Yaqeen Institute for Islamic Research
The-Accomplishments-of -he-Prophet-The-Proofs-Of-Prophethood-Series

إنجازات النبي ﷺ: سلسلة دلائل النبوة

إنجازات النبي ﷺ

“مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.”[1] سنكمل في هذا المقال رحلتنا نحو إثبات دلائل النبوة، وسيكون مثالنا هو إنجازات محمد ما الّذي أنجزه هذا الرجل بالضبط؟ ما هي ثمار رسالته؟ وهل تمثل رسالته مواهب وفضائل متفردة، أم أنها مجرد مبالغات من أتباعه؟

أوّلًا، يجدر الملاحظة أن المهمة الأسمّى لمحمد  لم تكن محدودة بكونه أكثر الأشخاص المحبوبين بين معاصريه و الأجيال المستقبلية لما يزيد عن ألف عام، مع كون ذلك هو الحقيقة بالقدر الكافي. لم تكن المهمة الأسمى أيضًا محدودة بالسيادة السياسية العابرة على المناطق الممتدة، وإن كان هذا هو الحال؛ ربما يقارنه البعض بقسطنطين، أو بالإسكندر الأكبر أو بجنكيز خان. كما أنها لم تكن محدودة بالإلهام الديني الّذي استمر لقرون؛ وحتى لا يخلط أحد ما بينها وبين عقيدة الصلب في المسيحية. كما أنها لم تفرض أسلوب حياة مثير للإعجاب أيضًا، يقوم على ضبط النفس، والحكمة الوجودية، والإحسان كما في تعاليم بوذا وكونفوشيوس؛ ولكن هناك أمر مختلف بالنسبة لمحمد  يجعل من يعرفونه يشعرون بالرهبة والتواضع. فما هي طبيعة رسالته؟ هناك حقيقة وعلامة فارقة وحيدة خالدة فيما تركه وهي سلسلة المآثر البارزة المجتمعة في شخص واحد. وذلك هو ما أدهش وحيّر الكثيرين على مدار الألف وخمسمائة عام الماضية، وجعلهم يتساءلون: هل ذلك ممكن؟ هل هناك وجود لمثل ذلك الشخص خارج الأساطير؟ هل يوجد أي تفسير آخر مقبول لذلك؟ فربما أقف أمام نبوة حقيقية؟

يقول جون ويليام دربر (تُوفي عام 1882)، وهو عالم، وطبيب، وفيلسوف ومؤرخ إنجليزي-أميركي:

بعد أربعة أعوام من موت جستينيان، تُوفي عام 569 ميلاديًا، وُلد في مكة، في الجزيرة العربية، الرجل ذو الوقع الأكبر على الجنس البشري من بين كلّ الرجال… ليكون الزعيم الديني للعديد من الإمبراطوريات، وقائد الحياة اليومية لثلث الجنس البشري، فربما يبرر هذا لقب رسول الله.[2]

لا نحتاج هنا للقفز من الإيمان، على الأقلّ ليس الاعتراف بنبوته. إن ادّعاء مسؤولية الحظ المطلق عن كل الإنجازات المجتمعة في شخص النبي محمد ، لا يخرج إلا من شخص جاهل بالحقيقة أو أعماه التحيّز. لنضع في عين الاعتبار لغز الرجل الّذي لم يكن متعلمًا، المولود في الجزيرة البدائية المتناحرة، المعزول عن الفنون، والفلسفات، والسياسات، والحروب والثقافة الموجودة في الإمبراطوريات المتقدمة المحيطة به؛ لنضع في عين الاعتبار خطوات الرجل ذاته المتقدمة-طوال الوقت-بدعوته العميقة، والمؤثرة والمستمرّة الّتي ما تزال فريدة من نوعها. إن السرعة الّتي ينتشر بها دينه، والسيادة العالمية لدعوته حتّى اليوم، والوقع الإيجابي لهذا الشخص الوحيد كانت-وستظلّ-غير مسبوقة في التاريخ الإنساني؛ وبالطبع لم يكن وليام دريبر المؤرخ غير المسلم الوحيد في الغرب الّذي اعترف بذلك.

فقد كتب ألفونس دي لا مارتين (تُوفي عام 1869)، المؤرخ الفرنسي، بحرفية ما يلي:

لو كان سمو الغرض، وقصر السبل والنتائج المذهلة هي معايير العبقرية الإنسانية، فمن يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الحديث بمحمد؟ إن الرجال الأكثر شهرة صنعوا جيوشًا، وقوانينًا وإمبراطوريات فقط؛ إنهم لم يُوجدوا، أي شيء، سوى القوة المادية الّتي تنهار أمام أعينه غالبًا. هذا الرجل لم يحرّك الجيوش، والتشريعات، والإمبراطوريات، والناس والأسر الحاكمة فحسب، بل ملايين من الناس في ثلث العالم المأهول؛ وأكثر من ذلك، لقد حرّك المعابد، والآلهة، والأديان والأفكار، والمعتقدات والأرواح. صنع وطنية روحية، في الكتاب الّذي أصبح كلّ حرف فيه قانون، مزجت معًا أناس من كلّ لغة وكلّ جنس. لقد ترك لنا سمات ثابتة لقوميته المسلمة؛ مقت الآلهة الكاذبة والسعي لإله واحدٍ غير مادي. تشكّل هذه النزعة الوطنية الإنتقامية ضد انتهاك حرمة السماء سمة اتّباع محمد: وغزو ثلث الأرض بمذهبه كان المعجزة والدليل عليها.

