Yaqeen Institute for Islamic Research
The-Structure-of-Scientific-Productivity-in-Islamic-Civilization-Orientalists’-Fables

بناء الإنتاج العلمي في الحضارة الإسلامية: أسطورة المستشرقين

ملخص: إن التحليل المشهور (الذي نشره المستشرقون) حول ازدهار الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية وتدهورها يقسم أحداث التاريخ الإسلامي إلى صراع بين الدين والعقل، ومنذ ذلك الحين فقد حمل هذا التحليل اسم “الرواية القديمة”، ويفترض أن نجاحات المسلمين العلمية عبر حقب التاريخ على اختلافها، إنما هي بفضل التأثيرات الأجنبية ليس إلا، بينما أن القيم والأفكار الإسلامية كانت مسؤولة عن تدهورها، إلا أن الدراسات الحديثة قد أقامت الحجة على أن هذه الرواية محض افتراء نتيجة للطرح المتضارب للروايات التاريخية، وعلى النقيض من ذلك، فقد أظهر الفهم الذي يتسم بمزيد من الاتساق لتلك البيانات أن الإنتاجية العلمية بين المسلمين قد عززتها القيم الإسلامية بشكل فعال من خلال رفض الفلسفة الطبيعية الأرسطية، وعلى الرغم من هذه التطورات، لم يتم بعد التأكد تمامًا من أسباب هذا التدهور، ومن ثم، فإن هذه الورقة العلمية تطرح بين يديكم ملخصًا ونقدًا للرواية التقليدية، إلى جانب بنيات مراجعة بغية إدراك التأثيرات وراء ازدهار وتدهور الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية.

مقدمة

بعد مضي ثلاثة أشهر من الأحداث المأساوية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001، كتب عالم الفيزياء النووية الباكستاني الشهير برفيز هودبهوي مقالًا لصحيفة واشنطن بوست بعنوان “كيف ضل الإسلام طريقه: إنجازات الأمس كانت ذهبية”، في سعي جهيد منه لشرح أسباب هجمات 9 / 11، فضلًا عن حالة الاضطهاد التي يشهدها العالم الإسلامي في الفترة المعاصرة، وظل طيلة المقال يركز على “العصر الذهبي” للحضارة الإسلامية: ذلكم العهد الذي انتصرت فيه العقلانية والعلم على نزعة المحافظة الدينية، واختتم تحليله بإلقاء اللوم على التشدد الديني وأنه السبب في نهاية هذه الحقبة المجيدة، وعلى وجه الخصوص لم يكن العالم الديني الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المنتمي للقرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي (1111م) بمنأى عن تثريبه:

إلا أنه إبان القرن الثاني عشر، عمد رجل الدين العربي الإمام الغزالي إلى خضخضة تشدد المسلمين من غطيطه، وتملك زمام أمره. إذ غلَّب الغزالي النقل على العقل، والقضاء والقدر على الإرادة الحرة، وحط من قدر الرياضيات مدعيًا أنها على النقيض من الإسلام، وأنها من سموم العقل التي ترقق الإيمان وتوهنه…

وبقبضة من حديد، سقط الإسلام أسيرًا في يد التشدد الديني، فلم يعد بمقدور العلماء المسلمين والمسيحيين واليهود التجمع والعمل سوية في الباحات الملكية، مما كتب نهاية التسامح والعقل والعلوم في العالم الإسلامي.[1]

وبغض النظر عن الادعاء الغريب نوعًا ما بأن الغزالي كان عربيًا (فارسيًا)، إلا أن هودبهوي لم يضع تفسيرًا كيف كان بمقدور رجل واحد تدمير حضارة على بكرة أبيها –بل وبالأحرى، ما علاقة كراهية الرجل للإرادة الحرة والرياضيات بأحداث 11 سبتمبر- ولكن من الجلي أنه يرى أن هذا الباحث العلّامة هو المسؤول عن إضفاء طابع غير منطقي على العالم الإسلامي الذي أفضى إلى التطرف والإرهاب والاضطرابات السياسية وقلة حصد جوائز نوبل للسلام.

وبعد مضي ما يربو على عقد من الزمان، وفي مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع، كرر عالم الفيزياء الفلكية ومعلم العلوم المشهور الأمريكي نيل ديغراس تايسون، تلك القصة المأساوية عن ماضي الحضارة الإسلامية المستنير الزاهر في سالف العهد وترديه على يد هذا المسلم الذي يُعَد النسخة الإسلامية من اللورد فولديمورت، والذي تمكن وحده من استئصال شأفة العقلانية جراء تجاهله البادي لما للرياضيات من نفع، ونكران العلاقة الضرورية بين السبب والمسبَّب.[2]

والحق أن المشاكل كافة التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر إنما هي مستقاة من الأفكار المعادية للروحانية والمعادية للعلوم المنبثقة عن عقلية رجل واحد، وكيف كان بمقدور عالِمين -من طرفين متقابلين من العالم والثقافات، ومختلفين فيما يخص ازدهار وتدهور الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية- بث آرائهم على نحو يحيلها حججًا على هذا الأمر، ذلك لأن آراءهما بلا ريب، ما من علاقة لها بأمر اعتمادهما مؤرخَين للعلوم، بل يبدو أن آراءهما تعكس وجهة نظر شائعة تجذرت منذ أمد غير قريب، والتي باتت -على الأقل- حتى وقت متأخر للغاية بلا منازع.

وقد عكف فريق من المؤرخين على دراسة هذه الرواية على مدار العقود القليلة الماضية، ومحصوا افتراضاتها الأساسية، وهشاشة نقلها للمعلومات التاريخية: وهي فرضية مستوحاة من التاريخ الأيديولوجي للغرب نفسه (أي حركة التنوير مقابل الكنيسة).[3]

وبهذا يظل السؤال عالقًا، كيف نهضت الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية؟ وماذا كانت تأثيراتها الرئيسة؟ وهل كان التراجع اللاحق ثمرة للمحافظة الدينية البينة؟ وكيما نجيب على تلك الأسئلة، فنحن بحاجة إلى تحليل البيانات التاريخية والمفاهيم الشائعة لهذه البيانات، إلى جانب دراسة استقصائية حول أحدث النظريات البديلة. لكن أولًا، علينا أن نبدأ بتعريف العديد من المصطلحات الأساسية لهذا البحث بغية الحصول على فهم أفضل لهذا الموضوع.

تعريف المصطلحات

السؤال الاستهلالي الذي ينبغي طرحه بشأن البحث المتعلق “بازدهار وتدهور الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية” هو كيف يمكن إجراؤها: بمعنى، ما المصطلحات والمفاهيم الأساسية التي ينبغي التثبت منها قبل التطرق بالدراسة إلى المسألة محل البحث؟ وينطبق السؤال ذاته على أي بحث فكري، سواء كان يتعلق بالعلوم أو بالنظريات اللاهوتية أو بالفلسفة أو بالقانون أو بالتاريخ، ومن ثم، فإن المصطلح الأول الجدير بالتعريف هو مصطلح “العلم” نفسه، ومع ذلك، وعلى الرغم مما يمكن للمرء افتراضه، فإن ذلك ليس بالمهمة الميسورة، نظرًا لأن المصطلح قد يحتمل العديد من المعاني المتشعبة وفق السياقات التي يقع فيها، ومثالًا على ذلك، يقول فيلسوف العلوم عثمان بكار:

العلم ليس كيانًا واضحًا للعامة لخوض بحوره، وثمة خلافات حول استخدام الكلمة الاصطلاحية ذاتها، سواء ما إذا كان مجال المعرفة الذي يطبق عليه مصطلح “العلم” يقتصر على العلوم الطبيعية، أو يتسع ليشمل العلوم الإنسانية والاجتماعية أيضًا تحت مظلته، فبعض الأفراد يستخدم المفردة في المجالين كليهما.[4]

وعلى وجه العموم، فبوسعنا أن نعرف مصطلح “العلم” ببساطة بأنه “جسد المعرفة“. وفي هذا الصدد، يقترح الفيلسوف أتشيق غنتش -واحد من فلاسفة العلوم- أن أي شيء يستحق أن يطلق عليه مصطلح “العلم” يجب أن يتميز بأربع سمات أساسية، أولها، أنه يجب أن يكون ذا “موضوع” أو “موضوع دراسة” يستثني بها جميع مواضيع التحقيق الأخرى التي لا تربطه بها علاقة من قريب أو بعيد”.[5] كذلك، ينبغي أن يكون ذا “أسلوب” أو “منهجية إجراء التحقيق العلمي[6]. ثم ينبغي أن يكون ذا “نظرية” أو “صياغة تُصَاغ كحل مؤقت لمشكلة ما“.[7] وأخيرًا، يجب أن يكون ذا “تقليد” أو مهمة الحصول على معلومات جديدة، تلك التي يمكن أن يطلق عليها اسم، ويمكن ترتيبها على النحو الذي يصل بنا إلى تشكيل وسط علمي.[8]

