Yaqeen Institute for Islamic Research
Stoning-And-Cutting-Hero-Image

الرّجْم وقَطع اليدّ: فَهمْ أفضَل لِلحُدودْ في الشريعةِ الإسلاميةْ

عادةً ما يكون الرَّجْم وقطع اليد هي الأفعال الوحيدة التي تُنْسَب للإسلام في الغرب. وتَتَغَلْغَل هذه الصور في ثقافتنا من خلال المقاطع الدعائية لأفلام مثل: روبين هود، برنس أوف ثيفز (١٩٩١) والأفلام الترفيهية التي تٌعْرَض مباشرةً في التلفاز مثل: اسكيب، هيومان كارجو (١٩٩٨)، (ومرةً أخرى في المقطع الدعائي للفيلم…”إذا لم تعش بـ قواعدهم، يحتمل أن تموت بأيديهم”)، ويُعَد هذا أفضل مثال لفَهْم كيفي يُخطِيء مُجْتَمَعِنا باستمرار في فَهْم الإسلام وتقاليد القانون الخاص به والمعروفة بالشريعة. يُعَدالرَّجم وقطع اليد من ملامح الشريعة، لكن لا يمكن فهم دورِهِما الحقيقي إلا من خلال خَطْو خُطْوة للوراء وبحث كيفية تَصَوُّر الشريعة نفسها للقوانين عموماً. نستطيع حينئذٍ فقط أن نَتَفَهَّم أكثرعقوباتها المالية والجسدية قسوةً والتي تُسَمَّى الحدود.

 مفهوم قانون االله

الشريعة ليست مصطلح قانوني مطبوع ومُقَيَّد في مجلدات؛ بل هي نموذج لقانون الله مِثله مِثل المفاهيم القانونية الواسعه الأخرى مثل “القانون الأمريكي”و”القانون الدولي”، فالشريعة هي نظام قانوني مُوَحَّد ومتكامل يحتوي بداخله على كمٍ هائل من التنوع. فكما يَعْرِض القانون الأمريكي نفسه بطريقة تختلف جذرياً فيما يخص قانون المرور أو قوانين تقسيم المناطق في مختلف الولايات أو المحليات، فإنَّ تطبيق الشريعة اختلف بدوره اختلافاً جذرياً على مر القرون مع احتفاظه بكونه تقليداً قانونياً متماسكاً.

تَنْبَثِق الشريعة من أربعة مصادر، على أن المسلمين يؤمنون بأنَّ أول مصدرين منهم هما مصادر بوَحْي من الخالق بطريقة مباشرة أو غير مباشره: ١) القرآن الكريم (يحتوي على القليل من المواد التشريعية وهذا عكس الإدعاء الناشز لمُؤيِّد ترامب)، ٢) السنة الموثوقة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم (التي عادةَ ما تكون روايات عن أحاديثه صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتسمى حديث). يعمل هذان المصدران مع بعضهما البعض بالتزامن. فالسنة هي العين التي يُقرَأ بها القرآن الكريم ويُشرَح بها وتضيف إليه.

أما المصدرين التاليين فهما مَحْض نِتاج مجهود آدمي لِفَهمٍ أفضل لمسار هذا الوحي الإلهي من خلال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٣) الطريقه التي تم بها تطبيق القرآن والسنة في المجتمع المسلم الأًوَلِّي، ٤) إجماع جمهور علماء المسلمين في القرون الأولى. يُسَمَّى هذا المجهود الآدمي لاستنباط هذه المصادر من القرآن والسنة ولإنشاء مجموعة من القواعد الصلبة والمتماسكة في الشريعة بالِفقْه. فإذا كانت الشريعة هي نموذج للقانون السماويّ، فإنَّ الِفقْه هو توضيحه الأرضيّ أو الآدميّ، وبالتالي فهو متنوعٌ ويَعْتَريه الخطأ لا محالة.

القانون ليس مجرد أمن عام

يُشَكِّل الرَّجم وقطع اليد جزءاً صغيراً جداً يكاد يكون منعدماً من الشريعة ومع ذلك فمن المثير للسخرية أن شُهرتهما ذاعت في كل مكان وانتشرت بين تصورات العامة. فنهج القانون في الإسلام هو عبارة عن جهد الإنسان للإجابة على سؤال “ما الذي يُرضِي المولى عزَّوجل”  في أي موقف من مواقف الحياة، فعلى سبيل المثال، وعلى عكس ما نسميه قانون في الدول الحديثة، تتخلل الشريعة كل صعيدٍ في النشاط الإنساني، فمعظم هذه الأصعدة لن تسنح لها الفرصة بأن ترى داخل قاعة المحكمة في أي دولةٍ إسلامية فضلاً عن دول الغرب (برغم ذلك، الغريب في هذا الأمر أنَّ النِّقاط المُبهمة في القانون الإسلامي عادةً ما تظهرفي قضايا متعلقة بحرية الاعتقاد الديني). لو اطلعنا على كتاب فقه تقليدي وشامل (عادةً ما يكون اثنا عشر مجلداً فأكثر) سنجد أنَّ المواضيع الرئيسية للشريعة هي العبادات من صلاةٍ (وما تتضمنها من قواعد الطهارة التي تسبقها سواء كانت وضوء أم غُسل) وصوم وزكاة وحج مكة وصيدٍ وذبح الحيوانات (حوالي أربعة مجلدات بمفردها)، وسنجد بعدها أموراً حياتية يسهل التعرف عليها قانونياً من زواج وطلاق وميراث وعقود وملكية ومسؤولية والإصابات .. إلخ. وعلى الرغم أنه من الواضح أنَّ الحدود هي الشئ الوحيد الذي يَعْرِفه معظم الناس عن الشريعة، إلا أنَّ الحدود وعقوباتها لا يُكرَّسْ لها أكثر من ٢٪ من أية كتاب فقه تقليدي وشامل كما أشرنا سابقاً.

قانون العقوبات في الإسلام والغرب  

إذا أردنا فَهْم قانون العقوبات في الإسلام، يجب أن نفهم في المقام الأول ما المقصود بقانون العقوبات. معظم القوانين في الولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى قوانين مَدَنيَّة مما يعني أنَّها تختص بحقوق الناس وواجباتهم تجاه أحدهم الآخر، ويتضمن هذابالطبع العقود والزواج والملكية .. إلخ. وتختص الحكومة بالفَصْل في النِّزاعات من خلال البنية التحتية للمحاكم، لكن في النهاية تظل هذه النزاعات بين أطرافٍ خاصة على بعض الأفعال الخاطئة المقترفة فيما بينهم.

أما بالنسبة للجرائم فهي ناتجة عن ضَيمٍ مُقترفٍ في حق العامة والمجتمع والدولة كَكُل، وفي معظم الدول الحديثة تلعب الحكومة دورالمُدَّعِي الذي يُطَبِّق العدالة علي مُرتَكبِي الجرائم. و من المحتمل أن يتطابق الضَّيم المُرتَكَبْ ضد الأفراد مع نظيره المُرتَكَبْ ضد المجتمع، فيَنُص القانون الإنجليزي القديم (القديم جداً) علي أنه إذا قتل شخص شخصاً آخر في الشارع فقد وقع اعتداءين؛ أما الأول فقد اعتدى القاتل على عائلة الضحية بقتله، وأما الثاني فقد اعتدى القاتل على المَلِك بانتهاكه للسلام والنظام العام المفروضين في مملكته (وبالتالي أصبح لدينا مصطلح “تكدير السِّلم العام”)، فيكون القاتل في هذه الحالة عُرضَة للمُسائلة من الطرفين المُعتدى عليهما.[1].تمر القرون (مع تحولات قانونية كثيرة جداً)، ونجد أو جيه سيمبسون في محاكمة لاعتدائين؛ أحدهما مدني (بسبب الأضرار المُلحَقة بعائلة الضحية على هامش اعتدائِه عليه بالقتل)، والآخر جنائي (قتل) و الذي حُوكِم بسببه من الدولة.

وكما نتذكر جميعاً، وُجٍدَ أو جيه برئ من الاتهام الجنائي ومسؤولاً (مذنباً) فيما يخص الاتهام المدني. كيف يُعقَل هذا إذا جَرَت المحاكمتان معاً في نفس الوقت وعلى نفس الفعل؟ هل قام بالقتل فعلاً أم لا؟ لاقت المُحاكمتان نتائج مختلفة بمعايير مختلفة لعبء الإثبات، ففي القضايا المدنية في الولايات المتحدة ينحصِر دور هيئة المُحَلَّفين علي تحديد مدى ترجيح أدلة كون الشخص مُذنِباً من عدمه (أي إذا ما كانت تتعدى نسبة ال ٥٠٪)، بينما في المُحاكمات الجنائية لابد أن تقتنع هيئة المُحَلَّفين “بما لا يدع مجالاً للشك[2]“. تختلف أعباء الإثبات لأن هناك اختلافات في عقوبات الاعتداءات المدنية والجنائية حيث تعاقب الاعتداءات المدنية بتعويضات، بينما تعاقب الاعتداءات الجنائية بالسجن أو العقوبات الجسدية وحتى المالية. في الغرب، تُؤخَذ النظرية التي من خلالها يتوخى القاضي أو عضو هيئة المُحلَّفين حذراً أكثر في الحكم على شخص بالأذناب من عدمه من القانون الكنسي (قانون الكنيسة الكاثوليكية) في القرون الثانية عشر والثالثة عشر، فمثلها مثل نظرية المتهم برئ حتى تثبت إدانته[3].

تتماثل ملامح الشريعة بشدة (في الحقيقة، أظن أن القانون الكنسي متأثر جداً بالقانون الإسلامي، مثلهم كمثل الفلسفة الغربية والعلم الغربي الذين تم تأسيس أُطرهم بواسطة العلماء المسلمين المتخصصين في هذه المجالات من القرن العاشر وحتى القرن الثالث عشر… لكن هذه قضية أخرى). لم يُصَنِّف فقهاء المسلمين القانون إلى قانون مدني وقانون عقوبات، لكن بالرغم من ذلك تُعّدْ هذه التسميات مفيدة في محاولة فهم الحدود. التصنيفات التي استخدمها علماء المسلمين كانت انتهاك حقوق الله وانتهاك حقوق العباد. وتتضمن حقوق العباد حق الحُرمة الجسدية (بعبارة أخرى، لا يمكن قتل إنسان أو ضَرَّه جسدياً بدون سبب) وحق الكرامة وحق الملكية وحقوق الأسرة وحق اعتناق الديانة.

هذه القوانين ليست مطلقة ويمكن تقييدها بسبب معقول مثلها مثل قوانين حقوق الإنسان، لكنها تنتمي للبشرية جمعاء سواءاً كانوا مسلمين أو غير مسلمين. إذا كسر شخص إصبعك\ أو حطم سيارتك\ أو نكث عقده معك فهو يدين لك بتعويض، لأنه انتهك حقوقك. هم يدينون لك بهذا التعويض حتى لو لم يكونوا قد فعلوه عن قصد لطالما وقع الضرر وكانوا هم السبب فيه.

يُعْمَل بنفس المبدأ في القانون الأمريكي (ويُسْتَثني في القانون الأمريكي والإسلامي كذلك الحادث الخارج عن سيطرتك، كأن يرمي بك شخص على سيارة لتحطيمها). على نفس النهج في الشريعة الإسلامية، إذا سرق شخص هاتفك فهو يدين لك إما بقيمته أو بإعادته إليك، وإذا قتل شخص أحد أفراد عائلتك بالخطأ، فهو يَدين لك بتعويض مَنصوص عليه في القرآن والسنة. فكما نصَّت تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ وظيفة القاضي في مثل هذه القضايا: “رد الحقوق إلى أهلها”[4].

إنَّ انتهاكات حقوق الله في الشريعة الإسلامية هي نسخة مُطابقة للجرائم في تقليد القانون الغربي. بالطبع، حق الله المطلق على عباده كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعبد وحده لا شريك له، ويمتد هذا الحق لأفعال أخرى مثل دفع الزكاة على سبيل المثال[5]. لكن على عكس البشر، يستحيل على أي مخلوق ضَرَّ المولى عز وجل كما أنه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ} القرآن (٦:٥٤) ووعد  { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. يلعب هذا الجزء من رحمة الله الواسعة دوراً هاماً جداً في الجرائم الأخرى التي حددها فقهاء المسلمين والتي تعرف باسم الحدود.

ما هي الحدود؟  

لا يمكن إيجاد مفهوم الحدود في قانون العقوبات الإسلامي في القرآن الكريم، ولكن تم الإشارة إليه في أحاديث يعتبرها المسلمون مُصَدَّقة وصحيحة[6]الحدود لغةً هي جمع حد، وتعني حاجز أو قيد. ذكر القرآن لفظ “حدود الله” أكثر من مرة يُحَذِّر فيها المسلمين بذنب إختراقها، وأنهم ينبغي عليهم ألا يقْرَبوها أصلاً (القرآن ٢:١٨)، لكن لا يُشيرالتعبير مطلقاً إلي بعض الجرائم المعينة (أنظر القرآن: ٢:٢٢٩، ٤:١٤، ٥٨:٤، ٦٥:١، ولكن ٤:١٤ ملحوقة بنقاشٍ عن الزنا).

كما وَضَّح الفقيه الشهير ابن تيمية (توفي سنة ١٣٢٨) أنَّ التحديدات الخاصة بتصنيفات الجرائم الخاصة بالحدود (وعقوباتها) في القانون الإسلامي ما هي إلا نتاج مجهود بشري وليست موجودة في النصوص[7]. ربما وَرِث الفقهاء الأوائل للمسلمين مفهوم تصنيف الحدود من إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لها ومن الأجيال الأولى للمسلمين. اتفق فقهاء المسلمين على أن الحدود تتضمن الآتي: الزنا، وشرب الخمر والقذف والسرقة والحرابة. واختلفت مدارس القانون الإسلامي حول تضمين ثلاثة جرائم للحدود: الرِّدة واِّللواطوالغِيلة[8].

