Yaqeen Institute for Islamic Research
Jihād-as-Defense-Just-war theory-in-the-Quran-and-Sunnah-HeroImage

الجهاد كدفاع: نظرية الحرب العادلة في القرآن والسنة

تتفق النظرة السائدة للجهاد في الإسلام مع المعايير الدولية الحديثة لللاعنف. حيث يسمح القرآن والسنة للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم ضد أي عدوان، مع الحد من الحروب بهدف الحفاظ على الأمن والحرية وحقوق الإنسان.

بسم الله الرحمن الرحيم

تبلورت النظرية الدولية للحرب العادلة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945 وكذلك التوقيع على اتفاقيات جنيف التي تلتها في عام 1949. وتنص المادة 2 من الميثاق على ما يلي:

يتولى جميع الأعضاء تسوية منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على نحو لا يعرّض السلم والأمن والعدالة الدولية للخطر.[1]

تُمثّل هذه المادة وعاء لمفهوم قانون مسوغات الحرب “العدالة للحرب”، أو مبدأ الحرب كملجأ أخير، أي أنه يجب أن تُسْتَنفَد جميع الوسائل غير العنيفة لتسوية النزاعات قبل أن تدخل الدول في حرب مع بعضها البعض. ومع ذلك، فإن الميثاق لا ينفي حق الدول في الدفاع عن نفسها ضد أي هجوم على النحو المنصوص عليه في المادة 51:

ليس في هذا الميثاق ما يخل بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس فرديًا أو جماعيًا حال وقوع هجوم مسلح ضد أحد أعضاء الأمم المتحدة، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لصون السلم والأمن الدوليين [2]

صُدق على الميثاق في الأصل في عام 1945 من قِبَل عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة بما في ذلك مصر والسعودية وإيران والعراق وسوريا وتركيا.  [3]وقد تبع هذه الدول دول إسلامية أخرى حتى اجتمعت 57 من الدول الأعضاء ذات الأغلبية المسلمة في عام 1969 لتشكل منظمة التعاون الإسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي سابقًا. وتعهدت الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بتكريس نفسها “لأهداف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه”، والذي يتمثل جزء منها في الالتزام بنظرية الحرب العادلة في الصراعات الدولية.[4]

لقد كان التصديق على الميثاق معلمًا بارزًا في تاريخ البشرية، حيث وضع قواعد الحرب القائمة على القيم الإنسانية المشتركة بين جميع الأديان والفلسفات تقريبًا. وفي ذلك الحين، لم تجد الدول ذات الأغلبية المسلمة وسكانها أي صراع بين مبادئ الميثاق والمفاهيم التقليدية للجهاد، أي ما يُعادل نظرية الحرب العادلة الإسلامية.

غير أن صورة الإسلام في بعض المناطق من الغرب فشلت في إنشاء هذه العلاقة الهامة بين الإسلام التقليدي والقيم الحديثة. وبناء على قرون من التحيز، وصف بعض علماء الاستشراق في الغرب الإسلام بأنه دين أيديولوجي توسعي عدواني بطبيعته يرفض مبادئ الحرب كملجأ أخير وحرية دينية. هذا التصور الخاطئ يتفاقم من قبل المتطرفين الجهاديين اليوم الذين يكررون نفس الحجج الدينية والقانونية مثل المستشرقين. والنتيجة هي أن المسلمين العاديين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية يُعْتَبَرُون أعضاء أجانب، وخطيرين في حركة سياسية تخريبية غير وطنية. وقد أدت هذه القوالب النمطية السلبية إلى جرائم الكراهية، والتمييز الذي تفرضه الحكومة فضلًا عن التسلط العسكري.

[bctt tweet = ” وصف بعض العلماء الإسلام كدين عدواني يرفض فكرة الحرب كملاذ أخير” username = “معهد يقين”]

على النقيض من ذلك، فإن النصوص الأساسية للإسلام والمتمثلة في القرآن والسنة تعبر عن مبادئ قانون مسوغات الحرب (العدالة للحرب) بعدة طرق. سيثبت تحليلنا بإذن الله أن هذه المبادئ الأساسية قد وضعها النبي ﷺ، وظلت تمثل رأي الأغلبية من الفقهاء في التاريخ الإسلامي حتى وقتنا الحاضر.

الحرب العادلة في القرآن والسنة

تلقى النبي محمد ﷺ أول إنزالات الوحي الإلهية في مكة المكرمة، وبشر المكّيين سلميًا برسالة الإسلام لمدة ثلاثة عشر عامًا إلى أن وصل لحد لا يُطاق من الاضطهاد أجبره هو وأتباعه على الفرار إلى بلدة يثرب القريبة (المعروفة فيما بعد باسم المدينة). وعلى الرغم من الهجرة إلى خارج مكة، تعهد المكيون الذين ترأسهم أرستقراطية قريش بإبادة الجماعة الدينية التي تشكلت حديثًا.

