني ، الذي احتضن الوحي بالكامل ، لم يجد صعوبة في رؤية الحكمة الإلهية ونسج خيوط الألم والمعاناة في قصة رائعة ، قصة توفق بين الرحمة والعدالة ،  قصة تستمد النهايات السعيدة من الألم ؛ قصة ترى أن “الجلمود الثابت” هو حجر بناء إلى الصعود الروحي للمرء.

ما الذي يجعل الشر مشكلة؟

لطالما كان الشر في العالم مشكلة ، لكن في القرون القليلة الماضية فقط تٌرجمت إلى ثورة ضد الله والدين. لماذا هذا؟ ما هو مختلف الآن؟

الحياة التي ينظر إليها على أنها بلا غاية

كانت إعادة التوجيه التدريجي  للعقلية الغربية من “الغرض من الحياة” إلى “جودة الحياة” نتيجة ثانوية في عصر التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر. هذا التحول الجذري في التركيز ، حيث وسائل معيشة الشعوب حلت محل سعيهم وراء هدف سامي ، هو ما جعل إحباطات الحياة في نهاية المطاف غير محتملة بشكل متزايد. عندما يتم تقليل مجمل الوجود إلى هذه الحياة بمفردها ، ولم يعد يٌنظر إلى الحياة كوسيلة لتحقيق هدف أكبر ،عند ذلك يمكن توقع أن يصبح ضمان المتعة الفورية وتجنب الألم الأهداف الوحيدة – والأهداف غير القابلة للتحقيق ، بالتأكيد. على حد تعبير سي. إس. لويس، بالنسبة للحكماء من كبار السن كانت المشكلة الجوهرية هي كيفية توفيق الروح مع الواقع ، والحل كان المعرفة والانضباط الذاتي والفضيلة.

بالنسبة للسحر (من الأزمنة القديمة) والعلوم التطبيقية (في العصر الحديث) على حد سواء ، تكمن المشكلة في كيفية إخضاع الواقع لرغبات الرجال.[7]

لذلك لا عجب أن المجتمعات الغربية على وجه الخصوص ، على الرغم من الكماليات ووسائل الراحة العديدة التي تملكها ، فقد واجهت صعوبة كبيرة في التعامل مع مشكلة الشر. وكما قال فيكتور فرانكل ، “لدى الكثير من الناس اليوم وسائل للحياة ، ولكن ليس لديهم معنى للحياة من أجله”.[8] عدم وجود المعنى هو ما يجعل الحياة عبارة عن سجن يجلس فيه النزلاء بشكل غوغائي بين جدران الحياة والموت ، مذعورين من كل عثرة. في حياة بلا معنى ، كل عثرة هي حدث عشوائي غير قابل للتكرار – لا يمكن تجنبه – لا يمكن تصنيفه إلا من حيث الطاقة والمادة ، ولا يمثل سوى الفوضى والاضطراب والمأساة.

عصر الحساسية المفرطة

من الطبيعي والمفهوم أن مشكلة الشر سوف يتم تضخيمها في أي عصر من بين أولئك الذين لديهم حساسية خاصة: آلام الناس الذين لديهم قلوب عاطفية من دموع الطفل ، ضعف رجل كبير السن ، صراخ الضحية من الألم. ومع ذلك لنأخذ في الاعتبار ، كيفية تمتع الشخص العادي في العصر الحديث برفاهية غير مسبوقة سمحت بها التطورات التكنولوجية. فلنتأمل أيضًا كيف أدت التطورات الطبية إلى الوقاية من العديد من الأمراض ، والتحكم في الألم ، وحل مشاكل المعاقين. في حين أن هذه التطورات قد أفادت الحياة البشرية بشكل كبير، فإنها زادت من حساسيتنا وأضعفت تسامحنا مع الألم والمعاناة. هذا هو السبب في أن معظم الظواهر التي استشهد بها الملحدين لتصوير ضراوة الشر هي الأزمات الإنسانية التي تحدث في الدول الأقل تقدما من الناحية الطبية والتكنولوجية ،الدول التي ما زال شعبها يعاني من الأمراض والمجاعات التي تم القضاء عليها تقريبًا في الغرب.

زيادة الأنا

بعد الثورة الفرنسية ، لم يزول عصر الإمبراطوريات فقط ، لكن الدول المركزية أيضاً قد تبعته ، ومن ثم تم التضحية حتى بالانتماءات القبلية والروابط الأسرية على مذبح الفرد. بمجرد إزالة الغبار عن هذا التفكك العالمي للعلاقات ، كل ما بقي قائماً كان غرور الإنسان ، الآن ، أكثر بشاعة من أي وقت مضى ، لأن هذا الهدم في المجتمع سمح حتى بأشكال جديدة من الفرديّة ليكون لها الحكم الأعلى. بطبيعة الحال ، عندما يتوقف الناس عن رؤية أنفسهم كجزء من مجتمع أكبر ، والبدء في رؤية مصالحهم الخاصة هي الأساس ، فإن معاناة الآخرين وحروبهم لا تؤدي إلى التعاطف والتضامن. في مناخ يبدأ بـ “أنا” وينتهي بـ “أنا” ، الشر لم يعد أكثر مشكلة ، لكنه يؤدي إلى الانتحار البطيء في عالم أصم غير مهتم.

وهم الإنسان الحديث

إن الاكتشافات وتقدم المعرفة في العصر الحديث قد خدع الناس بافتراض أنهم يستطيعوا أن يفهموا كل شيء في الكون بشكل كامل ، وأن يحددوا بيقين مطلق ما هو موجود وما هو غير موجود ، ثم لا يترددوا في إنكار وجود أي حكمة لكثير من الظواهر المحيطة بهم. في العصر العلماني ،

يصف تشارلز تايلور باقتدار كيف اتخذ موقف المجتمع الغربي تجاه الكون انعطافة بشرية في العصر الحديث.[9] بعبارة أخرى ، يتصور الشخص العلماني نفسه الآن على أنه سيد الكون ، مستنتجًا أن كل ما لا تستطيع عينه رؤيته غير موجود. وأن ما لا يستطيع عقله أن يدرك حكمتة يجب أن يكون حماقة.

تحدي السؤال

من المؤسف أن نرى العديد من المؤمنين يشعرون بأنهم محاصرون في موقع المقعد الساخن كما يقول المثل عندما يتعلق الأمر بمشكلة الشر ، و السماح للملحد بتولي دور المحقق في المحادثة. أولاً وقبل كل شيء ، إن الصلة بين “وجود الشر” و “وجود الله” يجب ألا توجد أبدا دون نقاش . هاتان مسألتان منفصلتان يجب عدم الخلط بينهما. يفترض العديد من الناس أنه طالما أن الشر موجود ، يجب أن يكون الله إما ليس على علم أو غير مهتم أو غير قادر على إزالته. ولأن الله يُفهم على أنه عالم بكل شيء ، وأرحم الراحمين، والقادر على كل شيء ، فإن الافتراض بوجود الشر يوحي بأن الله لا يجب أن يكون موجودًا. ومع ذلك ، حتى ريتشارد دوكينز نفسه الأب الرمزي لـ “الإلحاد الجديد” يقول: إن مجرد تخيل أن الله قاسٍ هو حل منطقيًا مقنع لهذه المواجهة. وقد كتب ، “ولكن بالنسبة إلى مؤمن أكثر رقياً في نوع ما من الذكاء الخارق للطبيعة ، فإنه من السهل بشكل طفولي التغلب على مشكلة الشر. ببساطة فرضية إلهًا سيئًا – مثل الذي يطارد كل صفحة من العهد القديم “.[10] بالتأكيد ، سوف يرفض الموحدون هذا الخيار لسبب وجيه ، لكن هذا لا يغير حقيقة أن هذه الإفتراضية الدوكينزية تفضح المنطق  الخاطئ بشكل مفرط الموصوف أعلاه . في نهاية المطاف ، مشكلة الشر هي مشكلة الملحدون. بالنسبة للمؤمنين بالله ، وجود الشر لا يمثل مشكلة لديهم ، ولا يجعلهم يائسين. 

الملحدين الذين يتساءلون عن سبب وجود الشر يظهرون أيضا  العديد من خطوط الصدع في نظرتهم للعالم. أولاً ، السؤال “لماذا” يعني ضمناً أن المرء يفترض أنه يجب أن يكون هناك تفسير ، كاشفاً عن الإيمان الباطن لجميع الناس بأن حياتنا لها معنى. وإلا ، فسنستسلم جميعا للعدمية التي لا تبالي بالخير والشر. ثانياً ، السؤال عن سبب وجود الشر يكشف عن أننا نعتبر أنفسنا مخلوقات أخلاقية ، لكن هذه الطبيعة الاخلاقية الغير ملموسة  لا مكان لها في وجهة نظر الملحدين بأن ما هو ملموس هو فقط حقيقي . ثالثًا ، السؤال عن سبب وجود الشر يكشف أن المرء ينظر إلى الشر على أنه شذوذ وأن الخير هو القاعدة السائدة. لذلك ، قبل أن تسأل “لماذا يوجد شر؟” ، يجب أن يسأل الناس العادلون والعقلانيون أسئلة مثل “لماذا الخير أمر هام ؟””ما هو الخير؟” و “لماذا هناك الكثير من الخير؟”.