وعلى الرغم من أن هذا التعريف قد يكون مفيدًا في تحليل أوسع نطاقًا، فإن المناقشات المعاصرة التي تدور حول الظواهر التاريخية لازدهار وتدهور العلم إبان حضارة بعينها، غالبًا ما تؤكد على فهم أدق “للعلم” يتمثل في تعريفه بأنه “نشاط فكري وعملي يشمل دراسة منهجية لبنية وسلوك العالم الفيزيائي والطبيعي من خلال الملاحظة والتجربة[9] وتطبيقه العملي (أي التقنيات). وتجدر الإشارة كذلك إلى أنه يندرج تحت ذلك التعريف، المفهوم الشائع الذي ينص على أن العلم بشكل أو آخر- ذو قيمة محايدة وطبيعة موضوعية، لا يُعَد من جملة آراء العلماء الذاتية، إلا أن ذلك يجانب الصواب وسيتم نقضه صراحة في هذه المناقشة، كما يشير فيلسوف العلم العلّامة زياد الدين سردار:

ويمكن الاحتجاج بأن العوامل الأيديولوجية والسياسية هي عوامل خارجة عن نطاق العلم، ويقع تحت مظلة العلم الطرق العلمية التي تكفل الحيادية والموضوعية باتباع المنطق الصارم في الملاحظة والتجريب والحذف والاستنتاج الخالي من القيمة، ولكن العلماء لا يدونون الملاحظات بمعزل عن بعضها البعض، حيث تجرى جميع الملاحظات وفق نظرية محددة ودقيقة، وقد أعدت جميع الملاحظات و البيانات المتواضع عليها، إما لدحض نظرية ما أو تقديم ما يثبت صحتها.

ولا تستحدث النظريات نفسها من العدم، بل تخضع النظريات لإطار نظري؛ أي عدة معتقدات ومبادئ. [10]

وقد تبدو فحوى هذا الرأي غير منطقية، فعلى خلاف كونها “موضوعية“، إلا أن الحقائق تعتمد كليًا على النظريات التي يصيغها العلماء في سبيل فهم خبراتهم عن العالم الخارجي على نحو منطقي. في الواقع، بات مفهوم “الإطار النظري” جزءًا لا يتجزأ من الإحاطة بطبيعة العلم اليوم داخل الأوساط الأكاديمية، ويوفر أساسًا يتسنى من خلاله إماطة اللثام عن دوافع ونطاق واهتمامات البحث العلمي في الأوساط العلمية، وفي معرض شرحه للأسباب الكامنة خلف هذا المفهوم، أوضح الفيلسوف العلمي توماس كون (1996) الذي صاغ المصطلح في تحفته العلمية “بنية الثورات العلمية[11]، أنه على الرغم من أن التجارب البشرية هي في الواقع تجارب عالمية، فإن إدراكنا لتلك التجارب يختلف وفقًا لخلفية معتقداتنا:

فإذا كان هناك شخصان يقفان في نفس المكان وينظران في الاتجاه عينه، حينئذ لا بد من استنتاج أنهما يتلقان محفزات متشابهة تمام التشابه. (إذا يمم كل منهما وجهه شطر المكان ذاته، فالمثيرات بدورها ستكون متطابقة) بيد أن الناس لا يرون المثيرات: حيث إن إدراكنا لهما ما هو إلا نظري ومجرد أيما تجرد، إذ يمتلكان الأحاسيس عوضًا عن ذلك، ولا يوجد ما يجبرنا على افتراض أن أحاسيس مشاهدينا الاثنين متطابقة. (وربما يتذكر المتشككون أن عمى الألوان لم يلاحظ في أي مكان حتى وصفه جون دالتون في عام 1794)[12]

وهكذا، فإن ممارسة وتطبيق أي علم بعينه -بمنأى عن أي حيادية- يعتمد كلية على الدوافع المتعلقة بالقيم والميتافيزيقية للعلماء أنفسهم.[13] فعلى سبيل المثال، فإن أهداف ونتائج جوهر الإنتاجية العلمية داخل مجتمع علماني قد تختلف اختلافًا مذهلًا عن مجتمع تغلب عليه النزعة الدينية، ذلك لأنه وبلا شك، ستختلف قيم ومعتقدات العلماء الجوهرية بدورها داخل كل حضارة.

فحين يركز الأول على المشاكل والأهداف المتعلقة فقط بالإبقاء على الدولة العلمانية وشعبها والحفاظ على عملهم، نجد أن الآخر ستوجهه عدة معتقدات وظروف مختلفة تمام الاختلاف، وبعبارة أخرى، فإن مصطلح الثقافة أو “الأفكار والعادات والسلوك الاجتماعي لشعب أو مجتمع ما[14] يحدد ما يصيغ مصطلح “العلم”، بما في ذلك النظريات التي صِيغَت لتفسير البيانات التجريبية (أي “الحقائق“).[15] ومن ثم، فإن ما نعتقد بأنه التقليد العلمي المسيطر اليوم هو حقًا “العلم الغربي“؛ في حين أن هذه الورقة البحثية تناقش نهضة وتراجع تصور الحضارات الإسلامية للعلوم (أي “العلوم الإسلامية“)، باعتبارها نموذجًا يقع ضمن سياق إطار ثقافي إسلامي، مبرزًا قيم ومعتقدات العلماء المسلمين في العمل.[16]

ولكن هل يؤثر فهمنا للعلم أيضًا في تحليلنا لتاريخ الحضارة العلمي؟ لا ريب في ذلك، فعلى سبيل المثال، إذا ما أمكننا تبني “وجهة النظر المحايدة” التي سلف ذكرها، فإن الادعاء بأن العلم “اذهر” و “تدهور” في الحضارة الإسلامية، لن يكون سوى مجرد تفسير افتراضي أكل عليه الزمن وشرب لتجاربنا مع العلم اليوم، وما تسفر عنه نتيجة وجهة النظر هذه، هو استنتاج سخيف مفاده أن العلم إما أنه لا وجود له في العالم الإسلامي المعاصر أو أنه على شفا التلاشي، وبعيدًا عن كون ذلك هو الوضع الراهن، فإن العلم حي وبخير بين أبناء المسلمين –بدءًا من أجهزة الآي فون إلى أحدث التقنيات الطبية- بيد أنه وببساطة لم يعد رائدًا من ناحية المنظور الإسلامي. وعليه، فإن مفهوم “الاقتران بالقيم” هو أكثر تماشيًا مع الحقائق التاريخية والمعاصرة عن ذي قبل. ذلكم هو السبب في أن فريقًا من مؤرخي العلوم، مثل جورج سليبا، يعرفون “التدهور” في نطاق نشاط الحضارة العلمي بأنه هو “العصر الذي تبدأ فيه الحضارة باستهلاك الأفكار العلمية بدلًا من تصديرها”.[17]

ولا يزال المفهوم الذي يدور حول حيادية العلم هو الأكثر شعبية بين الدهماء على ما يكتنفه من مخالفة للمنطق. وعليه، قد يكون من المفيد في هذا المقام، إعادة صياغة بعض الفئات التاريخية بما يعكس العناصر الثقافية الضرورية لتفسيرها على نحو ملائم.

لذلك، أقترح أن يتم إعادة صياغة مفهومي “الازدهار” و”التدهور” إلى “عصر الإنتاجية” و “عصر التبعية” على التوالي، ولا يدل أي من هذه المسميات على منظور محايد للعلم بمعزل عن التأثيرات الثقافية، كما لا تضعنا بين شقي الرحى؛ حيث نضطر إلى شرح كيف أن العلم “تدهور” بطريقة أو بأخرى في الحضارة الإسلامية على تعدد ما يمتلكه المسلمون المعاصرون من نتاجات النشاط العلمي كما لنظرائهم من الغربيين، بل تمثل بشكل أدق الوضع الحالي للعلم الإسلامي كفكر منتج قبل أن يخفت نجمه ويعتمد الآن على العوامل الأجنبية، ومن ثم، ولنكون أكثر إيجازًا، فإن مصطلحي الازدهار والتدهور سوف يظلان مرجعيين طوال صفحات البحث، إلا أنه ينبغي اعتبارهما مترادفين في المعني مع هذه المصطلحات المقترحة المنقحة.