وتشترك تلك الحدود في أنَّ عقوباتها منصوصُ عليها في القرآن والسنة، وأنها تعتبر جميعاً انتهاكات لحقوق الله عز وجل[9]. بالطبع فبعض هذه الحقوق يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان أيضاً، فمن الواضح أن السرقة (لمعرفة عقوبة السرقة انظر أدناه) والقذف والحرابة هي انتهاكات لحقوق الناس في الحياة والملكية و/أو الكرامة.

تقضي النصوص أن عقوبات هذه الجرائم بإيجاز هي كالآتي:

  • الِّزنا: يأمر القرآن بجلد المرأة والرجل الذين يرتكبون فاحشة الزنا ١٠٠ جلدة (القرآن ٢٤:٢)، ونص الحديث أنه إذا كان الشخص أعزباً ولم يتزوج قط فيجب أيضاً أن يتم نَفْيُه سنة[10]. لا تُجيز المدرسة الحنفية عقوبة النفي لأنَّها لا تعتبر الحديث صحيحاً، وبالتالي فالخديث لا يُعَد دليلاً قوياً لتغيير حكم كتاب الله. اجتمع فقهاء المسلمين على أن المقصود بالعقوبة المُشار إليها في الآية هم غير المُحْصَنين (غير المتزوجين)، لكن عقوبة المرأة والرجل المُحْصَنين (المتزوجين) المرتكبين لجريمة الزنا هي الرجم كما وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم[11].
  • السَّرقة: يَنُص القرآن علي قطع أيدي السارق والسارقة جزاء بما فعلوا ورادعاً مُحدداً بواسطة المَولى عز وجل (القرآن ٥:٣٨).
  • القذف: يقضي القرآن بأن أيما شخص يتهم آخر بالزنا ولا يأتي بأربعة شهود على ادِّعائِه أن يُجْلَد ٨٠ جلدة ولا تقبل له شهادةً أبداً (القرآن ٢٤:٤).
  • شرب الخمر: علي الرَّغم من أنَّ تحريم شرب الخمر والسُكْر جاء في القرآن، إلا أن عقوبته جاءت في السُنّة. أفادت  أكثر الأحاديث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بجلد شارب الخمر ٤٠ جلدة، لكنَّ الخلفاء عُمَر وعَلِي أمروا بزيادة هذا الحد إلى ٨٠ جلدة، وذلك بعد المشاورة مع الصحابة[12].
  • الحَرَابَة: يُستَنْبَط حُكْم هذه الجريمة من قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، ويَنُص القرآن علي أقصى عقوبة لها {أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (القرآن ٥:٣٣). تُجْمِع الأغلبية الساحقة للمسلمين على أنَّ هذه الآية أُوحِيَت عَقِب تَعَدِّي مجموعة بوحشية على راعي غنم وجعله أعمى وتشويهه بعاهات مستديمة قبل أن يقتلوه ويسرقوا بعيره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاقَب القتلة بنفس ذات الطريقة[13]. لكن الظاهرية شككوا في صحة الحديث وفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع أيدي وأرجل القتلة[14]. ربما كان السبب في هذا الاختلاف       حول العقوبة أنَّ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت قبل نزول هذه الآية[15]، لكن يُفهمْ هذا    الالتباس على أنَّ الحاكم/ الدولة لهم الحق في تحديد العقوبة المناسبة للحرابة[16].

لا تشمل الحدود ما تَعْتَبِره أغلب الأنظمة القانونية الجريمة القصوى؛ ألا وهي جريمة القتل، لكن هذه الجريمة لها عقوبة تندرج تحت ما يُسَمَّي بقانون العقوبات الإسلامي. بالرغم من أنَّ القرآن والسنة يُشِيروا إلى مفاهيم القتل والقتل الخطأ وكذلك الإصابات الجسدية في حق الآخرين على أنها تعديات خاصة تجاه الأشخاص وعائلاتهم، إلا أنَّ الدولة الإسلامية منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هي من تُقَدِّر وتُنَفِّذ العقوبة على مرتكبيها. كانت تُعَدْ هذه الأفعال انتهاكات للأُناس العاديين لكنها تَمَس أيضاً النظام العام والعنف واللَّذان يُعَدَّان من اختصاص الحاكم[17]. ولما كانت ترفع أسرة الضحية قضايا القتل (مُشابهاً للغرب حتى القرن التاسع عشر)، فالدولة (في شخص القاضي أو الحاكم) تكون أيضاً مسؤولة عن رفع قضايا الضحايا الذين ليس لديهم عائلة طبقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “ وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ ‏”‏[18]، وعادةً ما تتحمل الدولة أيضاً مسؤولية تعويض الضحايا وعائلاتهم إذا كان الفاعل مجهولاً[19].

رحمة المولى عزَّوجل وتطبيق الحدود  

يجب رَد الانتهاكات الواقعة على الأفراد لأنَّ هذه الانتهاكات تجعل النَّاس تعاني من ضررٍ حقيقي أو خسارة. وعلى الجانب الآخر، فالله غير مَضرور بالانتهاكات الواقعة بحقه. ففي حالة حقوق المولى عز وجل، رحمته هي التي تُعَرِّفْ الإجراء القانوني الإسلامي، فالمسلم البالغ العاقل الذي يعلم تمام العلم أن هذا الفعل معاقب عليه بأحد الحدود ومحرم من المولى عز وجل ومع ذلك مازال يفعله عمداً، فهو فقط أهلٌ للعقاب حتى من الناحية النظرية[20]. وفي هذا السياق، تختلف الجرائم الموجبة للحدود عن الانتهاكات لحقوق الأفراد مثل القتل الخطأ أو التعدي على ملكية الآخر بدون قصد حيث لا تكون النية شرطاً في هذه الحالة، وحتى عائلات الأطفال مُطالبين بتعويض الضرر لطالما كان ذويهم هم السبب فيه.

إنَّ المبدأ الرئيسي في تطبيق الحدود هو زيادة الرحمة إلى الحد الأقصى حيث نُصَّ على هذا صراحةً في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي ردَّدَه كثيرمن الصحابة ومنهم زوجته عائشة والخلفاء عُمر وعلي، ولكن أصح رواية للحديث هي: “ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة[21]. ولخّصَّ الفقهاء هذا الحديث علي مدار قرن من موت الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى “إدرءوا الحدود بالشبهات”[22].

قد يناقش البعض أنَّ هذا الحكم طَوَرَّه علماء المسلمين في الجيل التالي لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم  فقط للحد من قسوة عقوبات الإسلام. بمعنى آخر، أنهم وَرِثوا نظاماً يتضمن عقوبات قاسية وظنوا أنهم بحاجة إلى إيجاد حل لتجنُّب تطبيق مثل هذه العقوبات. وقد يدَّعي آخرون أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نصح بدرء الحدود جميعاً إذا كان ذلك ممكناً فقط لأنه غيرمتوافق مع العقوبات المنصوص عليها في القرآن.

لكن لا يمكن أن يكون أياً من هذه النظريات صحيحة حيث يَنُص القرآن على تأسيس نظام عقوبات قاسي وفي نفس الوقت يضع معياراً للإثبات يستحيل الوصول إليه. فيقضي القرآن بجلد من يأتي فاحشة الزنا ١٠٠ جلدة، ثم في الآية التالية لها مباشرة يأمر بجلد أي شخص يقذف آخر بالزنا ثم لا يأتي بأربعة شهود ٨٠ جلدة كحدٍ للقذف[23]. لماذا تفرض رسالة تسعى لبناء نظام قانوني عقوبات قاسية، وفي نفس الوقت تجعل تطبيقها مستحيلاً؟ سنناقش هذا لاحقاً، لكن الآن دعونا نتحول إلى الشبهات التي وضح علماء المسلمين تجنبها عند تطبيق الحدود.

أخذ علماء المسلمين الذين أسسوا هيكل علم الفِقه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم “ادرءوا الحدود” بجدية بالغة، حيث اتخذ القرآن بعض الإجراءات الوقائية مثل الإتيان بأربعة شهود على الزنا، وأُضيف عدداً كافياً من الأحاديث أشهرهم (هناك ست أمثلة معروفة) عندما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرجَم رجُل اعترف على نفسه بالزنا، فلما اعترف سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مجنوناً، ولما أصّرْ أن يُكمِل، اقترح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ربما قبَّلَ المرأة فقط[24]. ومن أجل منع الشهود من الزعم بأن الجنس كان يُمارس مع أنه يحتمل أنهم كانوا فقط يعانقون بعض أو يعتلون بعضهم البعض، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى الشهود العضو الذكري داخل العضو الأنثوي “حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا،  كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ”[25]. ولأن الرجل الذي اعترف، ويسمى ماعِز، أصرَّ على الاعتراف على نفسه أربع مرات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيوجِب أغلب علماء المسلمين الاعتراف على الأقل أربعة مرات بالزنا وما دون ذلك لا يمكن أن يُعاقَب عليه بالحدود[26].

وبناءاً على نفس القضية، قضية ماعِز، اتفق العلماء على أن للشخص المعتَرِف بالزنا الرجوع في اعترافه في أي وقت وبذلك لن يكون عُرضة لتطبيق الحد عليه. أخيراً، لا تعد حتى العلامات الخارجية مثل الحمل دليل على الزنا في رأي معظم الفقهاء. فعلى سبيل المثال، إذا كان زوج امرأةٍ ما مسافراً لعدة سنوات، يمكن أن يكون عاد إليها بأعجوبة[27] أو يمكن أن يكون تم اغتصابها. ومدرسة الفِقه الوحيدة التي لم تعتبر الحمل دليلاً قاطعاً على الزنا (بافتراض أنَّ المرأة لم تَدَّعي أنَّها تعرَّضت للاغتصاب) جعلت المدة التي يُحتَمَل أن تكون المرأة حامل فيها تصل لخمس سنوات.

عادةً لا يكون لهذه الادعاءات الإعجازية أو الخيالية أي ثِقَل قانوني في الشريعة. لكنها تعمل في حالة الشبهات التي يمكن أن تمنع تطبيق الحدود[28].

تَتَّضِح سعة هذه المساحة الهائلة في الشبهات فيما يتعلق بالجرائم الجنسية في مدرسة الفقه الحنفية، وهي المدرسة الرسمية في الإمبراطورية العثمانية، فعندما يتم الإمساك بالعاهرات وعملائهم لم يُعاقَبوا على الزنا طبقاً للشبهات (المُسَلَّم بها والغريبة) حيث أن الدعارة كانت في الأساس شبيهة بالزواج؛ الإثنان جنس مقابل مال (في حالة الزواج يكون المهر هو المال)[29]. ولم يكن ذلك لأنَّ علماء المسلمين كانوا يكنون أي نوع من أنواع العاطفة للدعارة أو لأنهم يجعلون الزواج وضيعاً هكذا، بل لأنهم كانوا يبحثون عن أي شبهة يمكن من خلالها وقف تنفيذ الحدود.  

أما فيما يخص السرقة، فالسرقة التي يُحَدْ عليها هي نوع معين من أنواع السرقات. أولاً: تُحَدِّد الأحاديث أن السرقة التي يُعاقَب عليها بقطع اليد هي السرقات التي تتعدى قيمة معينة[30]. في حديثٍ آخر- وكما عمل به الصحابة – يجب أن يُلَقَّنْ السارق مرتين انكار سرقته[31]. ويعني هذا في إجراءات المحكمة أنه حتى لو أُلقِيَ القبض على السارق متلبساً بالسرقة وشهد عليه شاهدي عدل أنه كان يسرق، كل ما عليه فعله أن يدَّعي أنَّ هذا الشئ كان مِلكه لخلق شبهة، وحينئذٍ لا يكون عُرضَة لقطع اليد[32]. طبقاً للمثال الذي سرق فيه رجل عباءة من تحت رأس رجل نائم، استنتج الفقهاء أنه لابد أن يكون الشئ مسروق من مكانٍ آمن (حرز)، وهو مفهوم يتم تحديده بالعُرف والحالات المحلية، ويُستحق بسببه تطبيق الحد[33]. استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً حالات اختلاس حدثت بشكلٍ صريحٍ في العراء[34]. وبالتالي اتفق علماء المسلمين على قائمة متطلبات واسعة النطاق لدرء جميع الشبهات (انظر ملحق متطلبات القطع نظير السرقة للسبكي). و نتيجة لذلك، كما وضَّح الفقيه ردولف بيترز: “شبه مستحيل أن يُحّدْ سارق أو زانِ، إلا إذا كان هو من يريد ذلك ويعترف.”[35] 

مَيَّزهذا النظام التشريعي الذي يجعل تطبيق الحدود مستحيلاً عملياً من خلال الشبهات حد شرب الخمر وبدرجةٍ أقل حد القذف. فإذا كان يفوح من شخصٍ ما رائحة الخمر، فلن يكون عُرضة لتطبيق الحد حتى إذا تم مشاهدته سكراناً وتقيَّأ نبيذاً. فطبقاً لمعظم الفقهاء لن يكون عُرضةً لتطبيق الحد لأنه قد يكون شرب نبيذ بدون قصد[36].  ولما اختلف علماء المسلمين على ما يوجِبْ حَد شُرب الخمر، أصبح معيار تطبيق الحدود هو إتباع قول الإمام الشافعي: “ومغيب المعنى لا يُحّدْ فيه أحد ولا يُعاقب إنما يُعاقب الناس على اليقين”[37].

