Yaqeen Institute for Islamic Research
Does-Islam-Need-Renewal-Infographic-Hero-Image

الشريعة فى عالمنا الحالي: تجديد الخطاب الإسلامي

مقدمة

أخذ تجديد الخطاب الدينى مؤخراً مركز الصدارة نتيجة للاضطراب الموجود في الأراضي الإسلامية حالياً. وبينما يُعد التجديد مشروعاً، إلا أن آثاره (التى عادةً ما تُتلى صراحةً) بأن الخطاب الديني هو السبب الجذري لعديد من المشكلات التى تعانى منها أغلب الدول الإسلامية، هو أمرٌ غير عادل. فهي في الحقيقة تتغاضى تعمداً عن عوامل لا تعد ولا تُحصى تقود بطبيعتها لهذه المشكلات، هذه العوامل التى إذا تم تحليلها ستظهر أن هذه الأضرار يتم إلحاقها للمسلمين تارةً من أنفسهم وتارةً من الآخرين. لكن على الرغم من ذلك سيكون من غير المنطقى أن ندعي أن الخطاب الديني الحالي خالي تماماً من الذنب.

أولاً، دعونا نذكر هنا أنه شيء طبيعي لأي مسلم مؤمن بأن محمد ﷺ هو نبي الله الذى تلقى وحياً من المولى عز وجل وطبيعي أيضاً أن يؤمن بعصمة هذا الوحى من الخطأ. فعلى كل، الله معصوم من الخطأ. وبناءاً عليه، فإن الخطاب الديني المطروح لهذا النقاش هو نتاج بشري فقط لا غير ويجب ألا يتم خلطه بأي طريقة كانت بالوحي ولا يتم تقديسه. فالعصمة من الخطأ هى خصيصة من خصائص الوحى فقط (ألا وهو القرآن والسنة) والإجماع الحقيقي الصريح للعلماء. وقد يكون فهمنا للنص مختلف عن المقصود. على سبيل المثال: قد يكون فهمنا الخاطئ في جامعة لبعض من تعاليمنا الدينية عائد لنقص الحكم الصالح الرشيد ومستوى الفساد  المرتفع فى الأغلبية العظمى من الدول المسلمة. ولو ادعى أحدهم أن الإسلام هو سبب ذلك، فإن الإجابة المبسطة لذلك أن المسلمين الحاليين ليسوا مسلمين أفضل من صحابة النبى ﷺ الذين نجحوا في إقامة حكم رشيد وصالح. في الحقيقة، يوضح التاريخ الكولومبى للعالم “كيف أسس عمر نظام حكومي أفضل من بيروقراطية الامبراطورية الرومانية، التي سبقت الحكم الإسلامى.”[1]

علاوةً على ذلك، فإن تجديد الخطاب ليس فقط ضرورة مجتمعية بل أيضاً مسؤولية دينية، حيث أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله:

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”[2]

سيوافق أغلب الناس أن التجديد مطلوب. ومع ذلك، يختلف أغلب الناس على ماهية التجديد وما الذي يصح تجديده وما الذي لا يصح. ويتقبل البعض مفهوم التجديد طالما أنه لا يتخطى طرق الدعوة. وحالما يتم الكلام عن المحتوى الديني يشعر أكثر المسلمين “المحافظين” بالاستياء على الفور. وهذا بطبيعة الحال يرجع بعضه للخوف من المجهول. وهذا جزئياً لأن أمتنا تُعاني بنصيب كبير من العجز والفُرقة، والتي بدورها تحيك بيئة من عدم الثقة واتخاذ الموقف الدفاعي. ومع ذلك، فإن بعض مخاوفنا من دعوات تجديد الدين في محلها، حيث أن أغلب الدعاه لذلك غير مؤهلين أصلاً لفعله. فهم يرفضون كثير من السُنة الراسخة، مع إهمال كامل لعلم الحديث، وتحدي الآثار الواضحة لنصوص الوحي. يسارعوا في رفض علماء الإسلام العظماء، ويدعون أن آرائهم ما هي إلا نتاج ثقافتهم وأنهم كانوا معصوبين الأعين بأصولهم. ويبدو أيضاً للعديد من المسلمين المحافظين أن التجديد المقترح ما هو إلا جزء من الإستسلام الغير مشروط للثقافة الرئيسية الحديثة، والتي تجعل تعليمات الوحي عُرضة لتأثير أفكار الناس  المتغيرة والبنية الاجتماعية. ومع ذلك، فإن التردد في أن نساهم في هذا التجديد معتمدة على خوفنا من أن يقوم الآخرين بخطف راية التجديد.أولئك الذين يشعرون بالإحباط من حال الأمة ويتقون إلي التغير وقد يميلوا إلي اتباع المجددين الغير مؤهلين لذلك.

ويناقش هذا المقال أوجه محددة عن تجديد الدين على النحو التالي:

1- تقرير مفهوم التجديد ونطاقه.

التجديد يكون عن الإصلاح والتأقلم فى العموم.

2- هل نحن بحاجة إلى تجديد أصول الفقه ومنهجية الاستدلال؟

أ) آراء تعوق التجديد المستمر للخطاب.[3]

  1. الإفراط في نقل الإجماع.
  2. الإنحراف عن المذاهب الأربعة،[4] وهل يمكن أن تكون هناك حقيقة خارجهم؟

ب) المرونة الموجودة في علم أصول الفقه.

  1. دور المقاصد في تجديد الخطاب الديني.
  2. دور العقل البشري.

ج) اقتراحات حول التجديد التدريجي بواسطة أصول الفقه.

3- بعض الأمثلة العملية للتجديد المقصود والغير مقصود.

تقرير مفهوم التجديد ونطاقه

كما ذكرنا سابقاً، بيّن الرسول أنّ على رأس كل مائة عام يبعث الله للأمة “من يجدد لها دينها.” فلا يتسنّى لنا من بعدُ أن ننكر على من يدعون إلى التجديد؛ إذ كان أول من أطلق هذا المصطلح هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.  فبدلاً من الإنكار، ينبغى أن يدور النقاش حول المعنى المرجوّ من هذا التجديد. هل يعنى فقط ‘الاستعادة‘ –أى إعادة ذكر المهجور من النصوص؟ فإن كان، فلم استخدم النبي صلى الله عليه وسلم لفظ “التجديد” بدلاً من بعض الكلمات الأُخر مما تعنى ‘الاستعادة‘ بحكم الأصل؟ وأيضاً، ف ‘الاستعادة‘ تتسق أكثر مع الهيكل الساكن، مثل مبنىً تاريخي تريد إعادة إحياء جماله الأصليّ. أما ديننا فكيان حيّ، وهو وإن كان بروح واحدة، وغايات ثابتة ومأثورات شاملة، لكنه بإطار تشريعيّ مرن يتكيف بما يتوائم مع الوقائع المتغيرة. ولهذا نرى أنّ ‘التجديد‘ هو اللفظ الأنسب. لكن إذا كنا نتكلم عن ‘التجديد‘ فكيف يمكن للمرء منا أن يجدد الدين؟ وهل يعنى ذلك امتلاك مطلق الحرية فى تغيير ما أمر الله به؟

السمة الأصيلة للدين هو أنه لا يزال ثابتاً، ومعظم ما يُقصد ‘بالتجديد‘ هو فى الحقيقة مجرد ‘استعادة‘ بلغ مرامه بيسر وسهولة بإحياء ما كان أصليّاً، وتطهيره مما لم يكُ: كالبدع  والأعراف التي تتصادم مع الوحي. لكن بجانب ذلك، يوجد نوع آخر من التجديد، وهو التجديد المبنيّ على الاجتهاد. وهو مما يومئ إليه الفقهاء بقولهم: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.”[5] ومثال ذلك عندما منع سيدنا عمر-رضى الله عنه- سهم الزكاة عن المؤلفة قلوبهم[6] لما استقر فى ذهنه أن الله قد قوّي شوكة المسلمين فى خلافته الرشيدة فلم يعد هنالك من حاجةٍ لقمع شرورهم أو كسب ولائهم بإعطائهم هذا المال من الزكاة. وفى مثال آخر، أمر سيدنا عثمان –رضى الله عنه- أثناء خلافته بأخذ الشاردات من الإبل، وبيعها، وإبقاء ثمنها محفوظاً لصاحبها. وهذا مما كان مخالفا للحكم الأصلى بتحريم أخذ الإبل الشاردة، وإنما لجئ إليه –أى الحكم بأخذ الإبل- لتدهور الحالة الأخلاقية التي حدثت بين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الخليفة عثمان –رضي الله عنه. وهذا سيدنا على –رضى الله عنه- أوجب مسؤولية أصحاب الحرف عن مواد التصنيع التى يحصلون عليها من زبائنهم؛ لما خشي من إهمالهم أو تهاونهم في حماية ممتلكات الناس. وعلى نفس المنوال، كان مما أجمع عليه علماء الأحناف القدامى هو عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لكنهم أجهضوا حكمهم لاحقاً وأجازوا أخذ الأجرة لما رأوا من نقصان عدد المتطوعين لذلك فخشوا ضياع القرآن.

فهل غير هؤلاء العظماء الحكمَ الشرعي؟ كلّا، فشريعة الله لا تبديل فيها ولا تغيير إذ قال عز وجل: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.”
وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم –رضي الله عنه- أن اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً إنما يعنى تقليدهم فى اعتبار المحرم مباحاً والمباح محرماً[7]. وفوق ذلك، فهذا بالضبط ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: “من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.”[8]

فيستحيل على ذلك أن تتضمن الأمثلة السابقة تغيير فى الحكم (الذى يشير إلى خطاب الله تعالى وأمره)، حتى ولو استخدم بعض الفقهاء هذا المصطلح –الحكم- فإنهم إنما عنوا به الفتوى وليس الحكم الحقيقي  في الشريعة. فالفعل الواحد قد يقال فيه بفتوتين مختلفتين بحسب السياق.

ولمزيد البيان، دعنا نأخذ مثال أخذ الأجرة على تعليم القرآن. فتحريمه كان اتفاقاً بين علماء الحنفية القدامى، ولكن أجيز ذلك فيما بعد. والسؤال هنا: هل تعلق التحريم أو الإباحة بنفس المسألة؟ ربما يبدو كذلك، لكن باقترابنا منه وتحسسنا إياه يتضح لنا ألا يمكننا مساواة الحالين: بين أخذ الأجرة لتعليم القرآن فى عصر كثر فيه المتحمسون لذلك ابتغاء وجه الله مع كونهم مدعومون مادياً من بيت مال المسلمين، وبين نفس الفعل فى عصر لم يعد المعلمون فيه مدعومون من بيت المال. ففى الحالة الأخيرة، لو انقطعوا للتعليم لضاعت عائلاتهم، ولو انقطعوا لكسب العيش لضاع طلابهم.

كما رأينا، قد يناسب تصور معين مجموعة مختلفة من الأحكام، وعمل المجتهد (من يستنبط الحكم من الدليل) هو أن يختار من بين هذه الأحكام أكثرها اتساقاً مع هذا التصور.
فقد يتردد الأمر بين حكمين أو مبدأين، وهنا ينسب المجتهد المسألة  أيهما أقرب إليها. ويتجلى هذا الأمر أكثر فى الأحكام التى تدور مع عادات الناس ومنافعهم وجوداً وعدماً. وفى ذلك يقول الإمام الشاطبي –رحمة الله عليه:
 فاعلم أنّ ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد؛ فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأنّ الشّرع موضوع على أنّه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدّنيا من غير نهاية، والتّكليف كذلك؛ لم يحتج في الشّرع على مزيد، وإنّما معنى الاختلاف أنّ العوائد إذا اختلفت رَجَعَت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يحكم به عليها…”[9]

ففى مثال أخذ الأجرة على تعليم القرآن، أول المبدأين كان وجوب إخلاص النية لله فى أمور العبادات، مما آثر القول بالتحريم فى بداية الأمر. وثانيهما كان صون القرآن بتعليمه لليافعين، مما رجح ميزان الحكم لصالح الجواز لاحقاً. هذا ويراعى التجديد المبني على الاجتهاد تغير الزمان وأحوال المكان، لا باعتبار أنهم علة للحكم بذاتهم، بل باعتبار أنهم مدعاة لملابسات وظروف مختلفة قد تكون علة لهذه الأحكام.

وقبل أن نستهل نقاشنا بما يمكن تغييره، فلنزيح الستار أولاً عما لا يمكننا فيه ذلك. فبينما يظل الاجتهاد دوماً ضرورةً فى كل مجال لنصحح به فهمنا، يخرج لنا من هذه الدائرة أمور –تالى ذكرها- لا تخضع للتغيير، لا لتغيرٍ فى العادات، ولا الأوضاع العالمية، ولا التقدم التكنولوجي، ولا أى حوادث متغيرة، وهى:

  • جميع ما يخص الاعتقاد.
  • أركان الإسلام.
  • الأحكام في مجال العبادة التي لها أسباب غير مفهومة، مثل أوقات الصلاة المختلفة وأوضاعها، ومناسك الحج، والصيام.
  • المقدرات المضبوطة بنصوص الوحي، مثل الكفارات، وفترة العدة، و فروض الإرث.
  • الأمور التى ورد فيها نص صريح بدلالة جازمة، وطريقة تحول محددة عنه، بشرط بقاء علة النص.
  • الأمور التى انعقد عليها إجماع حقيقي واضح: بشرط ألا يكون الحكم المجمع عليه قد بني على حوادث متغيرة، كما فى حالة كون المصلحة العامة (أو موازنة المصالح والمفاسد) هى العامل الحاسم.
  • الأحكام البدهية فى الأخلاق وكذلك التى تعبر بمجموعها عن روح النظام الإسلامي:كتحريم الكبر، والغبن، والقتل، والبغاء، والربا، والغيبة، والنميمة…إلخ. والإلتزام بما اتفق عليه فى العقد، وحماية حقوق الإنسان الأساسية:مثل قدسية الحياة، والملكية، والسمعة، وفى هذه الأخيرة –مسألة الحقوق- لا يتصور التغيير فيها إلا فى وسائل المحافظة على هذه القيم والحقوق وليس الحقوق ذاتها.

