Yaqeen Institute for Islamic Research
The-Issue-of-Apostasy-in-Islam-Hero-Image

قَضْيةُ الرِّدَّةِ في الإِسْلَامْ

 تشتمل الشريعة علي عدة قوانين بعضها لا يتغير بتغير الظروف المحيطة، بينما يمكن للبعض الآخر أن يتغير وفقاً لتغيُّر الظروف. وتنقسم التشريعات إلى ثلاثة أقسام؛ يعتني القسم الأول منها – والذي يشكل القسم الأكبر- بحياة الفرد المسلم وهو مُوَجَّهٌ إليه لاتباعه في حياته، أما القسم الثاني فهو مُوَجَّهٌ للقضاة لإنفاذه بالمحاكم. ويُتْرَك للحاكم أو السلطة السياسية تطبيق القسم الأخير حسبما تقتضيه مصلحة المجتمع، ويندرج تحت هذا القسم حكم الشريعة فيما يتعلق بالمسلم الذي قرر ترك ديانة الإسلام. ففي السابق كان يُطَبَّق هذا الحكم للحفاظ على وحدة المجتمع المسلم، أما في الحاضر فمن الممكن أن يتحقق الهدف ذاته من خلال استخدام الحكومات المسلمة حقِّها في تعطيل عقوبات الرِّدَّة.  

 تُعّد حرية اعتناق الديانة من التهم الأكثر شيوعا ضد الإسلام حيث أنه طبقاً للنُقَّاد فالإسلام لا يوفر أياً من تلك الحرية.

وقد يُدهِش البعض هذا الانتقاد لكونه شاذا حيث أنه من المتعارف عليه جيدا أن كلاً من الإسلام والحضارة الإسلامية قد أظهرا درجة من التسامح الديني قد تتسبب في حرج للأمريكان المعاصرين. فعن أي شيء يتحدث هؤلاء النقاد إذاً؟ لا يشير هؤلاء النقاد إلى قضية التسامح مع من يتبعون ديانات أخرى، بل يقصدون العقوبة الإسلامية التقليدية التي تقع على المسلم الذي يترك دينه والمسماة بالرِّدَّة أو الارتداد في اللغة العربية وعادة ما تُترجَم بأبو ستاسي في اللغة الإنجليزية (الفعل الشامل لارتداد الشخص عن دينه أو تركه).

يَتَسَنَّي فهم مسألة الرِّدَّة فقط عند النظر إلى ما وراء العناوين التحريضية والتبحر في كيفية تطور التشريع خلال عصر ما قبل التحضُّر وخاصةً في الإسلام كما هو الحال في قضيتي الرجم وقطع اليد. ففيما يتعلق بهذه العقوبات الصارمة (انظر منشور “يقين” عن عقوبات الحدود هنا) فإن اللَّبس المُثَار حول مسألة الرِّدَّة في الإسلام، في العصر الحديث لا يتعلق بخطأ رئيسي في النصوص الإسلامية، بل يتعلق  بتطور رئيسي في التاريخ الإسلامي؛ ألا وهو تضَاؤُل الدَّور الذي يمثله الدين في قوانين وحكومات المجتمعات الحديثة.

ففى عصر النبى محمد صلى الله عليه وسلم  والمسلمون الأوائل لم يُعرَّف اللفظ “رِّدَّة ” أو ارتكاب ذلك الفعل بأنه اختيار الشخص أن يغير دينه، وإنما تم تعريفه  بأنه تصرف عام بالانفصال السياسي عن المجتمع المسلم.

ومما يسترعي الانتباه، أن ذلك التعريف للردة قد عُولِجَ باعتبار الفعل خيانة الشخص ومعارضته للمجتمع الذي ينتمي له فى دراسات إجتماعية لمسألة الرِّدَّة، وهو الحلقة المفقودة التي ليس لها تواجد فى الاستخدام العادى لتلك الكلمة فى اللغة الإنجليزية. فكثير من الدراسات التى اهتمت بالأشخاص الذين تركوا ديانتهم ومجتمعاتهم والتي أجريت من أشخاص ذوي خلفية عَلمَانيِّة أثبتت أن المرتدين الذين تركوا ديانتهم ومجتمعاتهم بتلك السهولة قد أصبحوا فيما بعد معارضين نشطين لهَوِيَّتِهِم السابقة، بل حتى يُعَدُّون مارقين أكثر من كونهم مجرد مرتدِّين.[1] وعلى نفس المنوال، لم تكن مسألة الردة عبارة عن مجرد شخص يمارس حقه فى حرية الإعتقاد واختار ألا يكون من أتباع ذلك الدين، وإنما كانت تظهر المشكلة حينما يتحول مثل هذا الفعل إلى فعلٍ جماعيّ له تبعات سياسية.

الدين في عصر ما قبل التَّحَضُّر

تعود رؤية الدين من قِبَلْ المُجتمَع الإنساني على أنه مسألة ضرورية إلى المجتمعات المُركَبة الأولى فى بلاد مابين النهرين. فقد ضَمَنَ الدين في هذه المجتمعات العلاقة بين الأفراد والمجتمعات ببعض الضمانات الواقعية المتعلقة بما هو أسمى من تطلُّعات العالم السطحي المحيط بهم، كما أنه يتجاوز أيضاً الفردية والطائفية. وسواء كان  في حكم فرعون لمصر القديمة، أو حكم  كونفوشيوس المسمى “أمر تحت السماء” أو الحكم  الإلهى للملوك الأوروبيين، فالنظام السياسى والإجتماعى في كل هذه الأنظمة  للمجتمعات الإنسانية والدول التى تنشئها تلك المجتمعات ارتكز على الدين حيث أمرت الإمبراطوريات الرومانية جميع رعاياها بتقديم القرابين وكان ذلك الطلب بناءً على التوجيه الإلهى للإمبراطور لا من باب القمع أو التَّعصُّب، فكان للناس حرية عبادة الآلهة التي يريدون بشرط الحفاظ على ما يسمى بالباكس ديروم (حفظ السلام بين الآلهة)، وهو مزيج  بين ما هو أرضى وما هو سماوي، والذي جلب السلام والازدهار للجميع. إن ذلك التداخل بين الانتماء الديني والطبيعة العشائرية بل وحتى هوية الدولة لهوعكسَ قانون العهد القديم لأطفال بنى إسرائيل، حيث أن أولئك اليهود الذين تركوا عبادة إله إسرائيل وعبدوا غيره من الآلهة حُكِم عليهم بالرجم حتى  الموت (تثنية ١٣: ٨-٩، ١٧: ٢-٧).

وتوارث المسلمون الذين شيدوا الحضارة الإسلامية وأكَّدوا هذا الدور الديني المفترض. فقد كتب الباحثون السياسيون المسلمون  فى ذلك بتوسع مؤكدين أن الدعامتين الأساسيتين للازدهار العالمى هما الخضوع للدين واستقرار الدولة[2] ’’فالدين والسيادة الإقليمية هما جزء واحداً لا يتجزأ‘‘ وإنكار أحدهما يؤدي إلى إنكار الآخر.[3]

في الحضارة الإسلامية، اتَّسَم حكم العالم تحت مظلة السماء بالبساطة. فقد آمن المسلمون بأنَّ الله تعالى قد أوحى آخر رسالاته إلى البشرية. على عكس الرسل السابقين، أرسل الله تعالى هذا النبي إلى جميع الأمم، ورسالته قد أصلحت ما تسلَّل من عيوب إلى التعاليم التى قد أتى بها الأنبياء السابقين. ولذلك فالأفضل للبشرية كان واضحاً ألا وهو: عبادة رب واحد واتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم  مما يحفظ السعادة فى الدنيا والآخرة (السعادة فى الدارين) هذا العالم وما يليه. ولكن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم  قد أعطوا الناس الحق أن يرفضوا ذلك الطريق و يستمروا فى اتباع دينهم تحت حكم الإسلام. فكما فَهِمَ العلماء والحكام المسلمين، كانت مهمتهم واضحة ومحددة: توسيع رقعة الحكم الإسلامى وتطبيق شريعة الله قدر الإمكان، فالهدف ليس إجبار كل شخص على الدخول فى الإسلام بالقوة (فهذا من الصعوبةِ بمكان)، بل أن تكون ’’كلمة الله هى العليا’’ (حديث مشهور)[4] وبذلك يمكن أن يعيش أكبر قدر ممكن من الناس تحت مظلة الحكم الإلهىّ فائزين بجنته.

فكان نظام ذلك العالم واضحاً للعلماء والنخبة السياسية التي شَكَّلَته وحَكَمَته، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  “الإسلام يعلو ولا يُعْلَى عليه”[5]، فقد كان بإمكان غير المسلمين المعاصرين للحضارة الإسلامية والذين وُجِدُوا فى كثير من البلدان وفي بعض الأحيان كانوا يمثلون الأغلبية بشكلٍ دائم الاستمرار العيش بجانب المسلمين متبعين دينهم مُطَبِّقين لأحكامه.[6] كما كان في وسع أي أحد أن يدخل في الإسلام فى أى وقت ويصير من الطبقة الحاكمة من المسلمين. (ويثير ذلك أسئلة مهمة حول أى من الأنظمة يُعَدْ أكثر عنصرية؟ النظام الذي تكون فيه الطبقة الحاكمة هي مجموعة دينية متميزة ولكنها ترحب بالدخول إليها فى أى وقت، أم النظام الذي يتمتع فيه فقط مواطني الدولة بكل (أو بعض) حقوقهم، ويكون اكتساب المواطنة هو شئ غاية في الصعوبة أو مستحيل). ولكن يُعَد التشجيع أو الترويج أو حتى السماح بالتحرك فى اتجاه مغاير للاتجاه الذى رسمته السلطة الحاكمة مسألة أخرى.