لستَ مُسائَلاً؟ كيف يُعاقَب على الجرائم التي لا حدود لها

وجود الشبهات الذي يترتَّب عليه تجنُّب العقاب بالحدود لا يعني بالضرورة أن مرتكب الجريمة غير مُسائل عنها، بل بالأحرى سقطت جريمتهم ببساطة من النسق الأعلى وهو انتهاك حقوق الله إلى النسق الأقل وهو انتهاك حقوق العباد (أنظر جدول الشريعة أدناه). هذه الجرائم يُعاقَب عليها بالتعزير، وهو مرادف العقاب التقديري بواسطة القاضي. لذلك، فالسارق الذي قُبِضَ عليه متلبساً وشَهِد سَرِقَتَه شاهِدَي عَدْل (حد المعياري لأدلة الجرائم) وهو يسرق لوح ذهب من صندوق خِزانة آمنة بإمكانه أن يتجنب الحد ببساطة فقط بإنكاره الواقعة. نعم، لن تُقطَع يده، لكن لازال هناك أدلة كافية لإدانته بالسرقة على مستوى الغصب (الأمر شبيه ببيتي لارنسي، أو الاختلاس المدني الخاطئ في القانون العام). فإذا عُثِرَ علي رجلٍ وامرأة غير متزوجين عاريين في الفراش فلن يُعاقبوا بالزنا، لكن سيتم تأديبهم بقسوة. ويمكن للقاضي أو الحاكم أن يستنِد إلي سلطاتِه للحفاظ على النظام العام وعقاب الجرائم التي تَحدُث تحت عتبة الحدود. فعلى سبيل المثال، يُمكن ألَّا يُعاقَب شخصٌ تفوح منه رائحة النبيذ الكريهة بنفس مُستوى تطبيق حد شُرب الخمر، ولكنه لازال سيُعاقب دون هذا المستوى[38]. وفي حالة الحرابة، إذا تاب الفاعلون واستسلموا، ستُخرِجُهُمْ هذه الشُبهة من نطاق تطبيق الحدود، لكن مازالوا سيُعاقَبون على القتل والسرقة غير الموجبتين لتطبيق الحدود[39].

على عكس القوانين الأمريكية، تختلف أعباء الإثبات في القانون المدني عن قانون العقوبات، فالحماية الرئيسية من الجرائم الموجبة للحدود ليست عبء الإثبات (مع أن ذلك تقريباً غير قابل للتحقيق في جريمة الزنا)، ففتحة الهروب هنا مدعومة أكثر بقائمة الشُّبُهات غير المنتهية على نحوٍ وثيق، والتي يجب أن يراها القاضي كواجب عليه أن يبحث عنها.

 لا يزال قياس قانون العقوبات الأمريكي على نظيره المدني مفيداً بما أنَّه مازال بإمكانه مساعدتنا في فهم كيفية براءة شخص في إحدي التصنيفات القانونية بواسطة معيار أدلته مع إدانته على نفس ذات الفعل في تصنيف قانوني آخر. كان من السهل جداً إيجاد أدلة تثبت إدانة شخص بجريمة توجب التعزير عن إيجاد أدلة تثبت إدانته بجريمة موجبة للحدود. فعلى سبيل المثال، يمكن إدانة شخص بالسرقة الموجبة للتعزير بشهادة رجل وامرأتين في المدرسة الشافعية. وتُقبل شهادة العبيد في السرقات الغير موجبة للحدود في المدرسة الحنبلية[40]، ولكن لا تقبل أي مدرسة فقهية شهادة النساء أو العبيد في الجرائم الموجبة للحدود لأنَّه كلَّما فُرِضَت تقييدات أكثر، كلما زادت صعوبة إدانة الشخص المتَّهم بجريمة موجبة للحدود[41]. ولما كان التعزير في أساسه يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، فيمكن أن يكون هناك بعض العقوبات التي لا تخضع لأي معيار أدلة ثابت على الإطلاق.

العقاب التقديري تاريخياً هو العقاب الأولِّى في الشريعة، ففي بعض كليات الحقوق، طَوَّر الفقهاء جداول مُفَصلَّة للعقوبات داخل كلياتهم تتضمن أي عقوبة من عقوبات التعزيرالتي ستُطبق مع أيُّما جريمة موجبة لها. يُمثل كلٍ من الجَلْد والمَدّ (وهو ضرب باطن الرجل بخرزانة) والسَّجن (لحدٍ أقل) مناهج العقاب الأكثر استخداماً. على الرغم من أن هناك خلاف على تفاصيل هذه المسألة، إلا أن الفقهاء أجمعوا على الحد الأقصى لعقوبة التعزير وهو أنَّهم لا يمكن أن يصلوا إلى الحد المماثل لعقوبات الجرائم الموجبة للحدود. كان ذلك بسيطاً في حالتي الزنا وشرب الخمر، حيث أنَّ لهما عدداً معيناً من الجلدات، وكذلك في الجرائم الموجبة للتعزير مثلاً فبالنسبة لجريمة جنسية يمكن أن تصل عدد الجلدات إلى ٩٩ جلدة والنفي أقل من السنة بيومٍ واحد. أما السرقة فأمرها مختلف. كان يتم التعامل مع السرقات البسيطة عامةً بالجَلْد وفترات السجن القصيرة، بينما يُرسَل من يُعيد الكرَّه إلى سجن خاص باللصوص (لمزيد من أنواع العقوبات المستخدمة في الحضارة الإسلامية، أُنظُر ملحق أنواع عقوبات التعزير).

يُعَد كيفية وضع إطار لمفاهيم الحدود في السنة النبوية المُطَهَّرة ولاحقاً عند الفقهاء واحدة من أهم ملامح الدور المركزي لتجنُّب التًّجُسُّس (وهو البحث عن الأفعال الخاطئة في الخفاء) واحتياط الستر (وهو إيجاد أعذار، وغض الطرف عن السلوك الخاطئ المفعول خِفْيَة). وضعت جذور هذه المفاهيم في القرآن الذي يُحَرِّمْ التًّجُسُّس (القرآن ٤٩:١٢)، وفي السنة عندما كرَّر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام تجاهله لرجل أراد أن يعترف أنه “انتهك الحدود”[42]، وحذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً من التًّجُسُّس فقال:

” إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ [43].

فَهِمَ الصحابة هذا المبدأ كمفهوم رئيسي في الإجراء القانوني. فعندما أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ الصحابي الجليل وأمير الكوفة، “فَقِيلَ هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا”، فَكانت ردة فعل عَبْدُ اللَّهِ ابن مسعود الوحيدة هي قوله: “إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَىْءٌ نَأْخُذْ بِهِ.”[44]

تقول إحدى الروايات الموثوقة إن الخليفة عُمر سمع أصوات فَظَّة في بيت في المدينة، فتسلق عُمر الجدار ليجد رجل و إمرأة يشربون الخمر. وعندما واجه الرجل قال له أنه بينما كان يفعل ذنباً، فعل عمر ثلاثة: فقد انتهك الأوامر القرآنية بعدم التجسس على الآخرين وإساءة الظن بالآخرين (٤٩:١٢)، وتسلق الجدار وهو ما يُعتبر إتيان البيوت من ظهورها (٢:١٨٩)، ودخول البيوت بدون استئذان (٢٤:٢٧). فأقرَّ عُمَر بذنبه وغادر.

يقع عبء تطبيق الحدود كاملاً على عاتق الحاكم أو الدولة فيما يتعلَّق بالأوجه الأخرى من قانون العقوبات الإسلامي. وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّر من أنه حالما يصل العلم بارتكاب جريمة ما للسلطة، يجب أن تُعقد المحاكمة على الفور، إلا أن هذا التحذير كان مفاده ألا يتوقع أحد تفضيل[45].

وقد جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم صريحةٍ واضحة، والخلفاء الراشدين من بعده أنه باستطاعة السلطة إيقاف الحدود جميعاً متى رأت ذلك ضرورياً، كما حَكَم الرسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الجنود الذين سرقوا في غزوة، وأمر عمر الشهير بإيقاف حد السرقة أثناء المجاعة[46]. وكما كتب الفقيه الحنفي المشهورالكاساني  (توفي سنة ١١٩١): “لا يجوز إقامة الحد مع احتمال عدم الفائدة”[47].

التَّطبيق التاريخي للحدود في الشريعة الإسلامية

اعتبر قضاة المسلمين الذين طبقوا قواعد الفقه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرء الحدود بالشبهات أيضاً على أنه أمرٌ إلهي. تشير جميع الدلائل إلى أن الحدود كانت من النادر أن تُطَبَّق تاريخياً. قال دكتور اسكتلندي يعمل في حلب في منتصف ١٧٠٠م أنه شهد ٦ حالات تنفيذ حدود فقط خلال عشرون عاماً كاملة، وشَهِد أيضاً أنَّ السرقة كانت نادرة الحدوث، وإذا حدثت كانت تُعاقَب بالمدّ على القدمين[48]. وروى عالِم لغة عربية بريطاني شهير في مصر في منتصف ١٨٠٠م أنه لا يتذكر سابقة واحدة لتطبيق حد السرقة[49]، وتُفيد السجلات أن هناك حالة رجم واحدة فقط بسبب الزنا (بعكس المستعمرة الأمريكية/ الولايات المتحدة الأمريكية التي عُدِمَ فيها أكثر من خمسين شخص لجرائم جنسية مختلفة ما بين ١٦٠٨ إلى ١٧٨٥) علي مدار حوالي ٥٠٠ عام من حكم القسطنطينية بواسطة الإمبراطورية العُثمانية.[50] 

ولاقت نظريات الفقهاء الخيالية أو الشبه مستبعدة عن الشبهات مجالاً للتطبيق في الحياة العملية. اسْتُشهِد زوج سيدة مسلمة في الهند في الحرب في عام ١٥٠٠م، ثم وِجدت حين فجأة حامل وتم اتهامها بالزنا. فادَّعت أنَّ زوجها كان يعود كل ليلة جمعة بطريقة إعجازية ليزورها، واستُشير فقهاء المدرسة الفقهية السائدة وهي الحنفية ليفتوا باحتمالية حدوث مثل هذا الشئ[51].

أيضاً أصبح مفهوميّ عدم التجسس والستر ممارسات حقيقية. فقد أصبح كل من شرب الخمر والزنا والدعارة والشذوذ منتشرين في العصور الوسطى للحضارة الإسلامية. ومع ذلك، لا فالفقهاء المسلمون لا يفعلون شيئاً سوى مزيد من الشكوى من هذا الموضوع[52]. حتى ضلَّ فقيه في الهند المغولية طريقه وتاه مابين طُرُق جائرة من معاشرة النساء إلى إقامة حفلات السُّكْر. وعندما تسلَّقت الشرطة حائط منزله لاقتحامه وإنهاء واحدة من تلك الحفلات، وبخهم بتذكيرهم بحادثة الخليفة عمر بن الخطاب. فغادرت الشرطة على مضض (وسلَّم الفقيه نفسه لاحقاً، وكتب سيرته الذاتية).[53]

الأمثلة التي قُطِعَت أيدي السارقين فيها كانت صادمة للعامة. يَسرِد ابن بطوطة – العالم المغربي والمسافر (المتوفي حوالي ١٣٦٦) – قصة عن كيف قُتِل قاضي في مكة على يد شخص حكَمَ عليه بقطع يده لأنه سرق[54]. واستشاط الإمبراطور المغولي أكبر الأعظم (توفي سنة ١٦٠٥)غضباً عندما علم بأن قاضيه التنفيذي حكم على شخص بالإعدام لإدانته بجريمة موجبة للحدود حيث تلا مبدأ ادرءوا الحدود بالشبهات،  وبعدها عُزِل هذا القاضي من حكم الإمبراطورية، وأخيراً مات في المنفى.[55]

ويُعَد أفضل توضيح لكيفية أخذ القضاة لأمر”ادرءوا الحدود بالشبهات” على أنه واجب ديني هو الفضائح الشبيهة بالمسلسل التلفزيوني في قاهرة المماليك في سنة ١٥١٣. وكان لأحد قضاة المدرسة الفقهية الحنفية زوجة فاتنة وكان يرغبها أحد قضاة الشافعية فاستغل هذا القاضي الشافعي غياب زميله ودخل منزلهما ليباشر علاقة حميمة معها. ولكن كان هناك جار غيور هو الآخر يحبها رآهما وأبلغ الزوج الذي رجع بسرعة إلى المنزل ودخل غرفة نومه ليجدهما على سريره. توسَّل القاضي الشافعي إلى الزوج المستشيط غضباً ألا يفضحه في أوساط العامة، وتوسَّلت إليه زوجته بقولها “الستر مستحب في الشريعة”، لكن الزوج رفض وحبسهم في غرفة النوم حتى وصلت السلطات. وعند المواجهة، اعترف القاضي الشافعي بارتكابه الزناحتى أنه كتب اعترافه قبل أي قاضٍ آخر.

وعندما سَمِع السلطان المملوك الغوري  بهذه الفضيحة غَضِب من الفساد الظاهر بين قُضاتِه، لذلك طلب من قاضي شافعي أن يحكم (وكان حكماً صحيحاً) أنهم مدانين بالزنا ويجب أن يطبق عليهم حد الرجم. أكد القاضي التنفيذي الحكم، وابتهج السلطان الذي كان معروفاً عنه أنه مندفع في العقوبات واحتفل بعدله حين صرخ “أن التاريخ سيذكر أنه تم رجم شخص ما في عهده نظير فاحشة الزنا.