وأخيرًا، فمن الضروري معرفة تلك المصطلحات التي تشكل التأثيرات الرئيسة وراء ازدهار وتدهور أي تقليد علمي بعينه، فهذه التأثيرات مهمة لكونها تعيننا ليس فقط على فهم الأسباب الكامنة وراء ازدهار وتردي العلوم الإسلامية، بل لأنها في الوقت ذاته تمدنا بالوسائل لقياسها عند حدوثها، ومن ثم يقسم مؤرخ العلوم توبي هوف هذه التأثيرات إلى فئتين: “التأثيرات الداخلية” و “التأثيرات الخارجية“. حيث تمثل الأولى “الأساليب والنظريات والنماذج والأدوات العلمية“، وتمثل الأخيرة “البنى الثقافية والمؤسسية التي تتيح مكانة آمنة للبحث العلمي في الحياة الفكرية داخل المجتمع والحضارة“.[18] وبتعبير آخر، فإن التأثيرات الداخلية هي عبارة عن تصورات وممارسات مجردة مقصورة على علم حضارة ما، في حين تشكل التأثيرات الخارجية العوامل المادية التي تعين على تسليط الضوء على تلك التصورات وتطبيقها (مثل منشآت البحوث الممولة من قبل الحكومة والمكتبات والجامعات وغيرها). ومع ذلك، أود أيضًا أن أضيف بعض الأمور إلى تعريف هوف الخاص “بالمؤثرات الخارجية” مثل الحرب، والانتعاش الاقتصادي والكساد والكوارث الطبيعية والأوبئة وما إلى ذلك، نظرًا لأن هذه الظواهر تضطلع بدور رئيس في تحديد ما إذا كان المجتمع قد يعمل على الاهتمام بتقاليده العلمية أم لا وإلى أي مدى.


ازدهار وتدهور التقليد العلمي المعاد تصورهالشكل 1

ومن بعد المناقشة سالفة الذكر، سيُطبق تحليل سريع على الخلفية التاريخية لعصر الإنتاجية في الحضارة الإسلامية، وعلى الرغم من أن نطاق هذه الورقة البحثية لا يسعه الوفاء بصورة كاملة للآراء المتعلقة بهذه النقطة في التاريخ على اختلافها، فإنه سيقدم ملخصًا للرواية القديمة الشائعة -والمشكلات وثيقة الصلة بها، بغية أن نوفر خلفية لشرح التأثيرات الرئيسة وراء التطور التاريخي للعلوم الإسلامية.


“الرواية القديمة” والمعارضة العلمية


مع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي في شبه الجزيرة العربية، بدأت تخور قوة الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية (الفارسية) على إثر العيوب الداخلية في الإدارة والتوسع العسكري والاقتصادي وعدم انتهاء ما بينهما من مسلسل صراعات.[19] أفاد المسلمون في هذا الوقت من نقاط ضعف الإمبراطوريتين واحتلوهما في غضون عقود قليلة، ومع انقلاب ميزان القوى وتبدله، أُذِنَ للسلطة الإسلامية الجديدة بأن تكرس مواردها ووقتها لخلق عالم يخدم مصالحها الخاصة. كما أشار ديمتري جاتوس قائلًا:


ولا قبل لنا بالمبالغة في تقدير الأهمية التاريخية للفتوحات العربية، ولقد تم إعادة توحيد مصر والهلال الخصيب مع بلاد فارس والهند سياسيًا وإداريًا والأهم من ذلك اقتصاديًا، ولأول مرة منذ الإسكندر الأكبر….. الانقسام الاقتصادي والثقافي الكبير الذي يفصل العالم المتحضر مذ ألف سنة قبل ظهور الإسلام. إن الحدود بين الشرق والغرب التي تشكلت بفضل النهرين العظيمين اللذين أنشآ قوى معادية على كلا الجانبين لم تعد موجودة، وقد سمح ذلك بالتدفق السلس للمواد الخام والسلع المصنعة والمنتجات الزراعية والأصناف الفاخرة والناس والخدمات والتقنيات والمهارات والأفكار والأساليب وطرائق التفكير.
[20]

وعلى الرغم من ذلك، فإن المسلمين في نهاية المطاف لن يكونوا قادرين على الحفاظ على هيمنتهم والبدء في اللجوء إلى الاعتماد على الأفكار والاختراعات الأجنبية من أجل التنافس مع جيرانهم، وعلى إثر ذلك، سوف ينقلب ميزان القوى ثانية ولن يحوز المسلمون بعد الآن الاستقلالية والهيمنة التي حظوا بها سابقًا. لا يوجد دليل أفضل من مكانة الحضارة الإسلامية في الفترة المعاصرة، التي تكافح للبقاء في مواجهة شق الصف والتصدع والهجوم من قبل الاحتلال الغربي وتفردها/احتكارها للاقتصاد والتكنولوجيا العالمية.

ومع ذلك، فإنه عند التعرض لمناقشة الازدهار في الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية، فكثيرًا ما يتصور المؤرخون رواية تحط من التأثير الداخلي للقيم الإسلامية وتبالغ في المؤثرات الخارجية للجغرافيا السياسية وتعتبرها العوامل المحفزة الأساسية.

ومن جانب آخر، فإن هؤلاء الباحثين لا يترددون في الإيمان بما سلف عند شرح عوامل التدهور. استلهم هذا المستشرق[21] نسخة من الأحداث -التي يشار إليها بالرواية القديمة- كانت لسوء الحظ إطارًا شائعًا للبحث والتحليل لقرون عدة في الحضارة الغربية، والآن بين المسلمين أيضًا، مما أدى إلى عقود من التحيز الثابت والأدلة القمعية، وما قيل، إنه ثمة محاولات في السنوات الأخيرة لتوفير حسابات بديلة، على سبيل المثال، أحرز مؤرخ العلوم جورج صليبا تقدمًا كبيرًا حين عمد لتفسير هذه النظرية وانحيازاتها، وتلخيص افتراضاتها الرئيسة في عمله الهائل، العلوم الإسلامية وميلاد النهضة الأوروبية.

يبدو أن الرواة بدؤوا بافتراض أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة بدوية، بعيدة كل البعد عن الحياة الحضرية، التي تمتلك فرصة ضئيلة لتطوير أي علم بنفسها يمكن أن يكون محط اهتمام لدى الثقافات الأخرى. لكن ما بدأت هذه الحضارة بتطوير الفكر الثقافي إلا عقب انخراطها مع حضارات أخرى أصيلة من حيث العراقة، والتي من المفترض أنها كانت أكثر تقدمًا، وعادة ما تتمتع حضارات الجوار تلك بحقبات عتيقة سحيقة القدم، وبدرجة من الحيوية الفكرية التي لا يمكن توافرها في الحضارة البدوية (الصحراوية) الإسلامية.

إن هذه الرواية لم يكتب عليها الإخفاق إطلاقًا في سرد المشروعات التي نفذت بالفعل إبان العصور الإسلامية، وهي الاستيلاء النشط لعلوم هذه الحضارات من خلال الترجمة المتعمدة، ويقال إن حركة الترجمة تلك قد تغشت تقريبًا جميع النصوص العلمية والفلسفية التي أنتجتها تلك الحضارات القديمة.

في هذا السياق، عدد قليل جدًا من المؤلفين سوف يتجاوز وصف هذا العصر الذهبي الإسلامي شأنهم في ذلك شأن أي شيء، أكثر من إعادة سن أمجاد اليونان القديمة، ففي بعض الأحيان قد يغامر البعض بالقول بأن الإنتاج العلمي الإسلامي قد أضاف بالفعل بعض الميزات إلى الهيكل المتراكم للعلوم اليونانية، ولكن هذه الإضافة تصور عادة على أنه شيء لم يكن ليفعله اليونانيون وحدهم إذا ما خصصوا موفور الوقت لذلك، إلا أن الرواية القديمة تصر على تصويره، فالعلم الإسلامي الذي فجرته هذه الترجمات المكثفة كان قصير الأجل؛ لأنه سرعان ما سيدخل في صراع مع القوى التقليدية في المجتمع الإسلامي التي عادة ما تصنف على أنها عقيدة دينية من نوع واحد أو آخر، ومن المفترض أن تكون الهجمات المعادية للعلم التي تتمخض عن تلك العادات الدينية قد بلغت ذروتها في الأعمال الشهيرة التي قام بها اللاهوتي أبو الحميد الغزالي من القرن الحادي عشر إلى القرن الثاني عشر.[22]

ويواصل صليبا معارضة هذه الرواية باعتبارها تصورًا غربيًا عن تاريخها مع الكنيسة (أي حرب بين العقلانية والمعتقد الديني والمؤسسات)[23]، أول مؤشر منهم هو الكيل بمكيالين عند وصف القيم الإسلامية بعدم المساهمة في نهضة العلم في العالم الإسلامي، إذ يعتبرونهم الجناة الحقيقيين سبب تدهوره.