ففي منطق هذا النظام، النقاش فى صدارة الإسلام كان فقط لإتلاف النظام المجتمعي نفسه تدريجياً، ونتيجة لذلك اعتبرت كل المدارس الفقهية الإسلامية غير المعاصرة “الرِّدَّة” جريمة نكراء، بل واعتبرها معظم فقهاء المسلمين من بين الجرائم المُوجِبِة للحدود  (ولكن الأغلبية من كبار فقهاء المذهب الحنفى اختلفوا عن ذلك) وإن كان هناك بعض الاختلافات المهمة.[7]

فكانت تُفهَم الرِّدَّة فى المقام الأول على أنها تهديد شامل للنظام السياسى وليس كجريمة فى حد ذاتها، وكان ذلك واضحاً من خلال ما وصفها به الفقهاء المسلمين. فتختلف الرِّدَّة عن غيرها من الجرائم الخطيرة  كالزنا والقتل، فهي فى حد ذاتها لا تمثل إنتهاكاً لحقوق الآخرين، ونتيجةً لذلك وعلى عكس غيرها من الجرائم فإن المرتد عن الإسلام إذا قرر الرجوع إلى الإسلام مرة أخرى، تسقط جريمة الرِّدَّة ولا تُتْبَعْ بأى عقوبة. ولكن فى جريمةُ كالقتل، فالأمر على النقيض، فحتى وإن أبدى مرتكب الجريمة عميق ندمه على الفعل الذى ارتكبه، فإن الفعل والأذى الناتج عنه قد حدثا ومن حق الضحية وذويها استقصاء الحق فى العدالة.

حيث يقول السرخسي أحد مشاهير فقهاء الحنفية (المتوفى حوالي ١٠٩٦م): “إن تبديل الدين واعتناق الكفر من أعظم الجنايات”،  ثم أضاف “ولكنها بين العبد وربه فالجزاء عليها مُؤَخَّراً إلى دار الجزاء”.  ثم تابع قائلاً “وما عُجِّلَ في الدنيا سياسات مشروعة لمصالح تعود إلى العباد”. فالشخص الذي يُجَاهِر ويُصِر على إعلان ردته عن الإسلام يُشبِه المجرم الخطير الذي يهدد السلام العام، ثم أوضح السرخسي أن المصلحة العامة التي يهددها المرتد هي الشريعة فى ذاتها والحقوق التي تكفلها للجميع، سواء كانوا مسلمين أم لا: كالحق فى سلامة الجسد والممتلكات والدين والعقل والنسب والعِرض.[8]

وإنه لمن الضروري التركيز علي الكلمة التي استعملها السرخسي للإشارة إلى “السياسة” لفهم القانون الإسلامي بشكل عام ومسألة الرِّدَّة بشكلٍ خاص. فالسياسة قد تُفهَم بمعنى السياسة أو الحكم أو القانون الإداري أو حتى القانون الجنائى حيث تتعدد وظائف تلك الكلمة، ولكن ما يوحِّدها أنه بينما يُطَبِّق القضاة المسلمين فقط معظم القوانين الإسلامية (فى الحقيقة، كانت القوانين مَحميَّة منهم بحرص نتيجة لخوفهم من إساءة استخدامها بدافعٍ سياسي)، تقع السياسة تحت اختصاص الحاكم أو السلطة السياسية.[9] وترجع عدة أمورفي السياسة بوضوح إلى اختصاص السلطة السياسية مثل السياسة الخارجية والنظام العسكري والتعامل مع الأقليات غير المسلمة فى الدول الإسلامية وقوانين إدارة الدولة (كقوانين تنظيم حركة المرور). وتندرج مسائل أخرى تحت مظلة الأمور السياسية المُخَوَّلَة للحاكم مادام لم يَتَخَطْ حدود معينة مثل فرض الضرائب.

وأخيراً، فهناك أمور معينة فى القانون الجنائى كالسرقة بالإكراه والقتل العَمْد فَسَّرَها فقهاء المسلمين على أن  القرار الأخير فيها متروك للحاكم، ويشمل ذلك أيضاً مسألة الرِّدِّة طبقاً للسرخسي وكثير من فقهاء المسلمين. إن السياسة جزء أصيل من الشريعة ولكن تُطَبَّق بواسطة الحاكم، وليس فقهاء/علماء المسلمين (لذا، فى مسائل كالقانون الجنائي وضع فقهاء المسلمين معظم القوانين التي طبقتها السلطات السياسية وكانوا حاضرين فى جميع المحاكم الجنائية تقريباً)، ولذلك حينما يقضي قاض مصرى فى منتصف القرن العاشر على المرتد بالإعدام، كان عليه أن ينتظر رأى الخليفة ليكون تنفيذ الحكم ممكناً. وحينما قَدِمَ حاكم مصر شخص قد تحول من الإسلام إلى المسيحية قبل ذلك ببضع سنوات، لم يكن من الممكن تنفيذ الحكم دون مشورة القاضى.[10]

وفى جميع أوجه السياسة، أكَّدَ علماء المسلمين مبدأً أساسىاً تخضع له سياسات الحاكم “فيما يتعلق باختصاصاتها هي مشروطة بالسعي إلى تحقيق المصلحة العامة”[11]. وتختلف جريمة الردة كما سيتضح عن جرائم الحدود الأخرى كجريمة القتل على الأقل فى وجهٍ واحدٍ مهم، فحينما يُدان أحدهم  فى أى من جرائم الحدود فعلى السلطة الحاكمة أن تُسارِع فى تنفيذ الحكم إستناداً إلى حديث النبي  صلى الله عليه وسلم  (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).[12] عند حدوث جريمة قتل لا يمكن للسلطة الحاكمة أن ترفض عقاب القاتل إذا أراد أهل المقتول ذلك فذلك حقهم.[13] بينما نقاشنا هنا سوف يوضح أن التعامل مع الرِّدَّة، على النقيض، يقع بكامله فى نطاق السلطة التقديرية للسلطة الحاكمة.

الدور الجديد للدين في الغرب الحديث والعالمي

اقتداء بتَحَدِّي مارتن لوثر كينج للسلطة البابوية (والتي تكون هذا العام قد بدأت منذ خمسمائة سنة)، غَرِقَت أوروبا الغربية لأكثر من قرن في حرب دينية مروعة وصلت إلى نهايتها عندما اتفقت الممالك المتقاتلة أن يختار حاكم كل ولاية الطائفة المسيحية التي تتبِّعها الولاية. وكانت للدماء المراقة وللدمار الذي خلَّفته المطالبات الدينية المطروحة للجمهور بعنف أثراً مُرهِقاً للغاية مما أدى إلى تحول تدريجي تجاه اعتبارأن للدين شأن خاص. وكانت الجمهورية الهولندية على رأس القائمة، ففي أواخر القرن السادس عشر قررت هولندا أنه على الرغم من أن لكل من ولاياتها المختلفة كنائسها الرسمية، لا يَجوزأن يتعَرَّض المعارضين لتمييز أو اضطهاد بناء على معتقداتهم.

وقد ظهرت هذه التطورات جنباً إلى جنب مع الشعور المتزايد بين علماء البروتستانت (مثل البروتستانتي الأمريكي روجر ويليامز (توفي سنة ١٦٨٣) و فيلسوف التنوير جون لوك – توفي سنة ١٧٠٤) أن إجبار الأفراد على التماثل الديني سواء من قبل الحكومة أو من خلال مواطنين آخرين أمر مكروه عند الإله وغير منطقي من الناحية الفلسفية، فقد تساءل لوك مستنكرا عن كيفية “إرغام” شخص ما على الإيمان بشيء ما؟              

 ومن ثمَّ فقد حَجَّمت العديد من شعوب أوروبا الغربية بصورة ضخمة الدرجة التي يمكن أن تضع بها القوانين والأنظمة السياسية حدوداً أو تمنح حقوقاً بناء على الدين بالرغم من محاولات وجهود البعض للحد من السلطة العامة للدين وعلاقته بالحكومة وكان ذلك بحلول منتصف القرن التاسع عشر. كما ألزم التعديل الأول للدستور الأمريكي الحكومة الفيدرالية (وفيما بعد حكومات الولايات) الامتناع عن تفضيل ديانة بعينها أو تقييد الممارسة الدينية علي الرغم من صعوبة الحفاظ على هذا المسار دائماً. وظهرت أشد أشكال التطرف في الفصل بين الكنيسة والدولة في نظام “ليسيتى” (العلمانية) الفرنسي الذي أخذ شكلاً رسميا عام ١٩٠٥ ووعد ليس بإنهاء التمييز الديني في أوساط العامة فحسب، ولكن بفصل الدين عن الدولة تماماً.

 بالطبع، فإن الفصل بين الدين والدولة أو التأكد فحسب أن الدولة حيادية في أمور الدين هي مهام عسيرة وذلك لأن القوانين والسياسات تنمو مِن الثقافات التي تخلقها وتعكسها  كما تتأثر الثقافات بعمق بالدين، فكما كتب ماثيو هال (توفي سنة ١٦٧٦) “تعد المسيحية جزءا من قوانين إنجلترا”.        

فحتى عندما كانت قدرة الدول على السماح رسميا للدين بتشكيل القوانين والسياسات محدودة، كان الدور الذي يلعبه الدين لايزال واضحا، فلم يدان الرجل الذي نطق بعبارات معادية للمسيحية في نيويورك عام ١٨١٨ بتهمة سب الدين حيث أن هذا الاتهام لا يمكن توجيهه في ولاية تؤيد الحرية الدينية ولكن أُدين بتهمة الإساءة لأحاسيس العامة[14].