وفي هذا السياق، كشفت الآيات الأولى التي تذكر الحرب:

” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39 (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) “[5]

ووفقًا لتفسير القرطبي (توفى عام 1273)، كانت هذه أول آية نزلت عن الحرب.[6] وتنص هذه الآية على الحق الأصيل للأفراد والأمم في الدفاع عن أنفسهم. علاوة على ذلك، فإن ذكر “الأديرة والكنائس والمعابد اليهودية” يشير إلى أن الحق في الدفاع عن النفس عالمي ويمتد إلى الأديان والفلسفات إلى جانب الإسلام. والغرض من الحرب الشرعية هو صد العدوان وحماية حقوق الإنسان، وليس إبادة الديانات الأخرى.

[bctt tweet= “الحرب الشرعية هي حماية حقوق الإنسان، وليس إبادة الدين” username = “معهد يقين”]

ثمة هناك آية أخرى نزلت في المدينة تعزز هذا المبدأ:

“وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”.[7]

[bctt tweet= “إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.” username = “معهد يقين”]

واعتبر بعض الثقاة الأوائل أن هذه الآية الأولى نزلت عن الحرب.[8] ففي الآيات السابق ذكرها، تقتصر الحرب على الدفاع عن المجتمع. إن عبارة “وَلَا تَعْتَدُوا” تشتمل على قانون مسوغات الحرب وكذلك على قانون الحرب “العدالة في الحرب”، ذلك القانون الذي يحمي المدنيين وغير المقاتلين.

وقد فسر عبد الله بن عباس (توفى عام 687)، ابن عم النبي محمد ﷺ وأحد أقدم أهل الثقة في التفسير القرآني، هذه الآية بأنها تحظر العدوان على جميع فئات الشعب السلمي:

لا تقتلو النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم، وكفّ يده. فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم. [9]

[bctt tweet= “لا تقتلو النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم ” username = “معهد يقين”]

كما أن عمر عبد العزيز (توفى عام 720) الخليفة الأموي قد قام بتفسير الطبقات المحمية من الناس بطريقة تتفق مع ما نسميه “المدنيين” اليوم:

[وَلَا تَعْتَدُوا] تتعلق بالنساء والأطفال ومن لا يشن حربا ضدكم. [10]

وقد ذكر تفسير البيضاوي (توفى عام 1286) أن بدء العداون يعد من بين الآثام الكبرى الأخرى، باعتبارها شكلًا من أشكال الانتهاك المحظور:

[وَلَا تَعْتَدُوا] تعني ابتداء القتال، أو قتال المعاهد، أو المفاجأة به من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله. [11]

قال النبي ﷺ، في روايات متعددة، أن من بين أسوأ الخطائين هم أولئك الذين يشرعون في الأعمال العدائية:

حقا، إن أعتى الناس على الله عز وجل ثلاثة وذكر منهم”ورجل قتل غير قاتله”. [12]

[bctt tweet = ” إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله” username = “معهد يقين”]

وعلاوة على ذلك، منع النبي ﷺ المسلمين من الرغبة في محاربة العدو:

لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا[13]

وخلافًا للنصوص الأخرى التي تحظر العدوان، يذهب هذا الحديث إلى حيث أعماق القلب. فلا يُسْمَح للمسلم ولو حتى الأمل في الانتقام العنيف من العدو.

في هذا السياق، وصف النبي ﷺ قائد الجيش المسلم “كدرع” وليس “كسيف”:

 إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه. [14]

هذه الصور الدفاعية هي وسيلة رمزية لننقل للمسلمين الدور الصحيح للجيش المنظم في الإسلام. فالجهاد في المقام الأول وسيلة للدفاع وليس للفتح.

[bctt tweet = “الجهاد في المقام الأول وسيلة للدفاع وليس للفتح.” username = “معهد يقين”[

ووفقًا للإمام ابن تيمية (توفى عام 1328)، الجهاد هو رد على العدوان العسكري وليس مجرد الاختلاف الديني. ولا توجد أدلة في نصوص الإسلام تسمح للمسلمين بمهاجمة أو قتل المدنيين أو غزو الأمم غير العدائية. ويؤكد أن هذا كان رأي غالبية علماء المسلمين:

[bctt tweet = “” الجهاد هو رد على العدوان العسكري، وليس التعصب الديني “-ابن تيمية” username = “معهد يقين”]

أما المُضْطَهِد الذي لا يقاتل، فلا توجد نصوص يأمرنا الله فيها بقتاله. وبدلًا من ذلك، لا يجب قتال الكفار إلا إذا قاموا هم بشن الحرب، كما يرى غالبية العلماء وكما جاء في الكتاب والسنة.[15]

في الواقع، فإن الآية التالية 2: 190 توضح الحقيقة القائلة أن الحرب في الإسلام ليست سوى رد فعل على الاستفزاز العنيف. فإذا تخلى المعتدون عن قتالهم، فلا يوجد عندئذ سبب عادل للحرب:

“وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ”. [16]

وبحسب ابن حجر الحيتمي (توفى عام 1566)، فإن هناك علماء مثل الزمخشري (توفى عام 1144) يعتبرون التزام الجهاد وسيلة لتحقيق هذه الغاية وليس غاية في حد ذاتها، وإذا كان بالإمكان حماية الإسلام والمسلمين دون اللجوء إلى الحرب فإن طريقة اللاعنف تعطى الأفضلية[17].

