Yaqeen Institute for Islamic Research
living-abrahams-legacy-relevance-of-rites-and-rituals-in-the-modern-age-hero-image

معايشة التراث الإبراهيمي: ملاءمة العادات والتقاليد مع العصر الحديث

لا تزال صور الحج إلى مكة المكرمة تجتذب أنظار العالم حتى يومنا هذا، فالناس حول العالم تنتابهم مشاعر الدهشة والتساؤل عند مشاهدة شعائر الحج ومناسكه وما يرجونه أفواج الحجاج الذين يأتون سنويًا لأداء فريضة الحج، بل إنهم يتسألون “ما هي أهمية الحج؟” أو“ما هو الغرض من شعائر الحج في هذا اليوم وفي هذا الوقت بالتحديد؟”

ونحن في هذا البحث نناقش مدى أثر هذه الشعائر وكذلك نسلط الضوء على فوائد شعائر الحج وأهميتها على وجه الخصوص، وفي غمار هذا النقاش نخوض جولة سريعة على مقتطفات من موضوعات ذات صلة بهذا البحث؛ من الأنثروبولوجيا وعلم النفس والتوحيد والفقه والتفسير والفلسفة، والأهم من ذلك – القيم الروحانية الإسلامية.

ما أهمية الشعائر؟

إن العادات والتقاليد الدينية في العالم الحديث يُنظر على أنها ليست إلا إرثًا من العصور المظلمة التي نشأت مجتمعاتها في ظل عصر الصناعة الحديثة، إذ يعتبر الكثيرون أن الكسب المادي هو الفضيلة الأسمى وأنه الهدف الوحيد الذي يسعى إليه السلوك البشري، فهذا الفكر يعتبر أن ممارسة العادات والتقاليد سلوكيات غير عقلانية لا تقدم أي قيمة ملموسة، بل إنه يؤمن بأن أهدافه لن تتحقق إلا بالتقدم الاقتصادي والتقني.

ووفقًا لكاثرين بيل فإن “الجدل السائد بأن الشعائر والدين يتراجعان بالتناسب مع الحداثة كان ولا يزال بمثابة شيء مستمد من الواقعية الاجتماعية منذ منتصف القرن التاسع عشر”[1].1فهذا المنطق التقليدي يرسخ فكرة الشعائر بتناقض مباشر مع السبب ذاته، وكما قال شيلبراك: “في حين أن العقول البدائية بحاجة إلى شعائر وطقوس لتهدئة النفوس والتفكير فيما لم يكن مفهومًا حقًا، ومع نضوج العقل وتطور العلم الحديث، فقد أهملنا هذه الممارسات بطبيعة الحال”.[2]

بما أن العادات والتقاليد لا تتعلق بمسائل يمكن دراستها في عالم مادي، فمن ثم اعتبرت أنها لا تليق بأي شخص عاقل ومثقف، وذلك علاوة على اعتبارها غير منطقية لعدم اكتراثها بالأشياء المادية، كما أن فكرة إنفاق موارد مثل المال والوقت والطاقة دون الحصول على عائد مادي اعتبرت ممارسة عديمة الجدوى ورجعية.[3]

غير أن الباحثين أقروا أن هذه الأفكار تمثل تجسيدًا ذاتيًا لقيمة العادات والتقاليد وأهميتها، فمنذ منتصف القرن العشرين، تزايد عدد علماء الاجتماع الرافضين لهذه “النظرية العلمانية”، إذ أشاروا إلى الوظيفة الأساسية للعادات والتقاليد في جميع جوانب الحياة البشرية، ولا يزال النظر إلى العادات والتقاليد بأنها شيء متأصل في السلوك البشري يزداد تدريجيًا، وهو ما يغير الثوابت العصرية التي تخوضها التجارب البشرية.

تتبع جميع المجتمعات عادات وتقاليد، ولكن الاختلاف الوحيد هو كيفية ممارستهم لها، فإذا لم يعد معظم الناس في المجتمعات الصناعية حريصين على الذهاب إلى الكنائس أو ممارسة العادات والتقاليد المعقدة، فهذا لا يعني أن العادات والتقاليد قد تراجعت. جل ما حدث هو ظهور أنواع جديدة من العادات والتقاليد؛ سياسية ورياضية وموسيقية وطبية وأكاديمية وما إلى ذلك، حلت محل تلك العادات والتقاليد التقليدية.[4]

حَقًّا، فلا تزال العادات والتقاليد تمثل قلب كل مجتمع، إذ لا تظهر فقط في الممارسات الدينية بل في الأنشطة الاجتماعية والسياسية، وحتى الدنيوية اليومية منها، وها هي إحدى أكثر العادات والتقاليد السائدة في جميع أنحاء العالم؛ المصافحة، فماذا تمثل المصافحة؟ إنها عادة قديمة ربما نشأت كفعل ما لإثبات عدم حيازة أسلحة مخفية، فقد جاءت هذه الإيماءة رمزًا للاعتراف المتبادل من خلال التهذب والترحيب والاحترام والتبجيل والثقة والود والسلام، وقد تجسدت كل هذه المشاعر والأحاسيس المعرفية والوجدانية في إيماءة إنسانية واحدة.

نحن نرى العادات والتقاليد تجرى في أي مكان في العالم، فهناك التجمعات والمواكب والاحتفالات والتتويجات والافتتاحات، وما إلى ذلك، فأما في الحياة المدنية، فلا تزال المراسم الدينية تجرى حتى يومنا هذا، مثل الزواج والجنازات،بل إن التخلي عن العادات والتقاليد يعد إهمالًا لأهمية هذه الأحداث الحياتية بالكلية، وتتمثل تلك المراسم في تبادل الهدايا أو المجاملات أو العزاء أو الترفيه أو زيارة الأقارب أو العمل في العطل الأسبوعية فقط أو التغني بأغانٍ للأطفال، وهكذا نرى كيف أن العادات والتقاليد تلعب دورًا بارزًا في جميع الأنشطة البشرية تقريبًا.

تكمن أهمية العادات والتقاليد وكذلك سبب كونها قلب الأنشطة البشرية بوجه عام في أنها تتجاوز مجرد التواصل اللفظي، إذ إنها تسمح للبشر بالتعبير عن المعاني والقيم بشكل متبادل ومشترك، كما أنها تتميز بلغة خاصة بها، هذه اللغة يكتنفها تنوع لافت للغاية، من شأنه أن يتيح الاعتراف المتبادل بأهمية حدث ما أو كيان ما أو علاقة ما، وكما قال بيل، “لم يهتم النظريون العمليون باعتبار أن العادات والتقاليد وسيلة للتعبير عن السلطان، بل عكفوا على استكشاف الطريقة التي تشكل فيها العادات والتقاليد وسيلة لبناء علاقات السلطان والخضوع.[5]

ويصف شيلبراك – الذي يؤسس رأيه وفقًا لبيير بورديو – العادات والتقاليد بأنها “دعوات اجتماعية للتجمع المنظم”، فهي توقظ التصرفات الجسدية المدفونة إيقاظًا عميقًا[6]، وبالتالي فهي تشبه أعمال الاحتجاجات، إذ إنها عبارة عن تجمعات وهتافات، بمقدورها أن تحيي المشاعر والعواطف أو تحددها داخل المشاركين فيها.