 كانت فكرة وحدانية الله الُمعلنة وسط المذاهب الخرافية المنهكة، هي بنفسها المعجزة الّتي عندما نطقها من بين شفاهه دمّرت كلّ معابد الآلهة القديمة وأضرمت النيران في ثلث العالم. إن حياته، وتأملاته، ومواقفه البطولية ضد الخرافات في بلده، وشجاعته في تحدي الوثنية الغاضبة؛ عزمه الصامد لمدة ثلاثين عامًا في مكة، قبوله لازدراء العامّة وتقريبًا لكونه ضحية رفاقه-رجال بلده: كلّ ذلك وأخيرًا دعوته المتواصلة، وحروبه ضد العقبات، وإيمانه بنجاحه وبرجاله الخارقين عند المحن، و التسامح عند النصر، طموحه الّذي كان مُكرسًا كليًا حول فكرة واحدة والسعي نحو الإمبراطورية بأي طريقة؛ صلواته المتواصلة، أحاديثه الروحانية مع الله، وفاته وانتصاره بعد الموت؛ كلّ ذلك يدل على الكرم وكذلك الإيمان الراسخ الّذي أعطاه القوة لإستعادة العقيدة. كانت هذه العقيدة تدور حول محورين ثنائيين، وحدانية الله وعدم ماديته؛ فالأوّل يخبرنا من هو الله، والثاني يخبرنا ما لا يتصف به الله؛ الأول يطيح بالآلهة الكاذبة بالسيف، والآخر يبدأ الفكرة بالكلمات. إن محمد هو الفيلسوف، والخطيب، والرسول، والمحارب، وغازي الأفكار، والمستعيد للعقائد العقلانية والعبادات بدون صور، والمؤسس لعشرين إمبراطورية كونية وإمبراطورية روحية واحدة. وفقًا للمعايير الّتي تُقاس بها عظمة الإنسان، مما يجعلنا نتساءل: هل يوجد شخص أعظم منه؟[3]

حب أكبر من حياة

هل يوجد شخص في التاريخ الإنساني حاز الحب العميق مثل النبي محمد ﷺ؟ يستهين البعض، أو ربما غير معتادين على الاحترام والتقدير الّذي حظي به هذا الرمز في الألفية الثانية الحالية. قد يدرك الآخرون ذلك، وحينها يضعون افتراضات متسرعة، بأن يكون هناك شخصًا ما آخر في التاريخ الإنساني حاز على نسبة الإعجاب تلك. لكن، هناك دراسة نقدية مستفيضة مفادها قصة خلاف ذلك.

خلال حياته، كان صحابة النبي يتوقون إلى التضحية بأنفسهم وبجهدهم للدفاع عنه . عندما كان النبي ﷺ فاقدًا للوعي في غزوة أحد على سبيل المثال، أظهر صحابته بطولة استثنائية وسارعوا لإنقاذه. استقبل أبو دجانة (رحمه الله) وابل السهام الّتي استقرّت في ظهره لاحتضانه النبي . ودخل أنس بن النضر (رحمه الله) في الزحام حتّى أصابته أكثر من تسعين ضربة سيف، ورمح وسهم فأردته شهيدًا. كما حمى أبو طلحة (رحمه الله) النبي  من الإصابة بصدره العاري عندما لم يجد شيئًا آخر، وتوسّل إليه بعد إفاقته قائلًا، “اخفض رأسك يا رسول الله! نحري دون نحرك!”   رفع طلحة بن عبيد الله الرسول  على صخرة، ثمّ عاد للهجوم، ثمّ عاد مرّة أخرى بالنبي لمكان أكثر أمانًا. وكانت نُسيبة بنت كعب امرأة مقدامة، فكانت تُبعد السيوف عن الرجال وتهاجم العديد من المحاربين من ذوي البنية الجسدية الضخمة في غزوة أحد حتّى سقطت بضربة سيف في الكتف ونزفت حتى استشهدت. بمرور الوقت تُنسى الحكاية لكن أرواحهم الّتي أظهرت حبّهم للنبي  خُلّدت في التاريخ للأبد. عند العودة للمدينة، أُخبرت امرأة من قبيلة بني دينار بمقتل زوجها، وأبيها وأخيها جميعًا في أُحد؛ فسألت، “فما فعل رسول الله ؟” فقالوا، ” خيرًا، هو بحمد الله كما تحبين”، فقالت، “أرونيّه حتّى انظر إليه”. وعندما رأته قالت، “كلّ شيء بعدك جلل، يا رسول الله.”[4] إن تلك أحداث يوم واحد، ولم نذكرها كلها هنا، ولكنّها صور بسيطة تعكس روح الحب والتودد الّتي أحاطت رسول الله الأخير  على مدار ثلاثة وعشرين عامًا من إدارته.

بعد أعوام قليلة من غزوة أحد، قدم عروة بن مسعود مبعوث من قبيلة العدو قريش، ساعيًا لمعاهدة مع محمد ، وبعد ثلاثة أيّام قضاها بين المسلمين، عاد إلى مكة وأحاط قريش بتلك المشاهدات:

يا قوم، إني قد وفدت على الملوك، على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه؛ ما يتوضأ إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء؛ ما يرفعون عنده الصوت، وما يشدّون إليه النظر. قد عرض عليكم خطة فمادوه، فإني رأيت رجالًا ما يبالون إذا منعوا صاحبهم. اقبلوا ما عرض.[5]

بعد عقود من وفاة النبي ﷺ نجد صحابي مثل عمرو بن العاص (رحمه الله) ممددًا على فراش الموت يتذكّر حياته قبل الإسلام، وكيف تحوّل من عدو لدود للنبي  إلى أحد أتباعه المخلصين. ومن بين ذكرياته ما قاله:

كنت أول أمري كافرًا وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار… ثم بايعت رسول الله فما كان في الناس أحد أحب إليَّ منه ولا أجل فى عيني منه، ولو سُئلت أنا انعته ما استطعت لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له فلو مُت يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة.[6]

الصحابة ممن عاشوا فترة أطول من النبي  حرقتهم مشاعر الشوق والحب للنبي؛ ستظلّ أجيال كاملة ترتجف قلوبها، وتفيض عيونها بالدمع عند سماع اسمه، وتتمنى الاجتماع به في الآخرة. كان بلال بن رباح (رحمه الله) العبد الأثيوبي المعتق الّذي كان ضمن الأوائل الذين دخلوا الإسلام على يد النبي ، وتحمل عذابًا لا يُطاق متحديًا أسياده ومعتنقًا دين محمد. عاش بلال ليكون أوّل مؤذن في التاريخ الإسلامي. ولا داعٍ لقول أن حب بلال لمحمد  كان يتدفّق في عروقه، ونجاته لم تجلب له سوى الأسف الّذي لا يداويه غير اجتماعه به. بعد تسع سنواتٍ، كان بلال ممددًا على فراش الموت في دمشق حين سمع زوجته تقول، “واحزناه!” فكشف الغطاء عن وجهه وقال، “قولي وافرحاه! غدًا نلتقي الأحبّة… محمدًا وصحبه!”[7]

