Mohammad Elshinawy

Mohammad Elshinawy is a Graduate of English Literature at Brooklyn College, NYC. He studied at College of Hadith at the Islamic University of Madinah and is currently completing his Bachelors in Islamic Studies at Mishkah University. He has translated major works for the International Islamic Publishing House, the Assembly of Muslim Jurists of America, and Mishkah University

View all posts

شخص النبي ﷺ

جمع الله تعالى في النبي ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، أعظم الخصال والصفات، فاستحق بذلك ثقة من تبعوه وبايعوه. وكانت تلك الخصال والصفات متجليةً بوضوح في شخصه الكريم، فنال بذلك إعجاب من رأوه ومن لم يروه. ولأولئك الذين كانوا يرون الفخر في الأحساب، فقد عرفوا أنه -ﷺ-من أشرف الأحساب وأنقى الأنقياء، ولكنه عند الله تعالى كان أسمى من ذلك. وكان علماء الفسيولوجيا (علم تقييم صفات الفرد على أساس هيئته المادية) يشعرون أن وجهه الكريم يشع نورًا وكمالًا. وكان ﷺ في عيون معاصريه، أو من قرأوا سيرته بعد ذلك، نمطًا للحياة فريدًا من نوعه في الصدق واليقين.

الصادق الأمين

لم يكن النبي ﷺ مجرد شخص مشهود بصدقه وأمانته، بل كان يطلق عليه قومه اسم الصادق الأمين. حتى عندما اضطهدوه ورفضوا رسالته، كانون يثقون به ويأتمنونه في أعز ما يملكون. وقد قالت عائشة (رضى الله عنها) “أنه ﷺ أمر عليًا (رضى الله عنه بالبقاء في مكة المكرمة، ليرد الأمانات التي كان يحملها رسول الله ﷺ إلى أهلها. ولم يكن أيًا من أهل مكة المكرمة (حتى أعدائه!) يأتمن أحدًا على ممتلكاتهم الثمينة سوى رسول الله ﷺ، وكان ذلك لم عُرف به من صدق وأمانة بين قومه وعشيرته. وهكذا، ظل علي (رضى الله عنه) قابعًا في مكة لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال ليرد الأمانات إلى أهلها، تلك الأمانات التي أودعها هؤلاء لدى النبي ﷺ، ثم رجع علي إلي النبي ﷺ بعد إنهاء تلك المهمة.

كانت أمانته وصدقه المتأصلان فيه جليين حتى إن الناس من مختلف العصور والخلفيات والأديان عرفت به – ﷺ. بل تجدهم كثيرًا من الأحيان عاجزين عن تصور شخص عادل مثله ﷺ عندما يقرأون سيرته ويصلون إلى استنتاج مخالف تمامًا

وعلى الرغم من أن الفيلسوف والمؤرخ الأسكتلندي توماس كارلايل (تُوفي1881) كان يكرر تحفظاته على الإسلام، إلا أن إعجابه بصدق النبي ﷺ وأمانته في بعض الأحيان كان حدًا فاصلًا بين كيد عميق وقناعة جلية. حيث قال على سبيل المثال: “ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدًا لم يكن صادقًا في رسالته بل كان ملفقًا مزورًا أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوي مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة ولما يك إلا بعد الأربعين أن تحدث برسالة سماوية، ومن هذا التاريخ توفيت خديجة. نعم لقد كان حتى ذاك الوقت يقنع بالعيش الهادئ الساكن وكان حسبه من الذكر والشهرة حسن آراء الجيران فيه وجميل ظنونهم به ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب إن فار بصدره ذلك البركان الذي كان هاجعًا، وثار يريد أمرًا جليلًا وشأنًا عظيمًا.” [الأبطال وعبادة البطولة] ([1] وفي الكتاب نفسه، يقول كارلايل: “إن الأكاذيب (الغربية) التي تلاحق هذا الرجل (محمد) ما هي إلا أمر مشين لأنفسنا فقط.”