ومن الناحية العملية، لم يهاجم المسلمون الأوائل جيرانهم السلميين. ومن الأمثلة على ذلك العلاقات الودية التي كانت لدى المسلمين مع الحبشة (في إثيوبيا الحالية). فقبل الهجرة إلى المدينة المنورة، مُنِحَ بعض المسلمين حق اللجوء إلى الحبشة. وقد كان سخاء وجود أهل الحبشة محل تقدير. ونتيجة لذلك، شجع النبي ﷺ المسلمين على الحفاظ على العلاقات السلمية معهم. وقد استمرت بالفعل هذه الممارسة العملية:

[bctt tweet = “ومن الناحية العملية، لم يهاجم المسلمون الأوائل جيرانهم السلميين” username = “معهد يقين”]

دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ. [18]

أفاد الفقيه ابن رشد (د 1198)، والمعروف في الغرب بأفيروس، بأن سكان المدينة لم يهاجموا أبدًا الحبشيين أو الأتراك:

وقد سُئِلَ مالك عن صحة هذا الإسناد، فلم يعترف به، لكنه قال: الناس يواصلون تجنب مهاجمتهم. [19]

فالعديد من الآيات تعبر عن السلام كقيمة أساسية في الإسلام. ففي إحدى الآيات، تُسْتَخْدَم كلمة “السلم” كمرادف للإسلام:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين. [20]

كما فسَر كثير من أهل الثقة الأوائل كلمة “سلم” في هذه الآية لتعني الإسلام نفسه. [21] ويشير المترجم عبد الحليم إلى أن السلم يعني السلام أيضًا. فالإسلام، بعبارة أخرى، يعني حرفيًا حالة سلام.

[bctt tweet = ” فالإسلام، بعبارة أخرى، يعني حرفيًا حالة سلام” username = “معهد يقين”]

كما أن السلام نفسه هو أحد أسماء الله الحسنى. وقد أمر النبي ﷺ المسلمين الدعاء بالسلام بعد كل صلاة:

اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. [22]

[bctt tweet= ” وقد أمر النبي ﷺ المسلمين الدعاء بالسلام بعد كل صلاة” username = “معهد يقين”]

في الواقع، حث النبي ﷺ المسلمين في خطبته الأولى بعد وصوله المدينة المنورة على نشر السلام، كما روى عبد الله بن سلام (توفى عام 630):

جئت إلى النبي ﷺ، فلمّا تأملت وجهه، واستثبته علمت أنّ وجهه ليس بوجه كذاب: وكان أول ما سمعت من كلامه أنه قال: أيها الناس! أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. [23]

آيات أخرى تعلم المسلمين قبول عروض السلام من أعدائهم. فإذا بادر العدو بالسلام، فليس هناك حينئذ مبرر شرعي للأعمال العدائية:

“إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا”. [24]

وفي آية أخرى:

 “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”. [25]

وقد أمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب (توفى عام 661)، والذي أصبح فيما بعد رابع الخلفاء الراشدين، بأن يسعى إلى التوصل إلى حلول سلمية للصراع كلما كان ذلك ممكنا:

أنه سيكون بعدي اختلاف، أو أمر، فإن استطعت أن تكون السلم، فافعل. [26]

اعتبر عمار بن ياسر (توفى عام 657)، وهو أحد الصحابة، رسالة السلام العالمي جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية:

ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار. [27]

وبعبارة أخرى، فإن الإيمان يقوم على العدالة والسلام والصدقة.

[bctt tweet = ” وبعبارة أخرى، فإن الإيمان يقوم على العدالة والسلام والصدقة” username = “معهد يقين”]

إن الذين يتصورون الإسلام عدواني وتوسعي هم غير قادرين على شرح هذا بشكل مقنع بعيدًا عن هذه النصوص. يتمثل الرد النموذجي في اللجوء إلى مبدأ الإبطال (النسخ) الذي يُدعى فيه أن “آيات السيف” تلغي كل ما ذكرناه حتى هذه النقطة. رفض العديد من الفقهاء القدامى هذا الرأي، بما في ذلك أبو جعفر النعاس (توفى عام 949)، ابن الجوزي (توفى عام 1201)، والسويطي (توفى عام 1505). [28]

وطبقًا لما ذكره ابن رشد، فإن عددًا قليلًا فقط من الفقهاء القدامى يؤيدون الإبطال (النسخ) لتبرير رأيهم بأن السلام مع غير المسلمين محظور ما لم يكن المسلمون ضعفاء جدًا في القتال. وفي المقابل، اعتبرت الأغلبية أن الآيات السلمية قيّدت آيات الحرب:

“وَمِمَّنْ قَالَ بِإِجَازَةِ الصُّلْحِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ… وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الصُّلْحِ مُخَصَّصَة لِتِلْكَ قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ، وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّ صُلْحَهُ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَة”[29]

يشير دعاة الإبطال (النسخ) إلى الآيات المنفصلة في سورة التوبة، وهي واحدة من أواخر السور الكاملة التي نزلت، حيث تحدد نمط العلاقات الإسلامية وغير الإسلامية. غير أن التحليل النقدي والسياقي لهذه السورة يبين أن مبادئ الحرب العادلة في الآيات السابقة ظلت فعالة.