إن الآلاف الّتي لا يمكن حصرها الّتي ورثت حب خاتم الأنبياء  في طريقها لتصبح أيقونات للحقيقة، وللعدل وللإسهام في التاريخ العالمي؛ ومن بينهم كانت الطلائع الّتي طوّرت النظرة العميقة للحقائق المقدسة، والعجائب العقلية والمحسومة المُنجزة، وصعدت المرتفعات الشاهقة على خطى حبيبيهم، النبي محمد . يعتقد عدد لا يحصى من العلماء الحريصين، وعباقرة الأدب، والأشخاص الإيثاريين الفريدين، ورجال الدولة المتمرسين وجنرالات الفضيلة بأن الاقتداء بمحمد ﷺ  كان الباب للتفوق الحقيقي في كلّ المساعي وضروري لمن يحملون شعلة الإنسانية. حتّى اليوم، يستمرّ ما يقرب من ثلث هذا الكوكب في حكم معايشهم-بطريقة أو بأخرى-بطرقٍ تعكس تبجيلهم لمحمد . بكلّ تأكيد، لا يعبد المسلمون محمد، لكنهم يعبدون الله وحده، ولكن شخصيته هي محور إيمانهم على الأرض، ويضعونه مثلًا أعلى للفضيلة وطريقهم لرضا الله.

في كل العالم المسلم، نعتاد قول: “صلَّ الله عليه وسلم” بعد ذكر النبي. وبالتالي، خلال صلاة الجمعة، فإن أي ذكر لاسم النبي من الإمام يثير همهمات جماعية للصلاة على محمد من جماعة المصلين. بذلك، أصبح شخص النبي هو التركيز المشترك بين الأذهان الشعائرية للمسلمين.  يُعدّ ذكر محمد وإحياء سنته نقطة محورية يتجه من خلالها الذهن لله.[8]

لقد جعل تمجيد المسلمين للرجل الّذي أوصلهم لإلههم اسم “محمد” الاسم الأكثر شيوعًا بين الأطفال حديثي الولادة في لندن اليوم، حيث يشكّل المسلمون حتّى وقتنا الحالي نسبة 12% من عدد السكان. جيل بعد جيل، يستمرّ أتباعه المخلصين في اكتشاف كل كلماته، ويتبعون بدقّة كلّ شيء يدلّ عليه، ويقلدون أسلوب حياته حتّى حركات أصابعه عند الصلاة. كم عدد الأشخاص الّذين اكتسبوا هذا الإعجاب في التاريخ الإنساني، الإعجاب الّذي تُرجم لأفعال، لخمسة عشرة قرنًا وما يزال مستمرّ؟

يقول ديفيد جورج هوجارث (تُوفي عام 1927)، وهو عالم آثار بريطاني:

سواء أكان جادًا أو بسيطًا، لقد شكّل سلوكه اليومي شريعة يتبعها الملايين اليوم بذهنٍ واعٍ. ولا يوجد شخص في أي فئات الجنس البشري قُلّد بحرفية مثله حتى هذه اللحظة. لم يحكم سلوك مؤسس المسيحية الحياة اليومية لأتباعه. وأيضًا، لم يترك أي مؤسس لدين خلفه مبدأ السماحة وحدها كما فعل رسول المسلمين.[9]

من المثير أن اسم محمد تنبأ بهذه الظاهرة قبل ظهورها؛ فالمعنى الحرفي لاسم محمد هو “الّذي يُحمد” ولا يوجد شخص بين البشر حظي بمدح وتسليم عظيم مثله . حتّى قبل انكشاف الحقائق على وسائل التواصل الاجتماعي، بدون حساب على تويتر، أو فيسبوك، أو انستجرام أو واتس آب، جمّع اسم محمد  1.6 مليار شخص اليوم. أليس ذلك كافيًا لإثارة الإعجاب نتيجة وجود شخص كهذا بين البشر بعد مرور1400 عام على لقاء ربه، لا يوجد شيئًا آخر إلّا أنه يُمدح في كلّ مكان بالعالم؟ إن أذان المسلم للصلاة في كلّ ثانية حول العالم، وتتبعه الصلاة نفسها، ويسلّم فيه المسلم لمحمد ويشهد بنبوته يتردد بالنهار والليل. هل ينبغي تعجّب الفرد من كيفية ارتباط مشاعر الناس الباقية بمحمد، وكيفية استمرارهم في التعبير عن دفاعهم المستميت عنه عندما يتعرض لإهانة؟

في الواقع، تنبأ الله ذاته بذلك عندما قال تعالى: “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.”[10] أُنزلت هذه الأية خلال الأعوام الأولى في مكة، في الوقت الّذي كان فيه المسلمون حفنة من الضعفاء غير واثقين لما قد يحدث للإسلام. ولكن، دعنا نشاهد كيف صدقت هذه الآية الآن عند الإشارة لمحمد  ويذكره مئات الملايين من الناس حول العالم بشكلٍ مذهل.

قصة العالم الأكثر نجاحًا

لقد حازت دراسة تعاليمه، بالإضافة إلى النظرة اللحظية لحياة النبي  “ونجاحه الدنيوي” على اهتمام العلماء في كلّ أرجاء العالم.