وبعد استبعاد هذه المجالات، يترائى أمام ناظرنا أن أمس المجالات حاجةً إلى الاجتهاد هى: الحكم، والسياسة العامة، والعلاقات الدولية، والمعاملات المالية، والتوظيف، وأخلاقيات الشركات، والأدلة المقبولة فى إجراءات التقاضى، وإلى حد ما العلاقات بين الأشخاص عموماً، وبين الأشخاص ذوي التوجهات العقدية والانتماءات الدينية المختلفة.

الإصلاح والتأقلم فى العموم

بعد أن أكدنا أننا لا نعتبر محتوى إرثنا الفقهي مُحصن من الفحص النقدي وأن العديد من الأحكام التي صدرت من ائمتنا وعلمائنا الأجلاء عُرضة للتغيير بسبب التغيرات التي حدثت في الجغرافيا السياسية والأقتصاد و الظروف الاجتماعية في العالم، من المهم التأكيد على أن معظم التجديد ليس له علاقة بالتغيير في هذا المحتوي، وأن المغزى منه هو إحياء قيم ومبادئ الدين التي أُيدت من قبل الأجيال السابقة التي كانت تعيش في بيئة مختلفة تماما، وبنائاً على ذلك، فما التجديد إلا إصلاح مع تأقلم أو إصلاح ذو هدف يكون من الممكن تحقيقه عن طريق القيام ببعض التغييرات في خطاب دعوتنا المعاصر[10]. ماذا يحتاج خطابنا الديني المعاصر بشدة، في تقدير هذا المؤلف ما يحتاجه  خطابنا الديني المعاصر هو تغيير التركيز، جنبا إلى جنب مع مكافحة التعصب والتحزب، ومكافحة الغوغائية مع تعزيز الأمانة الفكرية والموضوعية.

تغيير التركيز

كما يمكن لوسائل الإعلام تغيير وعي جمهورهم عن طريق التلاعب بالحقيقة، فأن الدعاة يستطيعون أن يقوموا بالمثل، ولكن، قد يكون تأثير الدعاة أعمق و أطول أمدا لأن الأمر في هذة الحالة يتعلق بتغيير وإعادة تشكيل قناعات الناس الدينية. فإذا تم تكرار قصة واحدة مائة مرة وكان هناك خمسون قصة تتعارض مع هذه القصة ولكن تم عرض كل قصة مضادة مرة واحدة فقط، فإنك بتلك القصة الواحدة ستتمكن من توجيه رؤية الناس للحقيقة، وتغيير قناعاتهم. ولكن هل يمكننا قول نفس الشيء عن الأحاديث النبوية؟

بالتأكيد. فإن خطاب الدعوة هذه الأيام يحتاج  بعض التغيير في التركيز من التقنية إلى الروحانية والأخلاقية، ومن التفاصيل البسيطة إلى القواعد والأسس الرئيسية، ومن التركيز على الشكل والخارج إلى التركيز على الجوهر والداخل. وهذا ليس بأي حال من الأحوال محاولة لإظهار أي استخفاف بالشريعة الأسلامية أو بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو دعوة إلى  تفسير باطني غير مبرر  لكليهما. ولكنها ببساطة دعوى إلى إعادة ترتيب أولويات الدين إلى الترتيب السليم.

إن تراثنا الديني، لا سيما عند إدراج كل تعاليم وأقوال علمائنا الأجلاء، ضخم جدًا مما يجعل امام من يريد التلاعب فيه مجال كبير لفعل لذلك. قد يخبر اثنان من الدعاة العامة رأيان مختلفين عن ذات الفقيه مثل الإمام أحمد ابن حنبل علي سبيل المثال،  وكلاهما يمكن أن يفعل ذلك باستخدام أقوال الإمام وحدها. فالأمر هنا لا يتعلق بالوضع فى السياق المناسب فقط، بل يتعلق  أيضاً بالتحقق من توجيهات أي إمام أو حتى صحابى بمقارنتها بعصا القياس المعصومة من الخطأ: ألا وهى الوحى وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 بل الأمر يتعلق هنا ايضاً بملائمة هذة التوجيهات للظروف الحالية. فنحن بحاجة الي ان ينقح الفقهاء التوجيهات التي سوف تصل إلى العامة وعلي العامة بدورهم ان يكونوا مطلعين بما فيه الكفاية لمعرفة التوجه الذي ينبغي أن يُقبل، ولكن أيضاً متواضعين بما فيه الكفاية بأن لا يدعوا قدرتهم علي القيام بدور العلماء المؤهلين. ومن الواضح أنه مما لا غني عنه أن نعيد بناء الثقة في العلماء لتحقيق هذه الأهداف.

 مكافحة التعصب والتحزب

عندما يختار شاب أو إمرأة إنتماء معين في عمر العشرين، فإنك تجدهم عادة ما يزالوا منتمين لذات المجموعة أو المنظمة عند بلوغهم سن الخمسين، مؤيدين قناعات هذه المجموعة مدافعين عن مواقفها بالرغم من مرور ثلاثون عام. وهذا الأمر صحيح وموجود عبر الفصائل والمجموعات التي تشكل الجزء الأكبر من الأمة، وبطبيعة الحال، و بمرور الزمن تتطور روابط إجتماعية قوية بين الناس من نفس المجموعة، وهذا يعني أن التغيير في قناعات الفرد يصبح مكلفاً إجتماعياً وعاطفيا. والله تعالى قد ذكر تلك  الظاهرة في كتابه الكريم في سورة العنكبوت فقال تعالى :

                           

                          “وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”

بالإضافة إلى عبء تغيير الولاءات، أو حتى مجرد إمتلاك الشخص لقناعات تتعارض مع تلك التي تتخذها المجموعة التي ينتمي إليها. وبالتالي يقع الناس في مأزق امتلاكهم لنظرة مشوهة للعالم، وذلك بسبب عرضهم الضيق لأقوال جماعتهم و سعيهم المتواصل في تأكيد وجهات نظرهم الثابتة، حتى عندما يتعرضون لطرق أخرى للتفكير. وتعرقل هذه العوامل وغيرها الاستكشاف الفكري الحر والتطور الحقيقي للفكر. وهذا لا يضر بالأفراد فحسب، بل يكون مضر بشكل خاص بتلك الجماعات التي تمارس ما يسمى “بعصب العين المتبادل”. ولا يمكن وصف التعصب بأنه ظاهرة جديدة علي ُأمتنا إذا كنا نعلم أن جمع كبير من الفقهاء اللامعين أمثال الأمام أحمد، البخاري، الطبري، ابن حزم، ابن رشد، ابن تيمية وغيرهم الكثير قد تعرضوا للاضطهاد من قبل المعارضين الفكريين، وبهذا نكون قادرين على فهم إلى أي مدى تمتد جذور هذه المشكلة في تاريخنا. فقد كان هناك لكل فقيه تقريباً مِحْنَة  “محاكمة” فكان يحاكم الفقيه بسبب أراءه الفقهية. ومن المؤسف أن الغالبية العظمى من الجماعات الإسلامية – سواء كانت مقسمة على خطوط إيديولوجية أو دينية أو قانونية أو غيرها – تطالب بالامتثال والولاء وتخفق في غرس الخصال الأساسية للتحليل النقدي في أتباعها. وتغيير هذا المناخ يعتبر أمر حيوي لا غني عنه للقيام بنهضة فكرية.

مكافحة الغوغائية مع تعزيز الأمانة الفكرية والموضوعية

وقد عمل الخطاب المعاصر على إنشاء صورة نمطية عن الأشخاص الملتزمون دينياً بأنهم جاهلون بالشؤون الدنيوية، يتبعون الخرافات الصوفية بصورة عمياء، صارمون عندما يتعلق الأمر بأفكارهم ومفاهيمهم، غوغائيين في خطبهم، و غير متصالحين مع وجهات النظر المعارضة لهم. بالرغم من أن هذه الصورة الكاريكاتورية غير عادلة بالمرة، لكن يجب علينا ألا نصرفها تماماً عن تفكيرنا. فنحن بشر ناقصة  و لسنا في مأمن من أي من ذلك. فإن الغوغائية قد تكون في بعض الأحيان نتيجة لحماس في غير محله لأننا لا نعرف الأفضل، وأحيانا تنطوي على محاولات متعمدة لإيذاء خصومنا الفكريين والسياسيين. وقد خلق العرض  المنحرف للتاريخ والحقيقة جيلاً من الشباب غير واعي بالماضي والحاضر بشكل كبير، مُستهلك تماماً بواسطة نظريات المؤامرة الضخمة.

تقويم المحتوى

وتقر الغالبية العظمى من علماء المسلمين بالحاجة إلى الإصلاح والتجديد. فإن الإدراك والاعتراف بالركود الذي حدث على مر القرون والذي كان له أثر على تطوير نظريتنا القضائية  و قوانيننا أمر ضروري لتوليد العزم على التجديد المنشود. وقد أرجع الشيخ عبدالوهاب خلاف أحد علماء الأزهر المحنكين في القرن الرابع عشر الركود الذي حدث في الإجتهاد إلى أربعة عوامل: 1- المواجهات والانقسامات السياسية داخل الدولة الإسلامية التي أعاقت العلماء في جميع المجالات عن التطور في تخصصاتهم؛ 2- التعصب المذهبي الذي جعل العديد من العلماء مشغولين في دعم مذهبهم الخاص (مدرسة الفكر) وإثبات صحته باهتمام شديد، مما يحول دون تحقيق محايد في مجموعة الأدلة، ولا سيما القرآن والسنة؛ 3- “فوضى الفتوى” التي فشل العلماء في ذلك الوقت في السيطرة عليها،[11] وبهذا أغلقوا باب الاجتهاد على نحو استباقي من باب الحيطة، مما أدى إلى ركود كبير في الاجتهاد؛ و 4- الاضمحلال الأخلاقي الذي أصاب الكثير من العلماء، مما دفعهم إلى الحسد و انتقاص كل من حاول الاجتهاد المستقل. [12]

هل  يقتصر المحتوى القابل للتجديد على القانون؟

في حين أن هذه المناقشة تدور في الأساس حول التجديد من حيث صلته بالقوانين، فمن المهم الإجابة على هذا

السؤال. فكما قلنا من قبل، إن مسائل العقيدة والقيم الإسلامية الرئيسية لا تخضع للإجتهاد الجديد بمعنى تشكيل مواقف جديدة تتوافق مع الواقع الجديد. ومع ذلك، ما زلنا بحاجة إلى إجتهاد لتصحيح فهمنا الخاطئ لبعض من هذه المفاهيم والقيم. على سبيل المثال، الفهم الخاطئ للقدر والزهد، حيث أن ذلك قد أضر برفاهية الأمة، ويمكن أن يعرقل أي احتمالات للتقدم. فتخيل أن أمة بأسرها تعتبر نفسها لا حول لها ولا قوة في نظرتها إلي المستقبل لفهمها الخاطئ للقدر، وغير مبالية بالتطور الحاصل في العالم لفهمها الخاطئ لمعنى الزهد فأنّى للدول الإسلامية أن تتقدم مع وجود مثل هذه المفاهيم الخاطئة. ببساطة، نحن بحاجة إلى إعادة فهمنا الجماعي لهذه المفاهيم للمعني التي كانت عليه تلك المفاهيم في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، وقد تتطلب تلك الإعادة في بعض الأحيان الرجوع قرن أو قرنين من الزمان فقط، لإزالة قشرة رقيقة من الانحراف الحالي.

وفي أحيان أخرى، تتطلب إعادة الفهم الجماعي الرجوع إلى وقت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم فتعاليمهم و حيواتهم سوف تبقي دائماً ألمع منارات الهدى والرشاد وعصا  قياس لا تنضب. وهذا لا يعني أن الأمة كانت مضللة بشكل تام في أي وقت، ولكن من الممكن جدا (كما توقع الرسول صلي الله عليه وسلم نفسه) أن بعض الاتجاهات التي لا تتفق مع الوحي قد  تسود في ضميرنا الجماعي وممارستنا.

في  حين أن العديد من الناس سوف تستمر في معارضة (أو على الأقل مرتابة من) التجديد المبني على الاجتهاد، من المبشر أن معظم فقهاء المسلمين البارزين يظهرون قبول لهذا المفهوم. ومع ذلك، فإن مسألة الخلاف هي ما إذا كنا بحاجة إلى تنقيح مبادئ أصول الفقه. هذا هو ما نحاول مناقشته في القسم التالي.

هل نحن بحاجة إلى تجديد أصول الفقه ومنهجية الاستدلال؟

تتفق الغالبية العظمى من الفقهاء المسلمين على أن الاجتهاد الجديد ضروري لمعالجة المسائل الناشئة حديثا التي لم يسبق أن تناولها الفقهاء التقليديون. ويتفق معظمهم أيضا على أنه قد تكون هناك حاجة إلى اجتهاد جديد لإعادة النظر في الآراء القائمة في الإرث الفقهي الإسلامي واختيار من بين تلك الآراء ما هو أنسب للوقائع الراهنة. هؤلاء الفقهاء يتحدثون ببساطة عن استخدام نفس أصول الفقه المعمول بها لإعادة النظر في الأحكام الفردية. ومع ذلك، فإن مجموعة من العلماء تدعو إلى “نهج نظامية” إلى أصول الفقه نفسها وإصلاح منهجية الاستدلال. وكما هو متوقع، قوبلوا بمقاومة شرسة. إن أولئك الذين يطالبون بتجديد الأصول متنوعون جدا، ولا ينبغي التسرع في استخدام فرشاة واسعة في وصف مقترحاتهم، ناهيك عن نواياهم. سأحاول هنا دراسة ما إذا كانت هناك حاجة لإصلاح علم أصول الفقه.

أولا، كان فقهاء الإسلام دائمي الخلاف على قضايا تتعلق بأصول الفقه. قول شهير للإمام أحمد: “… من ادعى الإجماع فقد كذب “.[13] كتب ابن رشد كتابه فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال عن الانسجام بين الدين والفلسفة. واقترح الرازي أن هناك نسخ عقلي. الطوفي مد (بحكمة أم لا) مكان المصلحة في التشريع. القرافي قسم أثار النبي ﷺ إلى فئات مختلفة على أساس الصفة التي كان يتصرف بها. هذه ليست سوى أمثلة قليلة على التجديد المستمر في أصول الفقه.