وفي نفس الوقت، سَحَب هذا الزوج مُرتَكِب الواقعة اعترافاتهم بالزنا ليجعلوا بذلك الفقهاء أصحاب الرِّيادة يكتبوا أن حد الرجم لابد أن يُترَك، فردَّ السلطان بغضب شديد: “أيها المسلمون! أَيذهب رجل إلى بيت آخر، ويرتكب الفاحشة مع زوجته، ويتم القبض عليهم متلبسين تحت فراشٍ واحِدْ، ويعترف الرجل بما فعل ويكتب اعترافه بيده، ويقولون بعد ذلك أن بإمكانه سحب هذا الاعتراف؟!” واجتمع السلطان مع كل القضاة والفقهاء الأعلى مقاماً في هذه المحكمة بما فيهم الإمام الشافعي التسعيني شيخ زكريا الأنصاري (المتوفى سنة ١٥٢٠) والذي كان يُعد الركيزة الأساسية للمدرسة الشافعية في ذلك الحين. وحذَّر أحد فقهاء الشافعية الرواد،برهان الدين ابن أبي شريف قائلاً “هذا حكم الله” في رده على السلطان محذِّراً بذلك أن أي أحد سينفِّذ الإعدام عليهم سَيُسأَل فيهم، ووافقه الرأي الشيخ زكريا الأنصاري. قرر السلطان تنفيذ الإعدام أياً ما كان  في سخطٍ شديد،، وعَزَلَ جميع القضاة من مناصبهم القضائية والتعليمية ونفى ابن أبي شريف.[56]     

يجب أن نُقدِر ما حدث في هذه الفقرة حيث قَبِلَ العديد من القضاة والعلماء القادة في قاهرة المماليك العزل من مناصبهم بل والنفي على أن يؤيدوا حكم تطبيق الحدود. ثم جاء نجم الدين الغزي (المتوفي سنة ١٦٥٠) بعدها بقرن ليكتب أنَّ السلطان المملوكي ارتكب جريمة بإعدامه شخصين بدون وجه حق قانوني، مع تجاهله لبروتوكولات الشريعة، وأن ذلك كان السبب وراء سقوط دولة المماليك والتي غزاها الإمبراطورية العثمانية بعد هذه الفضيحة بثلاثة أعوام.[57] 

و بعيداً عن الحدود كان القضاة المسلمين حذرين جداً في إصدارهم حكماً بعقوبة مالية أو جسدية. فعلى سبيل المثال، واحد من الأمثلة القليلة التي يستطيع أن يرفض فيها القاضي تطبيق حكم مدرسة فقهية أخرى إذا كانت هذه المدرسة لديها عقوبات أكثر قسوة في مسائل معينة كأن تكون تقضي بالإعدام نظير القتل.[58] فعندما أمر سلطان عثماني بإعدام بعض التجار الذين عصوا أمره بتثبيت الأسعار، تدخل فقيه إسلامي ليعترض بقوله: “ليس مسموح في الشريعة أن يُقتل هؤلاء الناس”، فأجاب السلطان أن هؤلاء التجار قد عصوا أمراً أصدره، فقال الفقيه: “ماذا لو لم تصلهم أوامرك؟”[59] 

لماذا تضع القواعد إذا كنت لن تَتَّبِعها؟ مقارنة القانون في المجتمعات ما قبل الحديثة مع المجتمعات الحديثة

عندما يقرأ طُلابي عن الشريعة الإسلامية، فإنَّ أول تعليقاتهم بعد معرفة الحدود هو”لماذا تُفرَض عقوبات إذا لم تكن ستٌطبِّقها؟” يضرب هذا السؤال جذور التعارض ما بين القانون الحديث وكيف يرى الناس الشريعة. فبالرغم من أنه قد يبدو واضحاً ومهماً بالفعل للعديد من الناس، فإنَّ فكرة أنَّ النظام القانوني يجب أن يعمل كآلة روتينية وبكفاءة ومتحرراً من العادات والتقاليد هى فكرة جديدة نسبياً، فهى نتاج التعديلات القانونية التي قام بها أمثال الفيلسوف وفقيه القانون الإنجليزي “جيريمي بنثام” (توفى ١٨٣٢م).

وعلى النقيض فقد كان وجود قوانين فى الكتب وعدم تطبيقها شيئاً عادياً قبل التعديلات القانونية الشاملة فى القانونى الأمريكى والبريطانى من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. وفى الواقع، إنَّ هذا مازال موجوداً في القانون الأمريكي إلى يومنا هذا، فكم مرة رأينا لافتات تُحَذِّرُنا من أنَّ إلقاء القمامة يُعَاقَب عليه بغرامة أقصاها ١٠٠٠ دولار؟ كم فرد منا يعرف شخصاً غَرِم ١٠٠٠ دولاراً بسبب إلقاءه القمامة فى الشارع؟ كم عدد طلبة الكليات المسموح لهم بالشرب قبل سن ٢١؟  نقتبس من “روبيرت جورج” باحث القانون المحافظ (وأيضا بول من طرسوس) قوله “القانون هو مُعلِّمُنا“، فهو ليس مجرد وسيلة لحل النزاعات أو لحفظ الأمن، بل هو تصريح من الأفراد المُخَوَّلين من المجتمع بتحديد كيف يجب أن يكون المجتمع.

وحدث تغييراً تاريخياً كبيراً آخر فى تطبيق القوانين، فكما نعلم انبثق تطبيق القوانين الحديثة من بريطانيا العظمى فى بداية القرن التاسع عشر. ولم يكن تصادفاً أن تصعد بريطانيا أيضاً كأول دولة إلى المستوى الجديد من التاريخ الإنسانى، ويمكن مقارنة هذا التغيير الكبير باستقرار البشرية كمجتمعات زراعية منذ ٥٠٠٠ سنة قبل أن تتحول إلى هذه المجتمعات الصناعية الحديثة. وتَضَمَّن هذا التغيير تغيرات أخرى فى كل مجالات الحياة البشرية من الثقافة والدين إلى التمثيل السياسي والنفوذ الاقتصادي.

كانت الدول ما قبل الحديثة مثل فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى كونها إمبراطوريات مهولة متعددة الجنسيات، غالباً ما تكون غير مركزية بدرجة كبيرة. فكانت سلطة الحاكم المباشرة ضئيلة خارج المناطق الكبيرة المتحضرة وغالباً ما كانت تبقى منحصرة حول العاصمة. سمحت التكنولوجيا مثل السكك الحديدية (ربطت السكك الحديدية بريطانيا ببعضها فى ١٨٥١ وتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية) والتلغراف (استُخدِم بانتظام منذ ١٨٥٠) للدول بأن تبسط سلطتها على شعوبها بطريقة كانت تبدو مستحيلة سابقاً. وفى ذات الوقت، ازداد لأول مرة عدد سكان مدينة مثل لندن نتيجة تطوير الرعاية والمرافق الصحية وبدون الحاجة إلى الاعتماد على المهاجرين (سابقاً، كانت معدلات الاعتلال بالأمراض فى المدن الأوروبية كبيرة لدرجة أنها كانت تُعَد كمائن الموت حيث كانت معدلات الوفاة أعلى من معدلات الإنجاب).[60] وفى عام ١٨٥٠ كان يعيش أكثر من نصف عدد سكان بريطانيا فى المدن، وهو حدث بارز تم التوصل إليه عالمياً فى عام ٢٠٠٠ مما كان يعنى زيادة معدلات الجرائم فى المدن أضعافاً مضاعفة.

أما فيما يتعلق بالقانون، فالمجتمع  والدولة الصناعية المتحضرة تعني ١) تحديات غير مسبوقة للقانون والنظام، ٢) رؤية جديدة لعالم مُنَظَّم عاقل تقنى وبيروقراطى، ٣) بالإضافة إلى التكنولوجيا والإدارة والموارد الإقتصادية اللازمة للسعي لهذه الرؤية ومجابهة التحديات الجديدة.

وبالتالي فإنه يَصْعُب تَصَوُّر كيف كان يعمل القانون والنظام قبل تطورات منتصف القرن التاسع عشرحيث لم تمتلك بريطانيا قوة شُرَطِيَّة منظمة حتي ١٨٣٠. وبالرغم من أنَّ مدن كبرى مثل “نيويورك” و”بوسطن” كوَّنت قوة شُرَطِيَّة فى ١٨٤٠، إلا أن قوات الشرطة الرسمية لم تُصبِح شيئاً عادياً فى الحياة المتحضرة الأمريكية فقط إلا بعد الحرب الأهلية.  ومن المثير للسخرية أنَّ قوات الشرطة السابقة فى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية تكوَّنت من دوريات من العبيد تَشَكَّلت منذ عقود لكي تتابع تحركات العبيد السود الأحرار خوفاً من حدوث تمرد.[61]

ولم تخلُ بالطبع المدن من القانون طوال هذه المدة، فبدايةً من عام ١٢٨٥ أصدر الملك البريطاني مراسيم لحماية الأمن العام فى لندن تماماً كما فعل”لويس الرابع عشر”(متوفى سنة ١٧١٥م) فى باريس، ولكن هذه المجموعات من الحراس المتخصصة غالباً ما كانت غير مهنية وكانوا متواجدين فقط فى العواصم. والأهم أنهم لم يشاركوا فى أعمال شرطية (دوريات)، ولم يُحَقِّقُوا فى طائفة كبيرة من الجرائم المُبلغ عنها. وينطبق نفس الشئ على مؤسسة الشرطة “شيهنا” أو “فاوجدار” (جميعهم بمعنى الشرطة نوعاً ما) فى الحضارة الإسلامية والتي يمكن التعرف عليها أكثر تحت حكم الخلفاء الأوائل.[62]

قبل القرن التاسع عشر كانت السلطة التنفيذية الرسمية الوحيدة  في المدن والقرى حول العالم هم الرتب المعادلة للمارشال أو نقيب الشرطة الذين كانت وظيفتهم هى متابعة المساجين وتوفير الأمن فى المحاكم، وكان من المفترض في بريطانيا أن يحدث الكثير من الصراخ والضوضاء إذا قام أحدهم بارتكاب جريمة خطيرة، وتقوم الحشود بجلب المجرم إلى المحكمة ليحاكم.[63] أمَّا خارج المدن الإسلامية الكبيرة كالقاهرة واسطنبول حيث كانت تتواجد المحاكم الشرعية بسهولة لكى تفصل ما بين المنازعات، كانت المنازعات في الأماكن الريفية داخل القرية أو الشبكات الأسرية تُسوَّى غالباً  بطريقة غير رسمية.[64]

إنَّ استحضار صورة المارشال ونقيب الشرطة تُذَكِّرُنا بالغرب المتوحش، وهذا شئ مفيد. ففي أفلام مثل “هاي نون” (١٩٥٢) أو “تومبستون” (١٩٩٣) كان المارشال وحده فى القرى قبل الحديثة، ويمكنه فقط في الأحوال الاستثنائية دعوة وإنابة المواطنين الطبيعيين في شكل قوات قليلة مسلحة (مختصرة عن قوات الإلتزام المسلحة). وتُحيِي بعض الأفلام ذكرى الخسائر والمكاسب التى تم الشعور بها عند الإنتقال من مساعدة النفس والمجتمع ما قبل الحديث إلى العالم الحديث الحالي الخاضع لنظام صارم ومبني للمجهول مثل “ذا ويلد بانش” (١٩٦٩) و”باتش كاسيدى” و”صن دانس كيد” (أيضاً ١٩٦٩) التي يقتل فيها مجموعات من الخارجين عن القانون الأقوياء المتحملون بلا رحمة بواسطة قطاع  قوات الدولة الحديثة.

لم تكن الدولة تمتلك الوسائل التي تمكنها من فرض النظام القانوني الذي نراه طبيعياً اليوم فى المجتمعات ما قبل الحديثة خاصةً الأعمال الشُرَطيَّة الوقائية والتحقيق فى الجرائم، حيث تَقبَع هذه الحقائق المهمة خلف شدة العقوبات الموجودة في القانون الإسلامي والعديد من الأنظمة القانونية قبل الحديثة بهذا الخصوص. ومع ذلك، فإن فقهاء القانون الجنائي لا يزالون يختلفون حول أفضل وسيلة لردع الجرائم، وكان النهج العام المُتَّبع هو نظرية النفع التى وضعها “بنثام”، وفرضيتها الأساسية هي المعادلة الآتية:

العقوبة المتوقعة (م) / قوة الردع = شدة العقاب (ش) x احتمالية القبض على المجرم (ا) …. م = ش x ا[65]

ووفقاً لنظرية “بنثام” فالأنظمة القانونية التي يتواجد فيها قوة شُرَطيَّة صغيرة أو غير موجودة أو أن الشرطة لا تشغل نفسها بالتحقيق فى الجرائم تكون احتمالية أن يقبض على مجرم متوسط الذكاء ضعيفة. فإذا كانت احتمالية إلقاء القبض على المجرم ضئيلة، فيجب أن تكون العقوبة شديدة لكى تستطيع أن تقوم بتحقيق ردع عام مؤثر. وهكذا كانت العقوبات المخيفة تُرى على أنَّها الوسيلة الوحيدة لردع المجرمين المحتملين الذين لن تتمكن الشرطة (مع قلة عددها) أن تصل إليهم. ويتَّضِح ذلك فى بريطانيا فى القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. فكان يوجد فى بريطانيا فى عام  ١٨٢٠ أكثر من ٢٠٠ جريمة يُعاقَب عليها بالإعدام ومنها سرقة خشب التدفئة وصيد الأسماك من بحيرة شخص آخر بدون ترخيص[66]، بالإضافة إلى عقوبة الإعدام لدى مستعمرة فيرجينيا فقط حال أخذ الخضروات أو الفواكه من حديقة.[67]

ولكن، كما حدث للحدود، أُعدِم عدد قليل من المُدانين بهذه الجرائم بالفعل. حيث لم يكن الغرض من القانون في بريطانيا أو مستعمراتها قتل الآلاف من مرتكبي الجرائم التافهة، بل كان الغرض هو إخافة الناس حتى لا يقوموا بمخالفة القانون. ومما لا شك فيه أنَّ القضاة والفقهاء كانوا يجدون ثغرات إجرائية لكى يستطيعوا تخفيف العقوبة، كتخفيض قيمة المسروقات عن قصد لكي يُخَفِّضوا نوع الجريمة من سرقةٍ كبرى (يعاقب عليها بالإعدام) إلى سرقة تافهة (يعاقب عليها بالجلد).[68]

وكما نرى فقد استطاعت التطورات التكنولوجية والقدرة الإدارية المذهلة أن تُغيِّر المشهد القانونى البريطانى فى منتصف القرن التاسع عشر وذلك عن طريق وجود شرطة أكثر كفاءة وسجون أفضل، والأهم أنه أصبح هناك خدمات محلية أفضل واقتصاد أكثر تطوراً، مما يعني القبض علي وإدانة عددٍ أكبرمن الجناة.[69]

زادت (ا) احتمالية القبض على المجرم بشدة،  فقلَّت (ش)  شدة العقوبات التبعية، وبالوصول إلى القرن العشرين أصبح لدى بريطانيا أربعة جرائم فقط يُعاقَب عليها بالإعدام.  

عقوبة قاسية وغير اعتيادية

لا يمكن أن تمر مناقشة لقانون العقوبات في الشريعة دون التعرض لمسألة النفور الغربي من الجلد بالسوط، والذي يعد أبرز أساليب العقوبات المستخدمة تاريخياً في محاكم المسلمين، والعقوبات الدرامية للحدود بقطع اليد والرجم.