إن التساؤل عن وجود الخير هو السؤال الأكثر قيمة ، لأنه فقط بعد تحديد المبدأ السائد ، يمكن فهم الاستثناءات من ذلك المبدأ. سوف يرى الناس إلى الأبد القوانين الإستثنائية للفيزياء والكيمياء والبيولوجيا على أنها غير مترابطة إذا ما بدأوا دراسة هذه العلوم بالاستثناءات النادرة التي تحيد عن هذه القوانين. وبالمثل ، لا يستطيع الملحدون أن يتغلبوا على “صخرة الشر” إلى أن يجدوا التواضع للاعتراف أن الشر هو الاستثناء في عالم من الظواهر التي لا حصر لها الجيدة ، والمنظمة ، والجميلة.آخذين في الاعتبار فترات المرض مقابل الصحة على مدى متوسط العمر، أو ذلك الضعف مقابل الفاعلية عبر الجنس البشري ، أو اللحظات التي تتدفق فيها الشرايين مقابل انسدادها في حياتنا ، أو عقود من الازدهار مقابل الخراب في الحضارة المتوسطة ، أو قرون السكون مقابل ثوران البراكين ، أو آلاف السنين من عدم الاصطدام بين الكواكب.

من أين يأتي كل هذا الخير السائد؟ لا يمكن للطاقة والمادة التي تسبح في عالم من الفوضى والمصادفة أن تنتج عالمًا يكون الافتراضي فيه هو الخير. ومن المفارقات أن التجربة  العلمية تدل على ذلك: وينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الإنتروبيا الكلية (درجة الاضطراب أو العشوائية) في نظام منعزل بدون أي تأثير خارجي ستزداد دائمًا وأن هذه العملية لا يمكن الغاؤها. . وبعبارة أخرى ، فإن الأمور المنظمة ستنهار دائمًا وتبدد ما لم يجذبها معا ًشيء من الخارج. على هذا النحو ، لا يمكن لقوى الديناميكا الحرارية العمياء أن تنتج أي شيء جيد من تلقاء نفسها ، ولا أن تكون جيدة على نطاق واسع كما هي ، دون أن يقوم الخالق بتنظيم هذه الظواهر التي تبدو عشوائية في الأشياء الرائعة التي نعيشها مثل الجمال والحكمة والفرح والحب. فقط بعد التأكد من أن القاعدة هي الخير يمكن أن نأمل في فهم استثناء الشر. لا ينبغي لأي شخص ذكي أن ينكر تألق قصر مصمم بشكل مذهل يحتوي على الآلاف من الغرف المذهلة المصممة لإثارة الحواس لأن بعض الغرف تبدو غير سارة. سيكون من المضحك أن ندعي أن هذا القصر العجيب هو نتاج الصخور ، والصلب ، والخشب ، والأسلاك التي اصطدمت عشوائيا معاً ببساطة لأننا لا نستطيع رؤية الحكمة في ترتيب تلك الغرف القليلة. في مثل هذه الحالة ، فإن الحكمة تقتضي إرجاء الحٌكم. ولعل الشخص الذي يعيش هناك يستمتع بهذه الطريقة ، أو ربما كانت هناك لتذكيره ببداياته المتواضعة ،  ألا يعتبر أبداً أن النعمة أمراً مفروغاً منه. بالنظر إلى علم التشريح الخاص بنا وليس القصور الافتراضية فقط ، زعم أنصار التطور أن أجسامنا كانت تضم 180 من الأعضاء الوهمية ، وهي أجزاء أصبحت بدون وظيفة على مدار التطور البشري.لم يكن يعلموا أن هذا كان حكم سابق لأوانه بسبب عدم كفاية البحوث في وظائفهم. في نهاية المطاف ، استمر هذا العدد في التراجع خلال القرن الماضي ، لدرجة أن بعض علماء التشريح يعتقدون الآن أن وظيفة كل عضو أخر قد تم تحديدها.[11] في الواقع ، تشير هذه “الأعضاء الوهمية” إلى مشكلة أخرى في التساؤل عن وجود الشر. نفترض أننا نفهم كل ما هو موجود في ، وحولنا ، في حين أن علماء المعرفة يتفقون على أن مفاهيم الناس وحتى التخيلات هي في الواقع محدودة للغاية. يشرح وليام ألستون ، في المشكلة الاستقرائية للشر ، كيف أن البشر مقيدون بشدة بسبب افتقارهم للبيانات ، التعقيد المعطل للعديد من الظواهر ، غموض ما هو ميتافيزيقياً ممكن أو ضروري ، جهلهم بالنطاق الكامل للإمكانيات والقيم ، وأحكامهم المتحيزة كمخلوقات ذاتية.[12]

في العصر الحديث ، ينبغي أن تقودنا معرفتنا غير المسبوقة إلى التواضع أكثر من أي وقت مضى. الآن أكثر من أي وقت مضى ، يمكن أن نلاحظ كيف يمكن أن تكون الطبيعة معقدة بشكل كبير. المثال الرئيسي هو تأثير الفراشة الشهير في نظرية الفوضى : وهو أن “رفرفة جناح الفراشة في ريو دي جانيرو ، والتي تضخمت بواسطة التيارات الجوية ، يمكن أن تتسبب في إعصار في تكساس بعد أسبوعين”.[13] يذكرنا ذلك كيف أن العوامل الأكثر غير توقعاً ، على امتداد الفترات الزمنية الواسعة يظل لديها اتصال ، يكون حقيقي للغاية. ما ورد أعلاه واحد من الأمثلة التي لا حصر لها والتي يمكن استخدامها لشرح أن الشر ليس دائما نتاج بعض التقدم الخطي البسيط ، ولا حتى القوانين الطبيعية التي يفهمها أكثر العلماء المدربين تدريباً عالياً. في كثير من الأحيان ، يمكن أن يكون ذلك نتيجة تفاعل  فلكي معقد من العوامل التي لا يمكننا أن نفهمها حقًا. وبالتالي ، يحق للملحدين أن يناقشوا ادعاءات مثل: الغزال الذي يعاني من موت بطيء ومؤلم بسبب حريق الغابات ليس إلا شرًا لا طائل من ورائه لا يمكن أن يحمل أي حكمة أو قدر أكبر من الخير.على الرغم من أنه قد يكون هناك العديد من الحكم وراء مثل هذه السيناريوهات (يتم استكشافها أدناه) ، من الواضح أن بعض الشرور يتورط فيها بشكل واضح الأعمال البشرية ، ونحن قد لا نحصل على فهم كامل للسلسلة السببية لهذه الأحداث.

الحكمة وراء الشر        

إن القرآن والسنة لا يزعمون ببساطة أن وجود الشر يمكن أن يتصالح بشكل عقلاني مع وجود إله عليم ، قوي، رحيم. يؤكدون أيضا أن هناك حكمة واضحة وراء ما يبدو أنه شر، ومن ثم فإن “نظرية العدالة الإلهية السنية” تنطوي على “العقل الموجّه بالوحي”. ومع ذلك ، في حين أن هناك حكمة عميقة وراء كل “الشر” في هذا الكون ، نحن ككائنات محدودة  يمكننا فقط أن نفهم هذه الحكمة على المستوى العام. يجب علينا أيضًا أن نفهم أن الله الحكيم لن يكشف لنا عن كل حكمة لضمان أن الاختبار الذي يٌدعى الحياة يقوم في الواقع بدوره على هذا النحو. لذا يجب عدم كتابة هذه التفاصيل باعتبارها غير عقلانية ، بل هي تفوقنا (تفوق فهمنا) ، ولكن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من محاولة إدراك لماذا يسمح لهم الله بالوجود. بأبسط العبارات :

  1. الله هو الأكثر حكمة .
  2. حكمة الله تستلزم الحكمة وراء كل شيء موجود.
  3. تقتضي حكمة الله وجود بعض الشرور لأسباب عميقة.
  4. تقتضي حكمة الله أنه ، لكي تتأهل الحياة كاختبار، لا يمكن الكشف على الفور عن كل شر لمن يخضع للاختبار ; و
  5. تقتضي حكمة الله الكشف عن بعض الأسباب الرئيسية وراء الشر للمساعدة في دعم الناس وهم يجتازون مصاعب الحياة.

قبل الخوض في هذه الحكم الرئيسية ، يجب القول أن أحد أكثر المفاهيم التأسيسية في النظرية السنية هو أن الشر الخالص غير موجود. يقول ابن القيم (توفى عام 1350 هـ) ، وهو أعظم عالم عقيدة سني يكتب عن العدالة الإلهية ، الشر كظاهرة مستقلة حيث لا ينطوي على أي أبعاد للخير ، ليس له وجود في هذا العالم. لا يوجد شيء في وجودنا يمكن أن يسمى الشر الخالص ، لأن كل شر في هذا العالم هو خير من زاوية أو أخرى. على سبيل المثال ، يضر المرض الجسم من زاوية واحدة ، بينما من الزوايا الأخرى يختبر الصبر ، يستدعي المرونة ، وقد يؤدي إلى تعزيز المناعة. معظم الأشياء غير المستحبة تكون عادة بهذه الطريقة ؛ لا تفرغ أبدًا من فائدة أو شيء آخر للإنسان.[14]

هذا المبدأ الذهبي ينطبق على كل من الشرور التي تحدث بشكل طبيعي والشرور التي يرتكبها وكلاء معتمدون (البشر / الجن). الله يسمح لهم بالوجود لأن خير وجودهم يفوق خير عدم وجودهم .