من الواضح انه حينئذ علم أصول الفقه لم يكن من المفترض أن يكون نظاما مغلقا، لأن ذلك يجعله عرضة للركود والانهيار. ومع ذلك، فإن هذا المؤلف يفترض هنا أنه ليست هناك حاجة لإصلاح علم أصول الفقه؛ بل بنية صلبة يتسم بمرونة واضحة  . وإن فشلنا في الاستفادة من مرونته واكتشاف مبادئه التي تمكنه من التجديد تجعل بعضنا يتسرع إلى الرغبة في إصلاحه. ما نحتاجه حقا هو تعلم التجديد التدريجي في هذا العلم. بعد قول ذلك، يجب أن نعترف بأن هناك اراء، اعتمدتها أحيانا الأغلبية، تسببت في بعض الركود والصلابة في أصول الفقه واستخدامها العملي. وكانت هذه الآراء أساسا في مجال الاجتهاد. وسأبدأ هنا بتناول بعض هذه الآراء وأثرها على تطوير الفقه؛ ثم أتحدث عن المرونة الموجودة في علم أصول الفقه الذي ينبغي استخدامها لخدمة أغراض التكيف والتجديد في خطابنا الديني. وأخيرا، سأقترح بعض المجالات التي قد يكون من المستحسن إجراء تغيير فيها.

آراء تعوق التجديد المستمر للخطاب[14]

الإفراط في نقل الإجماع

لا شيء يمكن أن يخنق التجدد القائم على الاجتهاد أكثر من الإفراط نقل الإجماع. في بعض الأحيان، نقل الفقهاء الإجماع في مسائل تمت مناقشتها بقوة داخل المذاهب الأربعة، ناهيك عن خارجهم. وكان هذا في بعض الأحيان بسبب استخدام مصطلحات خاصة أو ببساطة نتيجة أخطاء بريئة. حتى أولئك الفقهاء المعروفين بممارستهم الصارمة للتحقيق نقلوا مئات من حالات الإجماع بعد عصر الصحابة التي هي صعبة للغاية، إن لم يكن من المستحيل – إنشاءها. و سأقتبس من الشيخ محمد الخضري، الذي يشاطره رؤيته العديد من الباحثين المعاصرين في علم أصول الفقه. هو يقول: (السؤال وهو: هل أجمعوا فعلا على الفتوى في مسألة عرضت عليهم وهي من المسائل الاجتهادية؟ ويمكن الجواب علي ذلك: بأن هناك مسائل كثيرة لا يعلم فيها خلاف بين الصحابة في هذا العصر، وهذا أكثر ما يمكن الحكم به، أما دعوى العلم بأنهم جميعا أفتوا بآراء متفقة والتحقق من عدم المخالف فهي دعوى تحتاج إلى برهان يؤيدها، أما ما بعد ذلك العصر- عصر اتساع المملكة وانتقال الفقهاء إلى امصار المسلمين ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرها العد مع الاختلاف في المنازع السياسية والأهواء المختلفة – فلا نظن دعوى وقوع الاجماع إذ ذاك مع ما يسهل على النفس قبوله مع تسليم أنه وجدت مسائل كثيرة في هذا العصر لا يعلم أن احداً خالف في حكمها، ومن هنا نفهم عبارة الإمام أحمد ابن حنبل : ” من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس قد اختلفوا ولكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا اذا لم يبلغه”. وبعض فقهاء الحنابلة يرى أن الإمام يريد غير إجماع الصحابة)[15]

بينما كان ابن حازم باحثا مثقفا وكان واحدا من هؤلاء المعروفين بالتحقق من التقارير، فإن كتابهُ مراتب الإجماع، الذي نقل فيه إجماع الفقهاء، نقل فيه الكثير من الإجماعات المشكوك فيها ما دفع ابن تيمية إلى كتابة أطروحة بعنوان “نقد مراتب الإجماع” للإشارة إلى تلك التقارير الخاطئة. ومن المثير للاهتمام أن إجماعا نقده ابن تيمية متعلق بكفر من يرفض إجماعا معينا بعد الاعتراف بصحته.[16]

من الأهمية بما كان أن نقدر جمال مبدأ الإجماع[17]، التي ليست أداة للحفظ فحسب، بل هي أيضا ترياق للاستبداد الكهنوتي. في أمة لا أحد فيها يتحدث باسم الله بعد الرسول ﷺ، وهذا المذهب يوفر أداة ليست فقط للمحافظة، ولكن أيضا للكفاءة والتسامح والقدرة على التكيف. ومع ذلك، فإننا بحاجة إلى فحص موضوعي للإجماع الذي تم نقله، ونحن بحاجة إلى تطبيق معايير صارمة قبل أن نقبله، لأن مجرد القبول من شأنه أن يعطي الطابع النهائي على رأي معين ووضع حد لأي نقاش علمي. نطبق معايير صارمة قبل أن نصحح التراث النبوي ، على الرغم من أنها قد لا تعطي نفس الحسم مثل الإجماع، بسبب مضمونها المتضارب في كثير من الأحيان. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نتعامل مع الاجماع السكوتي[18] الذي يشكل الجزء الأكبر من الإجماع، كأدلة تعزيزية فقط بسبب طبيعته المفترضة.

هل يمكن أن تكون هناك حقيقة خارج المذاهب الأربعة؟

المذاهب الأربعة في الإسلام السني هي الإنجازات الفكرية التي يجب أن يفخر بها أي مسلم سني. ساهم الآلاف من الفقهاء من خلال جهود متعددة التخصصات وعبر الأجيال لإنتاج هذه العجائب الفكرية. حجتهم وحاجتنا لهم واضحة كالشمس في منتصف يوم صيفي، كما يقول المثل العربي. كما أن الغالبية العظمى من فقهاء المسلمين يوصون أن طالب المعرفة يوجه أولا بواسطة واحدة من المدارس الأربعة. ويمكن للمرء أن يضيف أيضا أن الحقيقة لا تخرج عن آراء المذاهب الأربعة إلا نادرا جدا. قال الإمام ابن تيمية: “وقول القائل: لا اتقيد بأحد هؤلاء الائمة الأربعة. إن أراد: انه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين، فقد أحسن، بل هو الصواب من القولين، وإن أراد: أني لا اتقيد بها كلها، بل خالفها، فهو مخطئ في الغالب قطعاً، إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة. ولكن تنازع الناس: هل يخرج في بعض المسائل”.[19]

أي محاولة للتقليل من كل أو بعض أو أي من المذاهب الأربعة هو اعتداء على الأمة وتراثها. ومع ذلك، فإن وجود فهم متوازن بشأنها أمر ضروري. لا يمكن للأمة أن تتحمل التأرجح مع بندول التطرف. “مكافحة المذهبية” أمر خاطئ، ولكنها ليست سبب جميع أمراض أمتنا، كما يحب بعض العقائديين على الطرف الآخر من الطيف أن يؤمنوا. هذا التخفيض المبسط للظواهر المعقدة ليس جديدا على التفكير البشري. ومع ذلك، يبدو بغيضا للغاية للحقائق ومفهوم السببية نفسه. بعد كل شيء، من الذي يجرؤ أن يدعي أن الأمة كانت بخير قبل هذه “الظاهرة الجديدة”؟ هذا ليس فقط حول الهزيمة من قبل القوى الخارجية، ولكن أيضا التخلف، والصراع الداخلي، والتعصب، سواء بين الطوائف أو بين المذاهب. اشتكى علماء التحقق خلال أوقاتهم من ظروف الفقه والفقهاء. أدى الركود داخل المذهب إلى الانقسام بين الفقه واحتياجات الشعب، مما دفع القادة، قبل فترة طويلة من الحقبة الاستعمارية، إلى إصدار تشريعات تعسفية. بالإضافة إلى ذلك، لماذا البلدان والمجتمعات التي لم تتأثر بهذه “الظاهرة الجديدة” ليست أفضل من تلك التي تأثرت؟

بعد أن قلت ذلك، هذه ليست مناقشة لأهمية إرث المذاهب الأربعة، ولا محاولة للحكم بين المتنافسين على طرفي الطيف المتعلق بها. إن النقاش هنا يتعلق بوجود حقيقة خارج ما اتفقوا عليه، وهو اتفاق يعامله العديد من علماء المسلمين كإجماع ملزم. وقد ذهب بعض العلماء بعيدا بقدر ما يدعون أن هناك إجماعا على أنه في مجالات الفتوى والحكم على الأقل، لا يجوز لأي فقيه أن يتخذ رأيا خارج المدارس الأربعة.[20] وطبقا لدار الفتوى المصرية، فإن هذا الاتفاق يخضع للتغيير مع مرور الوقت، وعادات الناس، وقبول الآراء الأخرى والثقة بها. كما أنها تخضع للتطبيق من قبل الدولة.[21] أكثر ما قد يقوله أحدهم عن هذا الاتفاق – وهذا أمر صعب تحقيقه للغاية – هو أنه كان قرارا إجرائيا قد يكون له بعض الجدارة في مرحلة ما، ولكن ليس بأي حال من الأحوال اجماع ملزم يجب على الأمة أن تلتزم به إلى أجل غير مسمى. من المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا أن الخلاف بين الفقهاء السابقين لم يكن حول التزام المجتهد باتباع رأي مجتهد آخر، بل حول جوازه. وقد سمح به الإمام أبو حنيفة، في حين أن الإمام الشافعي يحظره، حيث قال الأخير إن مستوى اليقين الذي يكتسبه الشخص من اجتهاده يجب أن يتجاوز ما يمكن اكتسابه عن طريق اجتهاد شخص آخر.[22]

كلما نسعى إلى إصدار حكم بشأن قضية معينة، فإنها إما مسألة معاصرة أو مسألة تم تناولها سابقا. إذا كانت جديده، فإن رأي المذاهب الأربعة ليس حاضرا، إلا من خلال التخريج (شكل من أشكال الاستدلال القياسي القائم على رأي في مذهب)، والذي عادة ما يقدم بعض المرونة وغير ملزم بشكل خاص. إذا كانت المسألة سبق تناولها، فإن السؤال هو ما إذا كان الرأي خارج اتفاق المذهب الأربعة قد يكون له أي قيمة.

ولئن كان من الجدير بالمسلمين أن يكونوا حذرين من الآراء التي تتعارض مع اتفاق الأئمة الأربعة، فإن هذا الحذر لا ينبغي أن يستبعد تماما مثل هذه الآراء. قال أبو الخطاب (متوفي 510 هجري) في كتابه التمهيد في أصول الفقه:

“أن أدلة (الإجماع) لا تتناولهم ، لأنهم بعض المؤمنين وبعض الأمه، ولأن الإمامة لا تأثير لها في الإجماع”.[23] 

وكان ابن تيمية يحمل نفس الرأي، وذكر عدة حالات حيث انشق بعض أتباع الأئمة الأربعة عن اتفاقهم.[24] وبينما كان الإمام القرافي أحد العلماء الذين نقلوا عن ابن الصلاح الاتفاق على اتباع أحد المذاهب الأربعة، قال في مكان (وسياق) مختلف أنه تم التوصل إلى إجماع خلال وقت الصحابة أن كل من يتحول إلى الإسلام قد يطلب الفتوى من أي من العلماء وليس ملزما أن يسأل بعض منهم، وأن من سأل أبو بكر وعمر لا يزال له ان يسأل معاذ وأبو هريرة وغيرهم، وتحدي أي شخص ادعى انه تم إلغاء هذا الإجماع لإيجاد أدلة بذلك.[25] وأوضح الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي أنه يجوز للفقيه أن يتبع اجتهادا خارج المذهب الأربعة ما دام موثقا جيدا وأن شروطه وكل التفاصيل اللازمة معروفة، وعزا هذا الإمام إلى الإمام السبكي.[26] وقد عزا الإمام النفراوي المالكي هذا الرأي إلى بعض فقهاء التحقيق، دون حد جواز التقليد علي الفقهاء.[27]

ما يجب أن يكون واضحا أنه لا يوجد مبرر مشروع بأن اتفاق المذهب الأربعة ينشئ إجماعاً، وإذا لم يحدث ذلك، فلا توجد أسباب لإضافة موافقتهم على مصادر التشريع. وينبغي أن يكون اتفاقهم بمثابة علامة تحذير للمجتهد على المضي قدما بحذر وغير المجتهد للتوقف. وكما ذكر أعلاه، حتى أولئك الذين لم يسمحوا للجمهور أن يتبعوا أحدا غير من المذهب الأربعة أدركوا أن الحقيقة قد تكون موجودة خارج اتفاقهم، وأنهم سمحوا للفقيه (الفقهاء: المتخصصون في الفقه) باعتماد رأي خارج المدارس الأربعة.[28] وكما ذكرنا في مناقشتنا للمرونة القائمة في إطار أصول الفقه، فقد سمحوا أيضا باستخدام اراء غير مصرح بها في المذاهب لأسباب صحيحة.