ولهذا السبب، ستظل العادات والتقاليد دائمًا جزءًا هامًا من حياتنا الجماعية، إذ إن القدرة على توصيل الغرض والمعنى، والقدرة على تغيير المشاعر العميقة أو لمسها، جميعها ليست قابلة للاستبدال في داخل التجربة الإنسانية.

العادات والتقاليد  في العالم الروحاني

إن العادات والتقاليد التي يصحبها روحانيات تثبت قوة ملحوظة في بناء المعنى وإيقاظ المشاعر والأحاسيس العميقة في المشاركين فيها، فنحن من خلال أداء العادات والتقاليد نحاول أن نعبر عما لا يمكن التعبير عنه، فالطقوس تمكننا من أن نزخر نفوسنا وأذهاننا بمعانِ غزيرة ومشاعر جمة ومفاهيم الفضيلة.

هذا هو ما يمثل تحديًا لقيود التجارب الإنسانية ويتجاوز حدود التواصل اللفظي لدينا، وذلك من خلال الوصول لتلك القيود والتعبير عنها عن طريق الممارسة الروحية والطقوس الدينية.

وبالرجوع إلى الوصف الحديث للعادات والتقاليد بأنها فعل غير منطقي، فإننا ندرك الآن أن هذا الإدراك قصير النظر ينبع، في أغلب جوانبه، من عدم القدرة على رؤية الحركات الجسدية والسلوك الحركي المتضمن في العادات والتقاليد، في حين نظل غافلين عن الأهمية الميتافيزيقية للحركات التي نؤديها في هذه الطقوس، والقرآن الكريم يتناول هذا المسألة عند مناقشة عبادة الأضحية: “لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ”. 7[7]فالعمل الجسدي ليس إلا قشرة خارجية لما يمثل ممارسة روحية تهدف إلى تحقيق القرب من الله من خلال لغة رمزية، وهي الأضحية، انطلاقًا من كونها تخليًا عما هو عزيز على النفس (كالثروة / الأملاك/ الوقت / الجهد) للتعبير عن حب المرء لله والتسليم لإرادته، أما التصرفات الخارجية، فهي في الواقع رموز لما يجول في النفس، فالله سبحانه وتعالي في القرآن الكريم يصف العادات والتقاليد والطقوس والشعائر كرمز للتسليم: “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”.[8]

بالمقابل، يمكننا أن نؤدي نفس الفعل الجسدي، ولكن عندما لا يكون مصحوبًا بالحالة الروحية والدافع والنوايا المطلوبة، فقد يفشل في تحقيق العبادة المقبولة، ونشير هنا إلى حديثي الرسول صلى الله عليه وسلم: أولهما قوله “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”[9]، وثانيهما قوله “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وربح قائم ليس له من ذلك إلا السهر”[10].

تتمثل السمة الرئيسية للطقوس والشعائر في أنها ذات طبيعة متكررة، ولكن التكرار لا يقلل من الأهمية أو المعنى، مثل تكرار أحدهم عبارة ” أحبك” لزوجته ؟ فعلى الرغم من تكرارها، لا تفقد معناها أو قوتها، بل تزيدها وتقويها.

وهكذا نعبر عن حبنا لله، من خلال الصلاة والدعاء وذكر الله، مثل “الحمد لله”، و”سبحان الله”، وما إلى ذلك. وإذا ما نحن أقمنا الصلاة وذكرنا الله حق ذكره، فذلك يعزز ما في داخلنا ويرتقي بنا إلى ما هو أسمى وأعلى من الحب واليقين.

وعلى الرغم من أنه هذه الطقوس والشعائر تتجاوز حدود العقل، فهي توصف بكونها عقلانية صريحة ينتهي بها المطاف إلى العقل، وتفضي إلى السمو الروحي للنفس البشرية وسعادتها في الدنيا والآخرة، ومن ناحية أخرى، يحرم على المسلمين تلك الطقوس غير العقلانية أو التي تتناقض والعقل، أي الطقوس التي تحمل أي معنى سواء في الجانب الطبيعي أو الروحي.

وفي الحالة الأولى، فلا تعدو الطقوس غير العقلانية إلا أن تكون مفاهيم خرافية حول كيفية سير الطبيعة.

فقد أخبرالرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أن الكسوف ليس نتيجة ولادة أو وفاة أي فرد، فالطقوس والشعائرغير العقلانية الروحية تثير المزاعم حول قدره الله سبحانه وتعالى وما لم تؤكده الأدلة النصية (انظر على سبيل المثال الآيات 6:138 و 5:103، التي تصف طقوس عرب الجاهلية التي كانت تحرم استخدام حيوانات معينة بسبب العادات الخرافية، وتؤكد الآية الأخيرة أن “وأكثرهم لا يعقلون”، مما يثبت أن ممارسات الطقوس تلك ليست إلا تصرفات غير عقلانية).

الغرض من الطقوس والشعائر الإسلامية

لا تزال الطقوس والشعائر الإسلامية (“العبادات”) موضع اهتمام كبير بين الفقهاء وعلماء الدين، ومع ذلك، فإن معظم المنح الدراسية الإسلامية تُعنى بأداء العبادات الإسلامية وليس الغرض منها، ويركز الفقهاء على تصنيف الطقوس وكذلك شرعية صورها، في حين يُعنى علماء الدين في المقام الأول بمدى ارتباطها بالأوامر الإلهية.

هذا لا يعني أن الهدف الأساسي من العبادات غير ذي أهمية أو غير مُعالج، بل يبدو وأنه يبدو حوارًا صامتًا، ربما بسبب عدم وجود خلاف حوله، وإدراكًا للندرة النسبية التي تشهدها الكتابات حول هذا الموضوع، فإن بعض الأعمال المعنية بمجال تزكية النفوس سعت إلى إبراز الروح الكامنة وراء ما تعنيه العبادات الإسلامية.

بل إن الغرض الذي يقود العبادات الإسلامية مهم للغاية، ونحن نركز منها على عبادات محددة، وهي شعائر ومناسك الحج، إذ نحقق في المشاعر التي توقظها شعائر الحج ومناسكه في نفس المؤمن.

تشتق كلمة “عبادة” من كلمة “عبد”، بمعنى خادم أو تابع، ووفقًا لمعجم “لسان العرب”، فإن كلمة “عبد” ترجع أصولها إلى معنى الخضوع أو التبعية، وهو مماثل للمصطلح العربي القديم “الطريق المُعّبد”، أو الطريق المسلوك المذلل الذي يتخذه العبد.[11]

ومن خلال هذه المعاني، فقد فهم علماء المسلمين مفاهيم “العبودية” و”العبادات”، فكلها مستمدة من نفس الكلمة الأصلية (عبد) ولكن في النهاية، كان لله تعالى أن يستخدم معانِي مختلفة لوصف التدين والخضوع، ولكنه اختار تحديد ماهية العلاقة بين العبد وربه من خلال مشتقات كلمة “عبد”.

وقد علق ابن تيمية (توفي 728هـ) على ذلك قائلًا:

والعبادة تجمع بين كمال المحبة وكمال الذل، فالعبّاد محب خاضع (لله)[12]

أما ابن القيم (توفي 751ه) فقد استفاض في التعريف قائلًا

العبادة تجمع بين أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول:طريق معبّد أي مذلل. والتعبد: التذلل والخضوع؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًّا خاضعًا[13]

من  كلا التعريفين، يمكننا أن نرى بوضوح كيف ربط علماء الإسلام فكرة العبادات بإدراك المشاعر الإنسانية. وفي غمار هذا المعنى، ليس لشكل العبادة أي مغزى كامل دون أن توقظ المشاعر المطلوبة لذلك (كحب والله والتذلل له).