بالنسبة للشرور التي تحدث بشكل طبيعي ، ضع في اعتبارك كيف أن البراكين ليست شرًا خالصًا ، لأنها تجدد النظام البيئي الذي يجعل الحياة على الأرض ممكنة للبدء بها. “بدون الثورات البركانية وكل ما تطلقه ، لن تتمكن المجتمعات الزراعية من زراعة الغذاء ، ولن تتوفر بعض مواد البناء ، ولن يكون للغلاف الجوي بيئة غنية بالأكسجين”.[15] بالنسبة إلى الشرور التي يرتكبها وكلاء معتمدون ، فكر في أن حتى وجود الشيطان ليس شرًا خالصًا ، أولاً لأنه لم “يتم خلقه لتضليل الناس” بل بالأحرى لقد تمرد بغطرسة عن طريق استخدام الإرادة التي أعطيت له.

علاوة على ذلك ، يمنح الشيطان أنصار الله هدفاً للرد على الشر ، يشجعهم على التماس اللجوء الى الله من كيده ، بما في ذلك الكبرياء والغرور ، وأكثر من ذلك بكثير.

لهذا السبب ، فإن القرآن والسنة ينسبون الشر عادة إلى الخلق أو أفعالهم لأنه من منظور الله الكامل ، هذا “الشر” الذي تسبب في وجوده هو في الغالب خير في واقع الأمر. على سبيل المثال ، ينص القرآن ،” قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَق ” ( سورة الفلق أية 1 ، 2 ) . في مكان آخر يشير القرآن إلى : ” وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا” ( سورة الجن أية 10 ) ، في مكان آخر ، تجد النبي إبراهيم (عليه السلام) ينسب الخلق ، والتوجيه ، والإطعام ، والشفاء إلى الله ، في حين يعزى المرض لنفسه:” الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ” ( سورة الشعراء الآيات من 78-80 ) . ولكي لا يترك أي مجال للغموض ، النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد ردد هذه الآداب المطلوبة في الدعاء ،” لبّيك وسعديك والخير كلّه في يديك والشّرّ ليس إليك “.[16]

أعطى ابن تيمية (توفى عام 1328 هـ) العديد من الأمثلة عن كيف ينطوي هذا التمييز الدقيق على أكثر من مجرد دلالات. شارحاً أنه على الرغم من أن الشر – كما نراه – يمكن العثور عليه في خلق الله ، فلا يوجد ما يستلزم أن يكون لله نفس الخصائص مثل خلقه. على سبيل المثال ، إن الله الذي يخلق بشرة إنسان أو رائحة زهرة لا يترجم ذلك إلى أن له بشرة أو ينبعث منه هذا العطر. وبالمثل ، فإن الله الذي يخلق أشخاصاً ذوي صفات غير مستحبة ، سواء كانت جسدية أو سلوكية ، لا يترجم  هذا القبح كونه طبيعه لله.[17] ويضيف ابن القيم: “عندما يرتكب العبد عملاً محظوراً قبيحاً ، فإن ما فعله هو بالتأكيد شرير وخاطئ ، والرب هو الذي مكنه من أن يكون” الفاعل ” لذلك الفعل. هذا التمكين من الله هو العدل ، والرحمة ، والصواب ، إن جعله  شخص قادر على التصرف (بحرية) هو خير، في حين أن مظاهرة (في هذه الحالة) كانت شريرة وقبيحة. من خلال التمكين ، وضع الله الأشياء حيث تنتمي ، لأن ذلك (منح الإرادة الحرة) يحتوي على حكمة عميقة يجب حمده عليها. لذلك ، هذا في الواقع خير وحكيم ومفيد ، حتى لو كان ما يفعله العبد هو خطأ ، وعيب ، وشر.[18] بعبارة أخرى ، خلق الله كائنات ذات درجة من الإرادة الحرة التي تستخدمها في بعض الأحيان للتصرف بطرق شريرة. في هذه الحالات ، ليس الله هو السبب المباشر للشر ، بل بالأحرى هو السبب الأصلي لهذا الصك الذي اسٌتخدم للشر ، والشخص الذي يسمح بوجوده لخير أعظم.

من خلال هذه القاعدة الأساسية للعدالة الإلهية في الفكر السني ، دعونا نستكشف الآن بعض هذه الأبعاد من “الخير الأعظم” و “الحكمة الإلهية” وراء الشر والألم والمعاناة الموجودة في العالم الذي نسميه الدنيا.

انعكاس عظمة الله

” سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ” ( سورة يس أية 36)

خلق المتضادات مثل الخير والشر هو من كمال حكمة الله ، وجعلهم يمكن إدراكهم بالنسبة لنا هو من فضله علينا. خلقه الليل والنهار ، والحلو والحامض ، والساخن والبارد ، والألم والسرور ، والموت والحياة والمرض والصحة ، أيضاً يعكس عظمته وكماله. لولا الخلق فإن إدراك قدرة الله على أن يكون الخالق ستكون أكثر صعوبة. لو لم يخلق الله الناس الذين يظهرون الشر ، والاعتراف بصفات الله من الصبر والعفو ، وحتى صفاته من العدل والهيمنة ، سيكون من الأصعب الاعتراف بذلك. إذا كان الملك سيحد نفسه على واحد فقط من الأعمال الكثيرة التي يستطيع القيام بها ، هذا الملك سيكون إما غير مدرك لقدراته الخاصة ، أو غير مدرك للمنفعة الكبرى التي ستترتب على هذه الأعمال للآخرين. أما بالنسبة إلى الشخص ذو المعرفة الكاملة والقدرة الكاملة ، فهو لا يقيد نفسه إلى عمل واحد أو نوع من العمل ، لأن ذلك سيكون عيبًا في سيادته. إنه من مقدرة الله تعالى الكاملة أن يعطيه ويمنع عنه ، ويكافئه ويعاقبه ، و يرفعه ويحط من قدره ، و يكرمه ويذله ، ويُمكنه ويهزمه ، ويعجل له أو يؤخر عليه المنافع والأذى . في الوقت نفسه ،و يرجع ذلك إلى حكمته ، لأن البشر ليسوا متطابقين فهم لا يعاملون بطريقة متطابقة ، لأن ذلك يتعارض مع عدالته الكاملة. القرآن مليء بانتقاد أولئك الذين يساوون بين أشياء مختلفة جداً (مثل الله والإنسان) وأولئك الذين يميزون بين الأشياء المماثلة (مثل ألوان البشرة) ، فكيف يدين الله شيئًا كخلل ثم يتم وصفه هو نفسه به؟ قال تعالى : ” أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ” ( سورة الجاثية آية 21).

لذلك ، إذا كان يجب أن تتجلى أسماء الله وصفاته الجميلة ، وهذا ممكن فقط بوجود المتضادات والنظراء ، فإن الحكمة تتطلب وجود هذه المتضادات. إذا كانوا غائبين ، فإن سمات الله لن تكون موجودة ، وهو أمر لا يمكن تصوره.[19]

غالباً ما يذكرنا القرآن والسنة أن محبة الله وتعاطفه مع الناس لا مثيل لهما بقدر عظمته. في كثير من الحالات ، ليس هناك سوى ظاهرة الشر التي تمهد الطريق لتجلى تلك الصفات الإلهية. وهكذا ، فإن جميع “الحكم” التالية ليست تفسيرات معزولة ، بل هي أبعاد لكيف أن حب الله وتعاطفه وإرادته الطيبة تجاه عباده يكمن في جوهر كل وخزة وكل شوكة.

جعل الحياة ذات معنى

” تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ” (سورة الملك آيه 1 – 2)

التجارب بطبيعتها تتطلب من الشخص مواجهة التحديات والتغلب على العقبات قبل أن تتوج بالنجاح.هل يجب أن يوجد شيء أخر أكثر من ذلك يكون متوقعاً في الإختبار الخاص بنا المسمى الحياة ؟ إن الفائدة من فهم سبب وجودنا هائلة ، لأن التوقعات الخاطئة ربما تكون السبب الأعظم الوحيد لإحباطات الحياة. عندما يقلل الناس توقعاتهم من الله إلى “الحب غير المشروط”، ومن ثم يتوقعوا أن الله سيعاملهم كما لو كانوا حيواناته الأليفة ، سيصابون بخيبة الأمل إلى الأبد مع عالم لم يقصد به أبداً أن يكون جنة ممتعة، وسوف يعتبروا دائما أي شيء يعارض رغباتهم هو شر. ولكن عندما يتم تجنب هذا التصور الخاطئ ، يمكن للناس إعادة تقويم وجهات نظرهم ويصبحوا أكثر عزماً على التسلق الشاق لحياتهم القصيرة. يقول الله تعالى : ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ” (سورة الأنبياء آيه 35). يشرح الألوسي: ” نحن نختبرك بما لا يعجبك ويعجبك ، هل ستكون صبورًا وممتنًا ، أم أنك ستكفر وترفض؟”[20]  في مكان آخر في القرآن ، يقول الله : ” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ” (سورة العنكبوت آيه 2-3). هذه الآيات قيّمة بشكل خاص في النقاش الخاص بالعدالة الإلهية ، لأنها تساعدنا على إدراك أن كوننا خاضعين للخير والشر ليس مجرد اختباراً للسلوك ، بل أيضًا اختبارًا للإيمان – اختبار مصداقية  للشكوك ، وليس فقط الرغبات. من خلال هذه الاختبارات ، يتم الكشف عن ولاء الشخص لقناعاته ، خاصة عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على تحديد حكمة حدث ما في الكون. خاصة عندما يتم اختبارهم مع الشر ، عندما تحطمهم مطارق المعاناة ، وميل عقل الشخص وقلبه نحو الأسئلة الأكثر قيمة حول حقائق هذا العالم ، وصانعه والغرض منه. بعبارة أخرى ، سيكون من غير المعقول الدخول إلى غرفة إختبار الحياة مع جميع الإجابات في يدنا ، وإن تحديات الحياة هي التي تدفعنا إلى البحث بحماس عن تلك الإجابات. وبمجرد أن نقوم بذلك ، لا نجد فقط  الذي لديه الأجوبة ، بل نكتشف أنه هو نفسه الجواب. ولعل هذا هو السبب في أن الآيات المذكورة أعلاه تبدأ سورة من القرآن التي تنتهي بـ : ” وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ” (سورة العنكبوت آية69).