وحتى يومنا هذا يمكن اعتبار القوانين المُطَبَّقَة في أوروبا الغربية والتي تمنع كلاً من ارتداء النقاب في الأماكن العامة وارتداء ملابس السباحة “البوركيني” على الشاطئ أو غطاء الرأس في المدارس نظراً لأنها تخل “بالنظام العام” كبقايا لتأثير العادات حتى على الدول العلمانية لتُميِّز على أسس دينية. فلا يوجد ما يجعل غطاء الرأس أو النقاب ذات طبيعة خَطِرَة، فملايين النساء المسلمات يرتدين كل منهما يومياً ولا يشعرن هُنَّ أو دولهم بأي تهديد للنظام العام. وعلاوة على ذلك، فحتى في الدول الغربية تغطي بعض الراهبات شعورهنَّ ويرتدين ملابس محتشمة حتى على الشاطئ (كما صرَّحَ مواطنون من العامة الذين استشاطوا غضباً من نفاق المنع الفرنسي للبوركيني عام ٢٠١٦). كما أن هناك غطاءات الوجه العلمانية مثل ارتداء الأقنعة في الجو البارد. وأشار القانون فيما يتعلق بالدراما الفرنسية المستمرة حول أغطية الرأس والبوركيني، أن “النظام العام” قد تحول من حرص منطقي على الحفاظ على السلام والصحة والأمن العام إلى أداة “تستخدم لتبرير وتشريع قيود على حرية الدين”[15].    

فبينما تضاءل الدين كقوة نظامية في الحياة الرسمية لأوروبا الغربية ومستعمراتها، أحلَّت الدولة القومية مكانه. ولم تعد المسيحية بحلول منتصف القرن التاسع عشر تُمَثِّل  شكل الهوية الأساسي المرتبط بالأوروبيين الغربيين ولا حتى الولاء لثقافة محلية أو إقليمية، بل كان المواطن الذي ينتمي إلى أمة تطمح بأن تشمل حدودها شعباً وطنياً متجانساً (فمثلا فرنسا كانت حيث يعيش الشعب الفرنسي) ولغة وطنية (كان لابد من إلغاء اللهجات المحلية واللغات غير الفرنسية) و -بانتفاض – مصيراً وطنياً. ونظرياً كان كل مواطني هذه الدول القومية متساويين، حيث كان ما يحكمهم الهوية الوطنية وليس أي تصنيف آخر قد يعطي أي معنى قانوني أو سياسي، حتى يهود أوروبا الذين كانوا يُعَدُّون لفترة طويلة فئة داخلية “أخرى” محرومة من حقوقها الأساسية، “حُرِّرُوا” ومُنِحُوا حقوق المواطنة الكاملة على الأقل رسمياً في منتصف أواخر القرن التاسع عشر. بينما اعتُبِر حرمان النساء من حقوق قانونية ذات معنى كامتلاك المرأة المتزوجة لأملاك أو حق المشاركة السياسية حتى أواخر القرن التاسع عشر وحتى إلى منتصف القرن العشرين شيئاً طبيعياً (فلم تحصل السويسريات على حق التصويت في انتخابات فيدرالية إلا عام ١٩٧١)، ولم يُعتبر هذا منافٍ لنظام الدولة القومية الجديد.

وقد عَنِىَ ذلك أن الدين أصبح بصورة متزايدة وحصرية شأن خاص. فقد أصبح من المفترض ألا يكون له مكان على الساحة العامة (خاصة بفرنسا)، أو يجب ألا تتحكم فيه الهيئات العامة للدولة (بالولايات المتحدة) أو تدعمه. ففي كلتا الحالتين كان من المفترض ألا يؤثر الدين على حقوق الشخص العامة. ففي واقع الأمر أصبح السماح للهوية الدينية بالتأثير على كيفية رؤية الدولة لحقوق مواطنيها لعنة على الهوية الوطنية التي من المفترض أن لها الادعاء المُطلق على كيفية فهم المواطنين لواجباتهم ومكانهم في هذا العالم.            

وسرعان ما سار باقي العالم على خُطَى أوروبا الغربية بدءا من مصر في منتصف القرن العشرين متبوعة بالدول القومية التي شكَّلتها القوى العظمى من دول متعددة الجنسيات كالإمبراطورية العثمانية، أو التي ارتبطت معاً مكونة “أمم” جديدة مثل الهند (فمن أقوال تشرشل الشهيرة أن الهند ما هي إلا مصطلح جغرافي). وكان النقيض التام من دعوة الحضارات السابقة للعصر قبل الحديث كالحضارة الإسلامية والمسيحية على السواء “أن الحكم خاضع للسماء” يتمثّل في هذا العالم الجديد المُكوَّن من الدول القومية حيث لم يكن (نظرياً) للدين دوراً خارج نطاق الحياة الخاصة أو كان خاضعاً بصورة ملموسة للهُوِيَّة الوطنية.  

عقاب الرِّدَّة في الفِقْه الإسلامي

ليس من المُستغرب أن يكون عقاب الرِّدَّة قاسياً خصوصاً في مجتمع ذا بنية مجتمعية ضخمة ومتنوعة، ففي النظام العام والكوني ل”دار الإسلام”، يربط أعضاء هذه البنية المجتمعية إيمانهم المطلق بنظام الإسلام القانوني وانتمائهم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. والسبب في ذلك جُزئياً كما أوضحنا سابقاً أن المجتمعات الأولى اعتمدت بشكل كبير على العقوبات القاسية لتعويض النَّقص في فَعَالية الشرطة وتطبيق القانون. لكن عامةً، ما شكَّل عقوبة الرِّدَّة في الفقه الإسلامي هو كيفية فهم هذا الفقه للنظام والهُوِيَّة فأثَّر ذلك على الحكم بعقوبة الرِّدَّة أكثر من تأثير أي وصف قرآني أو تعليم نبوي على هذه المسألة.

وقد كان عقاب المسلم المرتد هو الإعدام في المذاهب الفقهية القديمة لأهل السُنّةْ والشيعة. واتَّفَقَ الفقهاء أيضاً على أنَّ الحاكم فقط هو مَن يستطيع إصدار مثل هذا الحكم، وأن الاقتصاص بهَمَجية يُعاقَب عليه (أى المحكمة فقط أو قاضٍ مؤهل بمقدوره إصدار مثل هذا الحكم على كافر). وبُنِي الحكم بشكل كبير على ثلاثة أحاديث في صحيح البخاري. أولهم، الحديث المَروِي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ[16]. ثانياً: ما رُوِي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال لأبي موسى الأشعري: “مَا هَذَا قَالَ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ‏.‏ قَالَ اجْلِسْ‏.‏ قَالَ لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ‏.‏ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏.‏ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ”.[17] وثالثاً: قال صلى الله عليه وسلم:”‏لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ‏”‏.[18]

تُقدِّم هذه الأحاديث‏ أمثلة ممتازة لكيفية قراءة الأحاديث في ضوء الأدلة الخارجية. أولاً: لا يمكن أخذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أي أحد يُبدِّل دينه بظاهره حيث أنه من الواضح أنها لم تكن جريمة إذا بدَّلَ أحدهم دينَهُ إلي الإسلام، بالعكس بل كان شيئاً يستحق الثناء. وعلى سبيل المثال، لم يكن يُقتَل من يُبَدِّل دينه من المسيحية إلى البوذية مثلاً. لذا لابُد أن يُفهم الحديث على أنه تحذير لمن يترك الإسلام فقط.[19]

وعلى نفس النهج، لا يُعَد تنازُل شخص ما عن الإسلام ظاهرياً بدافع الخوف لكي ينعم بالأمان جريمة طالما كان مؤمناً في قلبه كما منصوص عليه بوضوح في القرآن (١٦:١٠٦). وأخيراً، تُعتبر الرِّدَّة فقط إذا كان الشخص المرتد بالغاً عاقلاً، وعند الأحناف وبعض المذاهب الأخرى لابد أن يكون رصيناً أيضاً.[20]

يُمكن أن تكون هذه المؤهلات جَلِيَّة في كثير من الأحيان، لكن بما أنه من الواضح أيضاً أنه لا يمكن فَهم الأحاديث المذكورة أعلاه بشكل قاطع بالإضافة إلي أنه لا يمكن أخذها بظاهر القول، فلابد من إضافة بعض الاحتمالات التفسيرية. فعلى سبيل المثال، اتفق علماء المسلمين على أن السلطات لها أن تقلق فقط بحالات الرِّدَّة الظاهرة وليس بالممارسات الدينية الخاصة بالأشخاص. وتجَلَّي ذلك من المفهوم العام للشريعة بأن القانون لا يبحث عن دواخل الناس ونواياهم، فقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنه بأنه لا يعلم إذا ما كان تبديل شخص لدينه خالصاً أم لا إلا إذا كشف عن ما بداخل قلبه بقوله “أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ”.[21] وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم”.[22] وأوضح الإمام الشافعي (المتوفي سنة ٨٢٠) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعامل مع أُناس بظاهرهم، حتى مع علمه بأنهم مرتدين أو منافقين في قلوبهم، وحتى عندما أعلم الله الرسول صلى الله عليه وسلم بردة أحدهم الخفية صار دم وملكية هذا الشخص حرام باعتناقه الظاهري للإسلام.[23] 

أصبح المبدأ نفسه قُدُسِي في سائر القول الفقهي أنه: “إنما الأحكام بالظاهر والله يتولى السرائر.”[24] يقع البحث عن عمد عن حالات الناس الإيمانية الخاصة تحت مبدأ الشريعة الأكبر باحترام الخصوصية وعدم التجسس (وهو البحث عن تعديات الأشخاص الخاصة والتي لا تنتهك حق أحد) والتماس الستر (وهو إيجاد الأعذار وغض الطرف عن السلوك الخاطئ الخاص الذي لا يؤذي أحداً). وأُرسِيَت جذوراً لهذه المبادئ في القرآن الذي يُحَرِّمْ التجسس (القرآن ٤٩:١٢)، وفي السنة عندما كرر الرسول صلى الله عليه وسلم تجاهله لاعتراف شخص بجريمة موجبة للحدود.[25] ويُحذِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ”[26] ، ولا يعني أياً من هذا أن الإسلام لا يُقَدِّرْ قُدسية أفعال الناس الخارجية النابعة من إيمانهم الداخلي، ولكن طبقاً المفهوم القانوني البحت فإن أفعال الإيمان الخارجية فقط هي التي يمكن القياس عليها، حيث أن أي أفعال أخرى يستحيل تقديرها بيقين.