في عصرنا هذا، ما الذي يمكن عمله لحماية الناس من فوضى الفتاوى غير الخاضعة للتنظيم هو التأكيد على المبادئ التوجيهية التي يجب اتباعها في تعميم الآراء التي تتعارض مع اتفاق المذاهب الأربعة (وهو ما سيتم تناوله لاحقا) والمضي قدما بالاجتهاد الجماعي، الذي يمنح صلاحيات أكبر للآراء الجديدة، كما قال الشيخ مصطفى الزرقا عندما تحدث عن إعادة فتح أبواب الاجتهاد.[29]

من الأمثلة على الاجتهاد الجماعي الجديد قرار الجمعية الفقهية لمنظمة التعاون الإسلامي بشأن عقد الاستصناع الذي يمكن بموجبه للمشترين شراء منازل غير مبنية ودفع ثمنها على هيئة أقساط. وتعتبر هذه المعاملة نوعا من السلم (البيع مع الدفع مقدما) من قبل المدارس المالكية والشافعية والحنبلية، مما يعني أن جميع شروط السلم سوف تنطبق عليه، بما في ذلك الدفع الفوري لكامل السعر. والسبب في هذا الشرط بالتحديد هو أن المعاملة لا تصبح محظورة بسبب تأجيل كل من السعر والسلع (بيع الكالئ بالكالئ). ومع ذلك، يعتبره الإمام أبو حنيفة عقدا منفصلا حيث إنه، على عكس السلم، ينطوي على تصنيع السلعة. هذا الرأي يسمح للمشتري لدفع الثمن على أقساط. ومع ذلك، وفقا لأبو حنيفة، فإن هذا العقد يتحول إلى سلم إذا تم تحديد موعد نهائي لتقديم السلعة. وكان لصاحبيه رأي مختلف، وسمحا بتحديد موعد نهائي. وأشارت جمعية الفقه لمنظمة المؤتمر الإسلامي إلى أنه ينبغي تحديد موعد نهائي، وأن هذا لا ينبغي أن يغير العقد من استصناع إلى السلم، مما يسمح بدفعات مؤجلة. وهكذا، وافقت الجمعية على بيع المنازل قبل تشييدها ودفع الثمن على أقساط إذا كان هناك وصف دقيق للعقار.[30] وهذا حكم هام حيوي لازدهار صناعة كبرى. اعتمادها من قبل مجلس فقهي والذي أدى إلى إزالة الانزعاج الذي قد يكون لدى كثير من الناس بسبب تناقضها مع وجهة نظر المذاهب الأربعة. ويمكن أن يقال نفس الشيء عن رأي ابن تيمية من الطلاق الثلاثي المركب. عدها على أنها طلقة واحدة. وكان رأيه يتعارض مع الرأي المأذون به للمذاهب الأربعة. وقد أدي اعتماد هذا الرأي من قبل دار الفتوى في العديد من البلدان الإسلامية، بما في ذلك مصر وسوريا والأردن إلى قبوله من قبل التيار العام. وباختصار، يمكن القول إن تعميم الآراء الخارجة على اتفاق المذاهب الأربعة يجب أن يكون مرهونا بتصديقها من قبل الاجتهاد الجماعي أو قبول مجموعة كبيرة من فقهاء التحقيق.

المرونة في أصول الفقه

أهداف الشريعة والإصلاح

مقاصد الشريعة ودورها في التجديد موضوع نقاش متكرر ودائم. الأهداف الأساسية للشريعة، كما استنتجها الفقهاء، هي الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والشرف والمال من الناس. الشريعة لا تفاضل فقط بين هذه الأهداف، ولكنها تعترف أيضا بثلاثة مستويات في كل منها: التحسينات، و الحاجيات، والضروريات. الجانب الثالث من العبقرية هو مرونة الشريعة حيث يتم تقديم تنازلات من أجل الضروريات، وإلى حد ما، لتلبية الحاجيات أيضا.

المفكرون المسلمون الذين كانوا يبحثون عن طريقة لإصلاح العقل الجمعي الإسلامي، مثل الناقد المغربي البارز وأستاذ الفلسفة محمد عابد الجابري، كان يأمل، كما قال في كتابهِ وجهات نظر، أن استخدام المقاصد سيكون مفتاح هذا الإصلاح. ورأوا أن مثل هذا الاستخدام – مقترنا بفهم سليم للواقع الذي من المفترض أن تطبق الأحكام فيه – سيؤدي إلى نهضة كبرى في المجتمعات الإسلامية. ولا شك أن هذا صحيح. ومع ذلك، تنشأ مشكلة عندما يسعى بعضهم إلى استخدام المقاصد بمعزل عن الأحكام المفصلة في كتب الفقه وحتى في الأدلة النصية. المقاصد هي أعلى مستوى من التجريد في الشريعة الإسلامية، مثل القيم السامية المطلقة لأفلاطون (الحقيقة والجمال والخير) وشعار الثورة الفرنسية (الحرية والأخوة والمساواة). وعلى الرغم من أن البشر قد اتفقوا بشكل دائم على مزايا هذه القيم، إلا انهم دائما ما اختلفوا على خارطة الطريق لهم. هذا هو المكان الذي تسطع فيه الشريعة، لأنها التي تمنح الهداية نحو تحقيق تلك الأهداف والقيم العظيمة، راويةً لعطش الإنسانية للتوجيه. من الناحية اللغوية، تشير الشريعة إلى طريق يؤدي إلى مصدر للمياه. الماء ضروري لبقائنا المادي، وتوسل الهداية الإلهية من الله ضروري لبقائنا الروحي (وعموما) البقاء.

إن الموقف الوسطي بين أولئك الذين يبالغون في فائدة المقاصد وأولئك الذين يرفضون دورها في توجيه اجتهاد الفقيه، في اعتقادي، هو أن الفقيه يجب أن يكون دائما على دراية بالمقاصد (كما ورد في مناقشة البراهين العقلانية)، ولكن لا ينبغي له أن يتحايل على الأحكام التفصيلية، ومنهجية الاستنتاج، أو القواعد الفقهية لتحقيق تلك الأهداف. وعليهم أن يقدموا تبريرا صحيحا إذا قرروا استخدام الاستحسان أو أي وسائل فقهية أخرى لتحقيق تلك المقاصد. إنهم هؤلاء الخبراء الفقهيين الأكثر ملاءمة لتوظيف المقاصد دون المساس بمنهجية الاستنتاج المبينة في أصول الفقه. وسوف يكونون دائما قادرين على إيجاد وسيلة لتحقيق المقاصد بطريقة سليمة من خلال الفهم السليم للأدلة النصية والقواعد الفقهية. وهذه الأخيرة في مستوى أقل من تجريداً عن المقاصد، وبالتالي هي الأكثر اعتباراً.

إن الخطأ الذي يقع فيه العديد من المطالبين بالتجديد من خلال فهم المقاصد هو المبالغة في تقدير قدرة العقل البشري على استيعاب تلك المقاصد بشكل مستقل. والخطأ الذي يقع فيه خصومهم المعارضين هو التقليل من شأن العقل البشري، الأمر الذي يؤدي إلى حالة ركود ويحرم الشريعة من مرونتها في معالجة الحقائق المتغيرة باستمرار – وهي جودة بارزة تضمن حيويتها المتسامية.

دور العقل البشري

والسؤال الملحوظ هنا هو ما إذا كان العقل البشري كافيا في تحقيق المقاصد المذكورة أعلاه. وقد اختلف الفقهاء على قدرة البشرية على التمييز بين الخير والشر (الحسن والقبيح). اعتقد المعتزلة أن العقل البشري قادر تماما على ذلك (ويتحمل المسؤولية عنها أيضا). وقال العديد من الأشاعرة وبعض الاثريين أنه لا يقدر (لكنهم ظلوا يستخدمون التفكير العقلاني في المسائل الفقهية). حافظ كثير من الماتريدية والأثريين، بمن فيهم ابن تيمية[31]، على موقف وسط، وقالوا إن العقل البشري قادر جزئيا على هذا التمييز؛ ومع ذلك، فهو غير مكتمل وغائم بسبب النفس، والتحامل، والجهل، وهلم جرا. كما أكدوا، مثل الاشاعرة، على أن الناس ليسوا مسؤولين على أساس هذا التمييز حتى يأتيهم الوحي من الله. الرأي الأخير له ميزة كبيرة، لأن جميع البشر يتفقون على بعض المستويات على نظام متسق موضوعي من القيم الأخلاقية الأساسية. وتقر الشريعة بأن آلية التمييز موجودة في كل إنسان. ويطلق عليها الفطرة. واستنادا إلى هذا الرأي الذي نسبه ابن تيمية إلى غالبية أهل السنة،[32] فإن العقل له دور كبير في رسم خارطة الطريق من خلال ضمان فهم متين للشريعة والمقاصد وفهم واضح للواقع الذي تعمل فيه الشريعة. قبل أن نتحدث عن التفاعل بين العقل والشريعة، يجب أن نسأل عن نطاق عمل كل منهما. ما هي الأجزاء ومقدار حياتنا الذي تسيطر عليه الشريعة، وكم تبقى للعقل البشري؟ كمسلمين، نحن نلتزم بما هو إلهي. الحياة نفسها هي هدية منه. نحن نعيش به ومن أجله. ومع ذلك، كم ترك الله لنا أن نقرر لأنفسنا، في حين لا نزال تحت سلطته؟ التناقض بين الإلهي والعلماني في خطابنا الحديث كمسلمين حاد. في كثير من الأحيان، أنصار العلمانية يعتدون على مكان الإله في “المجال العام”. ومع ذلك، نحن بحاجة إلى أن نسأل أنفسنا إذا كان العكس هو الصحيح أيضا. عندما تسمع عن العيادات التي تدعي لعلاج المرضى الذين يعانون بالطب النبوي، يجب أن تجد الفكرة مسيئةً للنبي ﷺ نفسه وتعاليمه. ﷺ كان، بعد كل شيء، من قال، “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ”. (رواه مسلم)

صحيح أن النبي ﷺ وصف بعض الأدوية. ومع ذلك، فقط عدد قليل جدا من هذه الوصفات لها دلالة على أن مصدرها الوحي الإلهي. وإلا فإن النبي ﷺ استخدم الأدوية المتاحة له في الوقت وفي المكان الذين عاش فيهم. في حين أن بعض الفقهاء، مثل ابن القيم، يعتقدون أن كل وصفاته معصومة، والبعض الآخر، مثل القاضي عياض وابن خلدون، يعتقدون أنها ليست كذلك. باستثناء عدد قليل من الوصفات الطبية التي لها بعض الدلائل من أصل الوحي  الإلهي، فإن الرأي الثاني يبدو أكثر اتساقا مع الحديث أعلاه، وكما أشار ابن خلدون، ﷺ جاء ليعلمنا عن الدين، وليس عن الطب وما شابه ذلك.[33] أيا كان الرأي الذي أنت أكثر راحة معه، الحقيقة التي لا ينبغي تفويتها هو أنه لا يوجد نوع منفصل من الطب يسمى “الطب النبوي”.

تزداد المسألة إثارة للجدل عندما تتعلق المناقشة بالسياسة أو الاقتصاد أو الجوانب الأخرى للسياسة العامة. من المتوقع أن تكون هناك تعليمات ومبادئ توجيهية إسلامية بشأن هذه المسائل. ويبدو أننا تخلينا بشكل انتقائي عن بعض من أكثرها وضوحا، مثل مفهوم الشورى، والذي، إذا رأينا أنه ملزم، يمكن ترجمته على أنه “حكم الأغلبية”. وبعد أن قلت ذلك، يبدو أن تلك المجالات تركت منظمة تنظيما خفيفا جدا ودون تعليمات مفصلة من أجل السماح للإبداع البشري وترك مساحة واسعة للعقل البشري أن يقرر ما هو مناسب في أوقات وأماكن مختلفة. إن كنا أمرنا بالالتزام بالديمقراطية المباشرة، فإن الأمر غير قابل للتطبيق لأكثر من اثني عشر قرنا لأنه ببساطة مستحيل لوجستيا. وكان من شأنه أيضا أن يمنع الناس من اختيار شكل من أشكال حكم الأقلية التمثيلية إذا وُجد أنها أكثر ملاءمة في ظروف معينة. إن النقاش الذي لا نهاية له حول كون الإسلام رأسمالياً أو اشتراكياً أو نظاما منفصلا تماما هو مؤشر على التنظيم الخفيف في هذا المجال الذي سمح بإجراء هذه المناقشة بين الفقهاء والمفكرين الصادقين.

بعيدا عن وضع الحدود بين الإلهي والعلماني، فإن التفاعل بين العقل والشريعة هائل. أحد أدوار العقل، المهتدي بنص الوحي والتراث، هو دراسة التراث في ضوء الوحي والمقاصد والقواعد الفقهية، وتحديد الآراء الأكثر قابليه للتبرير والأكثر ملاءمة. كتب الامام ابن القيم، “الشريعة مبناها وأساسها على الحكمة ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصلحة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلي الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة الى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل”.[34]

هذه الآراء، التي تم تضمينها من خلال سوء تفسير الشريعة (وهذا يعني هنا الإرث الفقي)، تحتاج إلى تعريف. إن الفحص النقدي للتراث العظيم للفقهاء ليس هجوما على الشريعة، ما دام يقوم به خبراء مؤهلون، للأغراض الصحيحة، وباحترام مشايخنا الفكريين، أولئك الذين أمضوا حياتهم في خدمة الدين وفروعه الدراسية.

العقل له دور آخر هنا يتعلق بتغير الحقائق. الفتوى هي حكم محدد، أو تطبيق الشريعة في تفاصيل معينة، لذلك هي تخصيص حكم لحالة معينة. بل إن هناك عنصرا إنسانيا هنا – ومن ثم هامش أكبر من الخطأ – إذ أن الفتوى تتطلب فهم نصوص الشريعة، فضلا عن فهم الوضع الذي يحكم عليه. عندما تضيف إلى هذا التغيرات الهائلة التي حدثت في العالم خلال المائتي سنة الماضية، سوف تكون قادرا على تقدير مقدار الجهد الذي ينبغي أن يبذل في دراسة الفتاوى في كتب الفقه التقليدية قبل أن نسرع في تطبيقها على الحقائق الحالية. إذا اتبعنا تعبير الإمام الرازي،[35] سيكون هناك الكثير من النسخ العقلي، وهو إلغاء الحكم بسبب غياب مجال عمله. ومع ذلك، فإن كلمة “النسخ” هنا قد استخدمت بشكل فضفاض من قبل الرازي. يمكننا القول ببساطة أن القاعدة غير قابلة للتطبيق بسبب غياب شروط تطبيقه، كما قال الإمام القرافي.[36]على سبيل المثال، قد يكون شرط الإمام (رئيس الدولة الإسلامية) ان يكون من قبيلة قريش ببساطة، كما أكد ابن خلدون، لنزع فتيل الصراع والفوضى في الخلافة المباشرة للنبي ﷺ. في الوقت الحاضر، الملايين من الناس تتبع جذورها إلى قريش، وليس هناك طريقة يمكن الاعتماد عليها للتحقق من صحة ادعائهم. ولذلك، يعتبر الكثيرون أن هذا الحكم غير قابل للتطبيق.