إن أكثر “آية للسيف” تحرض المسلمين على القتال دفاعًا عن النفس ضد الأعداء الذين ينقضون معاهدات سلامهم هي:

“فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”. [30]

وكثيرا ما يشار إلى عبارة “اقتلوهم، وخذوهم”، دون الإشارة إلى الآيات المحيطة أو حتى الجزء الثاني من الآية التي تؤكد رحمة الله [bctt tweet= وكثيرًا ما يشار إلى عبارة “اقتلوهم، وخذوهم”، دون الإشارة إلى الآيات المحيطة”username =”معهد يقين”]. ومع ذلك، فإن الدخول في الإسلام ليس السبب في إعطاء هذا الأمر. فالآية التالية تقدم اللجوء والمرور الآمن لأي عدو طلب ذلك، بغض النظر عما إذا كانوا يقبلون الإسلام أم لا:

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ“. [31]

وعلاوة على ذلك، فإن المقطع الذي يلي مباشرة يحدد السياق الذي يكون فيه الأمر للقتال مبررًا:

“كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ(10فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .”(13[32]

[bctt tweet = ” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ”. username = “معهد يقين”]

وتجدر الإشارة إلى أن الطرف المسيء لم يلتزم بمعاهداته السلمية ولا بمعنى الشرف العربي التقليدي. يمكن فقط لدعاة الإبطال (النسخ) أن يدعموا رأيهم من خلال تجاهل هذا السياق الأكبر. يشير عبد الحليم إلى عيوب هذا التفسير:

فالعبارة الرئيسية من الجملة، “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ”، يصفه بعض غير المسلمين بأنه يمثل الموقف الإسلامي للحرب. حتى بعض المسلمين يأخذون هذا الرأي ويدعون أن هذه الآية ألغت العديد من الآيات الأخرى بما في ذلك: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (2: 256) وحتى وفقًا لأحد المتطرفين المنعزلين، “إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.

[bctt tweet = “فالعبارة الرئيسية من الجملة، “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ” username = “معهد يقين”]

إن هذا التفسير المتكلف يعزل جزء صغير من الجملة وينقص من معناه، وهو ما يعطي أسبابًا كثيرة للقتال لمحاربة هؤلاء المشركين: فقد قاموا باستمرار بنقض اتفاقاتهم ومساعدة الآخرين ضد المسلمين، وبدأوا بالأعمال العدائية ضد المسلمين، ومنعوا البعض الآخر من أن يصبحوا مسلمين، وطردوهم من المسجد الحرام وحتى من منازلهم. تذكر الآيات ما لا يقل عن ثمانية إساءات لهؤلاء الناس ضد المسلمين.

وعلاوة على ذلك، وبما يتفق مع تقييد الحرب في أماكن أخرى من القرآن الكريم، فإن السياق المباشر لـ “آية السيف” هذه يعفي مثل هؤلاء المشركين الذين لا ينقضون اتفاقاتهم والذين يحافظون على السلام مع المسلمين. فهي تأمر بحماية هؤلاء الأعداء الذين يسعون لأن يكونوا آمنين كما تأمر بتسليمهم إلى مكان الأمان الذي يسعون إليه. كل هذا السياق الموجود في الآية 9: 5، بكل ما يفرضه من قيود يُتجاهل للأسف من قبل أولئك الذين قاموا ببساطة بفصل جزء من الجملة ليبنوا مكانه نظريتهم للعنف في الإسلام. [33]

لم يقبل العديد من الفقهاء والعلماء الحجة القائلة بأن آيات السيف ألغت الآيات السلمية. حتى أولئك الذين ادعوا أن الآيات السلمية “أُلغيت” لا يعني بالضرورة، في المصطلحات التقنية الخاصة بهم، أنها أُلغيت أو نُفيت تماما.

وبحسب الفقيه ابن رجب (توفى عام 1393)، فإن استخدام كلمة “الإبطال” (النسخ) من قبل أهل الثقة الأوائل لا يعني عادة الإلغاء. بل إن الآيات اللاحقة أوضحت وشرحت، وفي بعض الأحيان قدمت استثناءات للقواعد العامة المنصوص عليها في الآيات السابقة:

فالمعنى المقصود لديهم من كلمة “الإبطال” هو الشرح [البيان] والتوضيح. في الواقع، فإن السلف الصالح غالبا ما يستخدمون كلمة الإبطال بهذه الطريقة. [34]

وفي حالة سورة التوبة، شجعت عدة آيات سابقة المسلمين على الغفران وتحمل اضطهادهم بصبر. فآيات السيف هذه قد نُزلت فقط بعد أن أصبح الاضطهاد لا يُطاق كاستثناءات للقاعدة العامة من الغفران، وليس للحرب لتكون القاعدة العامة نفسها.