واختلف علماء المسلمين على تفصيلتين أخرتين في مسألة الِّرَّدة. يختلف أصحاب المذهب الحنفي عن بقية المذاهب في أن النساء المرتدات لا يُقتَلنّ و إنما يُسجَنَّ فقط. واعتمدوا في هذا على حديث يعتبره الحنفية صحيح وفيه منع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء المرتدات. وعلى الرغم من ذلك يعتبر أغلب علماء المسلمين هذا الحديث ضعيف ولا يستندون إليه في حكمهم بأن الرجال والنساء متساوون في تطبيق الحدود.[27]

ثانياً: اختلف العلماء على إذا ما كان من حق المرتد أن يُمنَح فُرصة للتوبة أم لا، فاعتبرتها ثلاثة مذاهب سنية شئ واجب، واعتبرها الأحناف شيئاً مستحباً.[28] اعتبر معظم علماء المسلمين هذه الفرصة لاستدراك القول والتوبة مطلوبة، واعتمدوا في قولهم هذا على مجموعة من الأحاديث أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصة للمرتدين أن يتوبوا وعلى سابقة للخليفة عُمر بن الخطاب. أعطى معظم الفقهاء مهلة ثلاثة أيام أو ثلاث فرص، بخلاف ابن حنبل (المتوفى سنة ٨٥٥) وأبو حنيفة (المتوفى سنة ٧٦٧) الذين اعتبروا مدة الاستتابة شهر واحد. يروي الفقيه الشهير ابن حزم (المتوفى سنة ١٠٤٦) رأي قائل “يُستتاب أبداً ولا يُقتل” إعتماداً على تصريح من الخليفة عُمر بن الخطاب وحكم من الفقيه الأولي النخعي (المتوفى سنة ٧١٧، على الرغم أن النخعي كان على الأرجح  يقصد أن المرتد تكراراً لابد أن يُستتاب في كل مرة).[29]

الرِّدَّة وممارسات المجتمع الأوَّلِي للمسلمين

تختلف الطريقة التي تعامل بها المجتمع الإسلامي الأول مع الردة بشدة مع الطريقة التي فهمها به العلماء اللاحقين، ويبدو هذا واضحاً تماماً في أحكام الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حيث أنه لا يوجد حديث سنده صحيح يُفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدم مُرتداً على الإطلاق كما أشار عالم قرطبة الشهير ابن الطلاع (المتوفى سنة ١١٠٣).[30] عندما ترك الصحابي عُبيدالله ابن جحش الإسلام وتنَصَّر بينما كان يبحث المسلمون عن ملجأ في إثيوبيا، فلم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعقابه.[31] وفي صُلح الحديبية الذي أجراه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل قريش، صُرِّح بأنه أيُما شخص يريد أن يترك المجتمع الإسلامي في المدينة فلن يلحقه أي ضرر. ولم يتم ذكر أي حد للردة.

في الواقع عندما أراد رجلاً أن ينكُث عهده للإسلام الذي كان قد عقده في اليوم السابق مباشرة لهذا الصلح، أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم صراحه.[32] ويشرح الإمام الشافعي كيفية أنه وخلال عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة “آمن بعض الناس، وارتدوا، ثم اعتنقوا زخارف الإيمان الخارجية مرة أخرى، ولم يقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم”.[33]

ويبدو هذا واضحاً في سلوك الخلفاء الراشدين، فعندما ارتدَّ ست رجال من قبيلة بكر بن وائل خلال غزوة في جنوبي إيران قتلهم قائدي الجيش، ولما علم الخليفة عمر بن الخطاب بذلك لامهم فيهم وقال لو كان هو الذي بيده القرار، “لعرضَ عليهم طريقاً للعودة من باب خروجهم”، أو لكان وضعهم في السجن.[34]

وعندما أُخبِر الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز (المتوفى سنة ٧٢٠) أن مجموعة من حديثي الإسلام في شمالي العراق ارتدوا، تركهم يعودوا لما كانوا عليه كأقلية غير مسلمة محمية من المسلمين.[35]

حتى أسوأ أمثلة الصبر والتسامح في العهد الإسلامي الأول – الخوارج المتطرفين – يبدو أنهم فُهِمُوا خطأ  على الأقل جزئياً من الفقهاء التابعين في مسألة الرِّدَّة، فسياستهم في قتل أي مسلم ارتكب خَطِيَّةٍ خطيرةٍ دائماً ما كانت تُفسَّر بأن هؤلاء الناس مرتدين (كان سببهم المُزمع: إذا كان يؤمن الخطائين بالله، أما كانوا سيرتكبون الخطايا؟). كشف مصدر خارجي أولي أن الخوارج رأوا معارضيهم كمعارضين لحكم الله بشكل فاضح أكثر من كونهم مرتدين ببساطة ووضوح.[36] وعندما فتح المسلمون بخارى في ٦٧٣-٤ م، بقى سكانها يدخلون الإسلام ثم يعودون إلى ديانتهم الأصلية الزرادشتية حالما تُغادر جيوش المسلمين. وظل الجيش يعود لحفظ النظام ويعودون لنفس الفعلة، ولم يُقتل أحد في أيٍ من هذه المراحل.[37] 

بالطبع أُعدِم بعض الناس في عهد المسلمين الأوائل بسبب الردة، ولكن نجد في الأمثلة التي تتوفر فيها التفاصيل أن طبيعتها العامة هي التي تبقى حيث تحدث الردة بالجهر بها للعامة وليس عندما تكون خاصة بالشخص المرتد. ويُمثَّل لهذا في قصة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما أعدم شخصاً يُسمى المستورد العجلي لتبديله دينه إلى المسيحية. فعلى الرغم من أن كل روايات هذه القصة غير معتد بها من قِبل أغلب علماء المسلمين، إلا أنه ما يبدو لنا من القصة أن السبب في إدانة المستورد، ليس ردته، بل الجهر بها في وجه الخليفة علي.[38] 

وتدعُم دراسة عُقِدت مؤخراً لكتب كُتِبَت من قِبل مسيحيين عرب تسرد تفاصيل بطولات القديسين المسيحيين تحت حكم الإسلام أن عقوبات الرِّدَّة لم تكن تُنفَّذ إلا خوفاً على النظام العام.

وتعكس هذه الأعمال المسيحية “حيوات القديسين” عدداً من المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية في العصور الأولى للإسلام. وطبقاً لهذه القصص فإن كل قديس/مرتد أعلن عن إيمانه الجديد للعامة، وكل واحد منهم أعدم كنتيجة لذلك. القصة الوحيدة التي لم يُعدم فيها القِس لردَّتِه في هذه القصص عندما طلب منه الرُهبان أن يرفض الإسلام أمام العامة فرفض، فلم يتم إعدامه على الرغم من أنه مرتد (على الرغم من أن القصة تسرد أن أبوه أرسل خطاب إلى الخليفة يطلب منه فيه إعدامه لردته).  وعاش الرجل كراهب يُؤسس الدير الخاص به ويكتب كتابات مسيحية تنتقد الإسلام باقية حتى الآن.[39]

إن كيفية تعامل المسلمين مع مسألة الرِّدَّة في عصور ما قبل الحداثة تعكس قلقاً من الرِّدَّة  فقط عندما تُمَثِّل مسألة عامة. ويُشكِّك أحد الشعراء المعروفين المُسمَّى أبو العلاء المعري (المتوفى سنة ١٠٥٨) في حقيقة وحرمانية الأديان ويسخر من الحج فيقول: “هناك نوعان من الرجال: رجال عقلاء و رجال متدينون”، ومع ذلك مات المعري بأسباب طبيعية، مثله مثل مفكرين آخرين في العصور الوسطى للمسلمين.[40]  

عُثِر على نتائج مماثلة في دراسة لستين قضية أُعدِم أُناس فيها بسبب الرِّدَّة وأنواع أخرى من نفس الهرطقة خلال عهد المماليك (١٢٦٠-١٥١٧)، وكان غالبيتهم مسيحيين صنعوا عرضاً عام للجمهور ينبذوا فيه الإسلام كما في حالة قبطيين نصرانيين في ١٣٨٣ ومجموعة كاملة في ١٣٧٩. في القضية الأخيرة، أُعطوا الكثير من الفرص ليتوبوا عن ردتهم، لكنهم رفضوا.[41]  ولاحقاً، في الإمبراطورية العثمانية عندما جاء إلى القاضي مسلم بدَّل دينه إلى المسيحية وأصبح راهباً ليتوب أمامه فعرض عليه القاضي بعض القهوة (غالباً تركي)، فألقى الراهب القهوة في وجه القاضي وظل يسُب الإسلام، فافترض القاضي وقتها أنه مجنون ولم يُعدم إلا بعد أن حصل على ثلاثة فُرص استتابة سب فيها الإسلام علانيةً.