كما يقول كارين أرمسترونج، كاتب مرموق في الدين المقارن:

على عكس المسيحية، يعتبر الإسلام دين النجاح الّذي اكتسب صورته الأساسية، على الأقلّ في الغرب، من الرجل الممدد في حالة احتضار مهملة، ومزرية ومخزية… لم يكن محمد فاشلًا بينًا، بل نجاحًا مبهرًا، سياسيًا وروحانيًا، كما أن الإسلام انتقل من قوة إلى قوة إلى قوة.[11]

يبين مايكل هارت، كاتب ومؤرخ أمريكي معاصر آخر ألّف كتاب المائة: تقويم لأعظم الناس أثرًا في التاريخ، ببلاغة قصة نجاح هذا العقل المحير كالتالي:

إن اختياري (محمد) على رأس قائمة الأشخاص الأكثر تأثيرًا قد يدهش بعض القرّاء ويُثير تساؤلات البعض الأخر، ولكن محمد هو الشخص الوحيد في التاريخ الّذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي. لقد دعا محمد إلى الإسلام ونشره كأحد أعظم الديانات، وأصبح أحد القادة السياسيين الفعالين. اليوم وبعد ثلاثة عشرة قرنًا من موته، ما يزال مؤثرًا وسائدًا. لقد حظيت الأغلبية من الأشخاص في هذا الكتاب بميزة الميلاد والترعرع في مراكز الأمم المدنية، شديدة الثقافة، أو ذات السياسة المحورية؛ ولكن محمد وُلد عام 570 في مكة، في جنوب الجزيرة العربية، الّتي كانت في ذلك الوقت منطقة بدائية في العالم، وبعيدة عن مراكز التجارة والفنون والتعليم. محمد يتيمًا في سن السادسة، فترعرع وسط عناية المحيطين به، وتخبرنا الروايات الإسلامية أنه لم يكن متعلمًا. تحسّن وضعه المادي في سن الخامسة والعشرين عند زواجه من أرملة غنية (السيدة خديجة). وعند اقترابه من سن الأربعين، ظهرت مؤشرات كونه شخصية جديرة بالاحترام.

كان معظم العرب في ذلك الوقت وثنيين، يؤمنون بأكثر من إله. بالرغم من ذلك، كان بمكة عدد صغير من اليهود والمسيحيين؛ فلا شك أن محمدًا قد عرف منهم في البداية بوجود إله واحد قادر يحكّم الكون كلّه. عندما وصل محمد لسن الأربعين، أصبح متيقنًا بوجود إله واحد (الله) يتحدّث إليه، واختاره لنشر الإيمان الحقيقي. دعا محمد الأصدقاء والأهل المقربين لمدة ثلاث سنوات، وفي عام 613 تقريبًا، بدأ بالدعوة في الجهر. ولأنه اكتسب اتّباع على مضض، اعتبرته مكة مصدر إزعاج لها. وفي عام 622، نتيجة تعرضه لبطش قريش، هاجر محمد إلى المدينة (مدينة تبعد حوالي 200 ميل شمال مكة) حيث حظي بمكانة سياسية قوية.

سُميت هذه الرحلة بالهجرة، وكانت نقطة تحوّل في حياة النبي. كان لمحمد القليل من الأتباع في مكة، ولكن في المدينة، كان الأمر عكس ذلك، وبعدها كان له تأثير جعل منه حاكمًا فعليًا. خلال السنوات القليلة التالية، مع زيادة عدد أتباع محمد بضراوة، حدثت سلسلة من الحروب بين مكة والمدينة، انتهت بانتصار محمد وعودته لمكة غازيًا. لقد شهد العامان والنصف عام المتبقية من حياة محمد تحوّلا سريعًا للقبائل العربية للدين الجديد. وعند لقاء محمد لربه، كان هو الحاكم الفعلي لجنوب شبه الجزيرة العربية. اشتهرت قبائل البدو في الجزيرة العربية بالمقاتلين الشرسين، ولكن كان عددهم صغيرًا، مع التشتت والحروب الضروس. ولم يكونوا مثل الجيوش الكبيرة في الممالك الموجودة في المناطق الزراعية في الشمال. هنا وحّدهم محمد لأوّل مرّة في التاريخ، واستمدّوا الإلهام من إيمانهم المخلص بإله واحد، فبدأت تلك الجيوش العربية الصغيرة واحدة من سلاسل الغزوات الأكثر دهشة في التاريخ الإنساني.[12]

كما قال لامارتين في وقت سابق: لم تكن هذه سلسلة من الغزوات المدهشة والناجحة عالميًا الّتي جعلت محمد متفردًا فحسب، بل كانت حيل استطاع من خلالها تحقيق مراده، وآثر التخلي عن مكاسبه المادّية، والتمسك بالأهداف الساميّة بالرغم من كلّ تلك الإنجازات، لهذا يجدر الإشارة إلى عظمته.

يقول بوسورث سميث (تُوفي عام 1908)، وهو كاتب وكاهن لمدرسة ابتدائية:

في ظل الحظ المُطلق الفريد عبر التاريخ، يُعتبر محمد مؤسسًا لثلاث مؤسسات، لأمّة، وإمبراطورية ودين… كان قيصر على رأس الدولة والكنيسة؛ فقد كان القيصر والبابا في نفس الوقت، ولكن محمد كان البابا ولكن دون طموحات، والقيصر لكن دون جحافل القيصر، دون جيش دائم، دون حرّاس، دون قوة الشرطة، ودون ضرائب محددة. لو حكم شخص ما بطريقة إلهية سليمة، لكان محمد لامتلاكه كلّ القوى دون دعمهم. ولم يهتم بضمانات القوة، وكانت بساطة حياته الخاصة تتماشى مع حياته العامة.[13]

إن تلك الجملة الأخيرة هي ما يعتبره البعض سبب قوة محمد  غير المسبوقة وتأثيره الأبدي. إنها حقيقة متألفة من السيطرة المكتسبة الناجحة على الكثير من هذا العالم، في حين لا يسمح لشبر واحد منه بالسيطرة عليه. يعتقد المسلمون أن الله وحده القادر على دمج تلك الظاهرتين معًا في رجل واحد، وبتلك الانتصارات المادية والمعنوية عزز كلمته بالنبوة. وفي هذا الشأن يقول إدوارد جيبون:

لقد تأثر النجاح العظيم لحياة محمد بالقوة المعنوية البحتة… ليس الأمر مجرد دعاية ولكن استمرار دينه الّذي استحقّ إعجابنا، ونفس انطباعنا المحض والكامل الّذي حُفر في مكة والمدينة هو الباقي بعد عشرين قرنًا من ثورات الهنود، والأفارقة، والأتراك الّتي تنبأ بها القرآن…[14]   