أولئك الذين يتقنون العلوم المختلفة ومجالات النشاط البشري سيكونون أفضل الناس لتوظيف مبادئ القيم  الإسلامية في تلك المجالات. يحتاج الفقهاء إلى أن يكون لديهم بعض التمكن من هذه المجالات لتوفير التوجيه المناسب فيها. ثم يجب أن نلجأ إلى تقسيم الاجتهاد، حيث يكون السعي للفتوي من الفقهاء في مجالات تخصصهم. وإذا لم يكن ذلك ممكنا دائما، فقد يكون من الضروري إجراء الفتاوى في هذه المسائل بشكل جماعي مع كون الفقيه هو آخر موقع، بعد الاستماع إلى مختلف الخبراء والتعلم بما فيه الكفاية حول المسألة المطروحة.

التوسع في استخدامنا للأدلة العقلية

هناك تأكيد مفترض في أصول الفقه القائم على حُجِّيَّة الأدلة النصية (القرآن والسنة وفتاوى الصحابة)، ولكن هناك أيضاً اعتراف بعدد وافر من الأدلة العقلية، مثل القياس، المصلحة المرسلة، الإستحسان، العرف وسد وفتح الذرائع، وتمثل هذه الأدلة العقلية مستودع كبير من أدوات التمكين من التجديد عندما يتناولها الفقيه مع علمه بمقاصد وحِكَم الشرع.

فعلي سبيل المثال، توفر الأشكال المختلفة للقياس قوة و مرونة كبيرة لقوام الفقه، و ينطبق هذا بشكل خاص على القياس الأقل تقنية، والذي يكون أكثر مراعاة للمقاصد ومبدأ العدالة. كما أن استخدام الحكمة (والتي هي السبب الرئيسي وراء تشريع حكم معين)، بالإضافة إلى “العلة” (التي هي الوصف الباعث علي الحكم) سيعطي حيوية كبيرة للقياس. و الاعتداد بحكمة النص عندما تكون ظاهرة ومنضبطة هو مذهب الآمدي، ابن الحاجب، الصفي الهندي  وأكثر الحنابلة[37]. وتلك الطريقة أيضا هي التي يلحق بها القرآن الأحكام بالحكمة المطلقة من تشريعها. حتى عندما يشدد بعض العلماء على أن القياس لا يمكن أن يقوم على الحكمة، تجدهم يأخذون بها عند تطبيقهم للقياس. و مثال جيد على ذلك، حكم الجمع بين الصلوات في حال المرض حيث أن هذه الحالة ليس لها دليل محدد في نص الوحي، فتجد المالكية والحنابلة وكثير من الشافعية يُجيزون جمع الصلوات بالنسبة للمرضي قياساً علي حكم جمع الصلوات في حالة السفر والنزيف لفترات طويلة بجامع دفع المشقة في كل. فالمشقة في هذه الحالة ليست علة جمع الصلوات بالنسبة للمسافر وانما هي الحكمة من ذلك. ونجد أن الحنابله يستخدمون هذا الأساس المنطقي لتوسيع قائمة الأعذار التي يصلح معها الجمع بين الصلوات لتشمل أسبابا مختلفة قد تسبب مشقة أو ضرر لشخص ما بصحته أو كرامته أو حتى سُبل عيشه.[38] وبنائاً علي ذلك جعل ابن تيمية (رضي الله عنه) حكم جواز الجمع بين الصلوات يشمل الخباز الذي يخشى أن يفسد عجينه إذا تركه.[39] وايضاً قد دفع تفهم ابن تيمية للحكمة من تحريم شرب الخمر إلى أمر أصحابه  بعدم منع  التتار من شرب الخمر، فقد استنتج ابن تيمية أنه إذا أصبح الغزاة مخمورين، قد يكون الناس آمنين لبعض الوقت من شرهم، لأنهم كلما كانوا في وعيهم، نهبوا المدينة ونشروا الأذى.

والاعتداد بحكمة النص لا يقتصر على استخدامها في القياس، فإن الحكمة لها أثرها في فهم النص ذاته، فعلي سبيل المثال تجد الأحناف والمالكية يأخذون بالحكمة المطلقة في تشريع التيمم، بالإضافة إلى عوامل أخرى، حيث يعتبرون أي سطح من الأرض مناسب للتيمم، خلافا لأولئك الذين

يأخذون بالمعني الحرفي للنص فيقصروا ذلك على التربة.

ويكون الاعتداد بحكمة النص خلف مفهوم الاستحسان، الذي يعتبر ترياق للحَرْفِيَّة والتقنية التي قد تحبط المُثل العليا والأهداف الشريعة  بدلا من خدمتها. فهو يستبدل قياس ثابت بقياس بديل يخدم مُثل العدالة والمصلحة العامة بطريقة أفضل. وبهذا الشكل من الاستحسان أخذ الإمام أبو حنيفة (رضي الله عنه) وتلامذته البارزين في الأصل، و ليس هو الشكل الذي استنكره الإمام الشافعي والإمام أحمد عندما واجهوا بعض علماء الحنفية الذين كانوا يمارسونه في وقت لاحق كما نوه ابن تيمية.[40] قال الآمدي (الفقيه الشافعي) أنه على الرغم من استنكاره الصريح للاستحسان، إلا أن الإمام الشافعي نفسه قد لجأ إلي الإستحسان في عدة مناسبات.[41]

فعلى سبيل المثال، اتفق فقهائنا عرفاً أنه يجوز للمديونين أن يطرحوا ديونهم من أصولهم عند حساب الزكاة. ومع ذلك، في الوقت الحاضر يتحمل الناس الديون لشراء الأصول المعمرة، مثل المنازل وأدوات الاستثمار. فإذا سمحنا للناس بطرح قروضهم العقارية والديون المتكبدة لشراء آلات مصانعهم من أموال الزكاة، فإن العديد من الأثرياء لن يدفعوا الزكاة على الإطلاق. واستبعد العلماء، عن طريق الاستحسان الفقهي، ديون الاستثمار من تلك الديون التي يمكن طرحها من الأصول التي عليها زكاة . وهذا  الاستحسان ملتزم بروح تشريع الزكاة وأهدافها وحكماتها، بما في ذلك إعطاء الأولوية لحقوق الفقراء.

ومكان المصلحة فالشريعة الإسلامية مقرر، سواء اعترف الفقهاء بالاستصلاح كمصدر للتشريع نظريا أم لا. والحقيقة أن جميعهم يأخذون في الاعتبار  المصلحة  في استنتاجهم الفعلي للأحكام. والسؤال هنا لا يتعلق بالاعتداد بالمصلحة بل يتعلق بقوتها عند مواجهة المعنى الصريح أو الضمني لنص الوحي. ويجد المرء أن العلماء يختلفون في هذا الشأن: فآراءهم تقع على نطاق واسع، بداية من نجم الدين الطوفي (رضي الله عنه) الذي أعطى للمصلحة حجية غير مقيدة إلى حد بعيد، إلي غيره من العلماء الذين اقتصروا على الاعتداد بها في الحالات التي لا يوجد فيها  في الوحي مصدر أعلي للتشريع؛ وحتى في ذلك الحين، يجب أن يتم الاعتراف بهذه المصلحة من قبل الشريعة.[42] إذا ربطنا ذلك بدور المقصد في التجديد، في بوسعنا ببساطة توسيع المصلحة المعترف بها لتشمل أي فائدة منسجمة مع مقاصد الشريعة: أي كل الفوائد التي يعترف بها العقل السليم. وحيثما يكون هناك تعارض بين المنفعة المتصورة ونص الوحي، يكون الفحص الدقيق لكلا الأمرين مكفول من قبل اساتذة الفقه المؤهلون. هناك دائما خطأ، سواء في تقدير الفائدة، أو بسبب إغفال الأضرار المرتبطة المتجاوزة، أو في فهمنا للنص.[43]

“الأعراف ملزمة” هو مبدأ قانوني في الشريعة الإسلامية. العرف الذي لا يتعارض مع الشريعة هو الذي بالتالي يكون له حجية و يعترف به كدليل. وبعبارة أخرى، يعتبر المشرع الأعراف عاملاً حاسما في الأحكام المتعلقة بالتعاملات بين الأشخاص، وليس كمصدر مستقل للقانون، وعادة ما يكون مصدر ثان يضمن التطبيق السليم للنص.

يقول الله تعالى:

                                خُذْ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ (الأعراف:٧\199).

ويقول تعالى أيضاً:

                                 وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ٢\٢٢٨).

إن ما هو “معروفاً بكونه حسن”  و “يعتبر معقولا” يترك لحكم المجتمع، ما دام لا يوجد تعارض مع نص واضح من الوحي.

ومن الأمثلة على الاعتداد بالمعايير الاجتماعية ما رواه أبو داود عن حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عن ابيه:

 أَنَّ نَاقَةً، لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ عَلَيْهِمْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ‏.‏[44]

إذا اتفق الناس في زمان أو مكان مختلفين على أنه يجب على أصحاب الماشية مراقبتها طوال الوقت، فإن عرفهم سيكون أساس الحكم بينهم. قال الإمام القرافي:

مَهْمَا تَجَدَّدَ فِي الْعُرْفِ اعْتَبِرْهُ وَمَهْمَا سَقَطَ أَسْقِطْهُ وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك لَا تَجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَأَجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَدُونَ الْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُوَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِد عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ.[45]

وكتب الإمام ابن القيم:

وَمَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِمُجَرَّدِ الْمَنْقُولِ فِي الْكُتُبِ عَلَى اخْتِلَافِ عُرْفِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَأَزْمِنَتِهِمْ وَأَمْكِنَتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهِمْ فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ، وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى الدِّينِ أَعْظَمَ مِنْ جِنَايَةِ مَنْ طَبَّبَ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ بِلَادِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَأَزْمِنَتِهِمْ وَطَبَائِعِهِمْ بِمَا فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ عَلَى أَبْدَانِهِمْ، بَلْ هَذَا الطَّبِيبُ الْجَاهِلُ وَهَذَا الْمُفْتِي الْجَاهِلُ أَضَرُّ مَا عَلَى أَدْيَانِ النَّاسِ وَأَبْدَانِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.[46]

ومن خلال هذا المبدأ، تقر الشريعة بأعراف الناس المتفاوتة، وعاداتهم وتقاليدهم، وتحافظ على الهويات الثقافية للدول المختلفة. و ينطبق هذا أيضا على الناس في الأزمنة المختلفة، لاستيعاب التغيرات التي يجب على الأجيال المختلفة التعايش معها. باختصار، فإن التوسع في استخدام الأدلة العقلية التي تسترشد بالمقاصد وتراعي القيود التي حددها نص الوحي والإجماع الصحيح من شأنه أن يوفر مصدر هام للمرونة ويعمل كأداة للتجديد.

مرونة نظرية الاجتهاد الحالية

استشهد الإمام ابن تيمية بقول من سبقه من العلماء

إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة[47]

إن رحابة إرث الاجتهاد لدينا والاختلافات العديدة بين المذاهب المختلفة والمجتهدين المستقلين قد أصابت بعض طلاب الفقه وصغار الفقهاء بخيبة أمل. ومع هذا فإن ذلك يُعتبر مصدراً كبيراً للمرونة التي تفتح الطريق أمام التجديد. فالعديد من أتباع المذاهب الأربعة قد أجازوا – حتى للعامة-[48] التنقل من مذهب إلى مذهب والتخيُّر والتلفيق بين المذاهب، وهو ما يقوم به كثير من العلماء الملتزمين بشكل كامل بمذهبهم وذلك ضمن الجمعيات الفقهية المعاصرة.

فيما يخص مفهوم التنقل من مذهب إلى مذهب كتب الإمام ابن نجيم الحنفي قائلاً:

يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِنْ دُوِّنَتْ الْمَذَاهِبُ كَالْيَوْمِ وَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبِهِ لَكِنْ لَا يَتَّبِعُ الرُّخَصَ فَإِنْ تَتَبَّعَهَا مِنْ الْمَذَاهِبِ فَهَلْ يَفْسُقُ وَجْهَانِ. قَالَ الشَّارِحُ أَوْجَهُهُمَا لَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَقَدَ فِي أَوَّلِ التَّتَارْخَانِيَّة فَصْلَيْنِ فِي الْفَتْوَى حَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لَا تَحِلُّ الْفَتْوَى إلَّا لِمُجْتَهِدٍ وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَهَا إذَا كَانَ صَوَابُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ وَعَنْ الْإِسْكَافِ أَنَّ الْأَعْلَمَ بِالْبَلَدِ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا.[49]

بينما يقول الإمام زكريا الأنصاري الشافعي:

(يَجُوزُ) لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ (تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ إنْ دُوِّنَتْ الْمَذَاهِبُ كَالْيَوْمِ) فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ كُلًّا فِي مَسَائِلَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ تَارَةً مِنْ هَذَا وَتَارَةً مِنْ هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (وَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبِهِ) إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ سَوَاءٌ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْأَعْلَمِ أَمْ خَيَّرْنَاهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي الْقِبْلَةِ هَذَا أَيَّامًا، وَهَذَا أَيَّامًا (لَكِنْ لَا يَتَّبِعُ الرُّخَصَ) لِمَا فِي تَتَبُّعِهَا مِنْ انْحِلَالِ رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ (فَإِنْ تَتَبَّعَهَا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ فَهَلْ يُفَسَّقُ) أَوْ لَا (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا لَا بِخِلَافِ تَتَبُّعِهِمَا مِنْ الْمَذَاهِبِ غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَلَا يُفَسَّقُ قَطْعًا وَإِلَّا فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُفَسَّقُ قَطْعًا.[50]

يوافق هذا الرأي رأي الحنابلة، حتى أن أبا الخطاب الكلوذاني – رحمه الله – ذكر الاجماع على ذلك.[51] كما يذكر القاضي أبو يعلى – رحمه الله – العديد من الأخبار عن أحمد أنه أجاز لأتباعه وغيرهم من الذين سألوه، أن يجدوا رخصة في فتوى غيره من العلماء وأحياناً كان يُرشدهم إلى فتاوى عبد الوهاب الوراق وإسحق وأبو ثور بل كان يُرشدهم إلى مجالس هؤلاء العلماء.[52] فمن الجلي أن أبا يعلى (ت. 458 هـ) يرى أن هذا المفهوم لا يقتصر على المذاهب الأربعة وحدها.