فقد أشار أبو هلال العسكري (توفي 395هـ) أنه “ليس هناك عبادة إلا بمعرفة الله”[14]، وهذا يعني أن العبادة تفتقر إلى الروح أو المادة إذا لم يكن هناك تواصل وجداني أو تفكر في الله، وهكذا فإن كل عبادة من العبادات الإسلامية، سواء كانت الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج، تسعى إلى خلق مشاعر عميقة وإيقاظها داخل مؤديها، ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نتذكر أنه حتى عندما تعجز عبادتنا عن مواجهة حضور القلب، فلا نزال جديرين بمعية الله عزل وجل، إذ إننا نبذل قصارى جهدنا للسعي للوصول إلى هذا المستوى.

إن العبادات الإسلامية رمزية بطبيعتها، فعندما يختلف الفقهاء المسلمون حول شكل معين أو شكل مادي في عبادة الصلاة، في غياب النص الصريح، فهم يعتمدون في ذلك على أيها ما يمثل خضوعًا أكبر للذات الإلهية، وذلك لأن علماء المسلمين فهموا أن لكل عبادة معانِي رمزية تكمن وراء كل فعل.

إن الصلاة في حقيقة الأمر هي لغة الجسد، تمامًا كما في التسبيح الذي يمثل اللغة التي تلفظها ألسنتنا، فعندما نسجد لله فنحن نخضع أجسادنا ونقر بألوهيته ووحدانيته، تمامًا كما ننطق الشهادتين بألسنتنا.

الحج: التراث الإبراهيمي:

يشير القرآن الكريم إلى سيدنا إبراهيم (عليه السلام) مرارًا وتكرارًا باعتباره شخصية محورية في قصة الحج. فقد وُصف سيدنا إبراهيم بأنه من وُجه إلى مكان البيت (الكعبة) في مكة المكرمة[15]، وكذلك بأنه من بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل (أبو العرب المكيين)[16]. ففي الحديث، يشار إلى شعائر الحج صراحة بأنها “إرث من إرث إبراهيم عليه السلام[17].

إن فهم حياة إبراهيم عليه السلام يلعب دورًا قويًا في فهم شعائر الحج، ومن خلال هذه الشعائر، يستطيع الحجاج وصل أنفسهم بتاريخ مشترك وإرث إبراهيم وأسرته.

لهذا السبب كان العرب ما قبل الإسلام يحجون، على الرغم من خروجهم عن ملة إبراهيم، حيث يمثل الحج بالنسبة لهم همزة وصل بأجدادهم (إبراهيم وإسماعيل) حتى بعد شركهم، فالشرك يتناقض مع أساس رسالة إبراهيم عليه السلام.

إلا أن هذا يمثل أحد الأهداف الشاملة الأعم لشعائر الحج ومناسكه؛ وهي القدرة على التواصل بكل ما هو مشترك من تاريخ وقصص ومجتمع، فمن خلال شعائر الحج ومناسكه، فإن المؤمن يحي ما قد سلف ويبدي تقديره بأكبر العادات التي تصله بمليارات من الناس على مر التاريخ.

وهناك جزء مميز في قصة الحج تناولها القرآن الكريم، هو أن إبراهيم عليه السلام كان أول من كُلف بإعلان فريضة الحج للناس.[18] ولكن القرآن الكريم ذكر بأنه لم يتبعه أحد، حتى أقرب أقاربه، ويصف القرآن الكريم إبراهيم بأنه “كان أمة “، مشيرًا إلى عزلته التي عانى منها.[19]

ولكن نداء إبراهيم للحج استجابت له الأجيال التالية بطريقة ما، حيث يأتي أفواج من الناس من كل فج عميق ساعين جهدًا لتتبع أثره عليه السلام.

فالحج يمثل رسالة أمل في الله وتفاؤلًا به وثقه فيه، بل ويكشف عن كيف يمكن تحقيق النتائج التي تقع تبعًا لإرادة الله كما أن الحج يمثل القدرة على التواصل بأمة ومجتمع أكبر، فتجمع الملايين من الناس، ذكورًا وإناثًا، في الماضي والحاضر، من مختلف الاجناس والأعراق والأعمار، في وقت واحد، وفي مكان واحد، وهدف واحد، ليؤدوا ذات الشعائر والمناسك، فذلك يدعم الحاج بتجربة فريدة من نوعها تتسم بالقوة المستمدة من اجتماعه بإخوانه وأقربائه، فذلك مشهد لا يمكن أن يتكرر إلا في هذا الموضع.

ولعل الجدير بالذكر في هذا الصدد هو شهادة مالكولم إكس، الذي كان معروفًا بخطاباته المناهضة للبيض (لما شهده من عنصرية ضد سود أمريكا)، ولكنه تخلى عن تلك الخطابات بعد أن أدى الحج. كان مالكوم يتحدث عادة عن تغيره بعد زيارته مكة المكرمة ووصف الطبيعة التحويلية التي يتسم بها الحج من خلال رسالته:

“هناك كان يوجد عشرات الآلاف من الحجاج من جميع أنحاء العالم، كانوا بمختلف الألوان، فمنهم الأشقر أزرق العينين، ومنهم الإفريقي ذو البشرة السوداء، لكننا جميعًا كنا نؤدي شعيرة واحدة، مظهرين روح الوحدة والأخوة التي لم أكن أظن – حسب واقع تجربتي في أمريكا – أنها من الممكن أن توجد بين الأبيض وغير الأبيض”.

“إنني خلال الأحد عشر يومًا الماضية هنا في العالم الإسلامي، أكلت من الطبق نفسه الذي يأكل منه إخواني البيض، وشربت من الكأس نفسه الذي يشربون منه، ونمت على الفراش نفسه الذي ينامون عليه، ودعوت الإله نفسه الذي يدعونه، مع أن بشرتهم بيضاء، وأعينهم زرقاء، وشعرهم أشقر، بل إنني شعرت من خلال كلام المسلمين البيض وأفعالهم بالإخلاص نفسه الذي أشعر به وأنا بين المسلمين السود الأفارقة؛ سواء من نيجيريا، أو السودان، أو غانا”. كنا جميعًا إخوة بحق.[20]

وهذا يوضح مدى التأثير الإيجابي لشعائر الحج في المشاعر الإنسانية العميقة وكذلك الفرصة التي يتحيها الحج في تحويل السلوك إلى أن يكون إيجابيًا كذلك.إن شعائر الحج توصلنا بهدف أكبر من أنفسنا، بمجتمع أكبر من مجتمعنا، بإرث وتاريخ من العظمة: إنه التراث الإبراهيمي.

القيم الرمزية لشعائر الحج ومناسكه

كما سبق لنا أن ناقشنا، ليست العبادات الإسلامية بلا هدف، بل إنها تسعى إلى إثارة المشاعر في قلوب المؤمنين، ولا تُستثنى شعائر الحج ومناسكه من هذا الغرض، فالقرآن الكريم يرسي هدف الحج؛ وهو “تقوى القلوب” (أي العواطف والمشاعر) من خلال مناسك الحج، وهو ما ورد في صلاة إبراهيم، وهو ما أقامه الله عز وجل من خلال عبادة الحج:

“ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون”[21]

وهذه إشارة أخرى من القرآن الكريم عندما يشير إلى طقوس الذبح “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”[22].