تجدر الإشارة إلى أنه من المنظور الإسلامي ، فإن اختبار الكفاح هذا يتطلب الاحتفاظ بالنقاء أو العودة إليه ، وليس التغلب على “الشرور المتأصلة”. خلق الله الإنسان بأحسن خلق : ” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ” ( سورة التين آية 4). ثم منحنا الله القدرة على تمييز الخير من الشر : ” فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ” ( سورة الشمس آية 8) . وأرسلنا في هذه الحياة بالتالي بعقلنا وقلبنا وأطرافنا للخضوع للإختبار : ” إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ” ( سورة الإنسان آية 2) . إذا تجنبنا التلقين الفاسد والميول المضللة ، فسوف نبقى مستقيمين في جميع شؤوننا. كما وهب الله كل شخص فطرة تقاوم تأثير الشر الذي يحاول إفساد جمال طبيعته الأصلية.لذلك فإن البشر المستقيمون و فطرتهم النقية هي التي توضح الإنسانية في جوهرها . أما تلك العناصر التي تجعلنا نميل إلى الشر ، هي التي تجعل من الحياة إختباراً ، ولكن يكون لديهم تأثير فقط عندما نترك صوت الله – الفطرة المحورية – يضعف ، وعندما نوره الإلهي لا يتبع . بما أن الحياة كانت بمثابة اختبار ، فإن هذا الاختبار لن يكون له معنى بدون أن نحصل على درجة من الإرادة الحرة. خلاف ذلك ، كيف يمكن أن يكون تشريعنا للخير جديرًا بالثناء أو شرًا يستحق اللوم إذا كنا مثل الريش في الريح ، بدون قوة على الإطلاق؟ .  يشير ألفين بلانتينغا ، في “طبيعة الضرورة” ، إلى أن الصلاح الأخلاقي يتطلب إمكانية وجود شر أخلاقي : ”  لكن حقيقة أن هذه المخلوقات الحرة تسير أحياناً على نحو خاطئ ،ومع ذلك ، لا تعول على القوة المطلقة لله ولا ضد صلاحه ؛ لأنه كان يمكن أن يحبط حدوث الشر الأخلاقي فقط من خلال استبعاد إمكانية الخير الأخلاقي. “[21] تقييم التزام الناس بالخير الأخلاقي هو غرض الحياة ، والسبب في وجود الشر.

 إن التواضع مع الله والإذعان إلى حكمة الله يشكلان أعلى شكل للخير الأخلاقي. الاستسلام إلى حقيقة أن المرء لا يرى إلا وحدات من البكسل بينما يرى الله الصورة بأكملها هو اختبار ضخم للتواضع الفكري. تقبل بأنك مثل النملة على السجادة التي ترى التحفة الفنية التي تمشي عليها كأنها غابة فوضوية ، وذلك يدعوك لأكبر جرعة من التواضع. إن النظر إلى عظمة الله ، الإعتراف لنفسك بأنك لا تشبه الله ، والتوقع أن يكون لديك ” بقع عمياء” التي تجعل بعض الشرور غامضة ، هو الاختبار الأساسي للإيمان بالغيب. كما يقول الله تعالى : ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ” ( سورة الحج آية 11) .

ابن الجوزي ( توفى عام 1201 هـ ) قال : ” لقد أصبح العقل يتعرف على حكمة الخالق ، و ليس به خلل أو عيب. هذا الاعتراف يلزمه بالتخلي (الاعتراض على )  عن أي شيء من هذه (الحكمة) المخفيه عنه. وفي كل مرة تكون فيها مسألة معينة غير واضحة له، سيكون من الخطأ عندئذ تقرير أن المبدأ نفسه غير صالح. “[22] على سبيل المثال ، ما هي الحكمة الممكنة التي يمكن أن توجد في رجل حكيم يفترض أنه يدمر قارب ويخضع طاقمه للغرق؟ ما الحكمة المحتملة التي يمكن أن تكون عندما طفل صغير بريء يقتل؟ في قصة النبي موسى والخضر ( سورة الكهف آية من 60-82)، تم الكشف عن هذه الشرور التي لا معنى لها على ما يبدو لتظهر لنا خيوط خفية من التفاصيل الكامنة في النسيج الإلهي. توضح هذه القصة أننا في كثير من الأحيان لا نستطيع فهم الحكمة النهائية وراء الشرور الظاهرة. نبي الله موسى ( عليه السلام ) أدرك أن تدمير هذا 6القارب منعه من أن يتم أخذه بالقوة من قبل ملك القراصنة وأن قتل هذا الطفل بلا خطيئة كان من الرحمة المطلقة له ولوالديه ، مما وفرعنهم شرًا أكبر لو أنه نما إلى مرحلة النضج بينهم.

أخيراً ، سيكون اختبار الحياة أيضاً بلا معنى إذا لم تكن قوانين الطبيعة في العالم موجودة في مكانها ، نظرًا لأن اعترافنا بأنماط متماسكة – مثل السبب والنتيجة – هي التي تجبرنا على التفاعل مع حقائقنا. إذاعميت الذئاب عن الحملان ، والملائكة حملت الغزلان جواً من حرائق الغابات، و انزلقت الفيروسات بشكل سحري من أجسادنا ، و ظهر رذاذ الفلفل فجأة في عيون كل مغتصب ، وحدث الشلل لكل أصبع زناد لمطلقي النار ، وظهر الطعام في بطن كل طفل يتضور جوعًا ، سيكون هذا “العالم المثالي” معيبًا تمامًا ، لأنه لن يكون لديه قوانين دائمة أو أنماط سببية ، ولأن “عطله” سيتطلب باستمرار تدخل الله.  في الواقع رغم أن هذه القوانين وضعت هذا العالم كما كان من المفترض أن يكون ، وهي هناك من أجل أن  تكون  بمثابة منصة لاختبار آت الحياه. يجب أن تكون هناك أحداث تدعو إلى أن نناشد الله بثقة في الدعاء ، إنقاذ الأشخاص الذين يتعرضون للخطر بشجاعة ، وإيثار خدمة المحتاجين . إنها حقيقة أن القوانين التي خلقها الله لجعل الحياة ممكنة ومستقرة وممتعة هي نفس القوانين التي تجعل الحياة مؤلمة وغير مريحة في بعض الأحيان. إن ذوبان الأنهار الجليدية يؤدي إلى ري الأرض وإرواء عطش الناس والحيوانات ، ولكن قد يؤدي أيضًا إلى فيضانات مدمرة. يمد البرق النباتات بأكسيد النيتريك ولكن قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الإضرار بالإنسان. ومع ذلك ، في كل هذه الحالات ، خلق الله قانونًا طبيعيًا يقدم خير أكبر بكثير للعالم من الشر الذي تسببه. يتضمن هذا الخير الأعظم ، على سبيل المثال لا الحصر ، القدرة على إشراك حقيقة مفهومة (قوانين طبيعية) وتقييم كيفية استخدام إرادتنا في ضوء ذلك الواقع.

الحصاد في الآخرة

” وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ” ( سورة العنكبوت آية 64) .

عند تخمين حجم حياتنا العابرة في هذا العالم ، و قياسها مقابل الحياة الآخرة ، فإن  مشكلة الشر والمعاناة سوف تحل. ما هي 70 سنة من البؤس المفترض قياساً مقابل ليس 70 تريليون ، ولكن سنوات لا نهاية لها من النعيم لا يمكن تصورها؟ بالمقابل ، إن تقليص وجودنا في هذه الحياة وحدها هو ما يسهم بشكل سلبي في إدراكنا لحظات الحياة “غير العادلة”. المسلم يرى الآخرة كحقيقة لا مفر منها ، ذلك يقزم وجودنا في هذه الحياة إلى لا شيء تقريبًا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ” لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ.”[23] علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وصف هذه اللحظة من الوصول إلى الآخرة ، وكيف سيجعل ذلك العمر بأكمله يبدو وكأنه حلم ، قائلا: ” الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.” [24]

من الشائع أن تجد ملحدين يجمعون أحداث الشر في العالم ، يقومون بتجميعها معا لتثير مشاعر جمهورهم ، محاولين إقناع الناس بالغضب ضد الله. من خلال جذبهم للعاطفة ، يسعون إلى تسليط الضوء على هذه الآلام والمعاناة كما لو أنها ليست استثناءات ولكن القاعدة. ومع ذلك ، حتى لو كانت هذه التكتيكات التلاعبية غير ملحوظة ، فإن قناعات المسلم القائمة على الأدلة في الآخرة لا تزال كافية للتصدي لها. على سبيل المثال ، قال النبي (ص) في حديث قدسي : ” ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط.”[25] هذا الشخص لن يكذب ، ولكن سوف ينسى كل الصعوبات السابقة مع هذا الإحساس بالبهجة. في ومضة ، هذا الشخص الذي كان محرومًا ومذموما و “مظلوماً” في العالم سيصبح موضع إعجاب شديد لمليارات من المتفرجين “الوجهاء” سابقًا. النبي (ص) قال : ” يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض . “[26]