فائدة الآراء الضعيفة وآراء غير المؤهلين للاجتهاد

حتى لو كان الرأي ضعيفاً فإنه قد يُستخدم أحياناً في إزالة الضرر شريطة أن تتحقق فيه شروط بعينها وهي التي نظمها صاحب مراقي السعود المالكي في أبياته:

وكَوْنِهِ يُلْــجى إليهِ الضَّرَرُ         إنْ كانَ لَمْ يَشْتَــدّ فِيهِ الخَوَرُ

وثَبَتَ العَــزْوُ وقَـدْ تَحَقَّقَا         ضُرّاً مَن الضُّرُّ بِهِ تَعَلَّــــقَا[53]

ويمكن أن يُضاف إلى هذين الشرطين شروط أخرى قد نقلها القرافي عن بعض فقهاء المالكية السابقين:

  1. ألا يبحث المرء عن الرخصة في كل شيء.

لعل هذا جزء من الشرط المذكور سابقاً وهو وجود الضرورة الملجئة. ولهذا فإن المرء لا يجوز له أن يستعرض كل مذاهب الفقهاء السابقين بغية العمل بأيسر رأي في كل مسألة. وهذا رأي جمهور الفقهاء. والبعض أجاز ذلك.

كما أنهم أيضاً أرجعوا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز حين قال:

مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانُوا قَوْلا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ وَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَلَوْ أَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ كَانَ فِي سَعَةٍ.[54]

ومع هذا فإن جهور الفقهاء يرون أن هذا الرأي محمول على قصد جواز العمل بأيسر آراء من بلغوا مرتبة الاجتهاد ما دام ذلك يجنبه بعض الضرر ولكنه لا يجوز له أن يأخذ بجميع الآراء اليسيرة التي يجدها.

  1. ألا يعمل المرء برأي يخالف الإجماع. (هذا ينطبق أكثر على التلفيق).

نقل القرافي عن الزناتي أن للمرء أن ينتقل من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط هي: 1) ألا يجمع بين آراء المذاهب المختلفة على وجه يخالف الإجماع؛ 2) أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه 3) ألا يتتبع رخص المذاهب. وقد عقب القرافي أن الرخص التي لا تُتبع هي ما لا نقره مع تأكده بحكم الحاكم.[55]

كما أن التلفيق الذي يؤدي إلى جمع الآراء التي رفضتها كل المذاهب يجب أن تكون محرمة في بعض المسائل. فلو أن أحدهم كان مقلداً لإمام في بعض شروط البيع وكان آخر مقلداً في شروط أخرى فإن هذا العقد يبقى صحيحاً ما لم تنازع إحداها الأخرى أو تؤدي إلى غبن أو انحراف يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية. وهذا يعتمد على الرأي الأقوى القائل بأن العامي لا مذهب له.[56] ومن أمثلة التلفيق المحرم الزواج بدون شهود وهو منقول عن الإمام مالك، والزواج دون إشهار وهو منقول عن الجمهور. فمثل هذا الزواج يُعتبر علاقة سرية محرمة عند الجميع. مثال آخر على ذلك هو أن يطبق المرء على نفسه مبادئ تختلف عن تلك التي يطبقها على غيره، كاستخدامه حق الشفعة مع جاره ولكنه مع ذلك يأبى أن يمنح غيره هذا الحق ليستخدمه ضده.

يجب أن يكون الاختلاف واضحاً بين هذه الأمثلة وبين مسألة العامي الذي يسأل اثنين من المفتين عن مسألتين مختلفتين تتعلقان بالوضوء، فيفتيه المفتي الشافعي بأن مسح أي جزء من الرأس كافٍ، ويفتيه الحنفي أن لمس المرأة دون شهوة لا ينقض الوضوء. فإن اتبع المذهب الشافعي في وضوئه ثم لمس امرأة دون شهوة فإنه يبقى على وضوئه عند المذاهب الأربعة. فعلى الرغم من ذلك يبقى الوضوء صحيحاً.[57] فهاتان المسألتان ليس بينهما ترابط أو تعارض.[58] ومع أن جمهور الفقهاء – بعد القرن العاشر- قد منعوا ذلك فإننا لا نجد لذلك ذكراً قبل القرن السابع.[59] كما أن الصحابة قد أجمعوا أن من سأل أبا بكر وعمر عن مسألة له أن يسأل معاذاً وأبا هريرة وغيرهم عن مسألة أخرى.[60] حيث أنهم أبداً لم يحصروا ذلك في المسائل التي لا ترتبط بعبادة واحدة. فلولا إباحة التلفيق المنظم لما كان لكثير من العقود الحديثة أن تكون جائزة طبقاً لمذهب واحد، ولنتج عن ذلك ضرر كبير ولفقد الإرث الفقهي على اتساعه أحد خصائص مرونته وتشكله المهمة.

يمكن لنا أن نضيف شرطاً آخر هنا وهو أن المتبع للرأي الضعيف يجب ألا يكون على يقين من الخطأ الذي وقع فيه صاحب هذا الرأي. يقول الإمام الشافعي:

أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس[61]ومع أن الشافعي يتحدث هنا عن العلماء، إلا أن ذلك يجوز أن يشمل كافة الناس الذين استيقنوا خطأ رأي ما.[62] يقول وابصة بن معبد – رضي الله عنه – أتيت رسول الله ﷺ فقال جئتَ تسأل عن البر؟ قلت: نعم فقال:اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطْمَأنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ

اقتراحات حول التجديد التدريجي

أتناول هنا بعض جوانب المرونة وبعض الاقتراحات التي من شأنها تحسين أداة الأصول الحالية في إنزال التشريعات على المستجدات:

  • إزالة المواضيع التي لا نفع بها وإضافة غيرها، مثل المبادئ الفقهية التي تعتبر مجالاً مختلفاً عن المعرفة مع أنه من الواجب إعادة دمجها مع علم الأصول حيث يساعد ذلك بشكل كبير في استنباط الأحكام. كذلك دمج دراسة علم الأصول مع علم المقاصد وهو ما يعتبر أساسياً لدور المقاصد المؤثر في توجيه النظرية بكاملها. أخيراً دمج دراسة علم الأصول مع علم تخريج الفروع على الأصول الذي يدرس تعقب الآراء المتنوعة في الفقه حتى الوصول إلى أصلها في أصول الفقه. وأضيف هنا أنه من المهم تحديث الأمثلة التي يحتويها علم أصول الفقه واستبدالها بأمثلة معاصرة وذات علاقة بتطبيق المبادئ على الأحكام المفصلة، وبذلك يمكن لصغار الفقهاء أن يتدربوا على التصدي للمسائل المعاصرة.
  • إيلاء اهتمام أكبر بمصادر الدليل العقلي التي تناولناها سابقاً.
  • إضافة دلالات المقصود إلى أبواب الدلالات والتي تدرس قواعد التأويل، حيث أن لدينا نوعين رئيسيين من الدلالة: دلالة المنطوق ودلالة المفهوم. وبما أن الفقهاء كانوا دائماً مدركين لأهمية المقاصد فقد يكون ذو نفع أن نضيف دلالة المقصود إليها. فقد تكون هذه الإضافة إبرازاً لأهمية تضمين المقصد الشرعي من البداية عند فهم النص. حيث أحياناً ما يعتقد صغار الفقهاء أن الفقهاء الذين يقبلون دلالة المخالفة ثم يرفضونها إنما يعارضون أنفسهم عند قيامهم باستنباط الأحكام، بينا فعل هؤلاء العلماء ذلك فقط بسبب إدراكهم للمقاصد الشرعية التي أدت بهم إلى إلغاء آرائهم السابقة على أساس هذا المفهوم. وسيكون من المفيد شرح ذلك بشكل أوضح من أجل أن يتعلم صغار الفقهاء تضمين دلالة المقصود في منهجية استنباطهم للأحكام.
  • يجب إيلاء اهتمام أكبر بالاجتهاد الجماعي في أبواب الاجتهاد وهو ما ناقشناه سابقاً، حيث يلزم إدخال خبراء في مجالات متنوعة ضمن هذه العلمية.
  • هناك أيضاً حاجة إلى إيلاء اهتمام أكبر بالاجتهاد التخصصي أو ما يعرف بتجزؤ الاجتهاد. يحث يتمكن العلماء من التخصص في أبواب معينة من الفقه وبذلك يكونون مؤهلين أكثر في هذه الأبواب. وهذا ليس بمفهوم جديد، فالحقيقة أن جمهور الفقهاء قد أجازوا تجزؤ الاجتهاد كما ذكر الإمام ابن النجار الفتوحي الحنبلي – رحمه الله – الذي قال “(الاجتهاد يتجزأ) عند أصحابنا والأكثر وهو الرأي الصحيح”[63]
  • أخيراً هناك حاجة لمراجعة الآراء الأصولية التي لربما أعاقت تطور الإرث الفقهي مثل المبالغة في نقل الإجماع واشتراط اتباع أحد المذاهب الأربعة دون غيره مع تجنب أي اجتهاد مخالف حتى من فقهاء مؤهلين.

بعض الأمثلة العملية للتجديد

أحياناً نحتاج إلى مراجعة ليس فقط الأحكام بل والمصطلحات التي نستخدمها، فتطابق الأسماء لا تعني بالضرورة تطابق المسمى. ولنضرب لذلك مثالاً وهو تحريم صنع صورة لكل ذي روح. فهل ينطبق هذا التحريم على الصورة الفوتوغرافية بسبب أن كلاً منهما (الصورة والصورة الفوتوغرافية) يطلق عليه اسم صورة في اللغة العربية؟ على الأرجح لا. ولكن هذا لا يعني أنه ليس من الممكن أن يكون لهما نفس الحكم. ومع هذا فإن تحريم الصور الفوتوغرافية يجب أن نصل إليه (لمن يهتم بذلك) عن طريق القياس، ويكون ذلك فقط عند استيفاء شروط محددة.

هل كانت الحرب على عهد النبي ﷺ تُشبه الحرب اليوم؟ من ناحية معنى الكلمة نعم. ومع هذا يجب علينا أن نسأل أنفسنا هل المواجهة الفردية بين آلاف الجنود الذين يتصارعون في ميدان القتال تُشبه التدمير الشامل دون تفرقة الذي تسببه الأسلحة الحديثة.

إذا كان الإمام ابن تيمية يقول إن المنجنيق لا يُستخدم إلا عند الضرورة أثناء الجهاد (لصد العدو)،[64] فما الذي كان ليقوله عن الحرب اليوم؟ هل كان ليختلف الأمر؟ هل كان لذلك أن يؤخر الحرب كملاذ أخير؟ هل حارب المسلمون الأوائل من أجل الإنسانية أم ضدها؟ نحن موقنون أنهم حاربوا وضحوا بأرواحهم من أجل تحقيق العدل الإلهي وتحرير الإنسانية من الاستبداد ومنح الناس حق عبادة ربهم. إذا كان الأمر كذلك فهل يترتب على ذلك حقيقة منح أغلب الدول حرية العبادة لمواطنيها؟

هل عندما حرم النبي ﷺ سفر المرأة وحدها كان السفر حينها يشبه السفر اليوم؟ هل يستتبع ذلك أي اختلاف؟ نعم يستتبع، على الأقل طبقاً للفقهاء الذي يقولون بأن السفر مقبول مع صحبة ثقات، فلابد أنهم أدركوا أن هناك علة جامعة للتحريم. بل حتى أحياناً -كما ذكرنا سابقاً – يجعل بعض العلماء من الحكمة الواضحة أثراً للأحكام. فالبعض قد يزعم – بنفس المنطق – أننا يمكننا التخلص من الحجاب أو أحكام حُسن السلوك بين الجنسين ما دام المجتمع الإنساني قد أصبح ناضجاً وأكثر أماناً للمرأة عند خروجها بأي لباس تبتغيه. فأحكام العفة في الإسلام قُصد بها حماية المرأة والرجل والمجتمعات كافة من الوقوع في الإثم الناتج عند الفشل في اتباع هذه الأحكام.  يجب أيضاً الانتباه إلى أن المجتمعات الإنسانية الحديثة و “المتمدنة” في القرن الحادي والعشرين عند مقارنتها بمجتمعات العصور السابقة فإنها لا تُسجل معدلات منخفضة للخيانة الزوجية أو التفكك الأسري أو الاغتصاب أو الاضطرابات النفسية المتعلقة بالجنس. حيث لم يُثبت أي مستوى تعليمي أو تقدم ثقافي أنه قادر على الوقوف أمام هذه الأمراض.

هذا الدين يكمن بداخله حيوية كبيرة لذلك لن يأتي زمان يعجز فيه المجتهدون عن إيجاد حلول للتحديات المستجدة. لقد تعاظمت التغيرات في مستويات الحياة وظروفها خلال القرنين الماضيين من الزمان، وبعض هذه التغييرات كان له تأثير كبير على ديناميات الأسرة. ففي عالمنا اليوم لو أن امرأة قررت البقاء في البيت من أجل مصلحة أسرتها ثم طلقها زوجها بعد أربعين عاماً من الزواج فهل له أن يمضي بكل أموال الأسرة لأن هذا هو ماله “هو”؟ هل لها أن تأخذ نصف ماله؟ ماذا لو حدث ذلك بعد عامين فقط من الزواج؟ هل يُثني ذلك الرجال عن الإقدام على الزواج؟ هل هناك نقطة وسط بين هاتين النتيجتين؟ إن الشريعة في الحقيقة قد وضعت حلاً لهذه المسألة، وإن كان مثيراً للجدل، ولكنه صحيح ويدعمه الاستدلال الواضح من القرآن حيث يقول الله تعالى:

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ

وهذا الحكم يُسمى المتعة. فلو أننا استخدمنا هذا الحكم وجعلناه متساوياً ومتناسباً مع مدة الزواج والحالة الاجتماعية الاقتصادية للأسرة، حينها يمكننا أن نوفر حلاً مشروعاً لمسألة جديدة.