ويشير الباحث الإسلامي مظفر إقبال إلى أن هذا التصور يمكن أن يعود إلى المستشرق إغنازغولدزيهر (د 1921) وكتاباته تحت عنوان “موقف الإسلام الأرثوذكسي تجاه العلوم القديمة”، والذي يفترض فيه أن التدهور حدث بصفة أساسية جراء موقف علماء الدين إزاء ما يسمى بـ “العلوم الأجنبية” لليونانيين والفرس، وذلك بسبب تعاليمهم المتعارضة على ما يبدو للعقيدة الإسلامية.[24] وها هي أطروحته “فرضية الاختلاف” تكتسب زخمًا في نهاية المطاف، إذ تتسلل إلى أعمال العديد من المؤرخين المشاهير من القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، ويشير هوف إلى هذا الموقف مؤكدًا في قوله:

إذا كان في الفكر العلمي طويل الأمد والإبداع الفكري بشكل عام ما من شأنه أن يحافظ على بقائهم وتقدمهم في مجالات جديدة من الفتح والإبداع، فإنه يجب أن تتوافر مجالات متعددة من الحرية -ما يمكن أن نسميه المناطق المحايدة-  يتسنى بفضلها لمجموعات كبيرة من الناس أن تتمتع بعبقرية خالية من إدانة السلطات السياسية والدينية، فضلًا عن أنه يتعين أن ترافق هذه الافتراضات الميتافيزيقية والفلسفية هذه الحرية، وفيما يتعلق بالعلوم يتعين تصوير الأفراد على أنهم يتمتعون بالعقل، ويتعين أن يتم التفكير في العالَم على أنه عقلاني وثابت، إلى جانب أنه يجب أن تتوافر جميع مستويات التمثيل العالمي والمشاركة والخطاب المختلفة، ومن الدقيق هنا أن يكتشف المرء أن نقاط الضعف الكبيرة في الحضارة العربية الإسلامية هي كونها حاضنة للعلوم الحديثة.[25]

يعكس هوف تحيزًا صريحًا ضد الفكر اللاهوتي ومؤسسات الحضارة الإسلامية، ويمضي في ذلك إلى حد استخدام عبارة “العلوم العربية” من أجل التركيز على الخصائص اللغوية / العرقية لحركة الترجمة على أي تأثيرات متصورة للدين، ووفقًا لهذا الرأي، كان الإسهام الإيجابي الوحيد الذي أسهم به المسلمون إبان تلك الفترة هو توحيد المجتمع تحت لواء لغة مشتركة، والتغلب على الفلسفة اليونانية والتي ستفكك جهودها المكتسبة بشق الأنفس، ستفكك لاحقًا بشكل متضاد جراء الروح المعادية للعلم الضاربة بجذورها في جسد الإسلام، ومع ذلك، فإن هذا يثير تساؤلًا حول إمكانية تحقيق هذه الحركة إذا وجدت ميولًا مناهضة للعلم قبيل وأثناء تنفيذها. وبعبارة أخرى، إذا كانت “العلوم الأجنبية” غير مرغوب فيها بالفعل بسبب طبيعتها المتناقضة للعقيدة الإسلامية، فمن العسير التأكد من كيفية تسامحهم معها للشروع فيها خلال ذلك الردح الطويل من الزمن.

على الرغم من تأثير وشعبية أطروحة الصراع، فقد تم التوصل إلى كثير من الحالات الشاذة في بحث غولدزيهر، حتى أن بعض المؤرخين يشيرون إلى أن فرضيته لا يمكن أن تتشكل إلا من خلال تنقيب متعمد من خلال الاقتباسات من النصوص العلمية الإسلامية.[26] ونتيجة لذلك، حاول سونيا برينتجس[27]، ديميتري غونتاس[28]، أحمد دلال[29]، وجورج صليبا تقديم المزيد من وجهات النظر الأكثر دقة والقائمة علي الأدلة فيما يتعلق بتاريخ العلوم الإسلامية وإنني أرى أن آخرهم قد قدم أبرز الانتقادات التفكيكية مفترضًا أن نهوض العلم كان أقل من استيلاء عرضي علي المعتقد اليوناني وأكثر من نتيجة الشواغل العملية للمجتمع الإسلامي الأول نفسه.

يبدأ صليبا نقده للرواة القدامى من خلال تطرقه بالدراسة إلى بداية النهوض الفعلي، بدلًا من مجرد افتراض أنه كان مدفوعًا بالنشأة المفاجئة للترجمة خلال عهد الخليفة العباسي، أبو جعفر عبد الله المأمون بن هارون الرشيد (توفي 833) بين 813-833 م.

ووفقًا للأسطورة، فإن رغبة الخليفة المأمون في ترجمة المصنفات (الأعمال) اليونانية تولدت إثر تجربة باطنية؛ حيث التقى بأرسطو في حلمه، فأبلغه بأنه ينبغي أن يبدأ في اكتساب المعرفة بالعلم.[30] على الرغم من أن هذه الرواية غير ثابتة ومؤكدة إلى حد كبير –ويرجح كونها أسطورة ألفت كتفسير لاحق- فإن هذا لم يردع مؤيدي الرواية القديمة من تضمينها دليلًا على كيفية النشأة الإعجازية للإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية.

وتأكيدًا للمصدر الهش لهذه القصة الأصلية، يكتشف صليبا أن فترة الازدهار كانت في وقت مبكر جدًا، بطريقة ساخرة من خلال فحص المصدر وراء “رواية الحلم” نفسها والذي كان في القرن العاشر ميلاديًا. المؤرخ الإسلامي الفارسي محمد بن أبي يعقوب إسحاق النديم (توفي 940)، الذي كتب تاريخًا فكريًا للحضارة الإسلامية في 987/988 م يسمى كتاب الفهرست)[31] فيه وقف على حقيقة حلم المأمون فضلًا عن مختلف الأسفار الأخرى.

وانتقالًا عبر العديد من الروايات، خَلُصَ صليبا إلى أن النديم كان ببساطة يدون قصصًا شعبية من حياته، ولم يكن ينوي استخدامها جميعًا كوسيلة لاستخلاص سرد (رواية) تاريخية حقيقية.[32] وبعد مزيد من التدقيق، يبدو أن استخدام المستشرقين لحلم المأمون كان زائفًا تمامًا، حيث إن النديم نفسه ما رآه عنه تمثل في التأثير على انتشار المعرفة العلمية، وليس كمصدرها.. ويتجلى ذلك بشكل خاص في حقيقة أنه سمى هذه الرواية بالذات، “سرد أسباب كثرة الكتب في الفلسفة والعلوم القديمة الأخرى…” وجعل القصة مجرد “واحد من الأسباب” وراء هذه الظاهرة.[33]

وبالمثل، فإن النديم يتناقض مع الرواية القديمة[34] من خلال التأكيد على أن البيزنطيين يعتبرون أن أعمالهم القديمة غير مبذولة للتعلم، لأنهم كانوا “معارضين للمذهب النبوي [المسيحي]”، واستبقوا على هذا الشعور حتى صعود الإمبراطورية الإسلامية، وبعبارة أخرى، لم يرغب المسلمون في ترجمة هذه النصوص على أساس اصطدامهم المفاجئ مع الثقافة البيزنطية، بل كانوا بالفعل يميلون علميًا إلى درجة سابقة، وإلا فكيف عرفوا عن النصوص اليونانية وجهدوا للانسلاخ منها، أو لم يكونوا بالفعل على دراية بقيمتها؟ كما قال دلال:

قدمت حركة الترجمة هذه قاعدة المعرفة للعلوم الناشئة، ولكن في حين أن هذا يفسر جزءًا من الصورة، وتعتبر وبلا شك واحدة من أهم أجزائها، فإنها لا تقدم شرحًا كاملًا للبدايات، فبداية ما، هي الظروف الاجتماعية والسياسية والقدرات الثقافية التي أثارت المصالح في الترجمة والعلوم في المقام الأول؟ وثانيًا، ما الظروف الثقافية والقدرات الثقافية التي مكنت اهتمام المجتمع من معرفة كيفية ترجمة النصوص العلمية المعقدة، وتطوير المصطلحات التقنية اللازمة لنقل المعرفة العلمية بين اللغتين، وفهم النصوص العلمية بمجرد ترجمتها، وإشراك المعرفة المستمدة منها بشكل بناء؟ وفي ضوء ذلك، فإن الترجمة ليست عملية ميكانيكية ولكنها جزء من عملية تاريخية معقدة لا يمكن أن تختزل في نقل المعرفة الخارجية، بل إنها تنطوي على قوى جوهرية في الثقافة المستقبلة؛ والأهم من ذلك، الظروف المعرفية الداخلية للثقافة الإسلامية في وقت الترجمة.[35]