المعاناة الإنسانية ، المصائب التي يواجهها الأبرياء ، والزعم بأن “الحياة غير عادلة” هي كلها مظالم مشروعة – ولكن فقط إذا تم رفض الإيمان بالآخرة. إن أبشع الفظائع مثل تلك التي ارتكبها هتلر وستالين ، أو تلك التي ارتكبت ضد هيروشيما وناغازاكي ، والأزمات الأكثر حزناً مثل تلك التي تواجه الأطفال الجوعى ، لا تمثل مجتمعة شيئاً مقارنة بالحياة الأبدية. النبي (ص)  يستحضر الله لهذه البصيرة الثاقبة ، بصلاته في العديد من التجمعات ليتم منحه : ” ومن اليقين ما تُـهون به علينا مصيبات الدنيا .” [27]

بالنسبة لمن يفهم الطبيعة الأبدية للآخرة ، فإن طلب “شرح طفل اغٌتصب ثم قتل” لا يزعجهم لأنهم يقارنون محنة لحظة مع فرحة لا تنتهي تزيد مع الزمن ولا تتلاشى أبداً. في الواقع ، الإلحاد هو الذي يجب عليه التعامل مع مشكلة الشر ، ليس أولئك الذين يرون هذه الحياة بكل صعوباتها كعالم ظل بجوار التمتع بالحياة القادمة. المؤمن الذي يضيء عقله من خلال الوحي يدرك أنه مثلما يتم جلب الأرض الميتة للحياة في كل ربيع ،ومثلما كنا غير أحياء و أتينا إلى الحياة قبل الولادة، فموتنا لن يكون نهايتنا ، بل مجرد البداية – الانتقال إلى حياة جديدة حيث يتم نسيان كل إزعاج وألم. من المثير للاهتمام كيف يسخر بعض الناس من السعي وراء الجنة ، ولكن في الوقت نفسه ، ارتضاء سنوات من الدراسة المضنية من أجل الحصول على درجة ، لوضع بعض الطعام على الطاولة وسقف فوق رؤوسهم. لتأمين منزل بجدران محدودة (بغض النظر عن مدى اتساعها) ، وبعض الطعام من أجل الطاقة (بغض النظر عن مدى روعتها) ، جميعنا نعتبر أنه من الإنصاف الاستثمار والكد لسنوات ، ومع ذلك يجد البعض أنه من غير العدل أن يعملوا من أجل غبطة لا تنتهي ولا يمكن تصورها. في الواقع ، بغض النظر عن الطموحات التي يتم تحقيقها هنا ، ما الملذات التي تم تأمينها ، وما “الشرور” التي تم تجنبها ، لم يفلت أحد من أي شيء سوى قطرة من المحيط.

قال النبي ﷺ : ” مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحدُكُمْ أُصْبُعَهُ في الْيَمِّ. فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟ “[28]

لذلك ، على الرغم من أن المسلم اليقظ يرى مشكلة الشر تجعل هذه الحياة أكثر معنى ، وبالتالي تبقى محصنة ضد العدمية واللامبالاة ، هو أو هي في الوقت نفسه يرى مشاكل الحياة كبذور لزراعة حياتهم الحقيقية في الآخرة.

” فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ” ( سورة المعارج آية من 5-7 ) .

الله يحب أن يغفر للناس

” وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ” (سورة هود آية 90 )

بعيدًا عن كونه بعيدًا أو غير مبالٍ ، فإن الله كما وصفه الوحي الموثوق به يحب أن يعطي ويغفر ، حتى أولئك الذين يستمرون في الأخذ و النسيان. إنه يخبرنا في القرآن كيف يحب أن يطهر عباده (سورة البقرة آية 222) ، وأخبرنا رسوله الكريم ﷺ أن الله رحيم مع الناس أكثر من أي أم مع مولودها ،[29] وأنه أكثر سعادة  بتوبة عباده من شخص مفقود في الصحراء يجد فرصة أخرى في الحياة بعد تأكده من أن موته وشيك.[30]

كيف يمكن أن يكون رد فعل الله لأولئك الذين رفضوه هو فرحة مبهمة بخلاصهم ؟ ببساطة ، هذه هي طبيعته سبحانه الفريدة. لهذا السبب ، يغرس في كل آثم أخر الأمل بالتصريح : ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” (سورة الزمر آية 53) .

ولكن لكي تتم هذه المغفرة ، يجب أن يكون هناك خطايا وخطاه. إذا كان الله يرغب في أن تكون الإنسانية ملائكة بلا خطيئة ، لما كان ذلك صعبًا عليه ، ولكن من الذي سوف يغلف بهذه الصفات الإلهية الجميلة؟ من سيعتقه الله ، ومن سيجبر بعد الكسر برحمته الكبيرة؟ النبي ﷺ لمح إلى هذه النقط عندما قال : ” وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَجَاءَ بِقوم يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّه تعالى، فيَغْفرُ لَهُمْ .”[31] 

“الشرور” أيضا بمثابة آلية تطهير للخطأ المغفل ، وما يدعوه بعض العلماء  (نسبيا) الخطايا الطفيفة.الرسول ﷺ قال : ” ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة .” [32] رواية أخرى تقول ” ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. “[33] قال النبي ﷺ بالمثل أنه من رحمة الله إلى المؤمنين على وجه الخصوص أنهم سيواجهون العديد من الأوقات المدمرة: ” أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل. “[34] 

في كتابه حديث الروح يشرح ابن القيم الوظيفة العلاجية للألم في هذا العالم والأخر ، قائلاً: استلزمت حكمة الله أن يعين علاجًا مناسبًا لكل مرض ، وعلاج المضللين يتطلب علاج أكثر صعوبة . الطبيب الرحيم قد يعالج بالكي الشخص المريض، يكويه بالنار مرارًا وتكرارًا، من أجل إزالة العناصر الفاسدة التي خربت حالته الصحية الطبيعية. وإذا كان يعتقد أن بتر الأطراف هو أفضل بالنسبة للشخص المريض ، فإنه يبترهم ، مسبباً له ألم أكثر شدة. هذا هو المصير الذي أعده الله للقضاء على العناصر الدخيلة التي تقوض الصحة الجيدة ضد إرادة الشخص ، فماذا عندما يختار الشخص عمدا أن يسمح بدخول عناصر سامة في روحه النقية؟ عندما يتأمل شخص ذكي  قوانين الله (المباركة والجليلة) ، قدره المرسوم في هذا العالم ، ومكافأته وعقابه في الآخرة ، يجدها مناسبة تمامًا وملائمة ومترابطة. هذا لأن كل هذا له مصدر من المعرفة الكاملة ، حكمة لا تشوبها شائبة ، ورحمة شاملة. وبالفعل ، هو – المجيد – هو الملك الأعلى الحقيقي ، وملكوته مليء بالرحمة والفضل والعدالة.[35]

قد يجادل البعض بأن الطبيب سيزيل بسهولة العنصر المؤلم من العلاج إذا استطاع ، فلماذا لا ينقي الله النفوس بدون ألم؟ ما يشير إليه ابن القيم هنا هو أن الألم نفسه هو الذي يعمل على تنقية النفس الشريرة. الخطايا الكبرى تتطلب توبة عن وعي لضمان الغفران وفقا لمعظم علماء السنة ، ولكن حتى عندئذ نجد أن “الشر” هو ما يولد في الناس هذه اليقظة والرغبة في التوبة والإصلاح .  بدون توبة ، يستمر التساهل في الخطيئة في السيطرة على عواطف فاعليها وإعمائهم عن رؤية أي شيء آخر غير لحظات المتعة المحظورة. فقط قبل أن ينتهوا من خنق أنفسهم روحياً بهذه الخطايا ، وقبل أن ينزف إيمانهم قطراته الأخيرة ، ينقذهم الله من هذا النزول السريع في هذا المنحدر الزلق نحو هلاكهم . يأتي هذا الإنقاذ على شكل لوم إلهي ، ويصل أحيانًا قبل أن تنتهي حياتهم في غفلة منهم، عن طريق ابتلائهم أو من هم قريبين منهم.يقول الله تعالى : ” وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (سورة السجدة آية 21). على المستوى الفردي ، فكر في شخص يموت موتًا بطيئًا ومؤلمًا من مرض عضال ، معظمهم يحكمون على ذلك بالمعنى الظاهر على أنه مأساوياً تماماً. ومع ذلك ، يمكن أن يكون مخفياً في الثنايا أعظم هدية لله لهذا الشخص: هبة اليأس . الأدوية التي تفشل في جسمه ، والأحباء الذين يذرفون الدموع على سريره ، قد يفضي في النهاية إلى التواضع والانكسار في روحه التي تؤهله للخلاص. كما قال النبي (ص) :” لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ.”[36] في اللحظات الأخيرة في بقائه على الأرض ، أصر الله على أنه يكتشف ما لم يبحث عنه طواعية بدون هذا المرض. شاعت مقولة الملاكم الأسطوري ، محمد علي (رحمه الله عليه) ، حيث قال عن نضاله مع مرضه النهائي :” ربما يكون الشلل الرعاش هو الطريقة التي استخدمها الرب ليعلمني ما هو الأهم” لقد فهم أنه ربما ظل غافلاً إذا لم ينقذه الله من سنوات الغطرسة من خلال هذا المرض. بالنسبة إلى علي ، كان تذوق الضعف لا يقدر بثمن اكثر من تراثه في الملاكمة ، ومكاسبه المادية ، ونضاله ضد الحرب الظالمة ، لأنه فهم أن كل هذا سوف ينتهي قريباً مع جسده  بنهاية الحياة. أما بالنسبة إلى باركنسون ، فقد اعتبرها نعمة مطلقة مستترة ، والتي قد تمنحه فقط حب الله ورفقته  للأبد. في هذا السياق نفهم قول النبي (ص) : ” إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم. “[37]