قد يرى البعض أن هذه التغيرات الحادثة في عالمنا هي ذاتها التي يجب أن تؤدي إلى تغيير تشريعات الميراث. أقول إن هذا لن يكون تجديداً بل هو تبديد. فتلك التشريعات مُثْبة في التنزيل، ومنصوص عليها صراحة، ولا تتوقف على الأعراف أو مصالح الناس.

إن حق المرأة في الميراث ليس دائما على النصف من الرجل، بل إن ذلك يكون فقط في حالات معين. ومع هذا إن أردت أن تتساوى الأنصبة في كل الحالات فيجب أن تُعفي الرجل من مسئولياته المالية تجاه النساء من أقربائه وأهل بيته. بينا قد يقبل بعض الناس (ليس بالضرورة من المسلمين) هذا الأمر على مر العصور والأزمنة المختلفة إلا أن ذلك يتعارض مع الأدوار التي حددها الله على أساس الاختلافات الفطرية بين الجنسين والتي لا يطرأ عليها أي تغيير. لقد كان ذلك اقتراح عبثي بالنسبة للغربيين في القرن التاسع عشر ومازال كذلك بالنسبة لكثير من الناس حول العالم.

إن المكون الأساسي للتجديد يجب أن يكون هو تدقيق حقائق الأدب الخاص بنا حتى نتجنب استمرار الأخطاء وتكرارها. إن أوجه التقدم في العلوم المتنوعة أثبتت خطأ بعض الأحكام الصادرة من فقهائنا – رحمهم الله. لقد بذلوا كل ما استطاعوا بذله أثناء فترة حياتهم وتيقنوا من وجود العلة لمختلف الأحكام في المسائل المستقلة التي واجهتهم. أسأل الله أن يجزيهم عن الأمة خير الجزاء. ومع أن القرآن والسنة معصومان عن الخطأ إلا أن أحكام الفقهاء ليست كذلك. فلا عيب إن أخطأوا نتيجة لأخطاء خبراء تلك العصور. ولكن العيب أن نقر الخطأ ونكرره. على سبيل المثال فإن الطب الحديث لا يعرف – أو لا يستطيع حتى وضع نظرية – أي حالات يزيد فيها حمل المرأة عن خمسة وأربعين أسبوعاً. فهذا مثال على التداخل بين الفقه الإسلامي ومجالات أخرى. حيث ذكر ابن عبد البر أن هذه مسألة لا أساس لها في الوحي بل تستند في مجملها إلى الاستنباط والواقع.[65] ذلك أيضاً مثال على أننا لا يمكن أن نقتصر في الحقيقة على المذاهب الأربعة وحدها. فطبقاً لهذه المذاهب فإن أطول فترة حمل تتراوح ما بين سنتين إلى مدة غير محدودة.[66] إنه لمن فضل الله على هذه الأمة أن بعض العلماء قد خالفوا رأي المذاهب الأربعة حتى لا يقال إن الأمة كلها جانبت الصواب في هذه المسألة. حيث ذكر الحسن البصري إلى أن أطول مدة للحمل هي عشر شهور.[67] بينما حددها ابن حزم بتسعة أشهر.[68] أما بالنسبة للطب الحديث فإن أطول فترة للحمل لا تتجاوز العشر شهور. ومع ذلك فمن الحكمة أن يجعل القانون أطول فترة للحمل هي سنة واحدة، موافقاً في ذلك رأي محمد بن عبد الحكم،[69] وهو ما احتوته كثير من قوانين الدول الإسلامية. بناءً على ذلك فإن الفتاوى تحتاج إلى تغيير فيما يتعلق بكثير من المسائل المتوقفة على تحديد هذه المدة.

أحياناً ما نجد آراءً فقهية متعارضة. بعض الآراء قد تكون ضرورية في وقتنا الحالي على الرغم من مخالفتها لرأي الجمهور. في هذه الحالة يجب علينا اتباع هذا الرأي الذي يوفر حلاً لمسألة معاصرة ما لم يوجد حكم قاطع في القرآن أو السنة يمنعنا من ذلك. لنضر لذلك مثالا؛ في الماضي اختلف الفقهاء حول ما يتعلق بطرق إثبات الادعاء في القضاء الإسلامي. فبعضهم اقتصر على ما هو منصوص عليه صراحة في النصوص أو ما استنبط منها. بينما قام البعض الآخر بتوسيع دائرة الإثبات لتشمل كل ما يُظهر الحق ويُمهد السبيل نحو العدل. لهذا السبب كانت الأحكام المستندة إلى القرائن محل نقاش بين الفقهاء.

إن الاختلاف اليوم هو أن علم الطب الشرعي قد تطور إلى درجة جعلت النظم القضائية حول العالم تعتمد عليه بكثرة. حيث يُطلق خبراء القانون على هذا النوع من الإثبات “الدليل الملموس”، وعلى الرغم من اعتباره ظاهرةً حديثةً إلى حد كبير، إلا أنه لا يزال يندرج تحت الأدلة المساندة. السؤال هنا ما هو موقف القضاء الإسلامي من علم الطب الشرعي؟ هل يجب أن يستفيد منه؟ هل يجب أن تكون هذه الاستفادة مقصورة على إرشاد المحقق الجنائي وتوضيح التفاصيل المهمة للجريمة بالنسبة للقاضي؟ أم يجب على القاضي استخدام هذه الأدلة متى أتيح له ذلك حتى ولو كان ذلك في غياب الأدلة التقليدية المعرفة لدى الفقه الإسلامي مثل شهادة الشهود والاعتراف والقسم والنكول؟

أرى أن ضم الأدلة الملموسة إلى الأدلة المقبولة عند وجود سبب لذلك هو أمر له ما يبرره تماماً. وهذا هو رأي كبار الفقهاء أمثال ابن القيم[70]  وابن تيمية[71] وابن فرحون[72] من المالكية بالإضافة إلى ابن الغرس[73] من الحنفية وبعض الحنابلة.[74] إن استخدام القرائن ليس بالتأكيد مثل إعادة تعريف الأدلة المقبولة أو المساواة بين شهادة النساء والرجال في المسائل المالية. إن هذه الأفعال تُعد خرقاً لأحكام النصوص الصريحة بينما استخدام الأدلة المساندة ليست كذلك.  هناك سبب للاعتقاد بأن هناك اختلافات محددة بين الرجل والمرأة جعلت شهادة رجل تعادل شهادة امرأتين في المسائل المالية بينما تتساوى شهادتهما بل قد تكون شهادة المرأة أقوى من شهادة الرجل في بعض مجالات المعرفة مثل الولادة والرضاعة.

أحياناً ما نخلق حالة من الجمود والخوف من “الابتعاد” عما أنشأناه. لم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمر[75] رضي الله عنه أن تكون صلاة التراويح في جماعه أو أن تكون ثماني ركعات أو عشرين ركعة أو أنه يجب قراءة جزء في كل ليلة. فالواقع أن الإمام مالك والإمام الشافعي قد اعتبروا أن صلاة التراويح في المنزل أفضل. ولكننا اليوم نلتزم بعدد معين من الركعات في التراويح أو بمقدار معين من القراءة أو كلاهما معاً دون أن يكون ذلك واجباً علينا. الآن ومع التأخر الكبير في وقت العشاء في أمريكيا الشمالية وقت الصيف وفي غيرها من البلاد المتطرفة للغاية نحو الشمال، ومع هذه الاختلافات العديدة بين عصر الصحابة وعصرنا الحالي، هل يجب علينا الالتزام بكيفية معينة لصلاة التراويح مع أن الله لم يحدد شيئاً من ذلك وكذلك لم يفعل النبي ﷺ ولا حتى واحد من الصحابة؟ هل يجب أن يكون هناك وقت أكثر للتفكر في معاني ما يُتلى باللغة المحلية؟ هل يجب أن يكون هناك وقت أكثر للتفاعل الاجتماعي وإنشاء رابطة بين المصلين الذين يأتون للصلاة في “رمضان فقط” وبين مسجد منطقتهم؟ أعتقد أن كل ذلك له ما يبرره. على الجانب الآخر لو أن شخصاً كان قد قال بأن علينا أن نصلى التراويح في جماعة فإنه يكون قد دعا إلى إيقاف فعل متوافق عليه ومستمر منذ عهد عمر – رضي الله عنه. مرة أخرى هذا ليس تجديداً بأي حال من الأحول.[76]

بعض الناس يريدون من خلال التجديد تقليل دور الشريعة في إرشاد الإنسانية. ونحن نؤمن بأن ذلك يتجاوز نطاق فقه العبادة وفقه الأسرة، فالشريعة تفتح بحق مجالاً كافياً للفكر والإبداع البشري وتضع فقط معالم ومبادئ توجيهية لمنع الناس من أن يكونوا ضحايا لما ترتكبه أنفسهم وما يرتكبه الآخرون من تجاوزات ونزعات وتحيزات. إننا مع ذلك موقنون أن الإنسانية في أمس الحاجة لهذه التوجيهات العامة. كما نؤمن بأن الشريعة يجب أن تساهم في مناقشة المسائل المعاصرة مثل أخلاقيات الشركات وأخلاقيات علم الأحياء والبيئية وغير ذلك. وهذا جانب مهم للتجديد الذي ننشده.

سيكون على البلاد الإسلامية الإجابة على العديد من الأسئلة عند محاولاتها لإعادة وضع الإسلام إلى طبيعته في الحياة العامة. في الحقيقة يجب علينا تطوير فقه جديد يتوافق مع العالم الجديد الذي نعيش فيه، ومرة أخرى أقول إن ذلك يكون بدون الابتعاد عن أهداف الفقه وثوابت الوحي. إن العلاقة بين الحاكم والمحكومين يجب إعادة تقيمها. فالإجماع المنقول عن تحريم الخروج على الحاكم الظالم يجب إعادة بحثه، على الأقل فيما يتعلق بآثار ذلك في العصر الحديث.[77] وإن قبلنا بذلك التحريم فيجب علينا أن نتساءل هل ينطبق على الجهود الطائفية الرامية إلى الإطاحة بالحاكم أو على الانتفاضات الشعبية. هل ينطبق ذلك على الثورات الشعبية حتى لو كانت غير مسلحة؟ وماذا إن كانت مدعومة من قبل أهل الحل والعقد؟[78] هل هناك بديل فعال لإنهاء النظم الاستبدادية التي أصبحت سمة توصم بها غالبية الدول الإسلامية؟

وماذا عن الخلافة التي نتحسر عليها؟ هل هي تتكون من حكومة مركزية أم فدرالية أم اتحادية؟ ما هي حقيقة ذلك؟ هل يمكن لمنظمة العالم الإسلامي أن تساهم في تحقيق هذا الهدف إن هي اتخذت خطوات تدريجية لتكون مثل الاتحاد الأوروبي وتسمح للدول الإسلامية وغير الإسلامية بالانضمام إليها متى رغبوا ذلك؟ إن إنكار حق الدول ذات الغالبية المسلمة في السعي من أجل تكوين نوع من أنواع الوحدة، واستنكار مجرد مفهوم الخلافة هو خضوع تام للضغوط الخارجية. هذا ليس بتجديد حقيقي ولا يُراعي فيه مصلحة الإسلام والمسلمين. على الجانب الآخر توقع عودة الخلافة كما كانت في العصر العباسي هو نوع من الجمود يعوق بلا ريب أي تقدم نحو وحدة حقيقية.

إن وجود عدد كبير من الأقليات المسلمة في البلاد الغير إسلامية ليس ظاهرة حديثة. ومع الحداثة النسبية للدول القومية والحكومات العلمانية، هناك حاجة ملحة إلى تطبيع وتوفيق العلاقة بين هذه الأقليات وبين بلادهم. هذا المسعى هو جزء كبير من التجديد القائم على الاجتهاد. فنحن نحتاج إلى صياغة صحيحة وواقعية للتوفيق بين الولاء الديني والانتماء القومي. يجب ألا يُنظر إلى الأقليات المسلمة في الدول الغير إسلامية على أنهم حصان طراودة أو ينظر إليهم من قبل أبناء بلدانهم على أنهم خونة، ويجب عليهم ألا يتصرفوا على ذلك النحو.

أخيراً، هذا التجديد القائم على الاجتهاد لا يمكن أن يقوم به إلا أعظم المجتهدين علماً في كل عصر من العصور. فلو أن المسألة تُركت لمن لم يبلغ تلك المرتبة من الاجتهاد لأصبح الدين في خطر ولأصابه التحريف، فلا حاجة إلى ذكر عِظم الجرم الذي ارتكبه من ليسوا بفقهاء عندما اشتركوا في ذلك. وهذا يدخل في كبيرة افتراء الكذب على الله عز وجل والخوض في شأنه دون علم. يقول الله سبحانه تعالي:

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا

لذلك ما نحتاجه هو إعادة الوحدة بين النظرية والتطبيق في ضوء اجتهاد يحفظ الثوابت ويلائم المتغيرات. وهذا ما كان عليه الأمر أثناء عهد الخلافة الراشدة، وهو الذي مكن الأمة من احتواء الثقافات الفارسية والرومية والنبطية والكردية والقبطية والبربرية وغيرها من الثقافات، مما أدى إلى تطور حضاري وتكنولوجي وثقافي لم يكن له مثل عبر تاريخ هذا العالم. كل ذلك حدث دون أي تحريف في هذا الدين. ولكن عندما غاب هذا الاجتهاد الفطن، خاصة قرابة منتصف العصر العباسي، اتسعت الهوة بين النظرية والتطبيق حتى انقسم المجتمع الإسلامي إلى فرق: منهم المتطرفون الذي لا يعبئون بالدين ومنهم الصوفية الذين تجنبوا محن الحياة عن طريق اللجوء إلى الروحية والرهبانية (وبعضهم إلى الغموضية) للبحث عن ما يُرضي أرواحهم التواقة إلى الحقيقة، وبعض الفقهاء الذين انعزلوا و انكبوا على خدمة النصوص والكتب، أما الأغلبية فقد تاهوا عندما فقدت قياداتهم ما يُرشدهم.

وفي المقابل لا يزال هناك قلة من العلماء يخشون الله متمسكون بروح ونص هذا الدين، يطهرون قلوبهم (أفعال القلوب) ويحافظون على الشريعة، هم منارات لا يخلو منهم أي عصر في حياة هذه الأمة بفضل الله. هم الذين حاربوا من أجل إحياء تعاليم الإسلام الصحيحة التي أفسدتها الغفلة والعادات الفاسدة، ومن أجل جعل هذه التعاليم دليلاً للحياة في هذه الأمة من جديد.