ومع ذلك، فإنه ليس من العجيب أن العلماء المؤيدين للرواية القديمة سيكونون انتقائيين في قراءتهم لهذه الروايات ويفضلون تشكيلها وفقًا للتحيز السابق بدلًا من محاولة الفحص الانتقادي، وكما ذُكر آنفًا، فإن التنبؤ بالتجربة الغربية مع العقيدة الدينية والمؤسسات، كان بمثابة الخلفية التي تفسر من خلالها الأحداث التاريخية والثقافات الأخرى، ونتيجة لذلك، يبحث المستشرقون بجد عن تلك الأدلة التي يبدو أنها تتفق مع هذا الفهم فحسب، وتماشيًا مع ذلك، فإن اعتبار رؤيا المأمون هو أيضًا وسيلة ملائمة يمكن من خلالها ربط البيانات التاريخية الإضافية التي تعزز السرد القديم، كما كان هو الحال في عهده (813-833 م) أن ظهرت إحدى عظميات فرق الجدل اللاهوتي داخل الحضارة الإسلامية: وهي فرقة المعتزلة.

وفقًا للفيلسوف المسلم سيد حسين نصر، كانت المعتزلة مجموعة من اللاهوتيين الذين “سيطروا على المشهد اللاهوتي في العراق لأكثر من قرن من الزمان ووضعوا للنظرية اللاهوتية دليلًا جديرًا بالاحترام يستند إلى التركيز على استخدام العقل في المسائل المتعلقة بالدين وأهمية حرية الإرادة الإنسانية”.[36] إن “النهج العقلاني” الخاص بهم فيما يخص المذاهب الأساسية للإيمان، قد دفعهم إلى تبني الآراء التي اعتبرت ابتداعية، مثل الغموض الكامل في حق الله وحتى تصور مجرد تام غير مفهوم للفكر البشري، وكان هذا يعارض وجهة النظر الأرثوذكسية القائلة بأنه في حين لا يمكن فهم جوهر الآلهة إجمالًا، فإن صفاته -كما وردت في نصوص المصدر الإسلامي- كانت حقيقية، حيث كانت مفهومة نسبيًا على الأقل للمسلم البسيط، ومع ذلك، فقد باءت المعتزلة بخزي من وجهة نظر أكثر إثارة للجدل: إن القرآن مخلوق وليس كلام الله الأزلي.[37]

ولكن ما سبب الأهمية الشديدة لهذا الجدل اللاهوتي للمستشرقين؟ لأن المأمون كان مقتنعًا بصحة رأي المعتزلة خلال حكمه الذي قبل بفرض عقائده على المجتمع الإسلامي الأوسع انتشارًا؛ بل تمادى إلى أبعد من ذلك لتطبيقه كاختبار حاسم للحكم على حقيقة إيمان الفرد.[38] وبالتالي، فإن أولئك الذين يبحثون عن مثال واضح لـ “الحرب” بين العقل والدين يمكنهم تتبع التوافق الخطي بين رواية رؤيا المأمون وظهور المعتزلة وازدهار الإنتاجية العلمية اللاحق في الحضارة الإسلامية، ومع ذلك، بجانب سوء التفسير الواضح لمخطوطات ابن النديم، إذ يركن هذا الرأي إلى تأثير قصير الأجل (34 عامًا) لمجموعة معارضة وسقطت في النهاية من قبل عناصر أكثر تحفظًا من الناحية الدينية في المجتمع من خلال تولي الخليفة أبي الفضل جعفر بن محمد المعتصم بالله المتوكل سدة الحكم (861 تقريبًا).[39] وبعبارة أخرى، فإنه من المشكوك فيه أن المدعوين بـ “أصحاب المذهب العقلي” -يحكمون لهذه الفترة الضئيلة من الزمن- يمكن أن يكون بشائر للقرون السبعة التالية للتقدم العلمي الإسلامي والإبداع، التي تقع تحت سيطرة المعارضين اللاهوتيين والفكريين.

بدلًا من ذلك، يجد صليبا رواية أكثر معقولية حيث يذكر ابن النديم قصة عن الطريقة التي أمر بها الخليفة الأموي الثاني خليف بن يزيد بن معاوية (توفي 704) بعض الفلاسفة بترجمة الأعمال اليونانية عن الكيمياء إلى اللغة العربية لغرض غير معروف، فهو يربط على ما يبدو هذا الحدث بالترجمة التالية للسجلات الحكومية (الدواوين) في عهد الخليفة الأموي الخامس، عبد الملك بن مروان (ت. 705)، الذي حكم من 685 م إلى 705 م، بالإضافة إلى والي العراق، أبو محمد الحجاج بن يوسف (توفي 714):

كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى “حكيم آل مروان.” وكان شريف الأصل، شغوفًا ولعًا بالعلم. فلما لفت علم [الكيمياء] انتباهه، أمر مجموعة من الفلاسفة اليونانيين الذين كانوا يعيشون في مدينة في مصر أن يحضروا بين يديه. ولأنه كان ولعًا بالأدب العربي، أمرهم بترجمة الكتب التي تتحدث عن فن الكيمياء من اليونانية والقبطية إلى اللغة العربية، وكانت هذه أول ترجمة في الإسلام من لغة إلى أخرى.

….

بعد ذلك وعلى عهد الحجاج [ابن يوسف] تم ترجمة السجلات، التي كانت باللغة الفارسية، إلى اللغة العربية.

….

السجلات في دمشق كانت باللغة اليونانية … ترجمت السجلات على عهد هشام عبد الملك … وقيل [أيضًا] إن السجلات قد ترجمت في عهد عبد الملك [ابن مروان].[40]

 لم يشرح ابن النديم الجزء الأول من القصة بدقة، بخلاف ذكر “حب العلم” لخالد. تعتبر هذه القصة القصيرة -والتي لا يوجد تفسير لها بما يتجاوز ما تم ذكره أعلاه- أول محاولة للترجمة، ومع ذلك، عندما نطالع مصادر إضافية لهذه القصة، ألفينا أنها تشير إلى أن خالد كان ذا دور في تحفيز عبد الملك لترجمة هذه الأعمال استنادًا إلى رغبة الأخير في صك عملة حصرية على الدولة الإسلامية، إذ إن المسلمين قبل ذلك كانوا يعتمدون على العملات البيزنطية والفارسية، وهذا يدل على أن الدافع الأساسي وراء الرغبة في ترجمة ودراسة الأعمال التي تدور حول الكيمياء كانت ببساطة في يد الإمبراطورية الإسلامية التي تكونت حديثًًا والتي تطمح إلى أن تصبح مستقلة عن جاراتها ومستدامة ذاتيًا.[41]

وعلى الشاكلة ذاتها، تمت ترجمة السجلات الحكومية بطريقة مماثلة للأهداف الواقعية، نظرًا لأنها تشكل أساس الثبات التشغيلي للدولة، وأما فيما يتعلق بأسباب تسجيل هذه السجلات في الأصل باللغتين الفارسية واليونانية؟ لأن ذلك يتعلق بالحقيقة البسيطة أن الفرس والبيزنطيين كانوا مشهورين في ذلك الوقت بقدرتهم على “التعامل مع العمليات الحسابية التي تتضمن الكسور وما شابه ذلك”، وهو ما يعتبر موهبة ضرورية للبدء بها من أجل إصدار مثل هذه السجلات.[42] وبالتالي، شعر عبد الملك بمسيس الحاجة إلى “تعريب” الدواوين بغية تيسير الوصول إلى هذه السجلات بين السلطات، فضلًا عن زيادة الكفاءة في إدارة الدولة وتدفق الثروة فيها. وكنتيجة لذلك، أدت المخاوف العملية على الشفافية والإدارة الفعالة لخزينة الدولة إلى عواقب غير مقصودة على الرغم من كونها مثمرة، ومذ أن كان تسجيل الدواوين لا يتطلب التحلي بالمهارات الحسابية فحسب، بل يتطلب أيضًا علم الفلك (للتمكن من معرفة أوقات تحصيل الضرائب)، والهندسة (لمسح الأراضي) ومعرفة الأوزان والمقاييس (للتجارة)؛ فقد أدى ذلك إلى الرغبة في ترجمة المصنفات العلمية المتعلقة بهذه المهام، بالإضافة إلى التعلم اللاحق للمتحدثين العرب من السكان الأصليين ممن أرادوا التأهل للحصول على المناصب الحكومية.[43] وبعبارة أخرى، أضحى المكتب المدني داخل الإمبراطورية الإسلامية التي تكونت حديثًًا نقطة انطلاق من خلال رحلة البحث عن النصوص العلمية الأخرى وترجمتها وتعلمها، ومن شأن تأثير نظرية الدومينو أن يسهل في النهاية العمليات المتعلقة بالشعائر الدينية (العبادة) أيضًا. على سبيل المثال، فقد كان علم الفلك ضروريًا أيضًا لحساب الأوقات المحددة لأعمال العبادة المفروضة مثل الصلاة وشهر الصيام (رمضانوالأعياد، وبالتالي تنظيم وإدارة أهم الأنشطة الأساسية للمجتمع الإسلامي.