على مدار تاريخ الإنسانية كان هناك عديد ممن ادعوا النبوة وقد تجردوا ثبت أنهم جميعًا كانوا وصوليين وانتهازيين. وهذا متأصل ومتوقع ممن يدعي النبوة إذ أنه اختار أنه يكون الأكثر جرمًا وشرًا من بين الآخرين. ولأن الكذب على أصدقائك هو أسوأ من الكذب عن شخص لا تعرفه، ولأن الكذب على والديك أسوأ من الكذب عن أصدقائك، فلا يوجد شيء أقبح ممن يكذب على الله. لذلك، عندما نجد رجلًا في مثل صدق النبي ﷺ وأمانته، وقد عاش على مدار أربعين عامًا دون أن يكذب مطلقًا، ثم يدعي أنه نبي من عند الله، فهذا ينبغي أن يكون بمثابة إشارة إلى صدق ادعائه.

وأخيرًا، ” كسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ -يوم مات إبراهيم، فقال الناسُ: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدِ ولا لحياته، فإذا رأيتم فصّلوا، وادعوا الله». ([2]) فإذا كان النبي ﷺ دجالاً، لاستغل هذا الأمر حتى يصدقه الناس ويؤمنوا به. هذه الأحداث المتزامنة فتحت نافذة يسيرة للغاية لتعزيز الذات، ولكن النبي ﷺ لم يكن ليسمح لأحد بتفسير هذا الحدث بأن السماء بكت لموت لإبراهيم. بل وعلى الرغم من تألمه ﷺ وحزنه وأساه، إلا أنه صعد المنبر، ورفض تفسير الحادث تفسيرًا كاذبًا، وأثبت أن الكسوف لا يتبع سوى القوانين الإلهية.

زهده وورعه -ﷺ

إن نمط الحياة البسيطة التي عاشها النبي ﷺ هو دليل جوهري على أن رسالته لم تكن يومًا لغرض شخصي. فبعد كل شيء، كان هو الرجل الذي سيطر على كل الجزيرة العربية في نهاية حياته. حتى قبل ذلك، كان هناك الآلاف من أتباعه طوال إقامته في المدينة المنورة؛ كانوا يلتفون حوله، وكانوا يرغبون في فعل أي شيء ليرضيه. وعلى الرغم من كل ذلك، فلن تلمس أي رفاه في حياته بالمرة. بل كان ينام على الحصير حتى يُرى أثره في جنبه الشريف. فقد كان عندما يسجد في هذه الغرفة، كان يطلب من عائشة (رضى الله عنها) أن تثني ساقيها لتفسح له مجالاً للسجود. هذا بيت النبي ﷺ يظل شهرين كاملين لا تُوقَدُ فيه نار، فلم يكن به إلا التمر والماء، حتى يهديه أحد أصحابه بعضًا من اللبن.

غرفته ﷺ، بعد إعادة تصورها

كتب إدوارد جيبون (تُوفي 1794)، وهو مؤرخ وعضو في برلمان إنجلترا، “إن الوعي الأخلاقي الطيب لمحمد نبذ خُيَلاء السيادة، فقد تعامل مع المهام المنزلية البسيطة التي تكون داخل الأسرة؛ فقد كان يوقد النار، ويكنس الأرض، ويحلب الشاة، ويرتّق بيديه حذاءه وجلبابه. وكان ازدراؤه للتكفير والرهبنة، نموذجًا يحتذي به العرب في الزهد”. ([3]) بعبارة أخرى، فهو لم يتحمل فقط قساوة الحياة المتقلبة، بل كان زهده طبيعيًا متأصلاً فيه. ولم يكن النبي ﷺ يحاول أن يشّجع الرهبنة أو حرمان النفس، كما أنه لم يرائي بهذا الزهد حتى ينال الثناء من الناس. ويستمر جيبون قائلاً: “كان النبي يستقبل أصحابه بحفاوة وسخاء. في حين أنه كانت تمر الشهور ولا توقد النار في منزله”.

قال واشنطن ايرفينج (تُوفي 1859)، كاتب سيرة ودبلوماسي أمريكي، “عاش [محمد ﷺ] حياته روحانيًا منذ صِبَاه، يأكل قليلًا، ويصوم كثيرًا، زاهدًا لا يميل إلى الترف، بسيطًا يُبغض الثراء، متواضعًا يرفض الأُبَّهَة والجاه..”. فلم ينغمس في هوة التزين، أو التفاخر بالعقل الزهيد؛ وكذلك لم تتأثر بساطته في لباسه إلا نتيجة الورع الكامل والتخلي عن كل متع الحياة والسعي وراء الثراء… ورغم انتصاراته العسكرية، إلا أن هذه الانتصارات لم تثر كبرياءه أو غروره، فلم يكن يحارب من أجل مصلحة شخصية. وحتى في أوج مجده حافظ الرسول ـ ﷺ ـ على بساطته وتواضعه، فكان يكره إذا دخل حجرة على جماعة القيام له أو المبالغة في الترحيب به.[4]