نرى اليوم أن الاحتجاز في السجن هو الطريقة الطبيعية للمعاقبة على الجريمة لدرجة “أنه أصبح من الصعوبة أن نتصور ولو للحظة عندما لم تكن السجون لب العدالة الجنائية”- اقتباساً عن عالمٍ بارز- بينما في حقيقة الأمر لطالما كانت السجون هي الاستثناء وليست القاعدة للعقوبة في تاريخ البشرية[70]. فهذه السجون باهظة التكاليف إلى حدٍ كبير، خاصةً بالنسبة لدولة غير حديثة تعاني من العجز المادي بصورة دائمة تصاحبها مخاوف مستمرة حول الأمن.وعندما تغير الموقف في أوروبا  قُبيل القرن السابع عشر، كان الغرض الرئيسي من وجود السجون عالمياً هو حجز المشتبه بهم انتظارا للمحاكمة أو أثنائها وليس بغرض العقوبة.

و علي النقيض تعد العقوبة الجسدية أسرع وأرخص . وعلى الرغم من أنَّ العديد يدينونها اليوم ويتهمونها بالوحشية، فقد كان إنزال نوع من الألم بجسد الجاني الوسيلة الأساسية للمعاقبة على الأفعال غير المشروعة والخطيرة في المجتمع الإنساني. وقد كانت العقوبة المعتادة في أوروبا منذ العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر هي أنواع مروعة من التشويه كقطع اليدين والأصابع والأذنين والألسنة والحرق بملاقط ساخنة وتقطيع الأوصال وغيرها[71]. فقد أيَّد توماس جيفرسون فتح فتحة بقطر نصف بوصة في أنف امرأة مارست اللواط[72]. و للوقوف على مدى تغير هذا الوضع، يجب على المرء إدراك اتجاهات هامة في العقوبة الجنائية المصاحبة للتحول الصناعي في الغرب أوائل العصر الحديث.      

أتاحت هيمنة عقوبة الإعدام والعقوبات الجسدية القاسية المجال لأشكال عدة من العمل القسري والسجن والنفي إلى المستعمرات في القرن الثامن عشر في غرب أوروبا ولاحقا ببريطانيا. وعلي الرغم من أنَّه تم افتتاح أول سجن حديث بالقرب من فيلادلفيا عام ١٧٩٠، فإنَّ الفلسفة خلف إنشائه أخذت في التطور لعقود كنتاج مؤسسات العمل القسري في القرن السابع عشر خاصة في القارة الأوروبية. اصبحت السجون كمؤسسات تجمع بين الاحتجاز والعمل القسري من قِبل مرتكبي الجرائم الذين إذا لم يُعاقبوا بذلك كانوا سيعاقبون بالموت[73]. في مستعمرة كويكر ببنسلفانيا، بدأ مفكرون مثل الأب المؤسس بينجامين راش ( توفي سنة ١٨١٣) في صياغة نظرية للعدالة الإصلاحية والتي تنص على إلغاء العقوبات الجسدية القاسية وعقوبات الإعدام بغرض تنقية روح المُدان أملاً في الخلاص الأبدي[74]. ومن هنا انبثق أصل نظام الإصلاحية الأمريكي حيث وُزِّع المحتجزون على زنازينهم الصغيرة وأُعطوا حصص تموينية ضئيلة بغرض دفعهم إلى التركيز على التأمل واستشارة الكتاب المقدس. وقد تم تصدير هذا النموذج بصورة واسعة حتى بعد اعتباره علمانياً و وأنه يسمح بمزيد من التواصل الاجتماعي.

يبدو هذا المنحنى التاريخي مفهوماً وواضحاً بصورةٍ كافية ـــ بدءاً من العقوبة الجسدية وانتقالاً للسجون. يُفسِح هذا التشويه الوحشي الذي كان يقع في العصور الوسطى المجال لمزيد من عقوبات الإعدام الإصحاحية، وللعمل القسري في السجون والذي بدوره يعطي مجالاً للإصلاحية الحديثة حيث يعاد “تأهيل” المجرمين. ولكن بالكاد ما تكون الحقيقة بهذه البساطة. فبدلاً من التقدم من الوحشية للتنوير، أظهرت العقوبات الجنائية المفروضة في الغرب ببساطة مفاهيم ثقافية جديدة وبالغة الغرابة فيما يتعلق بما يكون وما لا يكون “عقوبة قاسية وغير اعتيادية”.

منعت أمريكا العقوبات الجسدية للعامة إلى نظام الإصلاحية وإعادة تأهيل الشخص المُدانْ من خلال توجيه روحه بشكل سليم، ولكن هذا التوجيه كان يتم بطرق شديدة الوحشية  أكثر شبهاً بسجن أبي غُريب من كونها مكاناً للعبادة. خلال منتصف القرن التاسع عشر، كان المسجونون يُجلَدوا بلا هوادة ويكمَّمون، ويوضعون في خزانات صغيرة حيث لا يستطيعون الانحناء او الاستلقاء، وتغرق وجوههم بماٍء it مثلج.

يبدو أن أكثر هذه المعالجات فتكاً كان إجبار المسجونين على قضاء فترات ممتدة من العزلة التامة والصمت القسري[75]. وكان يُُنظر إلى كل ما سبق ذكره على أنه أكثر إنسانية بشكل أو بآخر من طرق العقوبات السابقة ذات المناهج غير المستنيرة كوضع الأشخاص في مجموعات ليتم قذفهم بالفاكهة.      

ومن الممكن ملاحظة هذا الخلط المغلوط بين العرف الثقافي والتقدم المستنير في الحكم الاستعماري البريطاني في الهند. فعندما تولت شركة الهند الشرقية البريطانية مسؤولية تطبيق قانون الشريعة في المناطق الهندية التي كانت تقع تحت سيطرتها في أواخر القرن الثامن عشر، أثار هذا سخط المسؤولين البريطانيين وصدمهم. وكان ما أثار إحباطهم بالمقام الأول هو مدى صعوبة إعدام المجرمين تحت طائلة حكم الشريعة حيث اعتبروا هذا الحكم “تركيباً بربرياً” أن تقبل عائلة شخص  قُتِل تعويضاً مادياً من القاتل بدلاً من الإصرار على إعدامه. ولم يستطع المسؤولون البريطانيون رؤية هذا على أنه نوع من التعويض.

لكن ما صدم المسؤولون البريطانيون صدمة أخلاقية حقيقيةً هو استخدام حد القطع كعقوبة وفي نهاية المطاف منعوه عام ١٨٣٤.  ومن هنا نجد الارتباك الغريب الذي عبَّرت عنه إحدى السيدات البريطانيات من أن حاكم سيخي محلي نادراً ما كان يقوم بإعدام المجرمين، بل كان يعاقبهم بالقطع بدلاً من ذلك، ولم يعتبره رعاياه بشكل أو بآخر قاسٍ (القطع الذي أشار إليه البريطانيون لم يكن بالأساس قطع اليد ولكن كان عقوبة هندية تقطع فيها الأنف كأقصى درجات عقوبة التعزير، ومما يدعو للسخرية هو قيام الإمبراطور المغولي أورانجزيب (توفي سنة ١٧٠٧) بمنع هذه العقوبة باعتبارها غريبة على الشريعة)[76]. وُثِّقَ الهوس البريطاني بالعقوبة الجسدية إلى جانب الأسلوب المتعجرف تجاه أختها الكبرى وهي عقوبة الإعدام بصورة جمالية رائعة في العنوان الساخر لكتاب جيه فيش عن قانون الاستعمار في الهند حيوات رخيصة وأطراف عزيزة.                

كما أوضح مؤخراً أستاذ القانون الأمريكي بيتر موسكوس في كتابه دفاعا عن الجلد بالسوط أنَّ فكرة سجن شخص ما في زنزانة يكون أكثر إنسانية إلى حدٍ ما من تعريضه لألم جسدي ولفتره وجيزه ولكنه حاداً هو افتراض ثقافي خيالي وتُكذبه تماماً حقيقة حياة السجن في أمريكا. يشير موسكوس إلي أنه حتى في المجتمعات التي كان شائعا بها العقوبة الجسدية الوحشية “نادرا ما كان يوضع شخص في زنزانة للعقاب”، “وعليه”يختتم موسكوس كلامه “بأن قبولنا للسجون على أنها النظام الطبيعي هي غرابة تاريخية”[77]. تُعَد المعاملة في سجن أمريكي عام معتدلة مقارنةً بالإيداع في الحبس الانفرادي الذي يعد ممارسة شائعة في السجون الأمريكية. كما اكتشفت إصلاحيات القرن التاسع عشر الأمريكية أن الحبس الانفرادي يسبب ضرراً نفسياً هائلاً وغالباً ما يكون غير قابل للإصلاح. وتوصل المقرر الخاص للأمم المتحدة عن التعذيب في ٢٠١١ إلى أن قضاء خمسة عشر يوما فحسب في الحبس الانفرادي “يشكل تعذيب أو معاملة أو عقوبة مهينة وغير إنسانية” وأن بعد مرور هذه الفترة يمكن وقوع ضرراً نفسياً لا يمكن إصلاحه.                

 

تُزيد الإخفاقات العميقة لنظام السجون بالولايات المتحدة من اتهامه بأنه نوع من العقوبة القاسية وغير الاعتيادية. أولاً، فشلت سجون في الولايات المتحدة فشلاً زريعاً في إصلاح من يُرسلون إليها، وهذا لا يدعو للدهشة خاصةً وأن المُدانين لا يتم وضعهم مع نماذج إيجابية يُحتذى بها ولكن مع مجرمين آخرين في بيئة يؤكد ٥٪ من المسجونين بها أنهم تعرضوا لاعتداءاً جنسياً خلال العام الماضي فحسب حيث يعتبر تعاطي المخدرات ظاهرة متفشية[78]. وكنتيجة أصبحت الولايات المتحدة لديها أكبر عدد من المسجونين على مستوى العالم حتى الآن وثاني أعلى معدل لكل فرد.      

ثانياً، تعد سجون الولايات المتحدة قاسية وغير اعتيادية لأنها تؤدي إلى تدمير وتفتيت المجتمعات كما توضح آن ماري كوزاك أنًّه قُبَيل الحركة الإصلاحية، كانت العقوبة الجسدية أو الإذلال يُنَفَّذ علناً في ساحة المدينة على الأغلب. وقد يتعرض المجرمون لإذلالاً علنياً ولكن هذا الألم العلني “يؤدي بالمجرمين إلى فهم وجودهم في إطار ذلك المجتمع”[79]. قُبيل منتصف القرن العشرين، كانت تقع العديد من السجون في وسط المدن حيث يظل السجناء بالقرب من أسرهم، أما الآن فمعظم السجون تقع في مناطق ريفية بعيدة للغاية عن الحَضَر الذي يؤثِّر فيه الاحتجاز بصورة غير متناسبة. في أمريكا، وحتى بعد إطلاق سراحهم، يُحرَم المذنبون من حقهم في التصويت وغالباً ما يكونوا عاطلين عن العمل. يُحرَم حوالي ٥٫٣ مليون أمريكي ويُنكر حقهم في التصويت بسبب جريمة سابقة لولاها لكان لهم حق التصويت في مجتمعاتهم وفي العملية السياسية لبلدهم.[80]

ويتضح الاضطراب الأمريكي أكثر حول العدالة الجنائية في تطبيق عقوبة الإعدام. فعلي الرغم من استحداث بدائل للشنق من المفترض أن تكون أكثر إنسانية، فإنَّ الكرسي الكهربائي والحقنة القاتلة هي مجرد تخفيف لشكل العنف الذي يحدث عند التنفيذ. كما أشار قاضٍ فدرالي في الولايات المتحدة في حكمه بالإعدام عام ٢٠١٤ أن المجتمع الذي ينفذ أحكام إعدام لابد أن يقر بوحشية الفعل ولا يحاول أن يخفيه بوسائل من المفترض أن تكون أقل عنفاً (التي غالبا ما تفشل في أن تكون سريعة وغير مؤلمة كما يجب أن تكون).        

كيف يجب على المسلمين فهم الحدود في العصر الحالي؟

تغيب الحدود غالباً في الوقت الحالي عن الساحة القانونية، وفي حال ظهورها تكون هناك حالة جدل كبيرة. فإذا استثنينا عدداً قليلاً من الدول مثل نيجيريا[81] والسودان[82] وإيران[83] والسعودية، سوف نجد أن التشريعات القانونية في الدول ذات الأغلبية المسلمة قد حلَّ محلها قوانين أوروبية وبريطانية مُعدَّلة. إذاً كيف يفهم المسلمون مسألة غياب الحدود؟ هل يمكن لنا أن نُبرِّر غيابها أو – بنظرة أبعد – هل يمكن لنا أن نُبَرِّر عدم المطالبة بإعادة تطبيق الحدود؟ لقد اتبع العلماء المسلمون عدة اتجاهات عند مناقشة هذه المسائل العميقة. ففي منتصف القرن العشرين، كان يرى البعض أنه تم إيقاف العمل بالحدود بسبب الضغوطات الغربية أثناء فترة الاستعمار، وأن الحدود – في حال العودة إليها – ستساعد على خلق حالة من الانصياع للقانون والانسجام المجتمعي. وقد أكد هؤلاء العلماء أن العقوبات نفسها لن تُطبَّق إلا نادراً.[84] بينما رأي البعض الآخر مؤخراً أن إعادة تطبيق الحدود لن يكون مناسباً في المستقبل المنظور بسبب أن البيئة السياسية والاجتماعية التي نحن فيها ستجعل من المستحيل إزالة كل الشبهات بشكلٍ منهجي.[85] ومن المفترض أن هذا الوضع هو نتاج الاستعمار وعولمة القيم الغربية، ولكن من وجهة نظر بعض العلماء أنَّ هذا هو الحال طيلة الألفية السابقة حيث كان من النادر تطبيق الحدود فيها.