الإسلام قيمًا – العلم أداةً

لخص الطرح الوارد أعلاه، أن حركة الترجمة لم تحدث مع العباسيين على نحو مفاجئ، ولكنها بدأت في عهد الأسرة الأموية؛ لأسباب عملية تتعلق بالسياسة الإسلامية حينئذ، وبعبارة أخرى، كان التأثير الداخلي للقيم الإسلامية هو العامل الرئيس وراء تحصيل العلم والإفادة منه في البداية. على الرغم من عدم ذكرها بشكل صريح في القرآن الكريم أو أقوال وأفعال النبي محمد ﷺ، فإن شكلًا من أشكال الفكر العلمي كان يزرع بالفعل بين المسلمين خلال الفترة القديمة، مسترشدًا بالرغبة في تنفيذ قيمها المستندة إلى التقاليد الإسلامية ذاتها. على سبيل المثال، يوفر القرآن الكريم حافزًا عمليًا واضحًا للدراسة العلمية:

“وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (القرآن، 45: 13)

بالإضافة إلى ذلك، فإن النبي محمد ﷺ حث على البحث عن المعرفة للسبب ذاته، مع التركيز في الأساس على الفائدة منه:

 “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ“ (الترمذي، رقم 148)

“مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله” (الترمذي، رقم 108)

“إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير” (الترمذي رقم 442)

إن هذه الأحاديث تحث المسلمين على تحصيل العلم “النافع” و”الإفادة منه”، ما يعني أن قيمته تتجاوز تحصيله. على سبيل المثال، كثير من الناس يقفون على الفارق بين ما يعتبر عفيفًا أو ممجوجًا أخلاقيًا، بيد أن العلم لا قيمة له إذا لم تحصل الاستفادة منه للحث على الفضيلة والكف عن الرذيلة. كذلك، معرفة كيفية إجراء جراحة القلب المفتوح لا فائدة منها على الإطلاق إلا إذا كان أحدهم على استعداد لإجرائها بالفعل أو تعليمها للآخرين. على هذا النحو، ووفقًا للإسلام، فمجرد معرفة شيء لا تكفي لها لأنها تعتبر “مفيدة”. ويلاحظ سردار أن هذه النظرة الواقعية للمعرفة – والعلوم والتكنولوجيا أكثر تحديدًا – إلى هذا الحد من الممارسة والتنفيذ للمسلمين الأوائل:

إن علماء المسلمين القدامى قلقون من أن السعي لتحصيل العلم لا ينبغي فيه غض الطرف عما للمجتمع من متطلبات، كما أن هذه المعرفة ينبغي ألا تخلق آثارًا اجتماعية غير مرغوب فيها، وأنه لا ينبغي أن يصل ذلك إلى مستوى التجريد ما ينتهي به إلى نفرة الإنسان من عالمه وأقرانه من الرجال، أو إلى الحيرة [بدلًا من] التنوير.في هذا الإطار يتم توجيه العلم نحو مسار وسطي، وترفض فكرة العلوم النفعية تمامًا كما يجب أن يكون ذا صلة اجتماعية، بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد شيء مثل العلم من أجل العلم؛ لكنه الحث على مواصلة السعي وراء المعرفة أملًا في كمال الإنسان.

فالعلم -بعيدًا عن أن يتمتع به كهدف في حد ذاته- يجب أن يكون ذا دور أساسي في تحقيق هدف أسمى من ذلك.[44]

وإن هذا التصور سيؤدي في النهاية إلى ترسيخ تقليد علمي إسلامي بشكل مثالي (تدفعه في ذلك الدراية بالقيم الإسلامية وتطبيقها). ولكن بأي طريقة كان هذا العلم الجديد مختلفًا عن أي علم سُوى؟ وفي هذا الصدد، فإن مؤرخ العلم جميل رجب -الذي علق على ممارسة علم الفلك خلال فترة القرون الوسطى- يلاحظ النهجين التاليين اللذين اعتمدهما علماء مسلمون حتى هذا الوقت:

وبصفة عامة، يمكن للمرء أن يحدد طريقتين متميزتين تتجلى فيهما التأثيرات الدينية في علم الفلك الإسلامي في القرون الوسطى. أولًا، ثمة محاولة لإضفاء قيمة دينية لعلم الفلك… والطريقة العامة الثانية التي يظهر فيها التأثير الديني هي محاولة جعل علم الفلك محايدًا بشكل غيبي قدر الإمكان، بغية ضمان أنه لم يتحد العقيدة الإسلامية مباشرة.[45]

إن الطريقة الأولى المذكورة هي ما يمكن اعتباره نهجًا “فعالًا” حين التصدي لدراسة العالم الطبيعي، في أن العلماء المسلمين حاولوا ربط قيمهم مباشرة بممارسة علمية معينة. أحد الأمثلة على ذلك هو علاء الدين علي بن إبراهيم بن الشاطر (توفي 1375)، الموقت البسيط في الجامع الأموي بدمشق. وعلى الرغم من عدم وجود وظيفة أخرى أكثر من بساطة التأكد من أن الجميع يعرف الأوقات الصحيحة للصلاة المكتوبة، فهذا لم يمنعه من وجود طموحات أعظم تحيط بمهمته الخاصة. خلال فترة توقفه -التي كانت على الأرجح تحدث كثيرًا– أنشأ الشاطر أدوات أكثر دقة (على سبيل المثال، الساعات الشمسية) وأجرى  دراسات نظرية على الحركة السماوية وذلك لأداء مهامه بشكل أفضل، ونتيجة لذلك، تمكن الشاطر -بفضل أنشطته التكميلية- من صياغة نموذج للكواكب العلى التي استخدمها كوبرنيكوس بشكل واضح في تطويره لنظرية مركزية الشمس بعد ما يقرب من قرنين من الزمان، وقد دفع ذلك الباحثين إلى التكهن بأن الأول قد يكون له دور في اعتقاد هذا الأخير.[46]

والطريقة الأخرى التي ينتهجها علماء المسلمين في موضوعاتهم قد تُعَد أكثر “سلبية”؛ بدلًا من ربط قيمهم مباشرة بأبحاثهم وملاحظاتهم، فإنهم يتحاشون أي أسئلة أو أفكار يعتقدون أن من شأنها أن تتعارض مع تلك القيم، وهذا ليس بالأمر المفاجئ، حيث إن المفهوم الأولي للعلم؛ العلم كأداة تدعمها هذه القيم وترسخها سيضعف ما إن تعارضت أي مسألة مع المبادئ الأساسية للإسلام. رغم ذلك، فإن ممارسة هذه السلبية تبدو متناقضة مع الادعاءات السابقة بأن الإسلام يحث على تحصيل العلم، ومع ذلك، فإن هذا الشعور في غير محله حيث إنه يعكس وجهة نظر مهجورة للعلم كمؤسسة “محايدة” – لأن أنواع العلم المكتسبة تحددها قيم الثقافة لتبدأ بها. وعلى هذا النحو، فإن هذه القيود المفروضة على الذات ليست ضارة بالضرورة. على سبيل المثال، تمكن العلماء المسلمون في نهاية المطاف من تطوير مجال علم الفلك في اتجاهات جديدة أكثر تقدمية من خلال التحرر من النموذج القديم الخاص بأسلافهم (أي الفلسفة الطبيعية الأرسطية) التي دعمت العديد من المفاهيم التي تتعارض مع العقيدة الإسلامية، مثل علم التنجيم، ويلخص صليبا هذه الثورة العلمية بالطريقة التالية:

أما فيما يتعلق بالتضافر بين الدين وعلم الفلك، ومن ثم التضافر بين العلم والدين … فقد تم تطوير علم الفلك الجديد “الهيئة” بالتوازي مع المتطلبات الدينية لبواكير الدين الإسلامي. بمعنى يمكن تعريف علم الفلك الجديد على أنه يسترشد به بتدين بعيد عن علم التنجيم، فمن خلال الضغط من الجانب المعارض لعلم التنجيم، وعادة ما يكون دينيًا في طبيعته أو منحازًا إلى القوى الدينية، كان يجب على علم الفلك إعادة توجيه ذاته ليصبح أكثر انتظامًا بحيث يهدف إلى وصف ظواهر سلوك العالم المادي، والابتعاد عن بحث التأثيرات التي تبذل بشأن منطقة ما تحت القمر كما يتطلب علم التنجيم.[47]

يمكن العثور على مثال مشهور حول عرض ناجح لهذا النهج السلبي في علاء الدين علي بن محمد القوشجي (توفي: 1474)، عالم فلك القرن الخامس عشر الذي تربى في محاكم سمرقند –واحدة من المراكز العلمية في العالم في ذلك الوقت- وتولى في النهاية مهمة تدريس علم الفلك والرياضيات في مدرسة آيا صوفيا في إسطنبول إبان السنوات الأخيرة من حياته.[48] وتعليقًا على التعارض اللاهوتي لعلم الفلك خلال هذه الفترة، يلاحظ راغب محاولات القوشجي لإرضاء اللاهوتيين في الوقت الذي يدافع فيه عن ممارسته العلمية:

قوشجي سريع التأثر بشكل واضح بموقف الأشعرية [علماء اللاهوت] حول السببية، وجعل الجزء الذي يعترضون عليه من الملاحظة الهامة -على الأقل فيما يخص علم الفلك- يتعلق بالتعارض الفلكي للعلاقة السببية بين أوضاع الأجرام السماوية والأحداث الكونية وخاصة “الظروف غير العادية”. ولتجنب هذه الاعتراضات، يرى قوشجي أن علم الفلك لا يحتاج إلى الفلسفة، حيث يمكن للمرء أن يبني الصرح الكامل للأجرام السماوية اللازمة للمشروعات الفلكية باستخدام علم الهندسة فقط والافتراضات المنطقية والآراء المناسبة والافتراضات المؤقتة، كما أن هذه الأفكار المسلم بها تسمح لعلماء الفلك [على حد قول قوشجي]: “تصور {تخيل} ما بين المنهجيات الممكنة التي يمكن من خلالها وضع حالات الكواكب ومخالفاتها المتعددة للقواعد في النظام بطريقة تسهل تحديدها من خلال أوضاع وترابط هذه الكواكب في أي وقت قد يرغبون فيه وذلك لتتوافق مع الإدارك {الحس} والرؤية {العين}.

…..

ما يجعل موقف قوشجي رائعًا بشكل خاص هو بعض عواقب عمله الفلكي. منذ أن ادعى أنه لم يعد مقيدًا بمبادئ الفيزياء الأرسطية، فإنه يشعر بالحرية لاستكشاف احتمالات أخرى، بما في ذلك دوران الأرض.[49]

ونتيجة لتخلي القوشجي عن “النظام القديم” لمذهب أرسطو بسبب القيم الخاصة به، أضحى غير قادر على تحدي علم الفلك التقليدي في عصره من خلال نماذج فلكية مدللة على نحو أمثل، ولكنه أرشد أيضًا إلى القول بأن دوران الأرض كان ممكنًا، مما يمهد الطريق نحو وضع نموذج لمركزية الشمس من قبل كوبرنيكوس بعد أقل من قرن من الزمان.[50]وبعبارة أخرى، فإن تلك الحدود المفروضة على طريقة التفكير الإسلامية -عند الاستفسار عن أعمال العالم الطبيعي- كانت أيضًا بمثابة بدائل تحرير للنماذج القديمة، وساعدت على النهوض بالعلوم بطرق جوهرية وثورية.

ومع ذلك، فإن مجرد معرفة طريقة حصول المسلمين على العلوم لن يخبرنا بالضبط عن كيفية وضع هذه البدائل، فهي تُعَد أحد أجزاء المعادلة، كما أن معرفة الظاهر يختلف كثيرًا عن معرفة مضمونها، وعلى هذا النحو، علينا أيضًا أن نعرف ما القيم المعينة التي حددت جوهر المؤسسة العلمية الإسلامية وما الذي دفع العلماء المسلمين إلى استكشاف العالم الطبيعي بالآلية التي اتبعوها، وفي هذا الشأن، حاول العديد من الباحثين المعاصرين تقديم معايير محددة لما يمثل “القيم العلمية الإسلامية”. فعلى سبيل المثال، يذكر سردار أنه في عام 1981 عقدت ندوة في ستوكهولم بالسويد حيث حاول علماء مسلمون من جميع أنحاء العالم أن يضعوا قائمة بتلك القيم ذاتها، إلا أن ما تم الاتفاق عليه في هذا المؤتمر يتكون من عشرة مفاهيم إجمالًا.[51] وتعتبر الأربعة الأولى مستقلة بذاتها وأساسية لما دونها:

1) التوحيد:

“قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ – اللَّهُ الصَّمَدُ – لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ – وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ” (القرآن، 112: 1 – 4)

مفهوم وحدانية الله أو التوحيد، هو محور العقيدة الإسلامية؛ بل وبالقرآن الكريم سورة كاملة مخصصة لبيان ذلك، وعلى هذا النحو، فإن المسلمين ملزمون ليس فقط بالإيمان بهذا المعتقد -وجميع صفات الله المحددة- بل أيضًا بعدم الإيمان بأي شيء آخر يتعارض مع ذلك ولو بالنذر اليسير، والنتيجة المترتبة على ذلك هي أن الإسلام يسود في جميع الأمور المتعلقة بفهم المرء للواقع، إلى جانب إدراكه للعلم، ومن ثم فإن هذا المفهوم يدعو أيضًا إلى الالتزام بالتوحيد في جميع جوانب الواقع الأخرى، مثل الإنسانية (أي مكافحة العنصرية ومكافحة كراهية الأجانب وما إلى ذلك) والصلة بين العلم والقيم.

2) الخلافة:

“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (القرآن، 2:30)

“يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (القرآن، 38: 26)

إن مفهوم الخليفة البشري على الأرض لهو بالأمر المهم من حيث إنه يطرح الطريقة التي ينبغي أن تدرك بها الإنسانية مكانتها في هذا الكون: كمسؤولية وواجب تجاه ما استخلفهم الله عليهم مما هم دونهم من الخليقة، لأن الله قد خلق الخلق وأودعهم الأرض لتحقيق هذه المهمة، فيجب علينا أن نحق هذه الرسالة حقها ونأخذها على محمل الجد. إن النتائج المترتبة على هذا المفهوم تتجلى في اهتمام البشرية بالبيئة وتأثيرها في إعمار الكوكب والحيوان وغيرهم من البشر، وما هي العلوم والتكنولوجيا التي ينبغي استخدامها.

3) العبادة:

“وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (القرآن، 51:56)

بعد مفهوم الخلافة، تم إعلام المسلمين أيضًا من قبل الخالق أنهم ما خلقوا في هذه الحياة إلا لعبادته، وبما يتماشى مع هذا، فإن الالتزام بإعمار الأرض والحفاظ عليها وعلى جميع المخلوقات الحية وغير الحية، ينظر إليها صراحة على أنها عمل من أعمال العبادة ذاتها، وبالتالي، فإن إدراك العالم الطبيعي وتطبيق هذه المعرفة على نحو أخلاقي سواء كان ذلك من خلال البيولوجيا والكيمياء والفيزياء والهندسة والطب وما إلى ذلك، فإنها جميعًا أعمال تفي بالمقصد الإسلامي في الحياة وفقًا لعقيدة الإسلام.

4) العلم:

“إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ……” (القرآن، 3: 190-191).

كما ذكرنا سابقًا، فإن تحصيل العلم النافع هو أحد أهم سمات التعاليم الإسلامية، والله يدعو المسلمين باستمرار من خلال القرآن إلى “التفكر” فى علامات الخلق واستخدام منطقها في التحقق من عجائب الدنيا والحكمة من وجودها.

على الرغم من اعتبارها ذات أهمية مماثلة، فإن القيم الست اللاحقة تعتمد على القيم الأربعة المذكورة أعلاه وتؤدي دور ثلاثة أزواج متباينة:

5-6) حلال (جائز) مقابل حرام (غير جائز):

“يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ” (القرآن، 5:90)

ما يعتبره الإسلام “محمودًا” و “مذمومًا” أمر ضروري لكيفية تعاطي علماء المسلمين مع مجالاتهم، فعلى سبيل المثال، فإن المسلمين ملزمون بتطوير الأدوية التي لا تحتوي على مسكرات ولا حيوانات بعينها لأنها “نجسة” (الخنازير على سبيل المثال). ونتيجة لذلك، فإن أطباء التراث الإسلامي من المرجح أن يبحثوا عن مكونات بديلة قد تكون لها آثار أكثر نفعًا في المرضى، وعلاوة على ذلك، فإن الممارسات غير العملية وغير الموثقة التي تنطوي على العرافة (مثل علم التنجيم) تصير بدورها محرمة، مما يسمح للمسلمين بالتركيز على وسائل أكثر واقعية وفعالية للاختبار العلمي وتطبيقاته التالية.