إعادة النظر في الرِّدَّة في الفترة الحديثة

حملت التغيرات الهائلة في كيفية  نظر المجتمعات إلى دور الدين المتأثرة تأثُّراً كبيراً بالقومية والعلمانية الغربية بعض الفقهاء المسلمين للتحقيق في التراث الشرعي للردة. وَضُحَت فكرة أن جريمة الردة في الإسلام كانت أكثر تعلقاً بحماية الدولة والنظام الاجتماعي من كونها تتعلق بالسيطرة على المعتقدات الفردية في أربعينيات القرن الماضي بواسطة الناشط الفكري المسلم الجنوب آسيوي أبو العلاء المودودي (متوفي سنة ١٩٧٩). أعاد النظر كل من الفقهاء المعاصرين مثل المصريان محمود شلتوت (شيخ الأزهر، متوفي سنة ١٩٦٤) ويوسف القرضاوي فضلا عن الفقيه العراقي الأمريكي الراحل طه جابر العلواني (متوفي سنة ٢٠١٦) في كيفية أن الردة يجب أن يُنظَر إليها في السياقات التي لا تكون الهوية الدينية فيها مسألة دولة[42]. وقد توصلوا إلى أنه ما يُعَد إجراميا بشأن الردة هو بعدها العام والتهديد الذي كانت تشكله على نظام عام مبني على الهوية الطائفية. إن ما يجب على الشريعة الإسلامية التركيز عليه، كما يقولون، ليست مسألة القرار الخاص لشخص باتباع ضميره في تغيير دينه، بل هو العنصر العام.

 وبغض النظر عن كون هذا الجانب مخفياً أو غير معروفاً في تاريخ الشريعة الإسلامية، فلقد كان هذا الجانب بالتحديد من الرِّدََة كونها تمثل تهديداً عاماً هو ما فسر لماذا الفقهاء المسلمون والدول الإسلامية كان لديهم اهتمام ضئيل بالاختيارات الدينية الخاصة بالناس، كما فسَّر أيضاً لماذا أكَّد الفقهاء المسلمون  علي مدار قرون حكماً يبدو أنه يتعارض بشكل واضح مع تصريحات القرآن المتكررة بشأن حرية الاختيار الديني. ويحذِّر القرآن أولئك الذين يهجرون الإسلام بعد اعتناقه أن أعمالهم الصالحة لا تعني شيئاً في هذه الحياة أو في الحياة القادمة (القرآن ٢:٢١٧). ولا يذكر القرآن أية عقوبة دنيوية حتى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} ليس لهم أي عقاب دنيوي في القرآن، بدلاً من ذلك فقد حذر الله أنه {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} (القرآن ٤:١٣٧).

أما الآية القرآنية التي تصطدم بأشد التنافر مع عقوبة الإعدام بالردة هو الإعلان بأنه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (القرآن ٢:٢٥٦).

يكشف اختيار فقهاء المسلمين بوضع موضوع الردة في كتب الشريعة أن مصب اهتمامهم كان الطبيعة العامة للردة وكيفية تأثيرها على النظام السياسي كما رأوا. ولم يدرِج أحد الكتب المؤسسة للمذهب الشافعي (المُهَذَّب لأبو إسحاق الشيرازي، متوفي سنة ١٠٨٣) الِّردَّة تحت العقوبات الجنائية (الحدود)، إنما أدرجها تحت باب التعامل مع التمرد (البغاء). وتعامل مشاهير فقهاء الحنفية بما فيهم السرخسي وابن همام (متوفي سنة ١٤٥٧) وابن الساعاتي (متوفي سنة ١٢٩٥) مع الردة في فصل السياسات بين الولايات (كتاب السِّيَر)، ولم يتعاملوا معها بين العقوبات الجنائية. كتب ابن همام هذا بوضوح عندما فسر “من الضروري معاقبة الردة بالموت من أجل تجنب شر الحرب، وليس كعقاب على الكفر، لأن العقاب الأكبر لذلك هو مع الله.”

كما وجد شلتوت والفقهاء الآخرين تأكيدا قويا لأطروحتهم في نفس الأحاديث التي كانت تستخدم لوقت طويل كدليل علي عقاب الردة بالموت. ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب عليه بالإعدام ليس القرار الشخصي بالتوقف عن الاعتقاد وممارسة الإسلام، بل بالأحرى خيانة المجتمع المسلم بالانضمام إلى صفوف أعدائه. فأحد الأدلة الرئيسية لعقوبة الإعدام على الردة هو حديث رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر “من بدَّلَ دينَهُ فاقتُلوهُ”، هذا الحديث ذكره ابن عباس في سياق أن مجموعه من المسلمين رفضوا الإسلام ثم بدأوا الوعظ وحتى دونوا بالكتابة أفكار “هرطقيه” (هؤلاء المرتدين وصفوا بالزنادقة، او المهرطقة)، وكانوا يسعون إلي قتال الخليفة علي[43]. وفُهِمَت الكلمة العربية المستخدمة لوصف ما فعلوا، ارتدوا، في الفترة الإسلامية الأولى على أنها عمل للانفصال السياسي أو التمرد على المجتمع الإسلامي كما في السنتين الشهيرتين من حروب الردة في عهد الخليفة أبو بكر (٦٣٢-٦٣٤)، وهو الاسم نفسه الذي يظهر الخلط بين معنى الردة كتغيير الدين مع معني الردة كانفصال وتمرد على النظام السياسي الإسلامي (في الأحاديث الكلمة مستخدمة في كل من المعنيين).[44]

 كما يترك ثاني الأدلة الرئيسية من الحديث على حكم الردة انطباعاً مشابهاً عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسلم لا يمكن قتله إلا عقوبة على القتل أو الزنا أو ترك الإسلام، فهو يؤهل المرتد هنا على أنه “التارك لدينه المفارق للجماعة”.[45] أو في رواية أخرى، هو الذي” يحارب اللهَ ورسولَه”.[46]

والدليل الوحيد من السنة الذي لا يتضمن بعداً سياسياً محدداً لارتكاب جريمة الردة هو النقاش بين الصحابيين أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل حول رجل يهودي اعتنق الإسلام ثم تركه، ولكن ذلك بسبب أن الحديث لا يوجد له أي معلومات سياقية على الإطلاق. وعلاوة على ذلك، هناك دليل على أن الخليفة عمر اُخبر بعد ذلك بنقاش أبو موسى ومعاذ وعبَّرعمرعن استيائه قائلاً “فهلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه؟ لعله يتوب ويراجع أمر الله”.[47]

بالنظر إلى هذه الأدلة، فسر شلتوت أن الإسلام لا يعاقِب الكفر بالإعدام، وخَلُصَ إلى أن الذي يعاقب بالإعدام هو”محاربة المسلمين والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم”.[48]

وقارن الفقهاء مثل يوسف القرضاوي بناء على ذلك بين حد الردة والجريمة الحديثة الخيانة العظمي.[49] فسر القرضاوي أنه لا توجد عقوبة على القرار الفردي بالرجوع عن الإسلام، حيث أن القرآن وضَّح أنه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (القرآن ٢:٢٥٦). فقط أولئك الذين يقرنون تركهم للإسلام بمحاولة زعزعة استقرار المجتمع المسلم يمكن توقيع عقوبة الردة عليهم. وأوضح القرضاوي التفرقة بين الردة المتعدية والردة غير المتعدية، فالأولى يترك فيها المسلم إيمانه بطريقة تشجع الآخرين ليفعلوا ذلك أو تزعزع الاستقرار، وهي عُرضة لعقوبة الردة. أما الثانية أن يترك الإسلام أو يعتنق ديناً آخر بخصوصية ويترك هذا لحاله.[50] 

كيف يجب على المسلمين التفكير في الرِدّةْ اليوم؟

ومن المفاهيم الهامة التي تُظهِرها مسألة كيفية تعامل المسلمين مع قضية الرِّدَّة هي كيف أنَّ القضايا الإسلامية هي في الحقيقة قضايا عالمية وقضايا إنسانية. فقبل أكثر من نصف قرن مضي نص  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة….” (المادة ١٨). ومع ذلك تنص المادة ٢٩ من نفس الإعلان على أن حقوق الإنسان المنصوص عليها بهذه الوثيقة يمكن تقييدها لغرض” الوفاءَ بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاهية الجميع في مجتمع ديمقراطي”. كما نصت علي أن الحرية الدينية في غاية الأهمية ولكن يمكن تقييدها. كيف يستطيع أحدهم معرفة متى يكون ذلك مسموحاً به، وكيف ستُؤثِر الاختلافات بين الثقافات والأنظمة السياسية والعادات الدينية على هذا القرار؟

ومن المُثير للدهشة هو أن التقاليد الإسلامية ما قبل الحداثية والرؤية الحديثة لحقوق الإنسان متشابهتين هيكلياً  من منظور نظري واسع؛ فإنهما يعتَبِران الحفاظ على النظام العام والأخلاق أساساً عادلاً لبعض القيود على الحرية الدينية. وفي حالة الشريعة الإسلامية، فإنَّ كلاً من النظام العام والأخلاق مستمدَّين بشكلٍ واضحٍ من مصادر دينية (بالتحديد إسلامية) ولكن بسبب أن النظام العام والأخلاق في الغرب كانت مُشتقة تاريخيا من المسيحية، وهذا التأثير لا يزال مستمراً إلى حدٍ ما حتى يومنا هذا مما يعني أنه في كثير من الدول الغربية المبررات لتقييد الحريات الدينية غالباً ما تكون منحازة، كما أنهم يعتمدون على مفاهيم النظام العام والأخلاق المُشَكَّلة بالأعراف المسيحية الغربية.