بصورة مماثلة، وبعد أن وجد المهاتما غاندي المشهور (تُوفي عام 1948) نفسه مسجونًا مع سيرة النبي، أصبح قادرًا على التعرّف على سر النبي  المجاوز للغرائب المستعصية والواصل لمحطات النجاح العالمي، فقال:

لقد أردت معرفة أفضل ما في حياة واحد ممّن يملكوا اليوم تأثيرًا لا جدال فيه على قلوب الملايين من الناس… لقد أصبحت أكثر اقتناعًا بأن السيف ليس سببًا في مكانة الإسلام تلك الأيّام في معرض الحياة، بل كانت بساطته الشديدة، ومحو الذات التام للنبي، والاحترام الكلّي للعهود، وإخلاصه الشديد لأصدقائه وأتباعه، وجرأته، وانعدام خوفه وثقته المُطلقة في الله وفي رسالته. كلّ ذلك وليس السيف الّذي أخضع كلّ شيء أمامهم وذلل كلّ عقبة.[15]

استعادة وحدانية الله

لقد حقق خاتم الأنبياء  خطوة نادرة عبر إمداد العالم بوضوح لا غبار عليه بالتعرّف على الله، ووحدانيته وكماله، هذا الوضوح الّذي توافق مع كلًّا من الطبيعة البشرية والعقلانية، ولذلك أصبح السمّة المميزة للإسلام. لقد اقترح علمًا للتوحيد بسيطًا وبديهيًا يوصف للناس خالقهم، والطريق إليه بطريقة تنتشر كالنار في الهشيم في كلّ العالم. لقد كان مقترحًا مميزًا عصف بالمعتقدات القوية للإنسانية، حتّى أنه جردهم تمامًا من بعض نزعاتهم المعيقة مثل التوافق الأعمى الّذي ترسّخه الثقافات، وتأليه البشر الّذي يظهر في العديد من الحضارات. كشف محمد  للعالم الهش عن مكان ملجأهم المفقود منذ وقت طويل؛ الوصول المباشر لله الواحد الرحمن. رفض  الراحة حتّى يعرفوا بأنهم لن يجدوا القناعة والرضا ولن ترسى بوصلتهم الأخلاقية على برٍ إلّا من خلال توحيد الله بإخلاص. أما عن هؤلاء الّذين يعتقدون أن الشائبة قد حدثت لكن دون إرادة الله الّتي تتمركز حولها الحياة، فالفائدة العظيمة لرسالة محمد  الوحيدة التي يمكن إدراكها.

تظهر استعادة وحدانية الله في حياة الناس خلال استعادة شأن الحياة ومغزاها، كما أن لها علاقة بمفهوم الحياة الكائنة في الرحلة قصيرة المدى. أما عن هؤلاء غير القادرين على رؤية فائدة علم التوحيد الموثوق منه في عصرنا، فقد تعتبر البداية الجيدة هي السحر المنبثق من “الذكاء الروحي” في العالم الحديث الممتليء المؤقت، إلى جانب معدلات الانتحار وجرائم القتل المنخفضة بشكل ملحوظ في البلدان المسلمة (انظر أيضًا: Suicide and Islam; NCBI).

عن هذه النقطة، يقول ألفونس دي لا مارتين:

ليس هناك على مر العصور رجلًا وضع لنفسه هدفًا أكثر سموًا، سواء بمحض إرادته أو مكرهًا، حيث لا يمكن قياس هذا الهدف: تقويض الخرافات الموجودة بين العبد والخالق، إعادة الإله للإنسان والإنسان للأله، إعادة الفكرة العقلانية والمقدسة للألوهية وسط هذه الفوضى العارمة للألهة المادية والمشوهة للوثنية. ليس هناك على مر العصور رجلًا حقق في وقت قصير ثورة ضخمة ستدوم طويلًا في العالم، بعد حكمه لأقلّ من قرنين من تنبؤه، والإسلام، ودعوته وجيشه ثلاث مناطق عربية، وغزا في سبيل الله بلاد فارس، وخراسان في ترانسكسانيا، والهند الغربية، وسوريا، ومصر، والحبشة وكلّ الأراضي المعروفة في شمال أفريقيا، والعديد من جزر البحر المتوسط، وأسبانيا وجزء من بلاد الغال.[16]

يضيف إدوارد جيبون:

لقد قاوم المحمدون (أتباع محمد) على نحو متجانس إغراء تقليل غرض إيمانهم وإخلاصهم إلى حد الأحاسيس والخيال الخاص بالإنسان. إن الشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله” هي المهنة البسيطة والراسخة في الإسلام. ولم يتسبب أي صنم مرئي في تدهور الصورة الذهنية للإله؛ ولم تنتهك سيادة النبي أبدًا مقياس الفضيلة الإنسانية، بل ضبطت أساليب حياته شكر تابعيه بحدود العقل والدين.[17]

لقد حُسبت أكثر تصورات الوحدانية تجردًا عند أتباع النبي محمد : علاقة فردية مطلقة مع الله، إلغاء أي وساطة أو تدخّل بشري. تضع هذه الوحدانية المنضبطة كلّ الرجال والنساء على قدم المساواة أمام الله كما أنهم يتساوون في التواصل معه مما ساعد في صياغة مبدأ سيادة المساواة في الإسلام، ومهد للرواية الاجتماعية القائلة بأن عظمة الإنسان لا تتأتى بممتلكاته المادية أو طبقته الاجتماعية لكن بأعمال التقوى والبر.

أيضًا، إن عقيدة التوحيد الّتي جاء بها محمد سواء كانت توضح الطريق أو تستوعب الأديان الأخرى وتكمّلها، فهي تجمّعها كلها في دين عالمي توحيدي متكامل واحد. كانت القوة المُفسرة للإسلام الّتي أعطته جاذبية ذهنية هائلة هي: قدرته المقنعة في الجواب على كلّ الأسئلة الوجودية المتعلقة بالله والخلق. أما عن جاذبيته الروحية، فتلك أيضًا كانت قوة دافعة إلى جانب بصمته المستمرّة في عقول وقلوب الناس. أخيرًا، إن معجزة محمد العظيمة (انظر المقال التالي: معجزة النبي) كانت القرآن الّذي يُعد دليلًا على خطاب الله الحرفي للبشرية، والمُتاح لأي أيدي تمتد لدراسته حتّى نهاية العالم.