وقال عنه بوسورد سميث (توفي 1908)، وهو قس ومدرس ومؤلف، “لقد كان رئيسًا لدولة ولجماعة تدين بنفس العقيدة، لقد كان يجمع سلطة ومقام القيصر والبابا معًا، ولكنه بدون خُيَلاء البابا وغروره، وقيصر بلا فيلق أو حشود، وبلا جيش عامل ولا حارس شخصي ولا قوة من الشرطة ولا دخل ثابت، فقد كانت معه جميع السلطات من غير أن يكون معه ما يدعمها أو يحافظ عليها، وقد كانت بساطة حياته الخاصة متطابقة ومنسجمة مع حياته العامة.”([5])

شجاعته -ﷺ

كانت الشجاعة المحضة التي تميز بها النبي ﷺ تعني أنه لم يكن صادقًا فحسب، بل متيقنًا من صدقه. وقد اختار بعض المستشرقين، على الرغم من أنهم جميعًا مشهورون بوصف الإسلام، المجادلة بأن محمد (ﷺ) لم يكذب عن وعي منه، بل كان مصابًا بمرض عقلي جعله موهومًا بالعظمة. هذا الادعاء يسقط مغشيًا عند أقدام شجاعة النبي ﷺ، لأن الشخص الذي “يسمع أصواتًا” ويعاني اضطرابات نفسية سيكون غير واعِ ومتردد وغير قادر على تحقيق كل الانتصارات التي حققها. النبي ﷺ والأهم من ذلك، أن الشخص المضطرب عقليًا لن يأتي أبدًا بنظام كامل من المعتقدات والقوانين التي من شأنها أن تحظى باحترام الآلاف من المؤرخين والفلاسفة وغيرهم من الحكماء. لذا فإن شجاعة محمد ﷺ الثابتة والفريدة تصبح ضامنًا لدعم نبوته.

فالنبي ﷺ لم يهرب أبدًا في المعارك، بل كان يقاتل بضراوة وفي الخطوط الأمامية. فكان من المفهوم تمامًا أنه حتى يحمي النبي ﷺ نفسه من العدو متخفيًا وراء جنوده فستكون وفاته معناها نهاية الرسالة. ومع ذلك، قال على رضى الله عنه، المحارب الجسور، “لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا.([6])

جاء رجل إلى البراء فقال أوليتم يوم حنين؟ يا أبا عمارة فقال أشهد على نبي الله صلى الله عليه و سلم ما ولى ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول (أنا النبي لا كذب… أنا ابن عبدالمطلب اللهم نزل نصرك) قال البراء كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به – يعني النبي ﷺ. ([7])

عندما قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ…واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ” (المائدة (5):(67)]، منع النبي أصحابه من الوقوف لحراسته ليلاً[8] [ذات ليلة، استيقظ المسلمون-الذين كانوا حريصين على ألا يدخل الرومان المدينة المنورة في أي وقت-فزعين بصوت تحطم هائل. ثم هرعوا إلى مكان الحادث، وجدوا النبي ﷺ عائدًا بالفعل ممتطيًا فرسًا كان لأبي صلعة، وكان سيفه معلقاً حول رقبته، فطمأنهم أنه كان إنذارًا كاذبًا ([9]). فهو يتميز بشجاعة مثالية، يسارع وحده لمواجهة احتمالات الخطر، إنها شجاعة تنجذب إليها حتى أشجع النفوس.