نستطيع رؤية هذا التَّحيُّز في الولايات المتحدة في القضايا التي تتعلق بحقوق طائفة المورمون والمسلمون وآخرون في ممارسة تعدد الزوجات. وقد عرضت قضية ديفيس ضد بيسون على المحكمة العليا في الولايات المتحدة عام ١٨٩٠، وينص المبدأ (وهو مما يُثير الدهشة في يومنا هذا) على أنه يمكن لأحدهم أن يواجه عواقب قانونية على معتقداته الدينية حتى لو لم يتصرف بناء عليها أبداً. ورفضت المحكمة الفكرة القائلة بوجوب حماية المورمون من التمييز القانوني لأنهم يعتقدون في تعدد الزوجات حتى لو لم يمارسوا ذلك. كتب جاستيس فيلد أنَّ “تعدد الأزواج وتعدد الزوجات جرائم بنص قانون الولايات المتحدة…. وكذلك قوانين كل الدول المسيحية المتحضرة، وأن الادعاء بأن توافقهم هو بسبب عقيدة دينية لهو إهانة للمنطق السليم للإنسانية”. فقد كان تعدد الزوجات مرفوضاً ثقافياً في الولايات المتحدة بما يكفي لجعل حتى الاعتقاد به مُعاقباً عليه بالفعل.

وعبر تاريخ الولايات المتحدة وَجَدت مثل هذه القيود على الحقوق الأساسية مكاناً لها تحت ما يعرف “بـ سلطات الشرطة”، أو حقوق الدولة بغرض حماية النظام العام والسلامة و – نعم – حتى الأخلاق. وكما هو الحال في قضية نيويورك المشار إليها أعلاه، فإن هذا يعني أن المحاكم الأمريكية “أيدت سلطة الولايات في حظر القِمار واستهلاك الكحول و البِغَاء وممارسة الأعمال التجارية في يوم السبت بجانب أنواع أخرى من الأنشطة التي لم تنتهك حقوق الآخرين”.[51] ويتجلَّي هذا في أوروبا في المدى الذي تمنح فيه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان “هامش تقديري”، أو حقاَ للدولة في تقييد حقوق الإنسان على أساس اهتمامات وطنية معينة أو علي أساس السياق المحلي.[52] 

وبالطبع هناك فرقاً كبيراً بين القيود على حقوق مثل حق التجمهر أو الزواج، من ناحية، والحكم على شخص بعقوبة الإعدام بسبب الرِّدَّة على الناحية الأخرى. لكن أحكام الرسول والخلفاء عمر وعمر بن عبد العزيز والطريقة التي كانت الرِّدَّة متصورة بها بالتأكيد في المذهب الحنفي تُظهِر أن عقوبة الرِّدَّة لم تكن تلقائية. تقع ماهية العقوبة وما إذا كان ينبغي تطبيقها أم لا تحت تقدير الحاكم بعد موازنة المصالح الفضلى لجميع المعنيين وبالتالي كان القرار بالأساس قراراً سياسياً.

   

ما هي أفضل السياسات اليوم، وما هي أفضل مصالح للمسلمين؟ بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في دول تنص قوانينها على حماية حرية الدين، فإن هذه المسألة بسيطة حيث وبفضل هذه الحماية القانونية أقام المسلمون في هذه البلدان و تمتعوا بحماية قوانينهم، ولذلك سيكون من غير المقبول نهائياً انتهاك الميثاق، الضمني أو الصريح الذي أدلى به المسلمون من خلال إقامتهم في هذه الدول من خلال العمل على تقويض الحرية الدينية للمواطنين الآخرين.

أما بالنسبة للبلدان ذات الأغلبية المسلمة، فهل هناك أية أسباب لتشريع بعض القيود القانونية الخاصة بالخروج من الإسلام أو معاقبة من يفعل ذلك؟ من وجهة نظر قانون حقوق الإنسان تقريباً لا توجد أية أسباب على الإطلاق، مع الأخذ في الاعتبار الأهمية التي يرى بها هذا المجموع القانوني حق الفرد في اختيار دينه، لكن من المهم أن نتذكر أن هذا المنظور لحقوق الإنسان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتجربة التنوير الغربية و قرارها بإبعاد الدين إلى المجال الخاص وإبعاد الدولة عن أعمال التحكُّم الديني.

ولكن ماذا عن الدول التي لم تتخذ الخطوة الغربية لفصل الدين عن الدولة؟ تُعلن بلدان مثل المغرب والمملكة العربية السعودية وباكستان، على سبيل المثال، نفسها دِولاً دستورية إسلامية. وماذا عن الدول التي ترى المعتقد الديني أو الممارسة أو التعبير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل النظام العام مثل روسيا؟ (كتب أحد المراجعين أن حكام هذه البلاد “يرون الإيمان ليس كمسألة شخصية، بل كظاهرةٍ عامة حيوية بالنسبة للهُوِيَّة الوطنية والأمن، كما يعتقدون أن المواطنون بحاجة إلى الحماية من نزوات الاختيار الفردي”).

ومما يزيد الأمر سوءاً، ماذا لو اعتبرنا قضية الرِّدَّة ليست مجرد شخصاً يصنع خياراً دينياً خاصاً به، بل بالأحرى يشارك في إعلان عام جداً لتوضيح لماذا اختار فعل هذا؟ هنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً. إذا كان المرتد يجادل علناً بترك الإسلام أو تشويهه، فإن السؤال يخرج من مجال الحرية الدينية إلى حرية التعبير أيضاً. وإذا اعتبرنا المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤشراً، كان هناك هامش أكبر من السلطة التقديرية يُمنح للدول لتقييد حرية التعبير بصورة ٍ أكبر من تقييد حرية الدين.

وينبغي أن نتذكر أيضاً أن الفصل بين الكنيسة والدولة وإخراج الدين من المفاهيم المحورية للنظام والأمن ليست مراحل بيولوجية في تطور الإنسان تؤثر على جميع المجتمعات بالتساوي. إن عودة النزعة التقليدية الأرثوذكسية في روسيا وعداء الصين المنتصرة “للقيم العالمية” إلي جانب عقود من التوتر “الإسلام مقابل الغرب” في كل مكان تُبيِّن أن هذا التطور يعكس تجربة تنويرية غربية معينة غير عالمية.

كما يمكن وصف التجربة التنويرية أيضاً بكونها ليست مُتَّسِقَة، ففي عام ٢٠١٥ كانت الحكومة البريطانيةتدرس قوانين تعاقب التطرف الديني والتي كانت تعني بواسطتها “المعارضة الصوتية أو النَّشِطة للقيم البريطانية الأساسية، بما في ذلك الديمقراطية وسيادة القانون والحرية الفردية والاحترام المتبادل والتسامح بين مختلف الديانات والمعتقدات “. إذاً هل يمكن لدولة مسلمة أن تُمرِّر قوانين تُقَيِّد السلوك الذي تعتبره معارضاً “لقيمها الأساسية”؟ إذا كانت حكومة المملكة المتحدة تنظر إلى أن دعوة أحد المسلمين علناً إلى عدم التصويت شيئاً يستحق العقوبة القانونية، فماذا عن مواطن في بلد مسلم يدعو الآخرين إلى عدم الصلاة أو عدم احترام النبي صلى الله عليه وسلم؟ ماذا لو كان المواطن الذي يروِّج رِدَّتُه عن الإسلام ويدعو الآخرين للانضمام إليه يعتبر متطرفاً مقارنةً بتلك الأفعال التي تثير قلق الحكومة البريطانية؟ إذا كان بإمكان جميع الدول أن تُمرِّر قوانين لحماية القيم الأساسية لمجتمعاتها، هل يمكن لدولةٍ مسلمةٍ أن تُمرِّر قانوناً ضد الرِّدَّة لحماية قيمها؟

وتقدم ماليزيا حالةً مثيرة للاهتمام لبلدٍ حاول أن يجَسِّد الاهتمام الإسلامي بالرِّدَّة في إطار قانوني حديث. فعلي الرغم من أن الدين الرسمي للبلاد هو الإسلام، لكن دستورها يضمن ممارسة الأديان الأخرى “في سلام وانسجام” (حوالي 40٪ من الماليزيين ليسوا مسلمين). وقد سنَّت بعض ولايات ماليزيا نُهُجَها الخاصة للتعامل مع الارتداد على الرغم من أنها تُثير الجدل في بلد حيث العرق والدين والسياسة متشابكين معاً. وفي ولاية مالاكا الماليزية تتسبب الرِّدَّة فترة احتجاز تصل إلى ١٨٠ يوماً لإعادة التأهيل. وقد اتخذت ولاية نكري سمبيلن الماليزية نهجاً آخر: يجب علي أولئك الذين يرغبون في ترك الإسلام التقدم بطلب للحصول على إذن، وبعد أن تتم مقابلتهم لتحديد جديتهم وتقديم المشورة لمحاولة إقناعهم بخلاف ذلك، يُسمَح لهم بالارتداد (بين عامي ١٩٩٨-٢٠١٣،  تم قبول ١٧٪ من الطلبات).[53]

عواقب قانون الردة

ما هي السياسات العالمية التي يجب أن يؤيِّدها المسلمون اليوم؟ تستمر المناظرات حول حرية الدين لأن الآراء المتعددة تنطلق من أماكن مختلفة جداً. ويوضح النموذج المثالي الليبرالي الذي كان مؤثرا للغاية في الغرب أنه من الخطأ أن تتدخل الحكومات في مسألة ما يؤمن به الناس لسببين.

أولاً، لأن التاريخ الدموي في أوروبا يظهر أن هذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى عنفٍ هائل.