ومن خلال النظر في كل شعيرة من شعائر الحج ومناسكه، يمكننا أن نزيح الستار عن المعاني الروحية التي تقصدها كل شعيرة ومنسك، فلنبدأ في فهم كيف تجسد كل شعيرة ومنسك المعاني التي تتجاوز قدرات التعبير اللفظي وتصل المؤدي بثراء الروحانية والتقاليد والمجتمع.

القيم الرمزية للطواف

يعتبر الطواف ركنًا أساسيًا في الحج، وهو عبارة عن الطواف بالكعبة سبع مرات خلال مناسك الحج أو العمرة.

فالطواف يرسم صورة إبداعية لملايين من الناس الذين يلتفون بالكعبة في مكة المكرمة. إن الكعبة هي أول بيت وضع للناس على الأرض لعبادة الله، وأول مكان مخصص فقط لتمجيد الخالق عز وجل[23]. والقرآن يشير إلى الكعبة باعتبارها “مثابة للناس”، أي المأوى والملجأ للبشرية، “و” البيت “(أي بيت الله)[24]. وبهذا المعنى، فإنه في حضرة الكعبة، تبزغ هناك فوائد روحية فريدة، مما يتيح للمؤمنين شحذ الهمم مرة أخرى وإحياء الشعور بالإيمان والتواصل مع الله عزل وجل.

علينا أولًا أن نتذكر أنه لا يوجد شيء مقدس بطبيعته مثل الطوب أو الطين أو القماش، فالعديد من غير المسلمين لديهم مفاهيم خاطئة بأن المسلمين يعبدون الكعبة.  فكل ما تمثله الكعبة أنها هي القبلة أو الاتجاه الذي يتوجه إليه المسلمون عند الصلاة، فقد كان المسلمون يصلون في اتجاه المسجد الأقصى في القدس في بداية رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعندما تم تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة، كشف الله عن أمر مهم في القرآن، هو أن الاتجاهات المادية والهياكل المادية ليست مقدسة في جوهرها، بل إن قدسيتها مستمدة من أن الله تعالى منحها تلك الأهمية وأصبغ عليها بالمعنى:

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الذين صدقوا وأولئك هم المتقون[25].

وعلى شاكلة ذلك هو تقبيل الحجر الأسود خلال الطواف، فهو فعل يرمز للندم والتوبة.[26] وفي ذات الشأن، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُقبّل الحجر الأسود ويقول: “والله! إني لأقبِّلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبلتُك.[27].

إن الطواف يذكّر المؤمنين بأن الله يجب أن يكون في قلب حياتنا، تمامًا كما لا تزال الكعبة هي قلب تلك العبادة. بل هو تضرع لله والتسليم بأنه على الرغم من أن المؤمنين يعتبرون الله عز وجل هو الهدف من العبادة والتضرع، فلا يزال وجودنا الكامل بين يدي الله، سواء كنا ندرك ذلك أم لا.

القيم الرمزية للسعي

السعي عبارة عن المشي بين جبلي الصفا والمروة، فهو يخلد ذكرى قصة السيدة هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، فقد تركهما إبراهيم عليه السلام في صحراء قاحلة بناءً على أمر من الله تعالى.

ثم نادت هاجر على إبراهيم عليه السلام وسألته حول سبب تركه له وابنها الرضيع في صحراء لا زرع فيها ولا ماء، ولم يرد إبراهيم عليه السلام حتى سألته: “آلله أمرك بهذا؟ قال نعم.

وكان رد هاجر مليئًا باليقين في الله “إذًا، فالله لن يضيعنا”.[28]

وعادت إلى ابنها الرضيع. كان الطفل يبكي من شدة الجوع، فبدأت تطوف بين الصفا والمروة بحثًا عن أي شيء أو أي شخص يساعدهما، ثم ركضت هاجر بين الجبلين سبع مرات وهي يائسة، ثم شهدت جبرائيل عليه السلام واقفًا عند أقدام طفلها، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي فانفجرت تحت قدمه بئر زمزم.[29]ثم جاء بعد ذلك رجال من قبيلة جورهم واستقروا في المنطقة، واستأذنوا هاجر لاستخدام ماء زمزم، ومن هنا، خرجت مدينة مكة إلى النور.

ومن هناك عُرف السعي وكانت قصة هاجر عاملًا جوهريًا في فهم قصة الحج، فقصتها تعد من قصص الطاعة والخضوع والخنوع واليقين، والثقة بالله قبل كل شيء، فقصة أم ترتضي مصيرها بالتخلي عنها وطفلها الرضيع في صحراء قاحلة، لأنها كانت على يقين من أنها إرادة الله، فذلك يضرب أعظم الأمثلة على الثقة بالله والإيمان به.

وكما يفعل الحجاج حتى يومنا هذا، فإن ركضها بين الجبال يذكرنا بيأسنا وحاجتنا إلى عون الله تعالى، وكما قال عالم مسلم غير معروف: “أعلم أن الشخص الذي ضل سبيله في البحر، وتمسك بلوح في السفينة، وأخذت الأمواج تحمله وترميه هناك وهناك، فهو ليس في حاجة إلى الله أكثر مما تكون أنت” إن ذلك يحيي الوعي الميتافيزيقي أنه بدون دعم الله المستمر سنكون أسوأ حالًا من الذي ضل سبيله في البحر أو في وسط صحراء قاحلة.

إن مثال هاجر يضرب نموذجًا مثاليًا لتفاؤلها وأملها المطلق في الله وفي وعده، كما أن ركض الحجاج عبر الجبال يعد إقرارًا منهم بتفاؤل هاجر المطلق والذي لا يتزعزع على الرغم مما تحملته من شقاء وعناء، كما أنه يذكر المؤمنين أنه بغض النظر عن حجم المشقة التي يواجهونها، ليس عليهم إلا أن يواصلوا الركض على أمل السعي وبلوغ الغاية المنشودة، فقد علمت هاجر أن رزق الله آتٍ لا محال لمن يسعون إليه ويكافحون من أجله، بل هناك ما هو أكثر من رائع عن السعي وما يمثله، وبذلك تكمن هذه العبادة في جذور أصول الإسلام وهي تمثل القصة الأصلية لمكة المكرمة ذاتها، فجميع العبادات الأخرى تحيي ذكرى الأحداث التي وقعت بعد سعي هاجر في الصحراء، وما يهمنا أكثر حول هذه العبادة هو من نحاكيه.

فمن خلال ذلك نحن نخلد ذكرى إيمان هاجر بالله، فهي امرأة، كانت في الأصل أمة قادمة من مصر، ليس لديها أي منصب أو شهرة أو ثروة.

ومع ذلك، أحب الله يقينها به فأقام عبادة خالدة يتبعها الناس في جميع أنحاء العالم، وهي امرأة صالحة، يحذو حذوها أفواج من البشر في السير على ما سارت عليه، كما يذكر الحديث: ” تلك أمكم يا بني ماء السماء”.[30]

إن السعي يمثل تقليدًا غزيرًا. إنه لأمر رائع للغاية حينما ترى أفواج الرجال والنساء منذ آآلاف السنين يحذون حذو امرأة من عامة الناس، مبينًا أن فضيلة البشرية تكمن في ارتباطهم الوجداني وتضحيتهم الجسدية لخالقهم.