مثابرته وجلده -ﷺ

لم يبين النبي – ﷺ شجاعته فحسب في سيرته، بل أظهر مثابرة مثالية وثباتًا راسخًا في جميع الأوقات. إنه رجل لم ير أباه قط، ولم يحظ بحنان الأم إلا قليلًا، ثم فقد جده، ثم عمه، ثم أعز زوجاته في وقت واحد. إنه رجل عاش ليشهد جميع أولاده يموتون إلا واحدًا، وقد كان يُعامل وكأنه مهددًا وهاربًا بعد عقود من بناء سمعة لا تشوبها شائبة بين قومه. إنه رجل تعرض للإيذاء الجسدي حتى أنه أُلقي مغشيًا عليه، وكان يتضور جوعًا لسنوات على أيدي قومه، وتعرض لعدد لا يحصى من الاغتيالات من قومه كذلك. إنه رجل خرج من بيته فارًا إلى المدينة باحثًا عن مأوى يأويه، ولكنه لاقى هنالك المنافقين في انتظاره متأهبين لكل فرصة لخيانته. إنه رجل شاهد بعينيه محاولات اغتياله بشكل متواصل، وكذلك تعرض لقتل أقاربه ورفاقه وإيذائهم، ثم التشهير بزوجته العزيزة عائشة رضى الله عنها، ابنة أكثر رفاقه ولاءًا له. فمن ذا الذي بعد كل ذلك يستطيع المثابرة مصحوبة بالأمل، والجلد ممزوجًا بأخلاق لا مثيل لها، فلن يقدر على ذلك إلا شخص أنعم الله عليه وسانده! تجاوز النبي ﷺ تلك الهاوية السلبية، وهو لم ينجو فقط، ولكن أصبح مثال الرحمة والعطف بين الناس والحيوانات والنباتات على حد سواء. هذا أقل ما يوصف عنه أنه معجزة؛ فالله يبعث الموتى بعد موتهم، ويفجر الماء من الأرض، ويغذي الورود في الصحراء. كان الله وحده قادرًا على ابقائه مبتسمًا طوال الوقت، لاهيًا مع أحفاده، داعمًا لمبادئه، رافعًا معنويات أولئك الذين عانوا أقل بكثير منه. كان الله وحده قادرًا على تمكينه من أن يكون رحيماً بمتحجري القلوب، وعافيًا عن أعدائه، وقلقًا على المتكبرين. كان الله وحده قادرًا على إبقاء قلبه شاكرًا في بعض الأحيان عندما لا يستطيع الآخرون الصبر، وأن يبقي قلبه رحيمًا في بعض الأحيان عندما لا يستطيع الآخرون أن يكونوا عادلين.

وعلى الرغم من أن الحوادث التي تعكس مثابرته لا تُعد ولا تُحصى، فقد كان يمكن لشخص أمين ببساطة أن يؤلف نفسه مع الحصار في شِعب أبي طالب. فقد ظل الحصار وحشيًا وقاسيًا لمدة ثلاث سنوات، حيث كان النبي ﷺ يرى تحول شفاه أصحابه إلى اللون الأخضر من تناول جلود الحيوان مليئين باليأس من أي تحسن في الوضع. بل إنه شاهد أعز أفراد أسرته تتدهور حالته ببطء أمام عينيه. حيث تعرضت السيدة خديجة رضى الله عنها وأبو طالب للوهن بسبب الحصار الذي لم يقدرا على تحمله؛ فتوفي كلاهما بعد ذلك بوقت قصير. ومع وفاة عمه أبي طالب وذهاب حماية النبي ﷺ معه، فقد كان هذا العام أسوء عام عاشه النبي ﷺ إذ تعرض لأسواء معاملة وإيذاء في حياته.

فقد قالت السيدة عائشة رضى الله عنها أنها سألت ذات مرة النبي ﷺ “هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً.  ([10]) وفي روايات أخرى، أمضى النبي ﷺ عشرة أيام في الطائف بعد أن تحدث إلى زعمائها، ودعا قومها إلى الإسلام، حتى تطاولوا عليه وطردوه، ثم أغروا به سفاءهم فلاحقوه وهو يخرج من الطائف يسبّونه، ويرمونه بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان، وحاول زيد بن حارثة رضي الله عنه أن يحمي الرسول ﷺ حتى أصيب في رأسه.  ([11]) ولكن حتى في أحلك الأوقات، لم يثنه ألمه المبرح عن كبح جماح جلده ومثابرته.  