[bctt tweet= “شجعت عدة آيات سابقة المسلمين على على الغفران وتحمل اضطهادهم بصبر “. username = “معهد يقين”]

الإجابة على نصوص الإثبات

وكما رأينا، يمكن جمع عدد كبير من الأدلة في النصوص الإسلامية بهدف دعم مبادئ قانون مسوغات الحرب. كان يمكن عرض المزيد هنا لولا ضيق المساحة.

وقد لاحظنا أن الطعن النموذجي لهذه المادة من قبل الناشطين المناهضين للمسلمين والمتطرفين المسلمين كان نداءً إلى مبدأ الإبطال (النسخ)، والذي يقصدون به الإلغاء. وغالبًا ما تُقتبس الآيات والتقاليد وآراء الفقهاء بمعزل ودون سياق لدعم ادعاءاتهم غير المبررة. وهناك عدد قليل من “نصوص الإثبات” المستخدمة بهذه الطريقة والتي تحتاج إلى تدقيق.

[bctt tweet = ” وغالبا ما تُقتبس الآيات والتقاليد وآراء الفقهاء بمعزل ودون سياق” username = “معهد يقين”]

يبدو أن هناك آية واحدة على السطح تشجع الحرب ضد اليهود والمسيحيين بسبب عدم إيمانهم بالإسلام:

 “قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون”َ.  [35]

إن أحد المبادئ الهامة للتفسير القرآني هو النظر في “أسباب الوحي” (أسباب النزول) عند استخلاص المعنى من النص. وبعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى دراسة السياق التاريخي.

[bctt tweet = “نحن بحاجة إلى دراسة السياق التاريخي.” username = “معهد يقين”]

ووفقا للطبري (توفى عام 923)، نزلت هذه الآية قبل غزوة تبوك. [36] ويرجع سبب غزوة تبوك إلى اغتيال أحد سفراء النبي ﷺ على يد حليف روماني، مما أدى إلى غزوة مؤتة.

وبحسب ما قاله ابن القيم (توفى عام 1350)، ارتكب الرومان أول أعمال الحرب التي أدت إلى المواجهات في مؤته وتبوك:

وكان سبب الغزوة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بصرى من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما نزل مؤتة تعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو من أمراء قيصر على الشام فقال: أين تريد لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأوثقه وضرب عنقه ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره. فلما بلغ رسول الله، اشتد الأمر عليه وجهز جيشا لمقاتلة ملك الروم.[37]        

أوضحت هذه الواقعة أن العلاقات السلمية مع الرومان لم تكن ممكنة في ذلك الوقت. وبالتالي، فإن الآية 9:29 نزلت ردًا على ذلك، بما يتفق مع القواعد في الآيات السابقة.

لم يعتبر معظم العلماء عدم الإيمان في الإسلام نفسه كمبرر للحرب. ويذكر ابن القيم رأي هؤلاء الفقهاء:

ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر ولذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزمي والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا. وهذه كانت سيرة رسول الله ﷺ في أهل الأرض؛ كان يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه أو يهادنه أو يدخل تحت قهره بالجزية[38]

[bctt tweet = ” ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر”. username = “معهد يقين”]

وفي ضوء ذلك، لا يمكن استخدام الآية 9:29 بشكل معقول كدليل على الإسلام العنيف.

وهناك دليل آخر يذكر بأن الإسلام يبدو عنيفًا قوله ﷺ:

“أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله”[39]

مرة أخرى، فإن قراءة السطح دون سياق تسبب تفسيرًا خاطئًا ومزعجًا. وتشمل الروايات الأخرى لهذا الحديث الجوانب المؤهلة التي تقيد “الناس” الذين يجب قتالهم. فمن هم هؤلاء الناس بالضبط؟ ولماذا قال النبي ﷺ هذا؟

في رواية ​​أنس بن مالك (توفى عام 709)، قال النبي ﷺ أنه أمر بمحاربة “عبدة الأصنام”، مما يستبعد اليهود والمسيحيين وأهل الكتاب. [40] ووفقا لتفسير ابن كثير (توفى عام 1373)، يشير هذا البيان إلى الأصنام المذكورة في الآية 9: 5، والتي لاحظنا أنها تنتهك السلام عادة. [41] ومن ثمّ، فإن عبارة “الناس” لا تعني الناس عامة.

[bctt tweet = ” أنه أُمر بمحاربة “عبدة الأصنام”، مما يستبعد اليهود والمسيحيين وأهل الكتاب ” username = “معهد يقين”]

في الواقع، يستخدم العالم النَسائي (توفى عام 915) هذا الحديث كدليل على حظر سفك الدماء، وأيضًا كدعوى لإنهاء إراقة الدماء وعدم الشروع فيها. إن “الناس” الذين سيُقاتلوا في هذه القراءة هم بالتحديد أولئك الذين يرتكبون العدوان ويعوقون الآخرين قسرًا عن قبول الإسلام بحرية.