القيم الرمزية لعرفات

عرفة (عرفات) هو اسم سلسلة جبال، تقع على طول السهول المحيطة بشرق مكة المكرمة مباشرة، ويوم عرفة يوافق التاسع من ذي الحجة في التقويم الإسلامي، وفي يوم عرفة، يجتمع أفواج الحجاج على السهول وعلى جبل عرفة ويقضون اليوم هناك حتى غروب الشمس، راجين من الله الرحمة والمغفرة.

وعادة ما يكون لشعائر الحج ومناسكه نوافذ زمنية تملأ ثغراتها هذه الشعائر والمناسك، فالتجمع في يوم عرفة يعد إحدى العبادات التي تجمع جميع الحجاج في مكان واحد ووقت واحد ليؤدوا شعيرة واحدة.

وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحج عرفة[31]، أي أن هذه الشعيرة هي جوهر عبادة الحج.

يحمل يوم عرفة أهمية بارزة في التقليد الإسلامي، أولًا، هو اليوم الذي أنزل فيه الله الآية 5:3 التي تعلن كمال

الدين الإسلامي ونهاية التشريعات الدينية التي كانت تنزل للبشرية.

ثانيًا، يعرف يوم عرفة بأنه يوم العهد، فهذا يشير إلى وجوده المسبق خلاله أخذ الله عهدًا من كل نفس. هذا الحدث مشار إليه في القرآن الكريم:

وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172)[32]

فهذا اليوم يرمز إلى مشيئة الله وغفرانه، وفي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم أكثر من

أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة.[33]

وفي حديث آخر قال: إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم”.[34]

وكما أن يوم عرفة معروف باسم يوم العهد، في إشارة إلى يوم سابق لخلق البشرية في صورتها الحالية، فهو يؤجج تصور المؤمن باليوم الآخر ويوم القيامة.

القرآن الكريم يصف يوم القيامة بعدد من الصفات، فمنها (يوم الحساب)[35] و(يوم العقيم)[36] و (يوم الحصرة). ولكن الكثير من أسماء اليوم الآخر تحمل تشابهًا مذهلًا مع يوم عرفة، فمنها (يوم القيامة)[37] ، و (يوم الخروج)[38]، و (يوم التلاق)[39].

فعندما يشهد الحج أفواجًا من الناس تجمعوا في مكان واحد، في وقت واحد، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، فهو حتمًا يجسد يوم القيامة. تتألف ملابس الإحرام من ملاءات بيضاء بسيطة تشبه الكفن. كل هذه العناصر تتضافر لتجعل يوم عرفة تذكيرًا مقنعًا بفنائنا وباليوم الآخر، فإنه يذكر الحجاج بوقت العرض على الله، كلٌ يُحاسب على أعماله.

القيم الرمزية للأضحية

تشير الأضحية إلى عبادة التضحية بحيوان، ويجرى الذبح خلال موسم الحج في أو بعد عيد الأضحى،[40] وهو أحد العيدين السنويين للمسلمين في جميع أنحاء العالم.[41]وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نحسن الذبح ونحد شفرة السكين لنريح الذبيحة.[42]

تمثل الأضحية تعبيرًا عن طاعة الله والإخلاص له، وفضيلة الكرم تجاه الآخرين لأن لحم الحيوان المذبوح يوزع على الفقراء والمحتاجين.

وهكذا نجد أن الروح الإنسانية للإسلام أكدت على يوم عيد الأضحى المبارك، ولما كان المسلمون يحتفلون بهذا اليوم مع أسرهم، فإنهم يتشاركون البركات مع الآخرين، كما يقول الله في القرآن الكريم عن الحج “ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير”.[43]ولا يتكرر التركيز على المنفعة الإنسانية إلا في بضع آيات بعد ذلك، “فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون”.[44] وبغية خدمة البشرية جمعاء، فاللحم يوزع على الفقراء دون النظر إلى الخلفية الدينية.[45]

ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم “تصدقوا على أهل الأديان”[46].

يكمن أصل هذه العبادة في إحدى القصص الأكثر شهرة عن إبراهيم عليه السلام، عندما أمره الله تعالى بذبح ابنه.[47] وهه القصة تمثل قلب كل من العبادات التي تنظر إلى إبراهيم عليه السلام على أنه الأب الروحي، بل إنها شهدت الكثير من الجدل.

فقد هاجم الملحدون الجدد، أمثال كريستوفر هيتشنز، هذه القصة الشهيرة باعتبارها نموذجًا رئيسيًا على ما هو خطأ في الدين، حيث قال “أي إله يأمر أبًا ليقتل ابنه؟ أي أبٍ يوافق على ذلك؟ وأي دين يبرر لمرءِ وافق على قتل ابنه لأنه يعتقد أن الله أمره بهذا؟

إن التأمل في هذه الاعتراضات أمر حتمي، حتى نتأكد من أننا قد فهمنا القصة بشكل صحيح ونكون قادرين على توضيح الدروس المستفادة منه للآخرين بشكل صحيح، وكذلك معرفة سبب تحريف هذه الاعتراضات للقصة.

ومن المؤكد أن ذلك الأمر الذي تلقاه إبراهيم عليه السلام كان بمثابة اختبار للوفاء صعب للغاية، فعندما هاجر إبراهيم طاعة لأمر الله، هجر منزله وأغراضه، ليس له سوى إيمانه بالله، وقد دعا ربه “بِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ”، فاستجاب الله تعالي “فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ“.[48] من هنا يمكننا أن نتخيل الحب الهائل الذي كان يكنه إبراهيم لإسماعيل، الذي كان يترعرع أمام عينيه يومًا بعد يوم، فذلك منذ صباه حتى بلغ من العمر الذي كان فيه يمشي خلف والده، وها قد حانت لحظة الاختبار الأكثر صعوبة، فقد أمر الله إبراهيم بذبح من هو أقرب إلى قلبه.

فعندما نبحر في الأمر عن كثب، نجد أن هناك العديد من السمات الرئيسية للرواية الإسلامية التي تبين تضحية إبراهيم وتظهر سبب الشكوك وسوء الظن الذي هو في غير محله والذي أحاط بالتفسير الأخلاقي للقصة. وهناك مبدأ مركزي في التشريع الإسلامي يفسر لماذا لا توجد توترات في هذه القصة بين القيام بما هو مثالي للبشر (الأخلاقيات) وتنفيذ إرادة الله (الدين): وفي أساس التشريع الإسلامي نجد فكرة أن الله هو الرحيم، وأن الله لن يقدر للبشر معاناة أو أذى، “وما الله يريد ظلمًا للعالمين”[49]

إن عمق المسألة يتبلور في أن معارضي هذه القصة لا يدركون بواطن المسألة المتمثلة في أنه مهما بلغت مصداقية إبراهيم في حبه لإسماعيل، فحب الله لإسماعيل كان حتمًا بلا حدود.

وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “الله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها”[50]. فقد علم إبراهيم عليه السلام أن اتباع أمر الله لن يؤدي أبدًا إلى الأذى، بطريقة أو بأخرى في النهاية، فالنتائج ستكون جيدة حتى لو لم يفهم كيف ستحقق. هذا هو الجانب المعرفي الذي يتجاهله هؤلاء المعارضون؛ وحقيقة أن إبراهيم – كنبي من الأنبياء- يمتلك معرفة ما حول ما يأمر الله به[51]ومعرفةما بأن إرادة الله خلقية وصالحة، فذلك يفسر لماذا كان يعلم أن اتباع أوامر الله لن يؤدي إلى عواقب وخيمة. [52]إن هذا ليس شخصًا عشوائيًا يدعي أن الله قد أوحى إليه، بل إنه إبراهيم الذي خرج سالمًا من نيران ألقى به قومه فيها [53]، إنه إبراهيم الذي شهد بأم عينيه معجزة البعث[54]، إنه إبراهيم الذي شهد أسرار السماوات والأرض ليرتقي إلى مصاف أولئك الذين لم يسبق لهم في اليقين بالله.[55]

ثانيًا، هناك سمة فريدة لتلك الرواية التي يرويها القرآن بأن إبراهيم عليه السلام يتحدث إلى ابنه ويناقشه بشأن هذه المسألة: “قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى “ويجيبه إسماعيل:” قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين”.[56]ومن هنا يتقبل إسماعيل أمر الله وينصاع له، بدلًا من أن يقاد إلى أن يذبح على حين غفلة من نوايا إبراهيم عليه السلام، فليس في القصص الإسلامي تستر أو إكراه. هذه القصة تجسد روعة الأب والابن في طاعتهما لإرادة الله، وكما يذكر القرآن الكريم “فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105).[57]

وكان الفيلسوف الوجودي الدنماركي، سورين كيركجارد (توفي 1855) شغوفًا بالمعضلة الجلية بين الإيمان والأخلاق في قصة إبراهيم عليه السلام.

ورأى كيركيجارد أن هذه القصة جسدت المعنى الحقيقي للإيمان، وكذلك رأى أن العديد من المسيحيين قد فشلوا في تقدير عمق تلك المسألة، فقد كرس مؤلفه الفلسفي الخوف والارتجاف لقصة تضحية إبراهيم، وركز على الحالة النفسية التي عاصرها إبراهيم والخوف الذي أحاط به عندما كان متجهًا لذبح ابنه الحبيب. على الرغم من أنه يمثل عملًا معقدًا يحوي العديد من التفسيرات، فإن الموضوع الرئيسي الذي ينبثق من ذلك العمل هو فكرة أن إبراهيم لم يكن ملزمًا في لحظة بعمل شيء غير أخلاقي، كالقتل، بل إن إبراهيم كان يعلم أنه على الرغم من أن هذا الأمر يناقض الأخلاق، لأن الله لن يأمر بشيء يناقض الأخلاق، فذلك يعني الثقة بأن النتيجة النهائية ستكون ثمارها أخلاقية حتمًا.

وهكذا، استطاع إبراهيم أن يخطو تلك الخطوة الواسعة نحو الإيمان (التي وصفها كريكجارد بأنها “تعليق غائي للأخلاق”، والتيقن بأن الله سيفدي ابنه. [58]وبهذه الطريقة، يميز كريكجارد بين نوع معين للطاعة العمياء التي تنطوي على الراحة التي قد يشعر بها المرء في أداء عمل غير أخلاقي، مقابل الإيمان الحقيقي الذي ينطوي على بقاء المخاوف الأخلاقية ساكنة في قلب المرء، في حين تظل الثقة بأن حسن النية هو الجوهر من اتباع ما هو معلوم بأنه آتٍ من عند الله.

ويطرح الإمام الشوكاني (توفي 125 هـ) تعليقًا مثيرًا للاهتمام في هذا الصدد، إذ يقول:

لما أضجع إبراهيم إسماعيل للذبح نودي من الجبل يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وجعله مصدَقًا بمجرد العزم، وإن لم يذبحه، لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب استسلامهما لأمر الله، وقد فعلا.[59]

خلاصة القول، وفقًا لهذه الرواية، لم يكن رد إبراهيم يقول: “أنا لا أعترض على قتل طفلي لأن الله قال ذلك”، كما يدعي نقد الملحد الجديد، بل بالأحرى كان “الله يطلب مني أن أفعل شيئًا في غاية الصعوبة، لكنني أثق بالله وأعلم أنه إذا اتبعت هذا الطريق، فالله سيكون مع إسماعيل ومعي، والله سيحمينا من الأذى. وسيقبل الله خضوعنا وثقتنا به ويقودنا إلى شيء أفضل”. وهذه الصورة من صور الثقة تشبه إلى حد ما ممارسة “الثقة” الشهيرة التي يسمح فيها الشخص لنفسه بالتراجع إلى الوراء، ويثق أن المشارك الآخر سيلحق بهم ، فمثل هذا الشخص يعلم أن السقوط أمر سيئ وهو لا يرغب في ضرب الأرض ويصيب نفسه، بل بالأحرى يبين ثقته الكاملة بأن المشارك الآخر سينقذه من الأذى قبل أن يحتك بالأرض.

وعند النظر في هذه المسألة من جانبها المضيء، فإن هذه القصة تمثل دليلًا قاطعًا ورائعًا على الروحانية الحقيقية والإخلاص، وعلى الرغم من أن الله لا يطلب منا التضحية بأطفالنا، فإن الحياة ستجلب العديد من التحديات الصعبة التي تجبرنا على الوقوف على الحق، لنكون قادرين على تحمل المعاناة من أجل تحقيق تغيير إيجابي، فقد نفقد إرثنا أو أسرتنا أو حتى أكثر من ذلك، إن الإيمان الحقيقي لا يعني تجاهل كفة القيم الأخلاقية أو الآداب لصالح كفة الالتزام العقائدي بالتعليمات التعسفية، بل إن الإيمان الحقيقي يعني أن نكون مستعدين لهجران ما قد تعتقده قلوبنا أنه عزيز وأن نضحي بأثمن ما لدينا، عندما نعلم أننا يمكن اغتنام فرصة ما لنفعل ما أمرنا الله به ولخدمة خلقه، ذلك لأننا في نهاية المطاف نعلم أن الله سيكون مع أولئك الذين يسعون جاهدين لفعل الخير واتباع طريق الهدى[60]

القيم الرمزية للجمرات

إن مكان رمي الجمرات يتضمن ثلاثة أماكن محددة في منى بالقرب من مكة المكرمة، ويزور الحجاج مكان الجمرات أثناء الحج ويرمون أركان الجمرات الثلاث بالحصى.

وفقًا لرواية واحدة، فهذه الشعيرة تخلد عمل إبراهيم بينما كان في طريقه للتضحية بابنه إسماعيل استجابةً لأمر الله، وبعد أن كان إبراهيم مقتنعًا بأن ذبح إسماعيل هو إرادة الله، أخذ إسماعيل واتجه نحو التل، وهو في طريقه، تعرض له الشيطان ثلاث مرات حتى يثنيه عن ذلك، وفي كل مرة، كان إبراهيم عليه السلام يرجمه بالحصيات.[61]

على الرغم من الفهم الخاطئ الذي ينتاب بعض الحجاج بأنهم يرجمون الشيطان ماديًا عندما يرمون الحجارة في الجمرات، فهذا في الواقع ممارسة رمزية تحيي ما فعله إبراهيم عليه السلام. هذه الممارسة تذكر الحجاج بأن يكونوا مدركين لجميع الشرور الداخلية والخارجية التي تحيط بالعالم، فهي تسعى دائمًا إلى إغرائنا وتبعدنا عن الله وعن الطريق المستقيم، وهي كذلك تذكرنا بأن الإيمان والإخلاص سوف يكونان دائمًا متناغمين ومواجهين من قِبل القوى خارجية، فحري بالمؤمن أن يكون مستعدًا للسعي الدؤوب لنيل رضاء الله.