وعند التعمق بصورةٍ أوضح في النقاش، سنجد أنَّ أحد الآراء الشرعية يرى عدم وجوب العمل بالحدود في الوقت الحالي لأن “محل الحكم” غير موجود تماماً مثل شخص يحاول غسل عضو مبتور أثناء الوضوء. ويرى أصحاب هذا الرأي أنه بغض النظر عن السبب وراء إيقاف العمل بالحدود في الدول الإسلامية، فإنَّ غياب هذه الحدود يجعلها خارجة عن موضوع النقاش إلى أن يُقرر أحدهم إعادة تطبيقها. ويرى رأي آخر أن العصر الذي نحن فيه هو عصر “ضرورة “، وحيث أن القاعدة في الشريعة الإسلامية تقول أن ” الضرورات تُبيح المحظورات”، فإنَّ الدول الإسلامية الخاضعة للهيمنة أو التقييدات الأجنبية يجوز لها أن تتخذ من الطرق ما لم يكن مباحاً لولا ذلك.

أما العالم الموريتاني عبدالله بن بيه فله وجهة نظر مثيرة للاهتمام يعتمد فيها على حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يُحَرِّم فيه قطع يد الجندي المسلم الذي يسرق أثناء الحرب. فقد عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجلد بدلاً من قطع اليد، أو أنه أجل إقامة الحد فيهم إلى وقت لا يحتاج فيه إلى كامل القوات المقاتلة.[86] يقول ابن بيه على الرغم من أنهم لم يكونوا في أرض العدو فعلياً ولكنهم كانوا في “أرض اضطراب” حيث هناك حرج على كثير من المسلمين في تطبيق الحدود باعتبارها عقوبة جسدية قاسية.[87] 

إن ذلك يشبه كما لو أن الإسلام قد تعرض لغزو ثقافي، فالمسلمون ينفرون من التعاليم المُوحى بها إليهم.

ومن النقاط الجديرة بالذكر أنَّ العلماء المسلمين قد أكدوا على أنَّ الأمر الأساسي بالنسبة للمسلمين هو إيمانهم بأنَّ الشريعة هي القانون الأمثل وأنَّ الحدود مشروعة من الناحية النظرية. أما التطبيق الفعلي للحدود فهو خاضع لتقدير الحاكم أو الدولة وليس شرطاً لاعتبار المرء مسلماً.[88]

هل يمكننا أن نتجاوز هذا الجدل؟

هناك عدد من القضايا التي يطرحها الإعلام اليوم من أجل أن يشكك في كون الإسلام متحضراً، وهذه القضايا تتعدَّي مسألة الحدود حيث تُذكر بعض القضايا للإشارة عمداً أو عن غير عمد إلى وجود صراع حضاري بين رجعية الإسلام وتقدم الغرب. فعندما أعلن سلطان بروناي في ٢٠١٤ أنَّ الدولة سَتَشرُع في تطبيق القانون الجنائي للشريعة الإسلامية، بما في ذلك الحدود، كان هناك ضجة عالمية باعتبار ذلك رجعية “لعصور الظلام”، ومن هنا نجد أن بعض القضايا تعتبر سياسية شأنها في ذلك شأن الحدود.

في الواقع تعتبر الحدود موضوعاً مثالياً لخلق عاصفة من الجدل والشكوى. لقد لجأ الغرب في القرن العشرين – مع ظهور فوبيا العقاب الجسدي ركزت السجون على نهج العدالة الجنائية و زيادة التساهل في الامور الجنسيه ، واعتبرت الحدود تجسيداً وحشياً للعقاب الجسدي. أما في العالم الإسلامي وبعد المعاناة من الاستعمار وعولمة المبادئ الغربية برزت الحدود من جديد باعتبارها رموزاً للالتزام بالإسلام الصحيح بالنسبة للكثيرين. كما أن مبدأ إعادة تطبيق الحدود أصبح بالنسبة لكثير من الحركات الإسلامية الموجودة في أرجاء العالم رمزاً وجوهراً أساسياً لاسترداد أصالة الماضي الذي يتوقون إليه ولمستقبلٍ مستقل.

ولكي نكون منصفين، فإنَّ التمسك بالحدود باعتبارها رمزاً لمنهج صحيح متدين لا يعتبر فكرة حديثة، فقد كان هناك السلطان المملوكي الغوري الذي لا يعتبر استثناءاً عندما كان يتمنى المشاركة في رجم الزاني. لو نظرنا سريعاً إلي تاريخ القرون الوسطى للحضارة الإسلامية فسوف نجد العديد من الحكام و الأسر الحاكمة حَظِيت بثناء بسبب “تطبيقها حدود الله”. ولكن كما رأينا، كانت الحدود بالفعل مجرد رموز لفكرة تطبيق القانون الإلهي.

ولذلك فمن الصعب معرفة ما إذا كانت تلك الدول التي تطبِّق عقوبات الحدود في الوقت الحالي تمثل امتداداً للممارسات القانونية الإسلامية السابقة للعصر الحديث أم لا. ففي السعودية تُنفَّذ الحدود في الغالب بمعدلات أعلى مما كانت عليه في المجتمعات الإسلامي على مر التاريخ.[89] ولكن مع هذا تُعتَبر نادرة للغاية. ما بين عامي ١٩٨١ و١٩٩٢ طُبِّقت أربع عمليات إعدام عن طريق الرجم في السعودية، وخمس وأربعون عملية قطع لليد تطبيقاً لحد السرقة. وعلى سبيل المثال ففي خلال عام واحد (١٩٨٢-٨٣) سنجد أن هناك عمليتين فقط قُطعت فيهما اليد من بين ٤٩٢٥ حكم بالإدانة لجرائم سرقة، أما باقي المدانين قد عُوقبوا بالتعزير. بينما لم يتم رجم أي شخص من بين ٦٥٩ إدانة بجرائم جنسية عقوبتها الحدود في نفس الفترة الزمنية.  ونتجت الكثير من أحكام الإعدام عن عقوبات سياسية وليست حدوداً.[90] ففي نيجيريا فقد بقيت جميع الولايات الشمالية هناك متبنية لقوانين تعتمد على الشريعة، ولم يكن هناك إلا عدداً قليلاً من أحكام قطع اليد باعتبارها حداً للسرقة. كما كان هناك عمليتي إعدام على الأقل تنفيذاً لحد الزنا، ولكن في جميع الحالات بعد ذلك كانت هناك شبهات حالت دون تنفيذ الحدود في حق المتهمين.

فكما أنَّ هناك بعض المحافظين الأمريكيين الذين يدعون للعودة إلى اليوتوبيا الخياليه لخمسينات القرن العشرين، فإنَّ مطالبة الدول الإسلامية الحديثة باستعادة الماضي وإحياء الحدود هي في الغالب دعوة خياليه بدورها. فمن المتصور أن تُتَدارَك خسارة الهوية والاستقلال التي يشعر بها الكثيرون في  العصر الحديث. لذلك ليس مُستغرباً أن تقوم الدول التي تُطَبِّق الحدود اليوم بتقديم نفسها على أنَّها مقاومة للنظام الغربي الاستبدادي (مثل إيران) أو أن تَدَّعِي بأنَّها تُمَثِّل الإسلام الصحيح (مثل السعودية) أو أنها تقف على حدٍ فاصلٍ بين الثقافة الغربية وفرض القوة العسكرية من جانب والتقاليد الراسخة والهوية الأصلية من جانب آخر (مثل نيجيريا وباكستان وأفغانستان).

لذلك فمن شبه المستحيل أن نناقش اليوم الحدود دون الخوض في التوترات السياسية والنزاعات من أجل الهوية والاستقلال. ولذلك دعا العالم والمفكر الإسلامي طارق رمضان في ٢٠٠٥ إلى إيقاف العمل بالعقوبة البدنية والرجم وعقوبة الإعدام في العالم الإسلامي. وقد ترتب على ذلك أن تعرض لهجوم من منتقدين غربيين للإسلام ممن يرون أنَّ ما تتضمنه هذه الدعوة قليل للغاية، كما أنه تعرض لهجوم من علماء مسلمين أكثر تَحَفُظَاً يرون أن ذلك تعدٍ على أوامر الله.

فهل من الممكن أن نتخيل واقعاً مختلفاً تمر فيه الدولة الإسلامية المُركَّبة والعالمية بعمليات تطوير على مستوى التصنيع وتطبيق المركزية والتحضر، وتحافظ في الوقت نفسه على تطبيق سليم للنظام القانوني للشريعة؟

لقد قدمت الإمبراطورية العثمانية شيئاً شبيهاً بذلك إلى حد كبيرحيث مرت بمرحلة من التطور الواضح على مستوى التصنيع والتحضر. وعلى الرغم من أن العثمانيين كانوا بالتأكيد يشعرون بالضغوطات السياسية والثقافية من القوى الأوروبية، إلا إنهم نجوا من أسوأ النزعات الاستعمارية الغربية إلى أن بدأت الحرب العالمية الأولى.

يُعتَبَر تشريع العقوبات العثماني لسنة ١٨٥٨ تطبيقاً مذهلاً لقانون جنائي حديث يتوافق تماماً مع الشريعة. فقد تم إصدار هذا التشريع باعتباره جزءاً من عملية إصلاحية للدولة العثمانية شملت النظام بأكمله في ضوء التكنولوجيات الحديثة والتحديات الجديدة. كما أعاد قانون ١٨٥٨ تشكيل النظام الجزائي من خلال استبدال العقوبات الموجود بعقوبات أخرى مثل المدً على القدمين مع الأشغال الشاقة التي كانت تسمى (كوريك) والسجن والغرامة والنفي (مع الإبقاء على عقوبة الإعدام في بعض الجرائم)، ويُستَمد هذا التشريع في أغلب نصوصه بشكل شبه حرفي من قانون العقوبات الفرنسي لعام ١٨٣٢.

ومع ذلك لم يُخالط الشك المشروعية الإسلامية لهذا التشريع حيث كُتِب في أَوَّله “بسم الله الرحمن الرحيم”، وأجازته المؤسسة الدينية للدولة العثمانية التي بقيت على نهجها المحافظ بشدة حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية. ولم يذكر قانون ١٨٥٨ الحدود إطلاقاً، ولكن ذلك لم يكن بسبب أنها قد أُلغيت، بل لأنَّ التشريع كله قد اقتصر بشكل واضح على إعادة تنظيم عقوبات التعزير. وحيث أنَّ الحدود لم يكن لها حضور مؤثِّر في التطبيق القانوني، فإنَّ تعديل العقوبات التعزيرية كان بمثابة ترميم شامل للقانون الجنائي في الدولة العثمانية. وتمكَّن قانون ١٨٥٨ من تجنب الاعتداء على رمز مهم من رموز الشرعية الإسلامية عندما لم يُلغِ الحدود بل اكتفى بدلاً من ذلك بإيقاف مفعولها. وعلى الرغم من أنَّ العقوبات التي وضعها التشريع كانت فرنسية، إلا أنَّها كانت في الوقت نفسه إسلامية، حيث أنَّ هذه العقوبات كانت مستخدمة مِن قِبَل القضاة العثمانيين قبل ذلك، فالتعزير عقوبة تقديرية لم تُحدَّد في القرآن ولا في السنة. بالإضافة إلى أن الفقرة الأولى من قانون ١٨٥٨ تُلزِم بعدم انتهاك حقوق الأفراد التي يتمتعون بها في ظل الشريعة الإسلامية حتى أنها تحفظ حق أهل الميت في القصاص من القاتل في جريمة القتل العمد إن هم اختاروا ذلك.

لنتصور لو أن الإمبراطورية العثمانية لم تكن ضمن الفريق المُنهَزِم في الحرب العالمية الأولى وأنها بقيت قائمة حتى يومنا هذا محافظةً على تطبيق قانون العقوبات الخاص بها لعام ١٨٥٨ (والذي استمر حتى عام 1923 على أية حال) مع تغيرات طفيفة، هل كنا لنسمع نفس الاعتراضات التي نسمعها بشأن الإعدامات في السعودية أو إعادة تطبيق الحدود في بروناي؟  على الأرجح ليس بهذه الحدة وذلك لأن الحدود كانت ستستمر باعتبارها رمزاً، دون أن يكون لها دوراً ملحوظاً ضمن القانون.

ومما لا شك فيه كانت ستظهر بعض الاحتجاجات مثل الاحتجاج الذي قَدَّمته منظمة العفو الدولية على الإعلان الذي أصدرته دولة بروناي باعتبار أنَّ الشريعة تُمَثِّل مشكلة بسبب تحديد عقوبات قاسية ” لأفعال يجب أن لا تعتبر جرائم أصلاً”. والخلاصة أنَّ العديد من الاعتراضات، على الشريعة بشكل عام وعلى الحدود بشكل خاص، ليست بشأن عقوبات بعينها، بل هي بسبب إصرار المسلمين على وجوب إدانة أفعال مثل الزنا باعتبارها مجرَّمة في المقام الأول، أو لعله بسبب الإصرار على اعتبارها أفعالاً تستحق الاستنكار من الناحية الأخلاقية بشكلٍ مُطلَق.

ومن الجدير بالذِّكر أنَّ الجرائم التي تعتبرها المجتمعات الإنسانية على أنها أكثر الجرائم ضرراً وبشاعةً – القتل والاغتصاب – لا تدخل ضمن جرائم الحدود المتفق عليها. وربما جرائم الحدود ليس من الضروري أن تكون هي الأكثر مأساوية فيما يتعلق بالخسائر التي تلحق بالضحايا أو المجتمع. فالزنا وجريمة حد السرقة طبقاً للتعريف هي جرائم تُرتَكَب في الخفاء شأنها في ذلك شأن جريمة شرب الخمر التي يمكن أن تكون سراً، فهذه الجرائم وإن كانت بعيدة عن أنظار الناس جميعاً إلا أن الله يعلمها. إن رحمة الله جعلت تطبيق هذه القوانين الصارمة أمراً شبه مستحيل ولعلها وُضِعَت أساساً لتذكير الناس بِعِظَم الذُّنوب التي ارتكبوها والتي غالباً ما يفلتون من عقوباتها.