ثورة حقوق الإنسان

كان إصلاح علاقة الناس ببعضهم البعض هو الخطوة الطبيعية التالية بعد تقويم علاقة الإنسان بخالقه. فلم تكن رسالة خاتم الأنبياء  رسالة تدعو إلى الفضائل مثل الرحمة والعاطفة والتواضع في تعاملات الناس الشخصية، بل هي أيضًا رسالة تتضمن إعداد نظام شامل في الحياة للتأكيد على أن تلك المفاهيم المجردة قد تتكشف على الأرض.  لقد آخى محمد  بين كلّ البشر بالرغم من اختلافاتهم، وطهّر أفكارهم، فيقول ﷺ في خطبة الوداع، “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لأدم وأدم من تراب، (إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم).”[18] أكّد الإسلام على الأخوة الإنسانية العالمية، تلك الأخوة الّتي تعترف بكرامة كلّ كائن حي، وتطالب بوضع نهاية لكلّ شكل من أشكال التعصب القائم على الجنس، أو اللون أو الطبقة. علاوة على ذلك، تقوم الأخوّة الإنسانية العالمية الّتي أسسها الإسلام على التعاون بين الناس للنهوض بالمجتمع والإنسانية كلّها.

إن الإنسانية عانت من خسائر لا تُحصى نتيجة التصنيف الاجتماعي؛ فيُصنّفها البعض تحت مبدأ الأنساب (القومية العرقية)، ويضعها الآخرون تحت مبدأ المركز المالي (الطبقة الاقتصادية الاجتماعية)، ويضعها الآخرون تحت مبدأ لون الجلد (الأفضلية العرقية). على مرّ التاريخ، أدّت تلك الفوارق إلى جدال مرير، وإلى كراهية، وصراع وأجيال ومذابح لا نهاية لها. أتى الإسلام إلى أُناس كانوا منغمسين في نزعات التمييز الإقطاعي وحوّل ذلك المجتمع إلى نموذج من التناغم الإجتماعي الّذي حُرر فيه الجميع من أغلال التمييز، وكانت الأفضلية تقوم على التقوى فقط-الّتي يحكم عليها الله فقط ويتنافس الجميع من أجلها.

يقول أرنولد توينبي (تُوفي عام 1975)، وهو أستاذ باحث في التاريخ الدولي في جامعة لندن، في كتابه بحث في التاريخ:

إن اندثار المفهوم العرقي كما هو الحال بين المسلمين هو واحد من الإنجازات الأخلاقية الموجودة في الإسلام، وفي العالم المعاصر، كما يحدث، يوجد حاجة ملّحة لانتشار هذه الميزة الإسلامية.[19]

قد يحاج البعض بأن ما قام به النبي  كان إبداعًا أكثر منه قضاءً على التعصب والعنصرية؛ قائلًا: أن التنوع العرقي واللغوي يجب تقديره وتبنيه.

أقرّ الراحل مالك شاباز، مالكوم أكس، بذلك في رسالته الشهيرة من مكة عام 1964:

تحتاج أمريكا إلى فهم الإسلام لأنه الدين الوحيد الّذي يمحي من مجتمعها مشكلة العنصرية. خلال رحلاتي للعالم المسلم، قابلت، وتحدّثت وحتّى أكلت مع أُناس يُعتبروا من البيض في أمريكا-ولكن السلوك الأبيض انمحى من عقولهم بوجود دين الإسلام. لم أرَ أبدًا من قبل أخوّة صادقة ومخلصة بين الجميع من كلّ الألوان بدون النظر لألوانهم كما في الإسلام.[20]

بكلّ تأكيد، لم تكن العنصرية وحدها هي ما اقتلعها النبي محمد  عند تأسيسه مبدأ العدالة الاجتماعية، ولكنه اقتلع الطبقية الطاغية أيضًا. عندما يفكّر الفرد فيما عليه حقوق الإنسان بأنها مجرد فلسفة سياسية في وقتنا الحالي، وغطاء لتبرير شنّ الحروب، فلا داعٍ للتساؤل لماذا يتعجّب المؤرخون من أخلاقيات رسالة محمد؟ بكلّ تأكيد، إن المخلصين أصحاب الضمير الّذين يدافعون بصدقٍ عن حقوق الإنسان والموجودون في كلّ مكان، ولكن بين القوى العالمية اليوم يتعاملون مع أخلاقيات محمد  الثابتة وهو في أوج قوته؟ فهو لم يحتفل بعالمية البشرية عندما أييد اهتمامات البرجوازية الناشئة، ولم يكن معبئًا للغوغائيات الناقمة على المشاكل الاقتصادية. بدلًا عن ذلك، كان هناك مساواة أصلية في دعوته، تلك الدعوة الّتي أقرّت بثروة الأغنياء وبقوة الأقوياء، سواء لم تكن هذه الثروة نتاجًا لاستغلال أو اكتناز، وسواء تُرجمت تلك القوة لهيمنه أو سيطرة. لقد ساند المضطهدين وجعل الأغنياء متواضعين، وشاركهم في نموذج رائع يُسمى الأخوّة.