 ثانياً، لأن المعتقد الديني ينظر إليه على أنه شيء لا يمكن إجباره حقاً على قلب الشخص واعتقاده الداخلي، والله لا يريد الإيمان إذا كان بالإكراه على أي حال، فيجب أن يُقَدَّم الإيمان بحرية وبصدق.

ويختلف المنظور الإسلامي لأنه ينظر إلى الهوية الدينية على أنها فئة عامة ومعتقداً داخلياً. ومن المؤكد أن الإيمان والنوايا التي يحاكمنا بها الله موجودة في قلوبنا، ولذلك لا يمكن أن يجبَر عليها أحد ولا معنى لها إن لم تكن صادقة ويؤكد ذلك إعلان النبي صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات.”

ولكن البيئة الاجتماعية والسياسية المناسبة أمر ضروري لكي يعيش الناس حياة موجهة نحو الله وفعل الخير والعدالة بعيداً عن الكفر والخطيئة. وتتشكل هذه البيئة الاجتماعية والسياسية من سلوك الناس الخارجي، لذا فإن تشجيع العرض العام للاضطرابات الشخصية والداخلية لضمير الأشخاص أو فقدان الإيمان لا يُعزِّز الإيمان الصادق داخل المجتمع، بل إنه يخاطر بتمزيق خيوط ذلك المجتمع عن بعضه.

يقتنع الكثيرين من جميع أنحاء العالم مواضيع حقوق الإنسان والحريات المدنية، ولكنها ليست بالضرورة مقنعة لأولئك الذين لا يشاركون بعض من مبانيهم الفكرية أو الذين يختلفون معهم حول كيفية تحقيقها، فحتى لو اتفق الجميع في العالم على أن حرية الدين هي حق أساسي، فسيوجد (وهو موجود) خلاف كبير حول كيفية موازنة هذا الحق مع مخاوف النظام العام والأخلاق. علاوة على ذلك، فإن الكثيرين خارج الغرب يرفضون مطالب احترام حقوق الإنسان باعتباره تغريب بالوكالة وبسبب الطموح الإمبراطوري الغربي. وليس من قبيل المصادفة أن هذا هو حتماً رأي المسلمين الذين يؤيدون عقوبة الإعدام للردة عن الإسلام. ولكل هذه الأسباب، فإن الحجج المُشَكَّلة في خطاب حقوق الإنسان من غير الراجح أن تُحرِّك المسلمين الذين يحاولون تغيير آرائهم.

وقد يكون الجدال مفيداً استناداً إلى المباني التي تَوافَق عليها جميع المعنيين، فمثلاً العنف المروع الذي أطلقته داعش ضد أي معارض لها هو بغيض في حد ذاته من منظور الشريعة الإسلامية وقانون حقوق الإنسان على حدٍ سواء ولكن، أبعد من ذلك، العواقب المترتبة على الأولويات التي يسعى الإسلام إلى حمايتها أثبتت أيضاً عواقب وخيمة. إن العقوبات القاسية التي فرضتها داعش على أولئك الذين تعلنهم مرتدين قد وَلَّدَّتْ اشمئزازاً عالميا بين غير المسلمين والمسلمين على حدٍ سواء. لقد سمعت عن العديد من المسلمين، سواء في البلدان ذات الأغلبية المسلمة أو في الغرب، الذين عانوا من أزمات إيمانية أو حتى فقدوه تماماً بسبب العنف الذي يقع باسم الإسلام فغالبا ما تتصدرأفعالاً مثل إعدام داعش للمرتدين القائمة ما أدى إلى هذه الأزمات.

في الشريعة، هدف معاقبة الردة عن الإسلام هو حماية الإيمان الجماعي والنظام الاجتماعي لدولة مسلمة. إذا كانت معاقبة الرِّدَّة بشدة تدفع المسلمين بعيداً عن دينهم، فإن هذه السياسة تنقض غرضها. ليس من الواضح ما سيفعله التمسك ب “حكم السماء” بالحفاظ على عقوبات قاسية للردَّة في عالمنا المضطرب.


[1] راجع سيمون كوتى, المرتدين: عندما يترك المسلمون الإسلام (لندن: هيورست، ٢٠١٥), ١٣-١٦

[2] أبو الحسن الماوردي، آداب الدنيا والدين، طبعة محمد حسن سليمان، (القاهرة، دار الفاروق، ٢٠٠٨) ١٨٣-٤ 

[3] تم نشر كتاب “عهد اردشیر” في أواخر فترة الحكم الساساني، بيت ديجينز وانجلبيرت وينتر، العصور القديمة لروما وبلاد الفرس (كامبريدج، دار نشر جامعة كامبريدج، ٢٠٠٧) ٢١١، أنظر أيضاً طبعة إحسان عباس “عهد اردشیر” (بيروت، دار سعدير، ١٩٦٧) ٣٠.

[4] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل نفساً لتكون كلمة الله هي العليا.

[5] لا يظهر هذا الحديث في أي من إصحاحات الحديث الموثقة، لكن ضعفه ابن حجر، واعتبره غيره حسن أو صحيح، أنظر عبد الرؤف المناوي، فيض القدر، شرح الجامع الصغير، طبعة حمدي الدمرداش محمد، ١٣ مجلد (مكة، مكتبة نذار مصطفى الباز، ١٩٩٨) ٥:٢٥٤٧

[6] على سبيل المثال بعد مرور ٢٣٠ سنة على الفتوحات الإسلامية، كان ٥٠٪ فقط من أهل العراق مسلمين، و ٤٠٪  من أهل إيران. ريتشارد بوليت، التحول للإسلام وظهور الإسلام في إيران، في طبعة نهيمة ليفتيزون، التحول إلى الإسلام (نيويورك، هولميز & ميرير، ١٩٧٩) ٣١. أيضاً  التحول إلى الإسلام في القرون الوسطى (كامبريدج، دار نشر جامعة هارفارد. ١٩٧٩) ٨٥.

[7] أنظر وهبة الزهيلي، موسوعة الفقه الإسلامي، ١٤ مجلد (دمشق، دار الفكر، ٢٠١٠) ٥:٧١٤-١٥

[8] شمس الدين الشركسي، المبسوط، (بيروت، دار المعرفة، سنة غير معروفة) ١٠:١١٠. أنا أدين إلى رامون هارفي بهذا المرجع، أنظر أيضاً https://ramonharvey.com/category/islamic-jurisprudence/

[9] في قضية ساحرة حدثت في مصر في منتصف القرن الثامن، عندما احتجت قبيلة “بني عبد كلال” أمام القاضي إبراهيم الرويني المشهور بأبي خزيمة (المتوفى سنة ٧٧١) على زواج رجل من إحدى نساء قبيلتهم رغم معارضتهم لهذا الأمر كأوليائها. أرادوا أن يفسخ القاضي الزواج. فأجابهم القاضي أنه لن يُحرِم ما أحل الله، وأنه إذا وافق ولي المرأة، يكون الزواج صحيح. فاستأنف الرجال حكم هذا القاضي إلى الحاكم، الذي أمر القاضي بفسخ هذا الزواج، فرفض القاضي. أنظر محمد ابن يوسف الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، طبعة روهوفن جيست (بيروت، العبة ١٩٠٨، وليدن، بريل، ١٩١٢)، ٣٦٧.  

[10] ابن حجر رفع الإصر عن قضاة مصر، طبعة علي محمد عمر (القاهرة، مكتبة الخانيجي، ١٩٨٨) ٢٧٥ – ٧٦،  ٢٨٣.

[11] التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، عبد الكريم زيدان، الوجيز في شرح القواعد الفقهية، (بيروت، مؤسسة الرسالة، ٢٠٠١) ١٢٠-٢٣

[12] صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان

[13] عبدالوهاب الشعراني، الميزان الكبرى، (القاهرة، مكتبة زهران {بدون تاريخ}، إعادة طبع ١٨٦٢ من طبعة القاهرة من مكتبة الكستالية) ٢:١٥٩

[14] ساره برينجر جوردن، “الدين في قانون الولايات المتحدة” في موسوعة أكسفورد العالمية للتاريخ القانوني، المحرر ستانلي كاتز (أكسفورد: جامعة أكسفورد للنشر، ٢٠٠٩)، ٥: ١١٥

[15] ريم-سارة ألوان، “حرية الدين وتحول النظام العام في فرنسا”، دراسة الايمان والشئون الدولية ١٣، رقم ١ (٢٠١٥): ٣٢.

[16] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسيار، باب لا يُعذب بعذاب الله.

[17] صحيح البخاري، كتاب إستتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة.

[18] صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {إن النفس بالنفس}، صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين، والقصاص، والديات. باب ما يباحُ بهِ دم المسلم.

[19] الموطأ، كتاب القضايا، باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام.

[20] الزهيلي، موسوعة الفقه الإسلامي، ٦: ١٧٤-١٨٢.

[21] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.

[22] أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى، طبعة محمد عبد القادر عطا، ١١ مجلد (بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٩) ٨: ٣٤١.

[23] البيهقي، السنن الكبرى، ٨:٣٤٣.

[24] يُصرح الشافعي أن عقاب الردة يتم العمل به فقط عند الجهر بالمعصية فيهدينا بقوله: “فأعلم أن حكمه كله على الظاهر، وأنه لا يحل ما حرم الله، وحكم الله على الباطن، لأن الله عز وجل تولى الباطن.” الشافعي، كتاب الأم، طبعة رفعت فوزي عبدالمطلب (المنصورة، دار الوفاء، ٢٠٠١) ٧: ٤١٦.