تفاؤله -ﷺ

جدير بالذكر أن النبي -ﷺ -لم يفقد الأمل في مساندة الله ونصره، بغض النظر عن أن موقفه لم ينذر بالأمل في كثير من الأحيان. هذا التفاؤل يروي قلبًا مليئًا بأعلى مراتب الإيمان. عند مغادرة النبي ﷺ مكة للهجرة، اختبأ النبي ﷺ وأبو بكر في أحد الكهوف. وكان الكفار يقفون عند مدخل الكهف، وعليهم ببساطة أن ينحنوا ليروا ما بالداخل، ولم يمنعهم شيء من رؤية النبي ﷺ. وفي تلك اللحظة الحاسمة، عندما يتجاوز اليأس حتى أقوى النفوس، أخبر النبي ﷺ رفيقه بمنتهي الهدوء والسكينة: “يا أبو بكر، ماذا ظنك في اثنين الله ثالثهما؟ “وقد أشار القرآن بعد ذلك إلى هذا الحادث {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [(التوبة (9) :(4)] وقد يقول أحدهم: كيف لنا نعلم أن محمد لم يختلق هذه الآية بعد الحادث، مصورًا معها صورة مسيئة عن قناعته الراسخة في الله تعالى؟ أبسط رد على ذلك أن أبي بكر (رضى الله عنه) شهد بذاته مدى السكينة التي تحلى بها الرسول في تلك اللحظات المرعبة. ولو لم يكن كذلك، هل كان أبو بكر (رضى الله عنه) سيظل معجباً بالنبي ﷺ ومستمراً في توقيره تجسيداً لكماله، حتى بعد وفاة النبي؟

وبذلك كانت قناعة النبي-ﷺ-تكمن في إيمانه، حيث أن وعد الله الذي رآه قلبه سيطمس اليأس في عينيه. وهذا تمامًا مثل ما حدث لموسى (عليه السلام) على الشاطئ {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء (26): 61-62]. هذه الدرجة من الثقة كان ينفرد بها الأنبياء والمرسلين؛ حتى لو فقد العالم كله الأمل، فلن ينقص من ذلك منهم شئ.  ([12]).  

أتباعه -ﷺ

عند تحليل صحة نبوءة محمد ﷺ، سيكون هناك توانِ في اختزال أتباعه على صحابته فقط. فالنبي محمد ﷺ هو أبرز شخصيات العالم وأكثرها تأثيراً في تاريخ البشرية (انظر: العظماء المائة، تأليف مايكل هارت)، المتمثلة في حياته الخاصة وأدق تفاصيلها وأكثرها خصوصية. وعلى مدار قرن ونصف، كان هناك شغف عالمي بتجميع سيرة خاتم الأنبياء والرسل، حتى على حساب معارضة الثقافة المهيمنة أو الاتجاهات الحالية. ومع بلوغ عدد المسلمين أكثر من 1.6 مليار مسلم اليوم، فذلك ليس إلا ثمنًا قليلًا مقابل تمثيل أكثر البشر مثالية على مر الزمان والمكان.  ([13]).

 قال ديفيد جورج هوجارث (تُوفي 1927)، عالم آثار بريطاني، “سواء أكان [محمد ﷺ] جادًا أو عاديًا، فسلوكه اليومي قد أسس لشريعة يحذو الملايين حذوها حتى هذا اليوم بذاكرة واعية ومحيطة. فليس هناك ثمة شخص مثاليًا مثل الرجل حيث تبعه آخرون وحاكَوه بهذه الدقة. إن سلوك مؤسس المسيحية لم يحكم الحياة العادية لأتباعه. وعلاوة على ذلك، لم يترك أي مؤسس للدين على هذا النحو المنزه سماحة مثلما ترك رسول المسلمين”.  ([14])

ومع ذلك، كان أتباعه الأكثر عمقًا بلا شك هم الصحابة، وهذا ما يميز شهادتهم على صحة رسالته. لم يكن هؤلاء الصحابة مجرد مجموعة من الزملاء المميزين يقومون الليل أو يزهدون في الله، بل إنهم تقاسموا البساطة الجماعية فيما بينهم. وكان هذا دون تحيز أهم جيل في تاريخ البشرية. فعبقرية عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-، قد اعترف العديد من المؤرخين. إن تاريخ كولومبيا في العالم يؤكد كيف أن عمر بن الخطاب طبّق بيروقراطية متفوقة على الإمبراطورية الرومانية القاسية التي سبقت الخلافة الإسلامية ([15]).