وبعد عودة أجيال ما بعد خاتم الأنبياء إلى الله، سنجد حضارة تزخر بالعدل والأمن للغني، والفقير، والمسلم وغير المسلم وغيرهم-وبكلّ تأكيد لن تكون مثل حقوق الإنسان المُنتقاة الّتي تمارسها المنظمات القاسية والسياسات التعسفية اليوم. استأصل النبي  الفوارق الشاسعة المُتغاضى عنها في عصره وأورد هذين الحديثين، “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه،”[21]و “إن الله يعذّب الّذين يعذّبون الناس في الدنيا.”[22]

كان أبو ذر (رحمه الله)، من الصحابة الأجلّاء للنبي ، لا يفرّق بينه وبين عماله فكان يلبسهم ثيابًا مثل ثيابه، وعندما سُئل عن ذلك قال حديث النبي : “إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيدي، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم.”[23] أفاد المؤرخون عن صحابي جليل آخر هو أبو الدرداء (رحمه الله) أنه قال لجمله وهو يحتضر: “يا أيها البعير، لا تخاصمني عند ربك، فإنّي لم أكن أحمّلك فوق طاقتك!” وُلّي عروة بن محمد (رحمه الله)، حفيد صحابي جليل آخر، اليمن، فقال لأهلها: “يا أهل اليمن، هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها، فأنا سارق.”[24]

إن حقوق الإنسان المتعددة الّتي أسسها النبي محمد  والعادات الشنيعة الّتي قضى عليها في حياته، والّتي بدأنا نوردها في هذا المقال غير خافية على أحد. وينبغي إرجاء المناقشات الخاصة بكرامة واحترام المرأة، والعدل مع غير المسلمين، ولن نشير لحقوق الحيوان والبيئة، لمكان آخر؛ وهنا لا بد من التعجّب من تلك الإنجازات، حتّى مع تعارضها مع معايير اليوم المعمول بها منذ قرن من تنقيح “نظريات حقوق الإنسان.” وفي هذا الشأن أقترح عليكم كُتيب دكتور مصطفى السباعي “حضارة الإسلام: رحلة عبر التاريخ الإسلامي.”

إعداد جيل النخبة

لقد أعدّ النبي ، على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، جيل النخبة الّتي لم تشهد ولن ترى الإنسانية مثله أبدًا مرّة أخرى؛ فهذا الجيل كان عبارة عن مجموعة من الناس الضعفاء ذات الأكثرية الأمّيّة، وليسوا أكثر من رعاة غنم عزلتهم الصحراء الواسعة عن العالم؛ ولكن في غضون عقدين، وبطريقة ما، حوّلوا مجرى العالم للأبد، فكيف حدث ذلك؟ لقد أصبحوا أكثر العباد المخلصين لله في التاريخ الإنساني بعد الأنبياء، وأكثر المراقبين المطيعين للوحدانية على ظهر الكوكب. ولم يجعلهم هذا أكثر العباد إيمانًا فقط بل أيضًا على رأس المُساهمين في رخاء الإنسانية. ففي الليل، كانوا يقفوا بين يدي الله يذكروه، ويبكوا حتّى تبتل لحاهم بدموعهم، ويتعمقوا فيما أوحاه الله إلي نبيه؛ وبالنهار، كانوا يعيشون من أجلّ أهداف أسمى من أنفسهم فيشغلوها بأعمال الخير، والتعليم أو ينشغلوا بأعمال الفرسان الّذين حرروا الإنسانية من الأنظمة الطاغية. فهم فعلوا ما قاله إشعيا،[25] وأحضروا العدل للأمم، وأخرجوا من بينهم مئات الألوف من الزاهدين، والإصلاحيين والمفكرين العظماء لقرون. لقد انبثقت في المجتمع المسلم العالمي حضارة حيث الفضيلة والعفّة هي القاعدة السائدة فيها، وكذلك لم يكن الكحول منتشرًا فيها. اليوم، ووفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، تتسبب الكحوليات بوفاة 2.5 مليون شخصًا سنويًا، ولذا فإن تأثير الإسلام على منع تعاطي الكحوليات واضح في أغلبية المجتمعات المسلمة.

إن العلامات المميزة للحضارة الإسلامية هي العدل والمساواة، التوازن والإعتدال، التنوع، التقدّم والسعي للجمال. يسافر الناس عبر البحار سعيًا لجلب تلك الفضائل لبلدانهم، ويشهد العديد من الخبراء الآمنين بأن العالم لن يكون أبدًا كما كان وقت الحضارة الإسلامية.

يقول أدم سميث (تُوفي عام 1790)، وهو اقتصادي إنجليزي في القرن الثامن عشر قاد نظام السوق الحرة في الغرب،

يبدو أن إمبراطورية الخلفاء هي الدولة الأولى الّتي تمتع فيها العالم بدرجة من الطمأنينة الّتي تحتاجها بيئة العلوم؛ فتحت حماية هؤلاء الأمراء الكرماء والمميزون استُعيد الفلسفة وعلم الفلك اليوناني القديم، وأُعيد بناؤه في الشرق. لقد تفرقت حكومة الطمأنينة، الّتي وفّروها، والعدل والدين في كلّ أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف، وأحيت الفضول البشري لتحقيق المباديء الأساسية للطبيعة.[26]

ويقول ويليام دربر الّذي ذكرنا مدحه للنبي محمد سالفًا في اعتذار:

يجب أن أدين السلوك الممنهج الّذي افتعله الأدب الأوروبي لأضع في عين الاعتبار التزاماتنا العلمية تجاه المحمديين الّتي لن تُخفى أكثر بكلّ تأكيد. لا يمكن أن يدوم الظلم الموجود في إنكار الأديان والغرور القومي للأبد.[27]

لكن يتطلّب وضع مزايا الحضارة جانبًا، والتركيز فقط على حياة النبي وقفة رزينة. فهل عرف التاريخ من قبل أحد غيره قويَ على منع أمّة من تعاطي الكحوليات؟ لقد حقق النبي  ذلك أثناء حياته بين أُناس كان المجد والمال في حياتهم متشابكان مع الخمر. هل عُف شخصًا غيره قادر على منع العادات القديمة الخاصة بتعدد الزوجات غير المحدود بعدد، وقوانين ميراث الذكور فقط، ووأد البنات في أقلّ من عقد؟ لم تُنهي كلّ قوانين الهند اليوم الخاصة بمحاربة وأد البنات هذه العادة بعد أكثر من قرن من تنفيذها الصارم.[28] هل يوجد حقبة أخرى استُأصل فيها العنصرية المُمنهجة نظريًا وتنفيذيًا؟ أصبح العديد من المعاصرين للنبي من العرب الماسوشيين المتعصبين في نهاية المطاف الرجال الّذين يقبلوا أن يرأسهم غير العرب وعبيدهم السابقين. قد يستشهد قرّاء التاريخ المحايدون بأن كلّ منهم رسالة نبوية مدهشة في نفسه، وأن هؤلاء وغيرهم كانوا فاعلين في الجيل الّذي تربّى تحت عناية النبي .