وأخيرًا ، فإن التضحية بجزء للحفاظ على الكل – عند الضرورة – هو شيء يجده جميع الأشخاص الحذرين أنه معقول. يخبرنا القرآن أن الله يفعل ذلك في بعض الأحيان:”فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (سورة الأنعام آية 45) . إن سبب الاحتفال بحمد الله هنا واضح. من خلال القضاء على معظم القطاعات الشريرة في الإنسانية (أولئك الذين تمردوا علانية ضد أنبيائه ورسله) ، حتى لا ينتشر سرطانهم ليصيب بقية البشر ، وبالتالي منعهم من الرحمة والمغفرة التي يحب الله أن تنتشر.

الشر يجلب الخير للحياة

” فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ” ( سورة البقرة آية 251) .

الخير والشر هم وجهان لعملة واحدة ،، زوج كوني لا ينفصل يحتاجوا إلى بعضهما البعض للبقاء. الشجاعة لا يمكن أن توجد بدون خطر ، ولا يمكن أن توجد المغفرة دون إثم ، ولا يمكن أن توجد المثابرة دون عقبة. فرحة الشبع لا يعرفها إلا أولئك الذين يشعرون بالجوع ، والشعور بالإرتواء لا يستمتع به إلا أولئك الذين يعانون من العطش. يجب أن يكون هناك بعض مظاهر الشر من أجل الحصول على فضل قهرها.كما كتب هيوبرت إس. بوكس عن مشكلة الشر : ” فقط مع احتمال الفشل نحن نستحق المكافأة على الانتصار.”[38] ومن ثم ، يجب أن يكون هناك بعض النقص في البشر ، وفي عالمهم ، لتكون بمثابة شرارة لهيب الخير الذي نهدف إلى إيقاده من حولنا. اعتبر الله أنه يجب أن يكون هناك مرض ، حتى نمارس ونستمتع بالصحة ، ويجب أن يكون هناك فشل ، حتى نكون مهتمين بالإنجاز. لن نتذوق أي شيء من حياتنا على هذه الأرض ما لم نتذوق مرارتها على ألسنتنا ، ونشعر بندمها يتدفق على خدودنا . شارحاً كيف أن الألم هو الحاوية التي يتم فيها تسليم السرور ، يقول ابن القيم :” حكمته (المجيد) هي أن السعادة ، المتعة ، والراحة لا يمكن بلوغها إلا من خلال جسر الصعوبة والتعب ، وأنه لا يتم الوصول إليها إلا من خلال بوابات المشقة والصبر والصعوبات الدائمة. لهذا السبب ، أحاط الفردوس بالمشاق و النار  بالإغراءات. ولهذا السبب طرد المختار آدم عليه السلام من الفردوس على الرغم من أنه خلقها له ، اقتضت حكمته أنه لن يدخلها بشكل دائم إلا بعد الصعوبة والمشقة. لذلك ، لم يخرجه منها إلا ليعيده إليها بشكل أكثر كمالاً . الله وحده يعلم الفرق بين الدخول الأول والثاني. إنه لتباين كبير بين دخول رسول الله مكة تحت حماية المطعم بن عدي ودخوله في يوم الفتح. إنه لتباين كبير بين متعة المؤمنين وراحتهم في الجنة بعد تحمل ما سبقها ، ومتعتهم إذا تم خلقهم داخلها. وياله من تباين كبير بين فرحة شخصٍ ارتاح بعد الضيق ، وأصبح غني بعد الفقر ، وتم توجيهه بعد الضلال ، وجمع قلبه بعد تشتته ، وفرحة شخص لم يتذوق تلك الآلام المرة. حِكْمَته الإلهية حددت مسبقًا أن المصاعب هي سبب المتعة والصلاح ، كما قال العلي : ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ” (سورة البقرة آية 216) .[39] عالم بلا شر مثل عالم بلا خير ،لا يمتلك أي معنى يسعى الشخص إلى تحقيقه . ومن ثم ، عندما يطالب الملحدين بعالم بلا شر ، فإنهم يطالبون في الوقت نفسه بعالم عقيم خالي من كل الخير . موضحاً لفكرة ” لا ألم لا مكسب ” كتب الجاحظ ( توفى عام 868 هـ ) : ” إذا كان الشر مطلقا ، فسيتم تدمير الخلق ، وإذا كان الخير الخالص هو الموجود ، عندها ستنتهي تجربة الحياة وسوف يتوقف التفكير. مع توقف التفكير ستغيب الحكمة ، وبمجرد أن تختفي الاختيارات ، فإن التمييز سيختفي أيضاً وسيصبح الباحث عاجزاً عن التحقق والتقصي والتعلم. لن توجد معرفة في هذه المرحلة ، ولن يبقى التحقيق ممكناً ، ولن يمكن صد الضرر ، ولن يمكن ضمان المنفعه ، ولن يوجد الصبر على الصعوبات  ولا الشكر على النعم، ولا التباين  في البلاغة ، ولا التنافس على المكانة . سوف تضيع فرحة الانتصار وغلبة القهر ، ولن يجد أي شخص مستقيم في الأرض المتعة في كونه صالح ، ولن يجد أي شخص سيء إذلال كونه آثم ، ولا أي شخص لديه قناعة سيتذوق هدوء اليقين ،ولن يكون أي شخص لديه شك بانه مبتلى بمحنة ويطارده المجهول . لن يبقى الناس يأملون ولا تستهلكهم الطموحات، سيتم تجريد نفوسهم من كل غرض ، وعقولهم من كل ثمارها ، وكل الأشياء ستفقد قيمتها والحق الواجب .[40] 

منحة الشكر

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” ( سورة إبراهيم آية 7 ) .

إن تفضيل الله للاخرين ببعض النعم لديه العديد من الفوائد العميقة ، ومن المؤكد أن استحضار مشاعر الامتنان هو في مقدمة تلك الفوائد. قيمة هذه المشاعر أحياناً كثيراً يستهان بها ، بينما هي في الواقع بمثابة الهروب الوحيد من مطاردة المادية المحبطة التي لا تنتهي والتي تؤثر سلبًا على صحتنا الجسدية والعقلية. كما قال النبي محمد ﷺ : ” ليس الغِنى عن كثرة العرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس “.[41] أكبر ميزة للشكر إنها تكسب المرء رضي الله. بما أن الله يمطرنا بغزارة لا نهاية لها من النِعم ، فإن تكريس كل لحظة منذ الاستيقاظ لحمده وشكره هو  أمر عادل ، ولهذا يعتبر محاولة المرء لعيش  تلك اللحظات من الامتنان والشكر لله في( الإسلام) أقرب الأعمال إليه والتي يكافيء الله عليها للابد. ومع ذلك ، فإن ملاحظة قيمة الشكر وتجسيدها هما مهمتان مختلفتان للغاية. يمكن أن تكون بعض الأشياء فعّالة بقدر ما تعاني من الأذى أو الحرمان في حياتك الخاصة ، أو حياة من حولك. أي شخص صادق سوف يشهد على ذلك ، وهذه الشهادة هي الجواب لأولئك الذين يجادلون: لماذا لا يستطيع الله خلق شر وهمي غير حقيقي بدلاً من المعاناة الفعلية؟ إذا أصبحت الحياه دراما مصنعه و غير حقيقية لن تحقق الهدف منها ، لأنه على الرغم من أن الصورة قد تساوي ألف كلمة ، إلا أن التجربة الحقيقية تساوي ألف صورة. لذلك ، فإن الفوارق الحقيقية  بين هؤلاء فاحشي الثراء و الفقراء المعدمين، هؤلاء الذين لديهم عائلات كبيرة و الأيتام البائسين ، هؤلاء الذين يتنقلون بشكل كامل والذين لا يزالون طريحي الفراش تماماً ، هم مجرد طرق و وسائل لنشعر بنعم الله علينا ونحمده ونشكره على هذه النعم خلال دورة حياتنا. النبي  قال :” انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ .”[42]كل مرء يستطيع أن يستلهم من هذا الحديث النبوي، لأننا لو لاحظنا إن هناك أشخاص فضلهم الله علينا ببعض النعم والمنح، إلا أن هناك أشخاص أقل حظا منا بكثير. وأولئك الذين يرون العالم بصورة سطحية، لا يرون الحكمة والهدف خلف تلك المحن ، في حين أن أولئك الذين لديهم ثقة أكبر في تقدير الله للأمور عن تقديرهم يرون ذلك كنزًا لا يمكن قياسه. في الواقع ، حتى الناس الذين يواجهون المحن والحرمان على مستوى ما لديهم سبب أكبر ليكونوا أكثر امتنانا من أولئك الذين لم يتعرضوا لهذه التجارب في الحياة ، لأن اختبارهم كان ببساطة في مدى قدرة تحملهم للمحن ، وهذا أقل صعوبة بكثير من الاختبار الفاشل في كثير من الأحيان نتيجة عدم  تقدير الشخص للنعم الممنوحة له.