فعندما تستطيع القبائل العربية بناء حكومة اتحادية ذات سلطة مركزية، بل أيضا ترسخ للمرونة في جعل أطراف هذه الأمة مستمرة -وبهذا سيتغير مسار التاريخ-فينبغي للمرء الاعتراف بأن هذا كان عقل استثنائي. فهذا ليس سوى شخص واحد يؤمن بنبوة محمد ﷺ، حيث حاكى النبي بإعجاب مفرط. فها هو أبو بكر يقدم نصف ثروته من أجل الإسلام، ورفض بلال التراجع عما آمن به رغم التعذيب المفرط الذي تعرض له، وسمية وياسر الذين تعرضا للتعذيب حتى الموت لرفضهما حتى إظهار بأنهما لم يؤمنا بمحمد ﷺ، ليست كلها أحداثًا عابرة. أما أولئك الذين نجوا، فقد اضطلعوا بمهمة بالغة الأهمية المتمثلة في غرس روحه ورسالته ﷺ في حياتهم، ما جعلهم أكثر استحقاقًا لثناء الله و {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران (3)]. فاتباع هذا الحشد من الناس للنبي ﷺ بهذا الحماسة، والذين عاصروه قبل الرسالة وبعدها وشهدوا سلوكه اليومي، ليس إلا مقياسًا واضحًا حول كيفية إيمانهم به وبرسالته- ﷺ.

كتب ويليام مونتجومري واط (تُوفي 2006)، مؤرخ أسكتلندي وأستاذ فخري في الدراسات العربية والإسلامية، “إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدًا وقائدًا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه”. فافتراض أن محمدًا مدعِ افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها. بل إنه لا توجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد.   … وهكذا، ليس علينا فقط تصنيف محمد بصدق غرضه ونزاهته، فإذا أردنا فهمه بشكل كلي، وإذا أردنا تصحيح الأخطاء التي ورثناها من الماضي، يجب ألا ننسى أن الدليل القاطع هو شرطُ أشد صرامة من مجرد إظهار المعقولية، وفي مسألة من هذا القبيل لا يمكن تحقيقها إلا بصعوبة “. ([16])

كان ما أسلفنا تصويرًا موجزًا لشخصية النبي ﷺ الطاهرة التي كانت جلية على مر العصور والأزمان وبصرف النظر عن حياته. ولا يغيب عن الأذهان لماذا كان هناك جيل بأكمله يتسابق في محاكاة ابتسامته، وإيثاره، وموقفه في دعم الحق، وخدمته الإنسانية.

 وفي المقال القادم، سندرس كيف تميزت رسالة النبي ﷺ التي حباه الله إياها تميزًا فريدًا متفردًا.


[1] البيهقي في السنن الكبرى (12477)، وابن كثير في البداية والنهائية (218-219/3)، والطبري في تاريخ الأمم والملوك (2/273).

[2] البخاري (1043)

[3]انهيار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، تأليف إدوارد جيبون، الفصل 50.

[4]محمد وخلفاؤه، واشنطن إيرفنج

[5]محمد والمحمدية. بوسورد سميث

[6] مسند أحمد (619)

[7] صحيح مسلم (4388)

[8] الترمذي (5/351) والحكيم (313/2)

[9] البخاري في الأدب المفرد. باب 14، حديث 303

[10]البخاري (3059) ومسلم (1795)

[11] ابن هشام في السيرة النبوية (2/70-72) وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/211-221)

[12]بعض الناس يستشهدون من رواية الزهري عن النبي ﷺ بوجود أفكار انتحارية عندما توقف الوحي لفترة قصيرة حتى يزداد شوقه للزيارات الملائكية، وحتى يضمن أنه لن يسلم جدلاً بهذا الوحي على الإطلاق). حتى لو تغاضى المرء على حقيقة أن هذه الرواية بها سلسلة غير مكتملة، فإنه يصور ببساطة المعاناة والاضطراب والحزن الذي تحمله النبي ﷺ ولم يردعه. وبعد كل شيء، لم يستسلم النبي أبدا لهذه الأفكار العابرة وألقى بنفسه قبالة الجبل، بل إنه كافح وناضل حتى نجح في ذلك. وبالتالي، فإن هذا يثبت -إن كان هناك أي شيء من هذا القبيل-أن تفاؤله يطمس آلامه، وأن شيئا عن حياته وطبيعته اليشرية لم يكن مخفيا أبداً.

[13]البخاري (3866، 4663، 4692) ومسلم (2381)

[14]اختراق الجزيرة العربية، ديفيد جورج هوجارث، الطبعة الأولى في 1923

[15]التاريخ العالمي لكولومبيا، الإصدار الأول ص. 264

[16] محمد في مكة، ويليام مونتجومري واط، مطبعة جامعة أكسفورد (1953)، ص. 52