الخلاصة

نسعى نحن البشر جاهدين لكي ننضج أخلاقيًا وروحيًا، وأن نبلغ إمكاناتنا الكامنة، في الوقت الذي نكافح فيه أمام المحاولات الشاقة والمحن التي تواجهنا، فمن خلال ما ترمز إليه العبادات من قيم، فنحن نكتشف مستوى معينًا من المعنى في حياتنا يتحدث إلى الحس العميق بداخلنا: إن أعظم رحلة نخوضها في حياتنا هي الرحلة الروحية نحو الله، من أجل أن نحقق معرفتنا بخالقنا ونعيشه في حياتنا، فالرحلة المادية للحج تستوعب العديد من العبادات القوية التي توقظنا وتنبهنا بعلاقتنا مع خالقنا وبين بعضنا البعض.


[1] بيل، سي. إم. (1997). العادات والتقاليد: منظورات وأبعاد. دار النشر بجامعة أكسفورد، 252

[2] كيفن إدوارد شيلبراك، التفكر من خلال الطقوس:منظورات فلسفية (نيويورك: روتليدج، 2004)، 72

[3] بيل، سي. إم. (1997). الشعائر والطقوس: منظورات وأبعاد. 198، 254.

[4] بيتر بورك وروي بورتر، التاريخ الاجتماعي للغة (كامبريدج: دار النشر بجامعة كامبردج، 1996)، 223.

[5] بيل، سي. إم. (1997). الشعائر والطقوس: منظورات وأبعاد. 198، 82.

[6] كيفن إدوارد شيلبراك، التفكر من خلال الطقوس:منظورات فلسفية (نيويورك: روتليدج، 2004)، 48

[7] القرآن الكريم، 22:37.

[8] القرآن الكريم، 22:32.

[9] صحيح البخاري، 1804.

[10] سنن بن ماجة، 1680.

[11] ابن منظور (توفي 711هـ).لسان العرب. (بيروت: دار صادر، المجلد 3، ص.274

[12] ابن تيمية، جامع الرسائل، كتبة التراث الإسلامي)، 284:2.

[13] ابن القيم، مدارج السالكين (إحياء التراث العربي)، 3: 28.

[14]أبو هلال العسكري، الفاروق في اللغة، (دار العلم)، 215.

[15] القرآن الكريم، 22:26.

[16] القرآن الكريم، 21:27.

[17] سنن النسائي، الحديث رقم #3014.

[18] القرآن الكريم، 22:27.

[19] القرآن الكريم، 16:120.

[20] مالكولم إكس (الحاج مالك الشباز)، رسالة من مكة، أتيحت في 17 أغسطس 2017، http://islam.uga.edu/malcomx.html.

[21]القرآن الكريم، 14:37.

[22]القرآن الكريم، 22:37

[23]ذكر القرآن أن قواعد الكعبة هي التي رفعها إبراهيم وإسماعيل (السورة 2 الآية 127)، ولكن العلماء اختلفوا عما إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي بنيت فيها الكعبة أم لا، فهناك رواية وردت عن ابن عباس بأن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إن الفترة الزمنية التي تخللت بناء الكعبة وبيت المقدس (صحيح البخاري – حديث 3186) بلغت 40 سنة، وهذا يتعارض مع الفترة الزمنية بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام (التي تبلغ آلاف السنين)، وعلى هذه الأساس، اقترح ابن الجوزي (توفي 597هـ) أن كليهما بُني أصلًا على يد سيدنا آدم، بفارق 40 سنة، ويستشهد ابن حجر العسقلاني (تُوفي 852 هـ) بهذا الاستنتاج ويدعمه بعدد من الأدلة والحجج التي تشير إلى أن الكعبة بنيت لأول مرة على أيدي سيدنا آدم نفسه، إذ يستشهد بتحليل قتادة بن دعامة (تُوفي 117هـ) الذي خلص إلى أن “الله بنى الكعبة مع آدم عندما نزل الأرض، فلم يسمع آدم أصوات الملائكة و تسبيحهم، لذا قال الله “يا آدم ابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء”” (انظر ابن حجر، فتح الباري، القاهرة: دار الريان للتراث، 1987، الجزء 6، ص 274، 470-1).

[24] القرآن الكريم، 2:125.

[25] القرآن الكريم 2:177

[26] الحجر الأسود يمثل الزاوية الشرقية للكعبة، ويقال إنه حجر من الجنة أُرسل إلى الأرض وأسود من خطايا البشرية (سنن الترمذي، 877).وهناك أيضًا رواية ضعيفة عن ابن عباس بأن “الحجر الأسود يمين لله تعالى في الأرض، لذلك من يحييه ويقبله، كما لو كان صافح الله وقبل يده” (ابن عدي، الكامل، 1/336). يقول ابن قطيبة الدينوري (تُوفي 276 هـ) “إن هذا تمثيل وتشبيه، وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلًا قبّل الرجل يده، فكان الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك” (ابن قطيبة، تأويل مختلف الحديث، القاهرة: دار ابن عفان، ص. 406). كما يذكر رواية عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنه عندما أخذ الله العهد الأول من البشر، وضع ذلك في الحجر الأسود، وهكذا، فإن الأهمية الرمزية قد تمتد أيضًا إلى الإنسانية وتجدد عهدهم مع الله تعالى عند تقبيل الأسود.

[27] صحيح مسلم، 1270

[28] صحيح البخاري، 3364

[29] المرجع نفسه

[30] صحيح البخاري،3179. هذا التعبير يبرز أهمية السيدة هاجر لأمة الرسول صلى الله عليه وسلم وله تفسيرات متنوعة، فأحد الاحتمالات لهذه الأهمية هو الإشارة إلى أن هذه الأمة ولدت في تلك اللحظة التي استجاب الله لهاجر وخلق عين زمزم.

[31] أبو داوود، 1949

[32] القرآن الكريم، 7:172.

[33] صحيح مسلم، 1348

[34] الصحابي، ميزان الاعتدال، 4:381.

[35] القرآن الكريم، 38:16.

[36] القرآن الكريم، 22:55.

[37] 37القرآن الكريم، 2:85.

[38] القرآن الكريم، 50:42.

[39]القرآن الكريم، 40:15.

[40] هناك اختلاف قديم في الرأي حول ما إذا كانت فرضًا (المدرسة الحنفية) أم سنة مؤكدة (الشافعية، المالكية، الحنبلية)، وأيضًا اختلاف في الرأي حول ما إذا كانت تجب على الجميع (الشافعية، أم تجب فقط على غير المسافرين (الحنفية)، أو فقط غير الحجاج (المالكية)، فضلًا عن الآراء الأخرى التي تتوسط ما سبق.

[41] أما العيد الآخر هو عيد الفطر، الذي يلي شهر رمضان.