الوعي بعدم أهمية هذا العالم

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ” (سورة التوبة آية 38) .

إن الموت المفاجئ ، وأعمال العنف المروعة ، والكوارث الطبيعية ليست سوى ثلاثة طرق من الطرق العديدة التي ينبه بها الله الناس إلى عدم أهمية هذا العالم. تذكرنا هذه الأحداث المأساوية أن الحياة – مهما كانت طويلة – هي رحلة يجب أن تنتهي. في غمضة ودون سابق إنذار ، تقطع شفرات الوقت الآمال والأحلام والفرح . تذكرنا هذه “الشرور” بأن كل شخص على الأرض يهلك ، ويحل محله الآخرون بسرعة كما لو أن المرء لم تطأ قدمه أبدًا على أرضه.

” اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ” (سورة الحديد آية 20) . توضح هذه الآية بشكل جميل كيف يكدح المزارعون لجني الثمار فقط ليروها تنهار في نهاية الموسم. هذا التشبيه يصور كيف أن كل هذا الكد والتعب الذي نراه في العالم من حولنا اليوم – في لحظة – يكون مثل لعب بلا هدف ومنافسة غير مجدية ، باستثناء أولئك الذين استثمروا من أجل الحصاد في الحياة الآخرة. نحن البشر ننسى بسرعة الأشياء لأسباب مختلفة. أحد الأسباب التي تجعلنا “ننسى” هي الراحة. كلما يغمرنا الصبر بالرضا الفوري ، هذا يتطلب تتبع من الوعي بمعرفة النتائج. لهذا السبب ، سيقطع الله  علينا أحيانا لذه ومتع الحياة قبل أن نتخلى عن حذرنا و نتشبث بترف الحياة وننسى هدفنا الأساسي الذي خلقنا من اجله. لئلا نخدع بأننا قد خلقنا لهذه الراحة الزائلة، يوقظنا الله بـ “الشرور” ويعيدنا إلى الإنتباه. وكما قالت سي. إس. لويس ، “يهمس لنا الله في ملذاتنا ، يتحدث في ضميرنا ، ولكن يصرخ في آلامنا: إنه مكبر الصوت الخاص به لإيقاذ العالم الأصم.”[43] وبالمثل ، قال ابن القيم : “لقد كان من رحمته (القوي العظيم) أنه شوه حياتهم الدنيوية لهم وجعلها غير كاملة. هذا حتى لا يشعرون بالراحة فيها ولا يشعرون بالأمان فيما يتعلق بها. ولذا فإنهم يتطلعون إلى الاستمتاع اللامتناهي في جنته وصحبته. لذلك في الواقع ، لقد حرمهم حتى يعطيهم ، ولقد اختبرهم حتى يعفو عنهم ، ووضعهم حتى الموت ليعطيهم الحياة (الأبدية) “[44]. الله يعلم جيداً ميل الإنسان للانزلاق إلى الغفلة والكسل ، ومن ثم ، أحيانًا  يخرجنا من سباتنا. يعلم الله أنه لا يكاد أي شيء يمكنه أن يوقظ الهمه مثل المعاناة ، لذلك ينشط حياتنا كل فترة ببعض الاضطرابات. بمجرد أن يستيقظوا وينشطوا ، يدرك البشر حقيقة وجودهم ،ويشعرون بالدفع من عامل ملح جديد نحو الحياة من أجل أشياء أعظم من أنفسهم . ومن ثم ، فإن هذه “الشرور” هي التي تزرع بذور التفوق البشري ، ولا يكتفي الناس باكتشاف إمكانياتهم وتحقيق ذاتهم فحسب ، بل ينتقلون إلى المحطة العميقة للتجاوز الذاتي: العيش مع الله وبالله ولله في هذه الحياة والحياة القادمة.

إنتاج التفوق البشري

” وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” (سورة الأعراف آية 176).

في أعماق النفوس البشرية يوجد صفات رائعة ليست فقط تعزز صلاحيتنا للحياة في هذا العالم ، لكن تذكرنا بمكانتنا العميقة فيه . مع ذلك ، فإن هذه الفضائل الأخلاقية غالباً ما تكون مكبلة بسلاسل الراحة و الرضا عن النفس ، ولا تظهر إلا أثناء الكوارث والخطر. خلال الأزمات والزلازل ، تظهر قيم الشجاعة والكرم والأخوة والإيثار. إن الناس المستعبدون لرفاهيتهم لا يعرفون شيئًا عن إنسانيتهم ​​الخاصة ، بل عن قشرتها الخارجية ، ويمنعون من اكتشاف إمكاناتهم لأي شيء يتجاوز الاستهلاك. لقد كشفت محن مثل كونه يتيم ، أو بلا مأوى ، أو ينام جائعاً، عن مواهب وبطولات في العديد من الشخصيات المثيرة للإعجاب من حولنا. هذه المحن نحتت فيهم فضائل الصلابة والمثابرة ،والذي بدورها مكنتهم من الوصول إلى صنع التاريخ . فكر في العقول الذكية والإكتشافات العظيمة التي تم تحقيقها من خلال ذرف الدم والعرق والدموع . حتى في حياتنا الشخصية ، كل عيب وفشل ينفث حياة جديدة في عزيمتنا المتآكلة ، مما يسمح انبعاثها بعد آلام المخاض في تهدئة المحنة. عندما يصل هذا المولود ، يجعلنا ندرك أن مشكلتنا الحقيقية لم تكن غيمة مظلمة ضخمة كانت تلاحقنا ، لكن جفوننا الثقيلة هي التي منعتنا من رؤية أشعة الشمس المشعة. في كتابه عن العدالة الالهية ، يصف الفيلسوف الشهير جون هيك كيف أن “صنع الروح” هو نتيجة “مواجهة الشر” في العالم ، شارحاً كيف لا يمكن لعالم بدون محن أو اختيارات أن يكون جوًا يزدهر فيه التميز البشري. كيف يكون سجن شخص ما لمدة 10 سنوات جدير بالثناء لعدم استخدامه المخدرات لأنه لم يكن لديه إمكانية الوصول إليها خلال تلك الفترة؟  كيف يمكن لشخص الإحتفاء بتجنب الانحراف عندما لا يوجد انحراف في المقام الأول ؟  في الواقع ، الحياة في الخطة الإلهية هي تسلق صاعد للإنسان ، حيث هو أو هي يصعدوا إلى العظمة من خلال عبور الطريق الشائك ويكافحوا ضد الضعف البشري.[45] فيما يتعلق بذروة هذا التسلق ، يقول الله تعالى : “ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ” ( سورة البينة آية7) . بعض أصحاب النبي  ، مثل أبي هريرة (رضي الله عنه) ، علق على هذه الآية  قائلا: “أفضل حتى من الملائكة” ، ولسبب واضح أولئك الذين يميلون إلى الخطيئة ولكن يعتصموا بالصبر على المسار المستقيم يتفوقوا على الملائكة بلا خطيئة الذين ليس لديهم وكالة للابتعاد عن هذا الطريق. ومن ثم ، فبمجرد تطهيرهم من خطاياهم ، و تبقى أعمالهم الصالحة فقط ، ستحتشد الملائكة حول قصورهم المباركة في إعجاب ، كما يقول الله تعالى : “ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ” (سورة الرعد آيه 23-24) .

الختــام

” وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ” (سورة المؤمنون آية 71).

عند التفكير في “مشكلة الشر” كما عرضها الملحدون ، يدرك المرء أن مطالب الملحدين بسيطة للغاية. أولاً ، يبحثون عن إله شعبي يخدم الجماهير. إله حائر لأن الجماهير تتقلب باستمرار في تحديد ما هو مرغوب وغير مرغوب فيه ، إله لا يتمتع بالحكم الذاتي على الإطلاق باستثناء القدرة على تحقيق الرغبات وخدمة الأسياد التي خلقها. بهذا المعنى ، الملحدين يرفضون الإيمان بالله إلا إذا توقف عن كونه إله ، ويقبل عدم المساواة مع الإنسان ولكن الخنوع للإنسان. ثانياً ، يسعى الملحدون إلى إنسان يفتقر إلى قدرة كونه إنساناً: أي القوة – شخص لا يستطيع أن يفعل الصواب لأنه لا يستطيع أن يفعل الخطأ ، إنسان يعمل مثل تروس الساعة وأذرع الروبوت ، إنسان يتم اختزاله إلى دمية تكون مشاعرها البشرية محاكاة ميكانيكيًا مثل إشارات المرور.