وقد عبر ابن تيمية عن هذا الفهم في تعليقاته على الحديث:

معنى هذا الحديث هو قتال المحاربين الذين أذن الله\في قتالهم، وهذا لا يعني محاربة المعاهدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم[42]

ما هو أكثر من ذلك، فإن رواية جابر (توفى عام 697) تضيف أن النبي ﷺ تلا على الفور بعد هذا البيان الآيات التالية:

“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ“. [43] [44]

وقد فهم أهل الثقة من المسلمين الأوائل، مثل الصحابي سعيد بن زيد (توفى عام 671)، هذه الآية لحظر الإكراه في الدين:

لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ “ [45]

[bctt tweet = ” لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” username = “معهد يقين”]

الآيات تخفف من العبارة الأولية وتنفي الادعاء بأن الغرض من القتال هو فرض الدخول في الإسلام. رفض ابن القيم الادعاء بأن النبي ﷺ أجبر أي شخص على قبول الإسلام:

[النبي] لم يكره أحدًا قط على الدين وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالًا لأمر ربه سبحانه حيث يقول لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (2: 256). [46]

ولذلك، فإن الأمر بمحاربة “الناس” يشير إلى أشخاص محددين في ظروف محددة، فهو لا يسمح بقبول الإسلام بالقوة. إن محاربتهم حتى يسلموا تتضمن الحُكم بأن قبول العدو للإسلام سينهي المعركة فورًا، من بين وسائل أخرى ممكنة لوقف القتال.

وأخيرًا، علينا أن نفهم شيئًا عن بنية النظريات الشرعية الإسلامية القديمة والسياق الذي تعمل فيه. ففي العالم القديم، كانت الحرب هي القاعدة العامة والعرف وكان السلام هو الاستثناء. وقد أكد المُنَظِّر السياسي الإنجليزي توماس هوبس (توفى عام 1679) أنه بدون سلطة شرعية لإنفاذ السلام، فإن الناس في هذه الحالة يكونوا في حالة حرب، وهذه الحرب كما هو الحال مع كل إنسان ضد كل إنسان”. [47] وبعبارة أخرى، يفترض أن كل دولة في حالة حرب مع كل دولة أخرى افتراضيا.

والواقع أن الدول القومية اليوم ستظل في حالة افتراضية من الحرب لولا ميثاق الأمم المتحدة. فالأشخاص الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية يعتبرون من المسلم به أن هذا الميثاق جعل الدول القومية تعيش في سلام نسبيًا مع بعضها البعض؛ وفي حال غياب هذا الميثاق، سيصبح الصراع هو القاعدة الدولية مرة أخرى.

بنى الإمام الشافعي (توفى عام 820) نظريته للحرب في هذا السياق الاجتماعي. فالوضع الافتراضي عنده هو أن الدول الأخرى تعتبر معادية للمسلمين ما لم يُصدق على معاهدة سلام صريحة. وبحسب ابن رشد:

مبدأ الشافعي هو أمر للقتال حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية، وهذا، في رأيه، كان مقيدًا بفعل النبي ﷺ في سنة الحديبية. [48]

في نظرية الشافعي، اعتبرت الدول الأخرى عدائية كقاعدة، لكن كان يخفف هذا من حقيقة أن القيادة الإسلامية لديها إذن واسع للتفاوض على اتفاقات السلام. وكان الدول مضطرة لأن تدخل في معاهدات سلام مع بعضها البعض كوسيلة لتفادي الحرب.

يوضح الدكتور شيرمان جاكسون سياق هذا التفكير الشرعي المبكر:

في حين أن السعي الإمبراطوري للإمبراطورية كان دائمًا على علم بسياسات كل دولة مسلمة، فإن الكتابات الفقهية الإسلامية لا تزال تعكس منطق “حالة الحرب” وافتراض أن المسلمين فقط سيسمحون للمسلمين بالبقاء مسلمين. واستمروا في رؤية الجهاد ليس فقط كوسيلة لضمان آمن وحرية المسلمين بل هو الوسيلة الوحيدة للقيام بذلك. حتى معاهدات السلام كانت عادة نتيجة استسلام الشخص للمطالب التي فرضتها هزيمة حقيقية أو متوقعة بالسيف … وبعبارة أخرى، فإن الغرض من الجهاد هو توفير الأمن والحرية للمسلمين في عالم أبقاهم تحت تهديد مستمر[49]

هذا لا يعني أن الشافعي والفقهاء ممن تبعوه شجعوا العداوة وأثبطوا السلام. على العكس من ذلك، فإن الكثير من أقوال الشافعي الشخصية تتجنب العنف:

أكثر الأحكام فائدة هي الخوف من الله، والأكثر ضررًا من الأحكام هو العدوان. [50]

بل إن واقع العالم القديم أجبر الفقهاء المسلمين على بناء إطار شرعي يبين بدقة الحالة الافتراضية للحرب التي يعيشون فيها. ومع ذلك، فإن الفصول المتعلقة بالجهاد تتضمن دائمًا فصولًا من الفقه تتعلق بمعاهدات السلام. وعلى الرغم من أن بعض الفقهاء يضعون حدودًا زمنية لمعاهدات السلام، فإن آخرين مثل مالك بن أنس (توفى عام 795) يسمح بالمعاهدات دون أي حدود[51] ولم ينظر أبدًا إلى حالة الحرب على أنها دائمة أو مرغوب فيها.