مُلحق: شروط تطبيق حد السرقة عند السبكي

لقد أصدر هذه الفتوى تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (توفى سنة. ٧٥٦/١٣٥٦) وهو أحد كبار علماء الشافعية وقضاتها، وينتمي إلى بيت من كبار بيوت العلم في دمشق:

يقول الشيخ الإمام –رحمه الله- لقد اتفقوا على وجود حد (العقاب) السرقة على من (تتوافر فيه الشروط التالية):

  • سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ
  • مِنْ غَيْرِ مَغْنَمٍ
  •  وَلَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
  •  بِيَدِهِ
  •  لَا بِآلَةٍ
  • وَحْدَهُ
  • مُنْفَرِدًا
  • وَهُوَ عَاقِلٌ
  • بَالِغٌ
  • مُسْلِمٌ
  • حُرٌّ
  • فِي غَيْرِ الْحَرَمِ
  • بِمَكَّةَ
  • وَفِي غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ
  • وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَجِيءُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ
  • فَسَرَقَ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ
  • وَمِنْ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ لَهُ
  • وَمِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا إنْ كَانَتْ امْرَأَةً
  • وَهُوَ غَيْرُ سَكْرَانَ
  • وَلَا مُضْطَرٍّ بِجُوعٍ
  • وَلَا مُكْرَهٍ
  • فَسَرَقَ مَالًا مُتَمَلَّكًا
  • يَحِلُّ بَيْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ
  • وَسَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ غَاصِبٍ لَهُ
  • وَبَلَغَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ
  • مِنْ الْوَرِقِ الْمَحْضِ
  • بِوَزْنِ مَكَّةَ
  • وَلَمْ يَكُنْ لَحْمًا
  • وَلَا حَيَوَانًا مَذْبُوحًا
  • وَلَا شَيْئًا يُؤْكَلُ
  • أَوْ يُشْرَبُ
  • وَلَا طَيْرًا
  • وَلَا صَيْدًا
  • وَلَا كَلْبًا
  • وَلَا سِنَّوْرًا
  • وَلَا زِبْلًا
  • وَلَا عَذِرَةً
  • وَلَا تُرَابًا
  • وَلَا مَغْرَةً
  • وَلَا زِرْنِيخًا
  • وَلَا حَصًى
  • وَلَا حِجَارَةً
  • وَلَا زُجَاجًا
  • وَلَا فَخَّارًا
  • وَلَا حَطَبًا
  • وَلَا قَصَبًا
  • وَلَا خَشَبًا
  • وَلَا فَاكِهَةً
  • وَلَا حِمَارًا
  • وَلَا حَيَوَانًا سَارِحًا
  • وَلَا مُصْحَفًا
  • وَلَا زَرْعًا مِنْ بَدَائِهِ
  • وَلَا ثَمَرًا مِنْ حَائِطٍ
  • وَلَا شَجَرًا
  • وَلَا حُرًّا
  • وَلَا عَبْدًا
  • يَتَكَلَّمُ وَيَعْقِلُ
  • وَلَا أَحْدَثَ فِيهِ جِنَايَةً
  • قَبْلَ إخْرَاجِهِ لَهُ مِنْ مَكَان لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِهِ
  • مِنْ حِرْزِهِ
  • بِيَدِهِ
  • فَشَهِدَ عَلَيْهِ
  • بِكُلِّ ذَلِكَ
  • شَاهِدَانِ
  • رَجُلَانِ
  • كَمَا قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ
  • وَلَمْ يَخْتَلِفَا
  • وَلَا رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا
  • وَلَا ادَّعَى هُوَ مِلْكَ مَا سَرَقَ
  • وَكَانَ سَالِمَ الْيَدَ الْيُسْرَى
  • وَسَالِمَ الرِّجْلِ
  • لَا يُنْقَصُ مِنْهَا شَيْءٌ
  • وَلَا يَهَبُهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَا سَرَقَ
  • وَلَا مَلَكَهُ بَعْدَمَا سَرَقَهُ
  • وَلَا رَدَّهُ السَّارِقُ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ
  • وَلَا ادَّعَاهُ السَّارِقُ
  • وَلَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا سَرَقَ
  • وَحَضَرَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ
  • وَادَّعَى الْمَالَ الْمَسْرُوقَ
  • وَطَلَبَ قَطْعَهُ
  • قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ السَّارِقُ
  • وَحَضَرَ الشُّهُودُ عَلَى السَّرِقَةِ
  • وَلَمْ يَمْضِ لِلسَّرِقَةِ شَهْرٌ

[1] كان يسمى التعويض المدفوع لعائلة الضحية ريجليد (ليت، ثمن الرجل) أو بوت، بينما يسمى التعويض المدفوع للملك أو الأمير وايت لاختراقه الموند (السلام): بروس آو براين، “القانون الأنجلو ساكسوني” في موسوعة أوكسفورد الدولية للتاريخ القانونيمعدلة بواسطة: ستانلي كاتز (دار نشر أوكسفورد لندن ٢٠٠٩) ١:٨٢ ميتلاند، التاريخ الدستوري لإنجلترا (كامبريدج: دار نشر  جامعة كامبريدج ١٩٠٨) ١٠٧-٩.

[2] هذا المصطلح المشهور لا يوجد في الدستور الأمريكي، بينما تم تبنيه في القانون الأمريكي حوالي سنة ١٨٠٠ من القانون الإنجليزي. أول ما نُصّ عليه رسمياً في القانون الإنجليزي كان في سنة ١٧٨٠، ولكن تم استعماله في سنة ١٧٧٠ من الرئيس المستقبلي حينئذ جون آدامز وروبيرت بين في دفاعهم عن الجنود البريطانيين المتورطين في مذبحة بوسطن، انظر“أصول بما لا يدع مجالاً للشك” بواسطة جيمس كيو ويتمان (نيو هافن: دار نشر جامعة يال ٢٠٠٨، ١٨٧، ١٩٣-٩٤ و http://digitalcommons.law.yale.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1000&context=fss_papers

[3] حِقي بهلجماكي وميا كوربيولا، “القانون الكنسي في العصور الوسطى: أصول قانون العقوبات الحديث” في الكتيب الارشادي الخاص بأوكسفورد لقانون العقوبات. طبعة ماركوس دوبر و تاتجيانا هورنل. (أوكسفورد، دار نشر جامعة أوكسفورد، ٢٠١٤) ، كينيث بينينجتون “برئ حتى تثبت إدانته: أصول مفهوم مكسيم القانوني” الفقيه ٦٣، (٢٠٠٣) ١٠٦-٢٤.

[4] أبو بكر الخساف، آداب القاضي، طبعة فرحات زيادة (القاهرة، مطبعة الجبلاوي، ١٩٧٩)، ٢٥٤

[5] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب اسم الفرس والحمار. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة

[6] صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب كم التعزير والأدب

[7]جوناثان براون “التعزير، موسوعة أوكسفورد للإسلام والقانون، (أوكسفورد، مجلة جامعة أوكسفورد، القادمة)

[8] تم إعداد هذه القائمة الزهيدة بواسطة المدرسة الحنفية الفقهية (ملحوظة: عند الأحناف تندرج الحرابة تحت بند السرقة)، وتعتبر كل المدارس الأخرى الردة واللواط من الجرائم الموجبة للحدود، والغيلة (وهي قتل المرء لسرقة ماله) عند المالكية تعتبر من الجرائم الموجبة للحدود وحدها الإعدام. أنظر وهبة الزحيلي، موسوعة الفقه الإسلامي ١٤ مجلد، (دمشق، دار الفكر، ٢٠١٠) ٥:٧١٤-١٥، صالح عبد السلام، آل أبي، الثمر الداني في تقريب المعاني، حاشيات رسالات ابن أبي زايد القيرواني، الطبعة الثانية، (القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، ١٩٤٤) ٤٢٣،٤٣٢، ٤٣٥  

[9] هناك بعض الاختلاف على القذف، حيث يعتبره بعض الفقهاء انتهاك لحقوق العباد فقط: منصور ابن يونس البوهيتي، الروض المربع، طبعة بشير محمد عيون، (دمشق، مكتبة دار البيان ١٩٩٩) ٤٦٦،  الخساف، آداب القاضي، ٢١٧، ٣٣٣، محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، طبعة محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمد حامد، عثمان، ٢٠ مجلد في ال ١٠، (القاهرة، دار الحديث، ١٩٩٤) ٦:٤٧٦، (الآية ٢٤:٤)

[10] صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب الاعتراف بالزنا؛ صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب الزنا، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

[11]كان هناك إجماع على حد الرجم نظير الزنا، حتى أن مدرسة المعتزلة الفقهية كانت ضمن هذا الإجماع (لكن لم يتفق مع ذلك الخوارج). في عام ١٩٧٣، صرح العالم والفقيه المصري المشهور محمد أبو زهرة (متوفي سنة ١٩٧٤) في مؤتمر في ليبيا أنه نفسه قد شكك في قوة إسناد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالرجم. و بأنه يعتبره عقاب شديد القسوة (روى ذلك عالمين وفقيهين جليلين حضروا المؤتمر: مصطفي زرقاء ويوسف القرضاوي، أنظر محمد أبو زهرة، الفتوى،  طبعة محمد بشير عثمان (دمشق، دار القلم، ٢٠٠٦) ٦٧٣. هناك نظرية حديثة أن الرجم كان تعزيراً، ومن ثم فهو يخضع للسلطة التقديرية، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قد أعطى “مخرجا” (قرآن ٤:١٥) للمسلم الغير متزوج البكر الذي ارتكب فاحشة الزنا بأن يجلد مئة جلدة، ثم زادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ينفى سنة خارج البلاد كنوع من أنواع التعزير،  وبناءاً على ذلك قد يكون حد الزنا بالنسبة للمتزوج نفس ذات الحد المذكور في القرآن بمائة جلدة، ثم زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها بالرجم كنوع من أنواع التعزير التقديري أيضاً. يُناقش دكتور جاسر عودة في كتابه نقض نظريات النسخ، أن الرجم كان قانون يهودي وكان يتم العمل به في أول الإسلام إلى أن تم نسخه بآيات سورة النور. أنظر جاسر عودة، نقض نظريات النسخ (الشبكة العربية للأبحاث، ٢٠١٣). والذي ظهر مؤخراً في هذه الفترة الحديثة، ويعتبر مثيراً للجدل  إلى حد كبير، هو فكرة أنه قد يكون هناك آية في القرآن تتحدث عن الرجم، وتم نسخها بواسطة الإله. ليس لدى أيٍ من علماء العصر الإسلامي ما قبل الحديث أية مشكلة مع فكرة أن القرآن كان يحتوي على آية تقول: “وارجموا الزانية والزاني النبلاء” ولكن أمر المولى عز وجل بحذف الآية وبقاء الحكم عاملاً. يقول عالم الحديث الشافعي/ الأشعري المشهور (البيهقي) أنه لم يشهد أي خلاف على إحتمالية وجود هذه الآية ثم نسخها كاملة من المولى عز وجل بما يسمى (نسخ التلاوة) مع بقاء حكمه. أبو بكر البيهقي، السنن الكبرى. طبعة محمد عبد القادر عطا، ١١ مجلد (بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٩) ٨:٣٦٧. على الرغم من إنكار عالم وفقيه قيادي في القرن العشرين يسمى عبدالله الغمري (المتوفى سنة ١٩٩٣)  لاحتمالية وجود ما يسمى بنسخ التلاوة واعتبره مستحيل عقلاً، غير أنه ضعّفَ جميع الأحاديث التي تثبتها على أنها أحاديث صاحبة رواية ضعيفة (آحاد)، وبالتالي لا تملك هذه الأحاديث أية فرصة أمام يقين الآيات القرآنية. كما يلاحظ أن أكثر الأدلة اعتماداً من الذين يخالفونه الرأي هي الروايات عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عمر في صحيح البخاري) أنه قلِقْ من أن يهجر الناس حد الرجم لأنه غير موجود في كتاب الله، لا تتضمن في الحقيقة القول صراحةً بأن الآية كانت موجودة ونسخت كما آشار ابن حجر (مع أن ابن حجر لا يشكك في احتمالية وجود الآية ونسخها، عبدالله بن الصديق الغمري، ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة. الطبعة الثانية. (القاهرة، مكتبة القاهرة، ٢٠٠٦) ١٢: ١٤. صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب الاعتراف بالزنا. أغلب العلماء لا يقبلوا مناقشة الغمري. لسبب واحد، أنه جاء في رواية حسنة عن عمر رضي الله عنه أنه قال “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا” (صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب رجم الحبلى من الزنا اذا احصنت). وعلى الرغم من أن الغمري لا يناقش هذا الحديث، إلا أنه يرفض جميع الأحاديث التي تقول بإن كان هناك آية تم إزالتها. أنظر ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، طبعة عبد العزيز بن الباز، ومحمد فؤاد عبد الباقي ( بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٧) ١٢: ١٦٨ ، ١٧٣-٧٤. أنظر أيضاً: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، #٢٩١٣.         

[12]  صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب حد الخمر

[13] صحيح مسلم: كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المرتدين والمحاربين.

[14] سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب ما جاء في المحاربة.

[15] جامع الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

[16] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٣:٥٠٩-١١.

[17] مالك، الموطأ: كتاب الحدود، باب ما جاء فى الرجم: باب ترك الشفعة للسارق إذا بلغ السلطان.

[18] مسند ابن حنبل (طبعة الميمنية)، ٤:١٣٣ (حديث: من ترك مالاً فلورثته ومن ترك ديناً أو ضيعة فإلى وأنا ولي من لا ولي له إفك عنه وارث ماله والخال ولي من لا ولي له يفك عنه ويرث ماله)٤:١٣١ (تضيف هذه الرواية قوله”أعقل عنه”): ٦:٤٧.