آمل أن توضح بعض هذه الأمثلة التي ذكرتها -إلى حد ما- ما أعنيه بالتجديد. ربما يتساءل البعض بحق عن دورهم في هذا المسعى. من المفهوم أن التجديد المبني على الاجتهاد هو حق على المجتهدين. ومع ذلك فإن العامة يمكنهم دائماً أن يساهموا في تجديد إصلاحي. كما أن العامة هم الذين سيُنشئون المؤسسات والمعاهد التي ترعى التجديد المبني على الاجتهاد. فإذا كنا لا نزال نكافح من أجل بناء المساجد فمتى سنحصل على الأوقاف التي قد تدعم مؤسسات بحثية مستقلة وموثوق فيها؟

لنبدأ الإصلاح بتوبة وتطهير القلوب والنوايا ولنتعلم الدين من مصادره العريقة ونلتزم بالاستقامة والصواب وأخيراً بالاجتهاد الفطن الذي يسمح للشريعة باستكمال دورها في رسم طريق شامل ومتزن نحو الفلاح في الدنيا والآخرة.


[1] جراتى ج.أ و جاى ب، تاريخ كولومبيا للعالم. نيويورك: هاربر و رو، 1985، ص 264.

[2] جمعه أبو داود والحكيم, الذي صححه على رواية أبي هريرة. سنن أبي داود، مصححة بواسطة محمد محي الدين عبدالحميد: بيروت، دار الفكر، 4/109

[3] الاجتهاد: هو استخدام المعرفة بالقرآن والسنة والعلوم الإسلامية الأخرى للفتوى في المسائل الغير واضحة، أو الغير مذكور حكمها صراحة في مصادر التشريع الإسلامي.

[4] المذهب: هو مدرسة فقهية معينة. المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة هم: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة.

[5] مجلة الأحكام العدلية، مقال 39. وقد نُص على ذلك أيضاً فى كتابات أكثر فقهاء الأصول موسوعيةً أمثال ابن القيم، والشاطبي، والشوكاني، وغيرهم.

[6] المؤلفة قلوبهم (في سورة التوبة رقم 9، آية 60): هم المسلمون الجدد أو غير المسلمين الذين يرجو المسلمين تأليف قلوبهم.

[7] سنن البيهقى الكبرى، 10/116، كتاب آداب القاضي، وما يقضي به القاضي. دار الباز، مكة، 1414 هج

[8] صحيح البخاري، 2/959، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، بيروت: دار ابن كثير واليمامة، الطبعة الثالثة، 1407 هج. وصحيح مسلم،3/1343، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

[9] الموافقات للشاطبي، تحقيق عبدالله دراز، بيروت: دار المعارف، 2/217.

[10]بما أن هذا المقال بخصوص التجديد المبني على الاجتهاد، فإن نقاشي فيما يتعلق بالإصلاح المقصود  سيكون مختصراً كمقدمة ثانية لموضوع المقال.

[11] أدت” فوضى الفتوى” إلي العديد من الفتاوى والتعاليم الغريبة والقاصرة، لذلك حاول العديد من الفقهاء استعادة السيطرة على الوضع بإغلاق الاجتهاد المستقل وقرروا أن الاجتهاد كان مسموحاً فقط لعلماء الماضي.

[12] علم أصول الفقه لعبدالوهاب خلاف، ص.٢٦٠. تم الاسترجاع  بواسطة الشاملة :” برنامج حاسوب.”  

[13] أصول الفقه لمحمود الخضري. صفحات 313-314. مستخرجه من شاملة (برنامج حاسب الي).  

[14] لقد اخترت عدم تناول مسألة انسداد باب الاجتهاد (إغلاق بوابات الاجتهاد) التي أعلن عنها قرب نهاية القرن الخامس الهجري من قبل العديد من الفقهاء المسلمين بعد فشلهم في تنظيم ممارسة الاجتهاد بشكل صحيح، بنية حفظ الدين وحمايته من فوضى “اجتهاد” من قبل أفراد غير مؤهلين. ومن المأمول أن يدرك معظم العلماء المعاصرين تماما الآثار الضارة المترتبة على اعتصام هذا الرأي وكيف يمكن أن يعوق تطور الشريعة الإسلامية وأصول فقهها.

[15] أصول الفقه للخضري. صفحات 313-314؛ انظر أيضا، علم أصول الفقه للخلاف. صفحات 54-55.

[16]هذا هو الذي أفضى إلى إثباتات سليمة بشأن الاجماع، ثم رفضه هذا الاجماع، اتفق على أنهم اتفقوا على رأي ولكنه رفض ذلك الرأي في وقت لاحق. نقد مراتب الإجماع لابن تيمية. بيروت: دار ابن حزم. سنة 1419 هجري/1998 ميلادي. صفحة 299.

[17] إجماع؛ طريقة لاستخلاص الأحكام في الفقه.

[18] الاجماع السكوتي عندما يعبر المجتهدون عن رأيهم فيما يتعلق بمسألة دينية، في حين يبقى الباقي صامتا. هناك العديد من الآراء حول هذا النوع من الإجماع (انظر: علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف، صفحة 51. مستخرجه من الشاملة [برنامج الحاسب الالي]).

[19] مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية لبدر الدين البعلي. القاهرة: مطبعة السنة المحمدية. 1/61.

[20] تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى. 10/109 مستخرجه من شامله (برنامج الحاسب الالي).

[21] اتباع المذاهب الفقهية الأربعة وحكم مخالفتها. مستخرجه من http://www.dar-alifta.org/AR/ViewFatawaConcept.aspx?ID=%20187

[22] قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين ابن عبد العزيز ابن عبد السلام. بيروت: دار الكتب العلميه.2/160.

[23] التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب الكلوذاني. مكة: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي. 1406 هجري/1985 ميلادي.281/3.

[24] مجموع الفتاوى لابن تيمية. تقي الدين أحمد. القاهرة: مكتبة ابن تيمية. 20/10.

[25] شرح تنقيح الفصول لابن القرافي. القاهرة: شركة الطباعة الفنية. 1973.صفحه.432.

[26] تحفة المجتهد لابن حجر. القاهرة: المكتبة التجارية. 1983.1/47.

[27] الفواكه الدواني للنفراوي. بيروت: دار الفكر. 1995.2/356.

[28]انظر فيض القدير لعبد الرؤوف المناوي(متوفي.1031). القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى. 1/210.

[29] الاجتهاد الجماعي ودور الفقه في حل المشكلات لمصطفى الزرقا. جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية. صفحة.49.

[30] القرار رقم 65 (7/3)، المؤتمر السنوي السادس لمنظمة المؤتمر الإسلامي، 1412 هجري / 1992 م.

[31] مجموع الفتاوى لابن تيمية 8/434.

[32] نفس المرجع السابق.

[33] تاريخ ابن خلدون لعبد الرحمن ابن خلدون. بيروت: دار الفكر. 1988 1/651.

[34] إعلام الموقعين لابن القيم. بيروت: دار الكتب العلمية.1991. 3/11.

[35] المحصول للرازي. بيروت: مؤسسة الرسالة،3/74-75.

[36] نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي. مكة: نزار الباز. 5/2073-2074.

[37] المهذب في علم أصول الفقه لعبدالكريم النملة، الرياض: مكتبة الرشد،١٩٩٩، ٥\٢١٢١.

[38] كشاف القناع لمنصور البهوتي، بيروت: دار الكتب العلمية ٢\٦.

[39]الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل لعلي بن  سليمان المرداوي دار الحجر، ١٩٩٥, ٥\٩١.

[40] جامع المسائل قاعدة فالإستحسان لابن تيمية، ص١٩٥.  تم الاسترجاع  بواسطة الشاملة :” برنامج حاسوب.”

[41] الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، بيروت: المكتب الإسلامي،٤\١٥٧. تم الاسترجاع  بواسطة الشاملة :” برنامج حاسوب.  

[42] انظر نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي لحسين حامد حسان، دار النهضه العربية، ١٩٧١، ص. ١٠.

[43] درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (توفي سنة ٧٢٨/١٣٢٨) كله يتناول هذا الامر.

[44] سنن أبي داود صححه الألباني (sunnah.com/abudawud/24/154).

[45]الفروق لشهاب الدين القرافي، عالم الكتب، ١\١٩١.

[46] إعلام الموقعين، ٣\٦٦.

[47]مجموع الفتاوى، 30/80. الحديث المروي في هذا الشأن ليس بصحيح.

[48] التقرير و التحبير علي تحرير الكمال، 3/352.

[49] البحر الرائق، /292. التقرير والتحبير، 3/352.

[50] زكريا الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، 4/286.

[51] الكالوذاني، التمهيد، 4/334.

[52]  أبو يعلى الفراء، العدة في أصول الفقه، 5/1571. المصدر: المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكترونية).

[53] عبد الله بن إبراهيم العلوي، نشر البنود على مراقي السعود، 2/270-271. المصدر: المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكتروني).

[54]  ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله 2/901. المصدر: المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكتروني).

[55] شرح تنقيح الفصول، 432.

[56] انظر البحر المحيط للزركشي، 8/375، دار الكتب، 1997. المصدر: المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكتروني)؛ حاشية ابن عابدين، الإصدار الثاني، ابن عابدين، بيروت: دار الفكر، 1/48.

[57] انظر الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي، دمشق: دار الفكر، 1/106-107.

[58] المرجع السابق.

[59] شرح تنقيح الفصول، 432.

[60] إعلام الموقعين، 1/6.

[61] انظر التقرير والتحبير، 3/352.

[62] حديث حسن رواه أحمد والدارمي بسند حسن. (sunnah.com/nawawi40/27).

[63]  ابن النجار الفتوحي، شرح مختصر التحرير، 14/74. المصدر: المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكتروني).

[64] مجموع الفتاوى، 24/69.

[65]  القرطبي، أحكام القرآن، القاهرة: دار الشعب، 1372 هـ، 9/287.

[66] انظر المبسوط للسرخسي، بيروت: دار المعارف، 30/51؛ أحكام القرآن للقرطبي، 9/287؛ الأم للشافعي، بيروت: دار المعارف، 1393 هـ، 5/234؛ كشف القناع، 4/356؛ المغني لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، بيروت: دار الفكر، 1405 هـ، 6/260.

[67]  ابن القيم، تحف المودود، دمشق: دار البيان، 1/267.

[68]  ابن حزم الظاهري، المحلى، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 10/316.

[69] المحلى، 10/316؛ أحكام القرآن، 9/287.

[70] انظر في كتابه: إعلام الموقعين والطرق الحكمية.

[71] انظر الكتابين السابقين، بالإضافة إلى الإنصاف للمرداوي، القاهرة: دار الحجر، 1995، 10/233؛ الفروع لابن مفلح، 6/85؛ السياسة الشرعية لابن تيمية، 136. مصدر الكتابين السابقين المكتبة الشاملة (البرنامج الإلكتروني).

[72] انظر كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: الفصل الثاني، للاطلاع على ما يتعلق بهذه الأنواع من الأدلة.

[73]  انظر حاشية ابن عابدين، 5/354.

[74] لقد ذكرت هؤلاء لقوة تأييدهم لاستخدام القرائن والغرض من استخدامها في الاجتهاد.

[75] وجد عمر رضي الله عنه الصحابة يصلون في المسجد جماعات صغيرة لذلك جمعهم فقط وجعل أبي يؤمهم. لكن كثيراً من الصحابة استمروا على صلاتهم في بيوتهم. حتى أن بعضهم – منهم ابن عمر- اعتبر صلاة التراويح في البيت تفضُل عن صلاة الجماعة في المسجد.

[76] حتى أننا سمعنا اقتراحاً أكثر سخافة وهو أن نجعل صلاة التراويح قبل صلاة العشاء.

[77] أول من روى ذلك كان ابن مجاهد البصري (ت. 370 هـ). ولقد ناقش العديد من الفقهاء ذلك. كان ابن مجاهد رحمه الله مقيماً في البصرة وهي مدينة عجت باضطرابات شديدة قبل قرنين بهزيمة ابن الأشعث التي راح ضحيتها الكثير من الفقهاء البارزين في حربهم ضد الأمويين. وقد يسأل أحدهم هل هناك أساس في الوحي جعلهم يوافقون على هذا الحكم في القرن الرابع الهجري. إن كان لمثل هذا الأساس وجود فكيف غفل عنه جميع من سبقوه من السلف الصالح ثم أصبح واضحاً لهؤلاء؟ لو أن هذا الاتفاق كان مبنياً على تعليل مستمد من المصلحة المرسلة، والذي يبدو كذلك، إذاً فكما أوضح الشيخ شلتوت أن مثل هذا الإجماع يمكن نسخه عند تغير الظروف.

[78]  أهل الحل والعقد هم النخب. يمكن القول إنهم إلى حد ما مثل “مجلس الشعب” في العصر الحالي أو “مجلس الشيوخ”. عادة ما كانوا من الأمراء والعلماء ورؤساء القبائل وقيادات الجيش والمهن المختلفة.

إخلاء مسؤولية: لا تعبر وجهات النظر والآراء ونتائج البحث والاستنتاجات الموجودة في هذه الأوراق والمقالات إلا عن رأي كُتابِها. وعلاوة على ذلك، لا تُقِر “يقين” أي من هذه الآراء الشخصية للكُتّاب على أي منصةٍ كانت. فريقنا على قدرٍ من التنوع على جميع الجبهات، مما يُتيح استمرارية إثراء الحوار، والتي بدورها تُساعد على إنتاج بحث عالي الجودة.

حقوق النشر محفوظة  © ٢٠١٧. معهد يقين للبحوث الإسلامية

Avatar

Hatem al-Haj

Dr. Hatem al-Haj has a PhD in Comparative Fiqh from al-Jinan University. He is a pediatrician, former Dean of the College of Islamic Studies at Mishkah University, and a member of the permanent Fatwa Committee of the Assembly of Muslim Jurists of America (AMJA).