في “عالم مثالي” للملحِد ، لا يوجد فرح لأنه لا يوجد حزن ، ولا يوجد نجاح لأنه لا يوجد فشل. الناس سوف يعرفون مسبقا نتائج أفعالهم ، مفارقين حلاوة الانتصار حيث لن يعد هناك أي احتمال للهزيمة. لن يحرم أي شخص من أي شيء ، وبالتالي لا أحد يتوقع المستقبل بإثارة مرة أخرى. لن يكون أي شخص محرومًا بأي شكل من الأشكال ، مما يعني أن الجميع سوف يكونوا متطابقين ، دون وجود اختلافات بينهم في صحتهم وثروتهم وجمالهم ومكانتهم وذكائهم. ومن المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يعيشون اليوم في أعظم رفاهية ، مع أصغر هامش من الصعوبة في حياتهم ، هم أولئك الذين عادة ما يجدون الحياة بلا معنى ويلجأون إلى الانتحار. وبالمثل ، فإن الشيوخ الذين يتوقفون عن العمل عند التقاعد ويجمعون معاشاتهم غالباً ما يجدون الحياة خالية من المذاق تمامًا ، عندما كان العمل بجد لإنجاز الأشياء مدفوعين بعدم الأمان أصبح الآن   شيء من الماضي. من هنا ، “العالم المثالي الفارغ من كل الشرور” الذي يطالب به الملحد هو عالم صامت ، ميت ، وفارغ ، عالم أكثر مأساوية من كل معاناة هذا العالم ، عالم نحمد الله على المنح فقط في خيال الملحد. من ناحية أخرى ، يفكر المسلم في الكون ليجد أن كل ذلك يشير إلى عظمة الله وحكمته ، بينما يدرك أن مخلوقًا محدودًا مثل الإنسان لا يمكنه أبدًا أن يفهم تمامًا عظمة الله ولا حكمته.وتوسيع ذلك إلى “مشكلة الشر” ، فإن ثقة المسلم العامة والثقة في حكمة الله كافية ، حتى وإن لم يكن يعرف تفاصيل كيفية ظهور هذه الحكمة في هذه الحياة أو الآخرة. مثلما لا ينكر المسلم صفات الله بسبب عدم استيعاب التفاصيل الكاملة ، فإن المسلم يعامل بثبات حكمة الله بنفس الطريقة. المسلمون لا ينكروا حكمة الله لأنهم يملكون التواضع لقبول أنهم لا يستطيعون فهم قضاء الله. للتوضيح ، دعونا نتخيل موقف المسلمون من شخص مريض يئن من العذاب. معاناة أي مخلوق أمرغير مرغوب فيه ، بالطبع ، لكننا نقول أن هذا قد يكون تكفيراً لذنوبه ، أو اختباراً لصبره ، أو عقاباً لجرائمه ، أو الله يهدف لمنع حركته لفترة من الزمن حتى لا يرتكب عملاً آخر يفسد إيمانه ، أو ربما الله يقوي عزمه استعدادًا لفرص اكبر تنتظره ، أو … الاحتمالات لا حصر لها. على الرغم من أننا قد لا نكون قادرين على تحديد الحكمة المحددة التي تكمن وراء أي مرض معين ، إلا أننا ما زلنا متأكدين من وجود حكمة غير مرئية وراء كل محنة. إن يقين المسلمون في هذا ، والإيمان الراسخ القائم على الأدلة في الله الأكثر حكمة ، يعلِّل نظريتهم للعدالة الإلهية ويثمر الاستنتاج التالي : هذا الكون بكل شروره ، بأنواعها المتفاوتة ودرجاتها ، هو بالضبط ما يتوقعه المؤمن من الله القادر على كل شيء ، والعليم ، والرحيم. الله الذي خلق الإنسان كما وصفه القرآن ، من أجل الحكمة المذكورة في القرآن ، والنتائج التي صورها القرآن. ولهذا السبب ، لا يجد المسلم نفسه في معضلة لاهوتية أو فراغ لا أمل فيه عند مواجهة مشكلة الشر. بدلا من ذلك ، يجد التفاؤل في الحياة ، ويرى أنها مرحلة قصيرة مليئة بالفرص لوجوده الأكبر.[46]


[1]  سامي عامري – مشكلة الشر ووجود الله ( لندن : تكوين للدراسات والأبحاث ، 2016 )                                

[2]  راندي ألكورن ، لو الله جيد : الإيمان في وسط المعاناة والشر ( كولورادو سبرينغز ، كولورادو :مولتنوماه للكتب ، 2009) ص 11 .

[3]  أنتوني فلو، هناك إله ، كيف غير الملحد الأكثر شهرة في العالم فكرة0 ( نيويورك : هاربر وان ،2007 ) ص.13 .    

[4] لي ستروبل ، قضية الإيمان ( ميتشجان : زونديرفان ، 2000 ، EPub Format ) .

[5]  تيموثي جيه. كيلر ، السير مع الله من خلال الألم والمعاناة ( نيويورك : دوتون ، 2013 ) ص. 95 .

[6]  دبليو. مونتجومري وات ، ” المعاناة في الإسلام السني ” في ستوديا إسلاميكا ، 50 (1979) ، صفحات 5-6 .

[7]  سي. إس. لويس ، الغاء الرجل (هاربر كولينز للكتب ، 2014) ص 77 .

[8]  فيكتور فرانكل ( البكاء غير المسموع للمعنى ( نيويورك : سايمون شوستر ، 1978 ) صفحات 20-21 .

[9]  تشارلز تايلور ، عصر العلمانية ( كامبريدج ، ماس : صحافة جامعة هارفرد ، 2007 )، ص 373 .

[10]  ريتشارد دوكينز ، وهم الله ( لندن : صحافة بانتم ، 2006 ) ص 108 .

[11]  توماس إف هاينز ، تلاشي  أدلة  التطور (أونتاريو ، كاليفورنيا : تشيك للنشر ، 2005 ) ص 41 .

[12]  ويليام أليستون “المشكلة الحثية للشر “، من وجهات نظر فلسفية 5 (1991)، صفحات 59-60 .

[13]  لورا نادر ، العلوم المجردة: التحقيق الأنثروبولوجي في الحدود (1996) ص 209 .

[14]  انظر : ابن القيم ، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ( القاهرة : دار التراث ، 1978 ) صفحات 380-413 .

[16]  تم جمعها في صحيح مسلم (1781) كتاب صلاة المسافرين ، باب في دعاء صلاة الليل وقيامه .

[17]  انظر ابن تيمية مجموع الفتاوى ( 5/123 ) .

[18]  ابن القيم ، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص 361).

[19]  ابن القيم شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ( صفحات 439 – 440 ) .

[20]  الألوسي ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( بيروت : دار إحياء التراث ) 17/47 .

[21]  آلفين بلانتينغا ، طبيعة الضرورة ( اكسفورد : صحافة كلاريندون ، 1974 ) ص 167 .

[22]  ابن الجوزي ، تلبيس إبليس ( بيروت : دار الكتاب العربي ، 1985 ) ص 85 .

[23]  تم جمعها في سنن الترمذي ( 2320 ) .

[24]  ذكره الإمام السيوطي في كتابه الدرر المنثورة (427) .

[25]  تم جمعها في صحيح مسلم (2807 ) .

[26]  تم جمعها في سنن الترمذي ( 2402 ) ومصدق عليه في السلسلة الصحيحة (2206) .

[27]  تم جمعها في سنن الترمذي ( 3502 ) ومصدقة من الألباني .

[28]  تم جمعها في صحيح مسلم (2858) .

[29]  تم جمعها في صحيح البخاري (5653) وصحيح مسلم (6912) .

[30]  تم جمعها في صحيح البخاري (6309) وصحيح مسلم (2747) .

[31]  تم جمعها في صحيح مسلم (2749) .

[32]  تم جمعها في سنن الترمذي (2399) ومصدقة سلسلة صحيحة (2280) .

[33]  تم جمعها في صحيح البخاري (5641،5642) .

[34]  تم جمعها في سنن أبو داود (4278) ومصدق عليها في السلسلة الصحيحة (959) .

[35]  انظر : ابن القيم ، حديث الروح ، صفحات 756 – 761 .

[36]  تم جمعها في صحيح مسلم (91) .

[37]  تم جمعها في سنن الترمذي (2396) ومصدق بها في السلسلة الصحيحة (146) وصحيح الجامع (7460) .

[38]  هوبيرت إس. بوكس ، مشكلة الشر (لندن : صحافة الإيمان ، 1934) ص 56 .

[39] ابن القيم ، شفاء العليل في مسائل القدر والحكمة والتعليل (صفحات 448-449) .

[40]  الجاحظ  ، الحيوان ( بيروت : دار الكتب العلمية ، 1424 هـ ) 1/134-135 ( مع التعديل) .

[41]   تم جمعها في صحيح البخاري (6081) وصحيح مسلم (1051) .

[42]  تم جمعها في صحيح البخاري (6125) وصحيح مسلم (2963) .

[43]  سي. إس. لويس ، اكمل سي. إس. لويس كلاسيكيات التوقيع (سان فرانسيسكو : سي. إيه. : هاربر سان فرانسيسكو ، 2002) ص 406 .

[44]  انظر ابن القيم ، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ( الرياض : مكتبة المعارف ) : 2/175 .

[45]  انظر : جون هيك ، ” ثيوديسي إيراني ” في مواجهة الشر: خيارات حية في العدالة الإلهية . ستيفن تي. دافيس (إدنبرج : صحافة جون نوكس ، 1981) ، ص46 .

[46]  سامي عامري ، مشكلة الشر ووجود الله ، صفحات 219-220 مع التعديل .

Avatar

Mohammad Elshinawy

Mohammad Elshinawy is a Graduate of English Literature at Brooklyn College, NYC. He studied at College of Hadith at the Islamic University of Madinah and is a graduate and instructor of Islamic Studies at Mishkah University. He has translated major works for the International Islamic Publishing House, the Assembly of Muslim Jurists of America, and Mishkah University