[bctt tweet = ” ينظر أبدًا إلى حالة الحرب على أنها دائمة أو مرغوب فيها” username = “معهد يقين”]

وبعبارة أخرى، كانت أعمال الفقهاء الأوائل في الجهاد تصف الحالة المستمرة للحرب التي يعيشون فيها، بدلًا من وصفها بأنها الحالة الراهنة المفضلة. إن المشكلة مع المتطرفين المسلمين والجهاديين على حد سواء هي قيامهم بالتنقيب عن استشهادات من الأدب الشرعي القديم دون تقدير لهذا السياق الاجتماعي والتاريخي.

خاتمة

إن النظرة السائدة للجهاد في الإسلام تتفق مع المعايير الدولية الحديثة لللاعنف.

[bctt tweet = ” إن النظرة السائدة للجهاد في الإسلام تتفق مع المعايير الدولية الحديثة لللاعنف” username = “معهد يقين”] يسمح القرآن والسنة للمسلمين الدفاع عن أنفسهم من العدوان، في حين أيضًا يحد من الحروب لغرض الحفاظ على الأمن والحرية وحقوق الإنسان. إن الوضوح في هذه القضية يساعد على إزالة التصور الخاطئ بأن الإسلام بطبيعته يعتبر أيديولوجية سياسية عدوانية تهدد الغرب، فضلًا عن الحد من التمييز والريبة والعداوة التي يعاني منها المواطنون المسلمون في البلدان الغربية.

وما توفيقي إلا بالله، والله أعلم.

[bctt tweet = ” وما توفيقي إلا بالله، والله أعلم ” username = “معهد يقين”]

المراجع

عبد الحليم، محمد. القرآن: الترجمة الإنجليزية والنص العربي الموازي. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2010.

أبو داوود. سنن أبي داود، لبنان: المكتبة العصرية، 1980.

الألباني، محمد ناصر الدين. صحيح الجامع الصغير وزيادته. دمشق: المكتب الإسلامي، 1969.

البيضاوي، عبد الله بن عمر. أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي. بيروت: دار إحياء التراث العربي،1998.

البيهقي. المدخل إلى السنن الكبرى. الكويت: دار الخلافة للكتاب الإسلامي، 1983.

البخاري، محمد إسماعيل. صحيح البخاري. بيروت: دار طوق النجاه للنشر، 2002.

هوبز، توماس، وإي إم. كيرلي. ليفياثان: مع متغيرات مختارة من الطبعة اللاتينية لعام 1668. إنديانابوليس: شركة هاكيت بوب، 1994.

الهيثمى، أبو بكر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. القاهرة: مكتبة القدسي، 1994.

الحيتمي، ابن حجر. تحفة المحتاج في شرح المنهاج. مصر: المكتبة التجارية الكبرى، 1983.

ابن حنبل، أحمد، وأحمد شاكر. المسند. القاهرة: دار الحديث، 1995.

ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993.

ابن كثير. تفسير القرآن العظيم. الرياض، المملكة العربية السعودية: دار طيبه، 1997.

ابن ماجة، محمد. سنن ابن ماجة. [بيروت]: دار إحياء الكتب العربية، 1952.

ابن القيم. أحكام أهل الذمة. الدمام: رمادي للنشر، 1997.

ابن القيم. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى. دمشق: دار القلم، 1996.

ابن القيم. زاد المعاد في هادي خير العباد. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996.

ابن رجب. كلمة الإخلاص وتحقيق معناها. دمشق: المكتب الإسلامي، 1961.

ابن رشد (أفيروس)، عمران نيازي، ومحمد عبد الرؤوف. الفقه التمهيدي المتميز: ترجمة لبداية المجتهد. ريدينج، المملكة المتحدة: مركز إسهامات المسلمين وحضارتهم، 1994.

ابن تيمية. كتاب النبوات. الرياض: أضواء السلف، 2000.

ابن تيمية. مجموع الفتاوى. المدينة المنورة: مجمع الملك لطباعة المصحف الشريف، 1994.

جاكسون، شيرمان. “الجهاد والعالم الحديث”. الدراسات الإسلامية لأكسفورد على الإنترنت. تاريخ الدخول: 05-سبتمبر-2016.

 http://www.oxfordislamicstudies.com/article/book/islam-9780195174304/islam-9780195174304-chapter-61

مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. بيروت: دار إحياء الكتب العربية، 1955.

النسائي. سنن النسائي. حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1986.

القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1935.

الصنعاني، بن صلاح. التنوير شرح الجامع الصغير. الرياض: مكتبة دار السلام، 2011.

الطبري.  تفسير الطبري من كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994.

الترمذي، بن عيسى. سنن الترمذي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.

يحيى بلانكينشيب، خالد. “آيات السيف”، في موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي. أكسفورد الدراسات الإسلامية على الإنترنت. تاريخ الدخول: 05-سبتمبر-2016.

 http://www.oxfordislamicstudies.com/article/opr/t236/e0979


[1] http://www.un.org/en/sections/un-charter/chapter-i/index.html.

[2] http://www.un.org/en/sections/un-charter/chapter-vii/index.html.