[25]صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه. صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قوله تعالى {إن الحسنات يُذهبن السيئات}

[26] سنن أبي داوود، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس.

[27] للنقاش الحاصل على هذا الحديث، أنظر ابن حجر، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، طبعة عبدالله هاشم اليمني، (بيروت، بدون تاريخ) ٢: ١٣٦-٨. أيضاً: لسان الميزان، ٦ مجلدات (حيضرباد، دائرة المعرفة العثمانية، ١٣٣٠ {١٩١٢}) ٣:٣٢٣

[28] الموسوعة الفقهية (الكويت، وزارة الأوقاف، ١٩٨٣) ٣: ١٧٥.

[29] ابن حزم، المحلى (بيروت، دار الآفاق الجديدة، بدون تاريخ) ١١:١٩١. البيهقي، السنن الكبرى، ٨:٣٤٣.

[30] محمد ابن فرج القرطبي ابن الطلاع، أقاضيات رسول الله (المعروف غالباً بأحكام)، طبعة فارس فتحي ابراهيم (القاهرة، دار ابن الهيثم، ٢٠٠٦) ٢٤.

[31] يظهر هذا الن

[32] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من نكث بيعة.

[33] البيهقي، معرفة السنن والآثار، طبعة عبدالمعطي أمين قلاجي (القاهرة وحلب، دار الوعي، ١٩٩١) ١٢: ٢٥٠

[34] توجد هذه الرواية في سنن سعد بن المنصور، طبعة حبيب الرحمن العزمي (بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ) المجلد ٣، الطبعة الثانية، صفحات ٢٢٦-٧. وتوجد أيضاً في سنن البيهقي ٨: ٣٣٧-٤١. ويناقش الشيخ يوسف القرضاوي أن عمر لم يوافق على الإعدام، ليس لأنه لا يعتقد أنه هو العقوبة المناسبة للردة، بل لأنه لا يقبل بتنفيذ مثل تلك العقوبة في جيش في غزوة (طبقاً لضرورة الحرب)، يوسف القرضاوي، الحرية الدينية والتعددية، (بيروت، المكتب الإسلامي، ٢٠٠٧) ٤٦

[35] عبدالرازق الصنعاني، المصنف، طبعة حبيب الرحمن العزمي (بيروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٣/١٩٨٣) ١٠:١٧١

[36] باتريشيا كرون وفريتز زميرمان، رسالة سليم بن دقوان، (أوكسفورد، دار نشر جامعة أوكسفورد، ٢٠٠١) ٩٠، ٩٣-٤

[37] أبو بكر محمد بن جعفر النرسخي، طريق بخارى، (القاهرة، دار المعرفة، ١٩٦٠) ٧٣.

[38] توجد هذه الرواية في المصنف، عبدالرازق الصنعاني، وضعفه الألباني، أنظر محمد نصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ١٣ مجلد رقم ١ (الرياض، مكتبة المعارف، ٢٠٠٤) ١٣:١: ٩٤٢-٣

[39] المسيحي سانهير، “العوم ضد تبديل المسلمين الحالي دينهم بالمسيحية، في العهد الإسلامي الأول” مجلة مجتمع الأمريكيين الشرقيين، ١٣٦، رقم   ٢ (٢٠١٦)  ٢٨٠-٢

[40] سمور ” المعري” في الموسوعة الإسلامية، الطبعة الثانية، طبعات، بيرمان، بيانكوس، بوثاوورث، فان دونزيل، وهينريتشيز، تم نشرها على الانترنت، في ٢٩ أبريل ٢٠١٧.

<http://dx.doi.org.proxy.library.georgetown.edu/10.1163/1573-3912_islam_COM_0599>

أول نشر على الإنترنت كان في ٢٠١٢.

في قصيدة واحدة كتب المعري:

عجبت لكسرى وأشياعه …. وغسل الوجوه ببول البقر

وقـــول اليـهـود الـه يحـب …. رشاش الدماء وريح القثـر

وقول النصارى اله يضـــام …. ويظلــم حيـــا ولا ينتصــر

وقوم أتوا من أقاصي البلاد … لرمي الجمار ولثم الحجر

فواعجبا من مقالاتهــــــم … أيعمى عن الحق كل البشر!!

أنظر ماجد فكري، مقذمة قصيرة عن الفلسفة الإسلامية، اللاهوت والتصوف. (أوكسفورد، عالم واحد، ١٩٩٧)، ٣٦

[41] أماليا ليفانوني “التكفير في مصر وسوريا خلال عصر المماليك” في اتهامات الكفر في الإسلام، طبعة كاميليا ادانج، حسن أنصاري، ماريبل فيرو، وسابين شمديك، (لدن، بريل، ٢٠١٥) ١٥٦، ١٦٣-٦٥، ١٧٣.

[42] انظر طه جابر العلواني، الردة في الإسلام (هيرندون، المركز العالمي للفكر الإسلامي، ٢٠١١) ،٢٥-٤١.  

[43] مسند أحمد ابن حنبل (طبعة الميمنية ١:٢٨٢)؛ صحيح البخاري: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة.

[44] صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب واذكر في الكتاب مريم ….؛ ومسند ابن حنبل. ٢:٥٢٨ على سبيل المثال.

[45] صحيح البخاري: كتاب الديات، باب قول الله تعالى أن النفس بالنفس…؛ صحيح مسلم: كتاب القسامة والمحاربين…باب ما يباح به دم المسلم.

[46] في حاله هذه الرواية الثانية، وجدت في صحيح البخاري، ان وارث أبو قلابه هو من ذكر ان الرسول صلي الله عليه وسلم لم يقتل لم يقتل الا لهذه الأسباب الثلاثة، بناء على ذلك فسر “التارك للجماعة” على انه “ يحارب اللهَ ورسولَه” انظر صحيح البخاري: كتاب التفسير؛ باب سوره المائدة “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”…. كتاب الديات، باب القسامة؛

سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد.

الترمذي لديه رواية واحدة بلفظ التارك لدينه، لمن هذا هو تلخيصه الخاص للحديث في نهاية نقاش. الروايات الرئيسية لهذا الحديث في الصحيحين وكتب اخري كلهم لديهم اللفظ التارك لدينه المفارق للجماعة والمفارق لدينه التارك للجماعة. بعض الروايات لهذا الحديث أقل موثوقية وأقل شيوعا فيها اللفظ “كفر بعد إسلامه” و “ارتد بعد إسلامه” الروايات بهذا اللفظ موجودة في سنن أبي داود: كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم؛ جامع الترمذي: كتاب الفتن، باب ما لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاثة.

[47] موطأ: كتاب العقيدة، كتاب القاعدة فيمن ارتد عن الإسلام.

[48] محمود شلتوت، الإسلام عقيده وشريعة (القاهرة: دار الشروق)، ٢٨١.

[49] انظر القرضاوي، الحرية الدينية، ٣٦-٣٧،  ٤٦-٥٣.

[50] القرضاوي، المرجع السابق.

[51] راندي أي. بارنيت، ” النطاق المناسب لقوة الشرطه”٧٩ مجلة نوتر دام القانونية ٤٨٥ (٢٠٠٤).

[52] انظر

http://www.echr.coe.int/Documents/FS_Freedom_religion_ENG.pdf

  بالتحديد القضايا لاريسيس واخرون ضد اليونان ١٩٩٨ وكوتيسكي ضد “الجمهورية اليوغوسلافية السابقة لمقدونيا”٢٠٠٦. لتطبيقات أكثر وضوحا للهامش التقديري، انظر مسألة خطاب الكراهية في

http://www.echr.coe.int/Documents/FS_Hate_speech_ENG.pdf

للمزيد عن الهامش التقديري انظر 

https://www.coe.int/t/dghl/cooperation/lisbonnetwork/themis/echr/paper2_en.asp

لا سيما بشأن الطريقة التي قررت بها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن التدابير التي اتخذتها حكومتا تركيا وسويسرا لتقييد ارتداء الحجاب كانت مشروعة لأنها تقع تحت “حماية حقوق وحريات الآخرين” وفي حالة شاهين، الحفاظ على النظام العام “. ويصرح التقرير:

” أنه في كلتا الحالتين، طبقت المحكمة هامش واسع من التقدير لأن هناك توافقا ضئيلا أو لم يكن هناك توافق في الآراء داخل المجتمع حول ما إذا كان ارتداء الحجاب يدخل تحت الحماية التي تكفلها المادة ٩. وبتطبيق اختبار التناسب على عوامل مختلفة، توصلت المحكمة إلى النتيجة نفسها: “إن عدم وجود توافق أوروبي محوري حول كيفية التعامل مع ارتداء الرموز الدينية يبرر تصرفات سلطات الدولة، ويتم منحها هامش كبير من السلطة التقديرية.” في الولايات المتحدة، أظهرت قضايا حرية الدين أن ما يهم ليس ما إذا كانت ممارسة معينة معترفا بها كجزء من الدين من قبل بعض السلطات الدينية بل بهل يعتقد الشخص المعني أنه ملزم بها دينيا.

[53] محمد. الاديب الساموري ومزمل قريشي، “مفاوضة الردة: تطبيقا على’ ترك الإسلام ‘في ماليزيا،” الإسلام والعلاقات المسيحية – الإسلامية ٢٥، ن. ٤ (٢٠١٤): ٥١٣-١٤

Avatar

Jonathan Brown

Dr. Jonathan A. C. Brown is a Director of Research at Yaqeen Institute, and an Associate Professor and Chair of Islamic Civilization at Georgetown University. He is the editor in chief of the Oxford Encyclopedia of Islam and the Law, and the author of several books including Misquoting Muhammad: The Challenges and Choices of Interpreting the Prophet's Legacy.