[42] قال الرسول صلى الله عليه وسلم “إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته”(صحيح مسلم،1955).

[43] القرآن الكريم، 22:28.

[44] القرآن الكريم، 22:36.

[45]ابن قدامة المقدسي (تُوفي 620 هـ)، المُغني، الرياض: دار العلم للكتب 1999) الجزء 13، p. ص. 381

[46] مصنف ابن شبية، 10494.

[47] في التراث الإسلامي، عرف الابن أنه سيدنا إسماعيل وفقا للرأي السائد بين العلماء استنادا إلى الدلالات القرآنية، كما عبر قال عنها ابن تيمية (توفي 728هـ) في مجمع الفتاوى (دار الوفاء، 2001، المجلد 4، ص. 204). وفي الوقت نفسه، أيد مفسرون مثل ابن جرير الطبري (توفي 320هـ) والقرطبي (توفي 671هـ) وجهة النظر المطروحة بأن الذبيح كان إسحاق (انظر تعليقات كل منهما في 37:101-2).

[48]القرآن الكريم، 38:16.

[49] القرآن الكريم، 3:108.

[50]صحيح البخاري،5999.

[51] وقد ذكر في تفسير القرطبي (37:102) أنه شهد هذه الرؤى لمدة ثلاث ليالٍ متتالية، وفي التشريع الإسلامي تمثل رؤى الأنبياء الوحي، كما ورد في صحيح البخاري (راجع ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 6581).

[52] معظم الاعتراضات يحيط بها الافتراض المعرفي الكامن بأن الشخص الذي يدعي أن الله أمره بفعل شيء ربما يكون متوهمًا أو مجنونًا، لأنه في الواقع ليس هناك إله يقول له افعل هذا أو ذاك. بيد أنه إذا ثبت مع اليقين المطلق أن الله قد أمر بفعل شيء ما، وهو الفعل الذي يبدو متناقضًا مع الحساسيات الأخلاقية لدينا، إذن فما هو المسار الصحيح الواجب اتباعه؟

وفي مدرسة الأشعرية، يُعرف الأمر الاخلاقي، على أساس مبدأ الأوامر الإلهية، بأنه كل ما قدره الله عز وجل، لذلك يصبح هذا هو المسار الأخلاقي للفعل، في حين أن المناهج السلفية الحنبلية والمتريدية والمعتزلة ترى أنه يمكن تمييز الحقائق الأخلاقية الأساسية بأنها عقلانية وقابلة للإدراك، لذلك فإن أوامر الله تتوافق دائمًا مع ما يبدو منطقيًا وأخلاقيًا في طبيعته، فإذا بدا شيء على خلاف ذلك، فذلك لأننا لم ندرسه بما فيه الكفاية، ويذكر القرآن أنه عندما يحاول الناس تبرير الأفعال اللاأخلاقية بالتحجج بأن الله هو من أمر بهذا، فإن الرد الصحيح على ذلك هو قول الله تعالى “قل إن الله لا يأمر بالفحشاء” (القرآن الكريم 7:28).

[53] القرآن الكريم، 21:69.

[54]القرآن الكريم، 2:260.

[55] القرآن الكريم، 6:75.

[56] القرآن الكريم، 37:102.ويشير محمود شكري الآلوسي (تُوفي 1270هـ)، مفسر القرآن الكريم، إلى أن هذا يدل على توضع إسماعيل في عدم تأكيده على أنه كان صابرًا بصفة شخصية، بل قال إنه سيكون من بين الصابرين إن شاء الله.

[57] القرآن الكريم، 38:16.

[58] أليستير هانَيْ. العودة إلى الخوف والارتجاف. في: الخوف والارتجاف لكريكجارد.دليل قاطع. (دار النشر بجامعة كامبريدج)، تحرير دانيال كونواي، ص. 13.

[59] الشوكاني، فتح القدير، (بيروت: دار المعرفة، 2007)، ص. 1276. هناك نقاش لاهوتي كلاسيكي بين المعتزلة والأشعرية حول هذه المسألة التي يسوقها الرازي (توفي 606هـ) في كتابه (مفاتح الغيب، 37:102). فالمعتزلة يرون أن إبراهيم كان قد أمره الله ليتخذ الخطوات المؤدية إلى التضحية فحسب، وليس التضحية ذاتها، وبالتالي فقد حقق الرؤية على الرغم من أنه لم يضح بإسماعيل، وفي الوقت نفسه، ذهب الأشعرية إلى أن الأضحية الفعلية هي ما أُمر به إبراهيم.

[60] هناك عنصر واحد آخر من نقد الملحد الجديد بالقصة، وهذا العنصر خاطئ من الناحية المنطقية، فعندما يؤمن المرء بفكرة أن البشر مجرد حيوانات بيولوجية دون وضع خاص أو قدسية خاصة، فلماذا تكون التضحية البشرية معترفًا بها أخلاقيًا ولكن التضحية الحيوانية ليست كذلك؟ وإذا كانت الحياة البشرية لا تختلف بشكل قاطع عن حياة الحيوان، فما الشيء الذي يمنح البشر الحق في قبض حياة حيوان لاستخدامها في استخدامات متعددة؟ وبالنسبة للمسلمين، هذا الحق يأتي فقط من التصريح الإلهي (مع شرط أن الحيوان لا يقتل للتريض بل لأخذ اللحوم، وكذلك بشرط ذبح الحيوان بطريقة إنسانية)، وبالتالي نقول بسم الله الله أكبر قبل ذبح الحيوان حتى يكون الذبح حلالًا.

[61] مسند أحمد، 2791. وقد صادق أحمد شاكر على هذا الحديث، بينما ذهب ناصر الدين الألباني أنه ضعيف، وقد رأى بعض العلماء الذين أيدوا رأي الألباني أيضًا أنه نظرًا لعدم وجود مصدر حقيقي قاطع لربط الممارسة برجم إبراهيم عليه السلام للشيطان، فإن الجمرات لا علاقة لها بهذا الحدث، غير أنهم لم يتمكنوا من طرح بديل آخر لأصل عبادة رمي الجمرات.

Avatar

Ibrahim Hindy

CONTRIBUTOR | Imam Ibrahim Hindy is a Research Manager at Yaqeen Institute. He holds a BA in Islamic History and is currently an MA candidate in Islamic Studies at the International Islamic University of Malaysia. He is also the Imam at Dar Al-Tawheed Islamic Centre in Mississauga, Canada.

Avatar

Dr. Nazir Khan

DIRECTOR OF RESEARCH STRATEGY | Dr. Nazir Khan MD FRCPC ​is the President of Yaqeen Canada and the Director of Research Strategy at Yaqeen Institute for Islamic Research. He is a Neuroradiologist and Assistant Professor at McMaster University. He has also served as an Imam for many years and has memorized the Qur’an and received traditional certification (​ijāzah​) in the study of the Qur’an, Ḥadith and Islamic theology (ʿ​aqīdah​) from various scholars across North America. He has taught Qur’anic studies classes, workshops, and seminars and is a consultant for the Manitoba Islamic Association Fiqh Committee. Dr. Khan completed his residency at the University of Manitoba and fellowship in Diagnostic Neuroradiology at the University of Calgary. His expertise in both medical sciences and Islamic theology uniquely positions him to address challenging contemporary questions regarding faith, reason, and science.