خاتمة

ما نذكره هنا هو بعض من الأوامر الفريدة الّتي أعطاها الله لخاتم النبيين . بدأ النبي بنقل هؤلاء، تحت قيادته، من أكثر المجتمعات البدائية الّتي يمكن تخيّلها والّتي لا تحكمها قوانين إلى واحد من أفضل المجتمعات الّتي يمكن رؤيتها. حينها تبنّت الحضارة الإسلامية، لما يقرب من الألف عام وخاصة خلال الفترة الأولى، التوازن الكامل بين الروحانية، والأخلاق، والحيوية العلمية والأفكار المقدمة.

أخيرًا، من الممكن وعي أن القصور الحالي للأمّة المسلمة-في بعض الجوانب-الحادث اليوم ينتقص من قدرتنا على تقدير عظمة الحضارة الإسلامية. ويساعدنا على تذكّر أن العالم المسلم لم يعاني من تلك الانتكاسات إلا في خلال الـ400 لـ500 عام الماضية، ولم تحدث إلا عندما ابتعد المسلمون عن الفهم السليم وممارسات الإسلام. ولكن ما دام المسلمون يولون اهتمامهم لدينهم، ويتقيدوا به على النحو السليم، فلن يبقى لهذا السقوط المخزي وجود.

إنها لحقيقة بينّة أن استمرار المسلمين بالعمل الجاد لا يكون إلّا عند امتثالهم للإسلام ولأوامر النبي ، خلافًا للأمم الأخرى الّتي ازدهرت لمرّة فقط عندما تخلّوا عن إيمانهم. يقاوم الكثير من العالم الحديث، لنفس السبب، مبدأ الخلط بين “الكنيسة والدولة،” لأنهم يعتقدوا أن الدين هو ما يمنعهم عن التقدّم. يرى البعض أن إحياء الدين خطوة أساسية في العودة للتخلّف والبدائية؛ ولكن، من خلال مشاهداتنا، يعتبر القوة الروحية والدينية هي القوة الدافعة الّتي حفّزت المسلمين الأوائل للتفوق في كلّ المجالات. ويجب على المُلاحظ الفطن للتاريخ، وخاصة المسلم، إقامة ذلك الفرق، لأنه لن ينهي فقط الكثير من الغموض الّذي تسببت ثقافتنا الحديثة في آخذه عن الدين بشكل عام، ولكنه يساعد أيضًا في فهم لماذا مناقشة إسهامات الإسلام مع بعض الناس أمر صعب، بغض النظر عن عدد الحقائق الّتي تُناقش-لأنهم يبدأوا المحادثة بمنظور مغاير تمامًا. أما بالنسبة لهؤلاء الّذين يبدأون باقتناع تام أن محمد هو رسول الله، فهذه هي الحالة الواضحة لبعض من نجاحاته.


[1]متّى 7:16، طبعة الملك جيمس

[2] انظر: تاريخ التطوّر الفكري في أوروبا، جون ويليام دربر، 1863

[3] انظر: تاريخ تركيا، ألفونس دي لا مارتين

[4] انظر: الواقدي، المغازي والسير

[5] انظر: صحيح البخاري (2529) والسيرة لابن هشام (2/312)

[6] صحيح مسلم (711)

[7] انظر: المحتضرين (294) لابن أبي الدنيا، والتاريخ (10/475) لابن عساكر

[8] براون، جوناثان، محمد: مقدمة قصيرة جدًا، منشورات جامعة أوكسفورد (2011)

[9] هوجارث، ديفيد، الجزيرة العربية، نُشر لأوّل مرّة عام 1923

[10] سورة الشرح (94): 4

[11] تدوين: بيل موييرز يحاور كاران أرمسترونج، نظام البث العام، مارس 2002

[12] انظر: تقويم لأعظم الناس أثرًا في التاريخ، مايكل هارت.

[13] انظر: محمد والمحمديّة، لبوسورث سميث.

[14] انظر: إدوارد جيبون وسايمون أوكلاي، تاريخ الإمبراطورية المسلمة، لندن (1870)، صـ92.

[15] غاندي، المهاتما. “تجارب السجن.” الهنود الشباب (11 سبتمبر 1924): صـ304.

[16] انظر: تاريخ تركيا، ألفونس دي لا مارتين.

[17] انظر: إدوارد جيبون وسايمون أوكلاي، تاريخ الإمبراطورية المسلمة، لندن (1870)، صـ92.

[18] سورة الحجرات (49): 13

[19] توينبي، أرنولد، بحث في التاريخ، منشورات جامعة أوكسفورد (نيويورك، 1948)، صـ205

[20]  مالكوم اكس، رسالة من مكة، [http://www.malcolm-x.org/docs/let_mecca.htm]

[21] سنن ابن ماجه (2443)

[22] صحيح مسلم (2613)

[23] صحيح البخاري (30) وصحيح مسلم (1661)

[24] انظر: تهذيب الكمال (20/34)

[25] انظر: متّى 12:18، طبعة الملك جيمس

[26] انظر: تاريخ علم الفلك: مقالات أدم سميث، (لندن، 1869)، صـ353

[27] انظر: تاريخ التطوّر الفكري في أوروبا، جون ويليام دربر، 1863

[28] انظر: خارطة الهند، “تقرير بايج: وضع البنات الصغار في الهند 2009″، صـ21

Mohammad Elshinawy

Mohammad Elshinawy

FELLOW | Mohammad Elshinawy is a Graduate of English Literature at Brooklyn College, NYC. He studied at College of Hadith at the Islamic University of Madinah and is a graduate and instructor of Islamic Studies at Mishkah University. He has translated major works for the International Islamic Publishing House, the Assembly of Muslim Jurists of America, and Mishkah University