[19] الشافعي،كتاب الأم (بيروت: دار المعرفة، ١٣٩٣/١٩٧٣)، ٦:٢١: أنظر أيضاً موفق الدين بن قدامة، المغنى، عبد الله الطارق و عبد الفتاح الحلو,١٢ مجلداً. (القاهرة: الحجر، ١٩٨٦) ٩:٤٧٦ ١٠:٩ ٢٢: محمد السرخسي، المبسوط، ٣٠ مجلداً. فى ١٥.( بيروت: دار المعرفة (١٩٧٨))، ١٠:٢١٩ : البهوتى، الرواد المرابى، 461: أحمد القدوري، المختصر، ترجمة طاهر محمود كيانى (لندن: طه للنشر، ٢٠١٠)، ٥٣٠-٣١

[20] قياساً على الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم “رفع القلم (عن كتابة أعمال الناس) عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يعقل وعن الصبي حتى يبلغ” على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل اعترف بالزنا “أتعلم ما الزنا” وعلى فعل الخليفة عمر حيث حكم بأن ” لا حد إلا على من عرفه” : سنن أبو داود: كتاب الحدود، باب فى المجنون يسرق أو يصيب حداً:  سنن أبو داود: كتاب الحدود باب رجم ماعز بن مالك: البيهقي، سنن الكبرى ٨:٤١٥. أنظر أيضاً القدوري، المختصر، ٥٤٤.

[21] يمكن إيجاد هذا الحديث في جامع الترمذي (كتاب الديات، باب ما جاء في القصص)، و توجد نسخة شبيهة رواها أبو هريرة (سنن ابن ماجه: كتاب الحدود، باب ما جاء في الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات)(ضعفه الكل). فقهاء مثل الترمذي و البيهقي يعتبرون الرواية منسوبة إلى عائشة و ليس النبى صلى الله عليه وسلم لتكون موثقة أفضل: البيهقي، سنن الكبرى، ٨:٤١٣. ولرؤية صحابة آخرين بنفس الأقوال، انظر البيهقي، السنن الكبرى،٨:٤١٣-١٥. وفقاً لابن حجر، فإن أكثر نسخة يعتمد عليها هى قول عمر”  أن لا أقيم الحد للبس أفضل عندى من أن أقيمه على لبس”. أنظر شمس الدين السخاوي، المقاصد الحسنة. محمد عثمان الخشت (بيروت: دار الكتاب العربى، ٢٠٠٤) ٤٢.

[22]  أنظر انتصار راب، “المبدأ القانوني الإسلامي كقواعد تشييد موضوعية:اجتناب الحدود في حالة الشك” القانون الإسلامى و المجتمع ١٧ (٢٠١٠): ١٢٥-٦٣.

[23] القرآن 2:24، 4يؤكد القرآن من جديد على الحاجة إلى أربعة شهود فى الآية ٢:١٥.

[24] صحيح البخاري: كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب لا يرجم المجنون ولا المجنونة، باب حال يقول الإمام للمقر لا أراك لامست أو غمزت، صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب حد الزنا، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

[25] سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، باب فى رجم اليهوديين.

[26]  ابن الأمير الصنعاني، سبل السلام . محمد عبدالرحمن المرعشلي. الطبعة الثالثة,٤ مجلدات.(بيروت: دار إحياء التراث العربي,٢٠٠٥)، ٤:٩.

[27]  عبدالوهاب الشعرانى، الميزان الكبرى، مجلدان. فى 1( القاهرة: مكتبة زهران. إعادة طبع نسخة ١٨٦٢ القاهرة من مكتبة القسطيلية)، ٢:١٤٥.

[28] سليمان البجيرمي، حاشية البجيرمي على المنهج (القاهرة: مكتبة محمد شاهين، ١٣٨٠/١٩٦٠)، ٣٤٥: الملا علي القاري، شرح مسند أبي حنيفة . خليل محيى الدين الميس (بيروت: دار الكتب العالمية)، ٤٨٧ محيى الدين النووي، المجموع. محمد نجيب المطيعي ( جدة: مكتبة الإرشاد)، ٥:٢١١.

[29]  جيمس بالدوين،” الدعارة، القانون الإسلامي و المجتمعات العثمانية”، مجلة الاقتصاد و التاريخ الاجتماعي للشرق ٥٥ (٢٠١٢)، ١٢٥.

[30]  صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب قول الله تعالى “والسارق والسارقة….”

[31]  سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب في التلقين في الحدود: سنن النسائي، كتاب قطع السارق، باب تلقين السارق.

[32]  الملا خسرو، دار الحكم شرح غرر الحكم، مجلدان.( اسطنبول: فاز، إعادة طبع نسخة الأميرية) ٢:٨٢.

[33]  البهوتي، روض، ٤٦٩: سنن أبو داود: كتاب الحدود، باب من سرق من حرز.

[34] جامع الترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء فى الخائن والمختلس والمنتهب.

[35] رودولف بيترز، الجريمة والعقاب فى القانون الإسلامي (كامبريدج: دار نشر جامعة كامبريدج، ٢٠٠٥)، ٥٤. تم ملاحظة ذات الوضع من البريطانيين في تطبيق عقوبة السرقة في الهند في أواخر القرن السابع عشر. أنظر جورج فيش، حيوات رخيصة وأطراف عزيزة: التحويل الإنجليزي للقانون الجنائي البنغالي ١٧٦٩-١٨١٧ (فيسبادن: فرانز شتاينر، ١٩٨٣)، ٧٦.

[36]  الصنعاني، سبل السلام، ٤:٤١ البهوتي، روض، ٤٦٧.

[37] البيهقي: السنن الكبرى ٨:٥٤٩

[38] البهوتي، روض. ٤٦٧

[39] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ٣:٥١٥

[40] الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ٤:١٧٦، الشعراني: ميزان الكبرى ٢:٢٢٥

[41] الشعراني، ميزان الكبرى، ٢:٢٢٧

[42] صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إذا أقر بالحد….، صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في قوله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} 

[43] سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس.

[44]  سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس.

[45]  سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب العفو في الحدود ما لم تبلغ السلطان.

[46] سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب السَّارِقِ يَسْرِقُ فِي الْغَزْوِ أَيُقْطَعُ.

[47] لا يجوز إقامة الحدود مع احتمال عدم الفائدة، أبو بكر الكاساني، بدائع الصنائع (بيروت، دار الكتب العلمية ٢٠٠٣) ٩:٢٤٨

[48] أليكساندر راسل، التاريخ الطبيعي لحلب، المجلد ٢ (لندن، بدون ناشر،1794) ١:٣٣١.

[49] إدوارد لين، عادات وتقاليد المصريين الجدد (نيو يورك، كوزيمو، ٢٠٠٥) ١١٢. 

[50] فاريبا زارينباف شهر، “النساء في نظر العامة في القرن الثامن عشر في اسطنبول” ٣٠٢- ٣٠٤: آن ماري كوزاك، قاسي وغير اعتيادي

[51] عبد القادر البدايوني، منتخب التواريخ مترجم، دابليو هيتش لوي (ديلهي، دار نشر رينيسانس، ١٩٨٦) ٣:١٤٦.

[52] انظر على سبيل المثال، السيوطي يشتكي أن المواخير ما زالت تعمل في القاهرة، السيوطي، التحدث بنعمة الله، طبعة إليزابيث سيرتاين (القاهرة، المطبعة العربية الحديثة ١٩٧٢) ١٧٥.

[53] اسم هذا الفقيه سعد الله بن إسرائيل، بدايوني، منتخب، ٣:٨٨. لهذه النقطة في تحريم التجسس، انظر سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس.

[54] ابن البطوطة، سفريات ابن البطوطة. طبعة هيتش ايه ار جيب، المجلد ٣، (نيو ديلهي، مونشير مانوهرنال، ٢٠٠٤) ٢:٢١٩.

[55]البدايوني، منتخب التواريخ، 129:3-130.

[56] محمد بن أحمد بن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، طبعة محمد مصطفى (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتب ١٩٨٤) ٤: ٣٤٠-٤٥، نجم الدين الغزي الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، طبعة جابر الجبور، ٣ مجلدات، (بيروت، دار الآفاق الجديدة، ١٩٧٩) ١: ١٠٢-٠٥، ٢٩٥

[57] الغزي، الكواكب السائرة ، ١:١٠٣

[58] الخصاف، أدب القاضى، ٣٤٩.

[59]  محمد بن علي الشوكاني، “رفع الأساطين فى حكم الإتصال بالسلاطين فى الإسلام” فى مجموع فيه سبع رسائل الإمام المحقق محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني. طبعة محمد الصغير المقطري (بيروت، دار ابن حزم، ٢٠٠٤) ٣-٤٥٢

[60] أندرو ليز، المدينة: تاريخ العالم (لندن: دار نشر جامعة أوكسفورد. ٢٠١٥)، ٤٩.

[61] ج.إدوارد وايت، تاريخ القانون الأمريكى: مقدمة وجيزة (أوكسفورد: دار نشر جامعة أوكسفورد، ٢٠١٤ ) ٧٤.

[62]  صحيح البخاري: كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه…

[63] لورانس م. فريدمان، تاريخ القانون الأمريكى، الطبعة الثانية.(نيويورك: سيمون و شوستر، ١٩٨٥)، ٥٧٧.

[64] وائل حلاق، الشريعة ( كامبريدج: دار نشر جامعة كامبريدج، ٢٠٠٩)، ١٦٣.

[65] استخلصت هذه المعادلة من خلال ملاحظات محاضرة البروفيسور نيل كاتيال أثناء دراسة القانون الجنائي فى كلية حقوق جورجتاون، ٩/١١/١٥

[66] اى. بى. تومبسون، شعر مستعار و صيادون: أصل القانون الأسود (نيويورك: دار نشر بانثيون للكتاب، ١٩٧٥)، ٧٧-٢٧٠.

[67]  كوزاك،  قاسى وغير اعتيادي، ٢٨-٢٩..

[68] جى.اس. كوكبرن، تاريخ محاكم الجنايات البريطانية ١٥٥٨- ١٧١٤ (كامبريدج: دار نشر جامعة كامبريدج، ١٩٧٢)، ١٢٨-١٣٣..

[69] جى.جى. توبياس، الجريمة والمجتمع الصناعى فى القرن التاسع عشر (نيو يورك: دار نشر شوكين, ١٩٦٧)،  ٥٠-٢٤٩.

[70]  نورفل موريس ودايفيد جي. روثمان، محررون، تاريخ أكسفورد للسجون (نيويورك: جامعة أكسفورد للنشر، ١٩٩٨)، ١٢.

[71]  جون لانجبين، “الأصول التاريخية لعقوبة السجن للجرائم الخطيرة”، مجلة الدراسات القانونية5، رقم ١ (١٩٧٦): ٣٦.

[72]  كوزاك، قاس وغير اعتيادي، ٢١.

[73]  جون لانجبين، “الأصول التاريخية لعقوبة السجن للجرائم الخطيرة”، ٥١.

[74]  كوزاك، قاس وغير اعتيادي، ٣٦، ٤١-٤٤.

[75]  كوزاك، قاس وغير اعتيادي، ٥٣-٥٦.

[76]  رديكا سينجا، تعسف القانون: الجريمة والعدالة في أوائل الهند المستعمرة (دلهي: جامعو أكسفورد للنشر، ١٩٩٨)، ٣، ٩، ٢٤، ٥٢، ٥٤-٥٥. .

[77]  بيتر موسكوس، دفاعا عن الجلد بالسوط (نيويورك: بيزك، ٢٠١١)، ٥٠.

[78]  موسكوس، دفاعا عن الجلد بالسوط، ٥٢، ٥٦.

[79]  كوزاك، قاس وغير اعتيادي، ١٣.

[80]  موسكوس، دفاعا عن الجلد بالسوط، ٧٤.

[81] جونار جي ويمانن، “نيجيريا،” في موسوعة أكسفورد للإسلام والقانون. أكسفورد للدراسات الإسلامية على الانترنت. ٥ ديسمبر ٢٠١٦. http://www.oxfordislamicstudies.com/article/opr/t349/e0071

[82]  بقيت الحدود مطبقة في السودان منذ عام ١٩٩١. وأكثر مظهر لها هو الجلد بسبب شُرب الخمر؛ أولاف كوندجين “السودان،” في موسوعة أكسفورد للإسلام والقانون. أكسفورد للدراسات الإسلامية على الانترنت. ٥ ديسمبر ٢٠١٦.

http://www.oxfordislamicstudies.com/article/opr/t349/e0079

[83] تطبيق  قطع اليد باعتبار حد للسرقة أمر نادر جداً في إيران حيث أن مذهب الشيعة الإمامية هو قطع رؤوس الأصابع وليس اليد. كما أن الرجم لا يُطبق. حسن ريزاي، “إيران،” في موسوعة أكسفورد للإسلام والقانون. أكسفورد للدراسات الإسلامية على الانترنت. ٥ ديسمبر ٢٠١٦.

http://www.oxfordislamicstudies.com/article/opr/t349/e0056

[84] عبدالحليم محمود، فتاوى، مجلد ٢. (القاهرة: دار الشروق، ٢٠٠٢)، ٢:٤٣٤ محمد سلطان، الإسلام عقيدة وشريعة، الإصدار الرابع عشر. (القاهرة: دار الشروق، ١٩٨٧)، ٤-٣٠٢.

[85] على جمعة، البيان لما يشغل الأذهان (القاهرة: المقطم، ٢٠٠٥)، ٢-٧١ انظر حوار في ٢٠١٣ مع يوسف القرضاوي والنص الخاص بالحوار.

[86] سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب السارق يسرق في الغزو ويُقطع.

[87] عبدالله بن بيه، تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع (الإمارات العربية المتحدة: منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ٢٠١٤)، ٥-٨٣.

[88] شلتوت، فتاوى، ٤٥ جمعة، البيان، ٧١ ابن بيه، تنبيه، ٤-٨٣.

[89] كنوت فيكور، بين الله والسلطان: تاريخ الشريعة الإسلامية (أكسفورد: صحافة جامعة أكسفورد، ٢٠٠٥)، ٢٦٦.

[90] فرانك فوجيل، الشريعة الإسلامية والنظام القانوني (لايدن: بريل، ٢٠٠٠)، ٢٤٦-٤٧ فيكور،٢٦٦.

Avatar

Jonathan Brown

Dr. Jonathan A. C. Brown is a Director of Research at Yaqeen Institute, and an Associate Professor and Chair of Islamic Civilization at Georgetown University. He is the editor in chief of the Oxford Encyclopedia of Islam and the Law, and the author of several books including Misquoting Muhammad: The Challenges and Choices of Interpreting the Prophet's Legacy.