[3] http://www.un.org/en/sections/un-charter/chapter-i/index.html.

[4] http://www.oic-oci.org/oicv3/page/؟p_id=52&p_ref=26&lan=en

[5] سورة الحج 22: 39-40؛ (جميع الترجمات من القرآن الكريم هي من محمد عبد الحليم القرآن: الترجمة الإنجليزية والنص العربي الموازي).

[6] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 22:39، المجلد الثاني عشر ص 68.

[7] سورة البقرة 2: 190

[8] الطبري، تفسير الطبري 2: 190، المجلد الثالث ص 561.

[9] المرجع نفسه، المجلد الثالث ص 563 (ترجمة المؤلف).

[10] المرجع نفسه، المجلد الثالث ص 562 (ترجمة المؤلف).

[11] البيضاوي، أنوار التنزيل 2: 190، المجلد الأول ص 128 (ترجمة المؤلف).

[12] مسند أحمد # 16376 (15943)، المجلد السادس والعشرون ص 298 (ترجمة المؤلف)، أصيل (صحيح) وفقًا لأبو بكر الهيثمى في مجمع الزوائد # 11731، المجلد السابع ص 174.

[13] صحيح البخاري # 3026 (2863)، المجلد الرابع ص 63 (ترجمة المؤلف).

[14] صحيح مسلم # 1841، المجلد الثالث ص 1471 (ترجمة المؤلف).

[15] ابن تيمية، كتاب النبوات، المجلد الأول ص 570 (ترجمة المؤلف).

[16] سورة البقرة 2: 193.

[17] الحيتمي، تحفة المحتاج، المجلد التاسع ص211 (ترجمة المؤلف).

[18] سنن أبي داوود # 4309 (4302)، المجلد الرابع ص 114 (ترجمة المؤلف). (حسن) حسب الألباني في صحيح الجامع الصغير # 3384، المجلد الأول ص 638.

[19] ابن رشد، الفقه التمهيدي المتميز، المجلد الأول ص 456.

[20] سورة البقرة 2: 208.

[21] الطبري، تفسير الطبري 2: 208، المجلد الثالث ص 595.

[22] صحيح مسلم # 592، المجلد الأول ص 414 (ترجمة المؤلف).

[23] سنن الترمذي 2485، المجلد الرابع ص 233 (ترجمة المؤلف)، أصيل (صحيح) وفقًا للترمذي في تعليقه.

[24] سورة النساء 90:4.

[25] سورة الأنفال 61:8.

[26] مسند أحمد # 695 (697)، المجلد الثاني ص 106 (ترجمة المؤلف)؛ (صحيح) وفقًا لأحمد شاكر في المسند رقم 695، المجلد الأول ص 649.

[27] صحيح البخاري # 28، المجلد الأول ص 15 (ترجمة المؤلف).

[28] يحيى بلانكينشيب، خالد. “آيات السيف”.

[29] ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، المجلد الأول ص 463-464.

[30] سورة التوبة 9: 5.

[31] سورة التوبة 9: 6.

[32] سورة التوبة 9: 7-13.

[33] عبد الحليم، القرآن، ص. xxiii.

[34] ابن رجب، كلمة الإخلاص، ص 20 (ترجمة المؤلف).

[35] سورة التوبة 29:9

[36] الطبري، تفسير الطبري 9:29، المجلد الحادي عشر ص 407.

[37] ابن القيم، زاد المعاد، المجلد الثالث ص 336 (ترجمة المؤلف).

[38] ابن القيم، أحكام الدماء، المجلد الأول ص 110(ترجمة المؤلف).

[39] صحيح البخاري # 25، المجلد الأول ص 14 (ترجمة المؤلف).

[40] سنن النسائي # 3966، المجلد السابع ص 75.

[41] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 9: 5، المجلد الرابع ص 111.

[42] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد التاسع عشر ص 20.

[43] سورة الغاشية 88: 21-22.

[44] صحيح مسلم # 21، المجلد الأول ص 52 .

[45] الطبري، تفسير الطبري، المجلد الرابع والعشرون ص 341 (ترجمة المؤلف).

[46] ابن القيم، هداية الحيارى، المجلد الأول ص237 (ترجمة المؤلف).

[47] هوبز، ليفياثان، ص 76.

[48] ابن رشد، بداية المجتهد، المجلد الأول ص 464.

[49] جاكسون، شيرمان. “الجهاد والعالم الحديث”.

[50]  البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى # 517، المجلد الأول ص 326 (ترجمة المؤلف).

[51] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 61:8، المجلد الثامن ص 41.

Justin Parrott

Justin Parrott

Fellow | Justin Parrott has BAs in Physics and English from Otterbein University, an MLIS from Kent State University, and an MRes in Islamic Studies from the University of Wales. He is currently Research Librarian for Middle East Studies at New York University in Abu Dhabi (NYUAD). Justin embraced Islam in 2004 at the age of 20. He studied Islam from a traditional perspective with local scholars and Imams. He served as a volunteer Imam for the Islamic Society of Greater Columbus until 2013. He is currently the faculty advisor and volunteer Imam for the Muslim Students Association at NYUAD.