7-8) العدل مقابل الظلم:

“يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ بِالقِسطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلىٰ أَنفُسِكُم أَوِ الوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَو فَقيرًا فَاللَّهُ أَولىٰ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوىٰ أَن تَعدِلوا وَإِن تَلووا أَو تُعرِضوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيرًا” (القرآن، 4: 135)

إن إقامة العدل في مقابل الظلم هو جانب أساسي آخر من منظور العالم الإسلامي ويؤدي إلى تطوير الممارسات العلمية المفيدة فقط وغير الضارة، على سبيل المثال، أي نهج للعالم الطبيعي يؤدي إلى ظلم الناس أو البيئة يجب أن يتوقف عن فوره؛ كما يحظر أي علم من شأنه أن يؤدى لمنفعة شخصية بحتة على حساب الآخرين.

9-10) الاستصلاح / المصلحة العامة مقابل الإسراف / التبذير:[52]

“وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا” (القرآن، 17: 26-28)

ولا يزال الثنائي الأخير من المفاهيم يرسخ أخلاقيات إنسانية وبيئية لدى علماء المسلمين عن طريق الحد من أهدافهم في إصلاح الإنسانية وصدهم عن التجاوزات التي قد تسبب ضررًا لا داعي له، فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يتم إنتاج طاقة أو وقود معين أو مصدر غذائي أو مواد بناء بغرض تسهيل بقاء الإنسان ورعايته، ولكن لا ينبغي في الوقت ذاته الإفراط في الإنتاج إلى الحد الذي ينتج عنه ملوثات ما من حاجة لها تضر بالناس؛ في حين أنها سُخِّرَت من أجل أن يستفيد الناس منها ومن البيئة التي زرعت فيها.

على الرغم من أن هذه القائمة قد لا تعتبر شاملة في رأي البعض، فإنها كانت إحدى المحاولات الوحيدة لوضع قائمة من القيم العلمية الإسلامية المحددة بوضوح، وتساعد هذه المفاهيم أيضًا على تجسيد جوهر المؤسسة العلمية الإسلامية، التي تعكس الحقائق التاريخية للمجتمع الإسلامي مبكرًا ونهجه تجاه العالم الطبيعي، فمن جوانب عديدة، كانت محاولات العلماء المسلمين لفهم الواقع والاستفادة منه مظهرًا من مظاهر اتباع أخلاقياتهم بدقة، وفي حين أن الإسلام في حد ذاته لم يكن مباشرًا في وضع فهم معين للعلم، فإنه يمكن بالتأكيد أن يقيد بوصفه النموذج الوسطي الذي دفع المسلمين إلى صياغة الممارسات والنظريات العلمية التي قاموا بها -سواء بشكل فعال أو سلبي- ويسرت الاكتشافات العلمية الحقيقية خارج الفكر اليوناني، الذي ظل مهيمنًا لقرون عديدة خلت.

إن الطريقة التي يطبقها علماء المسلمين في مجالاتهم وتصورهم للعالم من خلال قيمهم الخاصة ليست ظاهرة سرد جديدة في تاريخ العلم، كما أنها ليست شاذة عن ممارسة العلم المعاصر في هذا اليوم، وخلافًا لذلك، فإن العديد من المفكرين المؤثرين قد أيدوا هذا الفهم. أحد هؤلاء الفلاسفة، يدعى جون ديوي (1952 تقريبًا)، صاغ مصطلح “الفلسفة الذرائعية” لوصف هذا التطبيق العلمي المعياري من الناحية التاريخية:

إن مقر العلوم الفيزيائية معد لاكتشاف تلك الخصائص والعلاقات بين الأشياء التي يتمكنون من استخدامها كأدوات؛ فالعلم الفيزيائي يطرح المزاعم لكشف الصلات بين الأشياء مع بعضها البعض، التي تحدد النتائج والتي بالتالي يمكن استخدامها كوسيلة وليس الطبيعة الداخلية للأشياء فقط.[53]

وكان ديوي من جملة الرواد الذين تحدوا مفهوم الواقعية العلمية، أو فكرة أن النظريات وحقائقها الثانوية تتطابق تمامًا مع الواقع.[54] وباعتباره مناهضًا للواقعية، فإنه يعتقد أن العلم ليس مقياسًا تقريبيًا للحقيقة، ولكنه موجه نحو الأهداف، ويقتصر على مقاصد ورغبات العلماء أنفسهم، ولا يمكن لأحد أن يكون لديه رصيد كامل من العالم المادي، ذلك لأنه لا أحد لديه رصيد وافٍ من البيانات، ولا يمكن أن يفهم ما وراء السياقات الثقافية التي من خلالها يتم تحديد تجاربهم وتنظيمها بشكل ذي مغزى، وهكذا، فإن وضع النظريات يكون من خلال عمل خاص تمامًا، حيث لا يتم تعريف “الحقيقة” بالمعنى المطلق، ولكن وفقًا لما يعمل تجاه النهاية المنشودة؛ فإن أفضل النظريات هي التي تسفر عن أفضل النتائج.

وسوف تستمر آراء ديوي في إلهام فلاسفة العلم الآخرين، بما في ذلك ويلارد كوين (2000 تقريبًا) وتوماس كون -المشار إليه سابقًا- وصياغة التقاليد الفلسفية المعروفة اليوم باسم “البراغماتية”. وعلى الرغم من أن هذا الفهم للعلم يعتبر جديدًا نسبيًا، فقد كان ردًا على مجموعة من المشاكل الناشئة من القرن 20 ميلاديًا، وقد قام الفلاسفة المنتمون لهذا النهج بترويج أفكارهم على أنها الفهم الأكثر تماسكًا وعمليًا للتطبيق العلمي المعياري من الناحية التاريخية، ولسوء الحظ، فإن رأي العلم بأنه “محايد” و “موضوعي”، لا يزال النموذج المهيمن في المجتمع العلماني، وهذا يثير التساؤل عن سبب وكيفية وجود مثل هذه العلاقة الغريبة بين هاتين المجموعتين (تحليل يتجاوز نطاق هذه الورقة). وإلى جانب ذلك، يبدو أن مفهوم البراغماتيين يوضح بشكل أدق الحقائق التاريخية للممارسة العلمية الإسلامية المبكرة، إلا إذا كان السرد الكلاسيكي -الذي يقوم على الواقعية العلمية- خاطئًا بشكل واضح في افتراضه الوسطي بأن القيم الإسلامية كانت منقطعة صلتها بذلك أو عازفة عن الإنتاجية العلمية.

وبالتالي، سيكون من المناسب تلخيص العلم الإسلامي كمشروع يتبنى نهجًا ذا توجه علمي فيما يتعلق بالقيم الإسلامية، وبنفس الطريقة، قد نعرف العلوم المعاصرة باعتبارها تتبنى شكلًا من أشكال العلمانية ذات التوجه العلمي، بالنظر إلى أن الروح الغربية هي المهيمنة والأكثر تأثيرًا في الفترة المعاصرة.

وها نحن الآن نعي التأثيرات الداخلية في نهوض الإنتاجية العلمية، وكيف يرتبط هذا بين تلك التأثيرات الخارجية للحضارة الإسلامية؟ ويتمثل ذلك في العمل في ضوء تكافل القيم الإسلامية، كما لعبت البيئة التي عاش فيها المسلمون في ذلك الوقت دورًا رئيسًا، وبعبارة أخرى، كانت الرغبة في العمل بكفاءة كمنظمة من خلال توحيد اللغة والبروتوكولات الإدارية بدافع من الحاجة إلى الاستمرارية والتنافس مع الإمبراطوريات المعادية الأخرى (أي الإمبراطورية البيزنطية والساسانيين) التي تحيط بالدولة الإسلامية، ومن ثم، فإن تحصيل العلوم وترجماتها التالية، لم تحفز فقط من خلال القيم المشتركة للمجتمع المسلم، بل أيضًا من خلال الظروف التي أثارت هذه القيم ليتم التعبير عنها وحمايتها.

الغزالي: رأس المشكلة أم كبش فداء؟

تأسيسًا على عجز السرد الكلاسيكي عن تجسيد بيانات تاريخية حول تقدم الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية على نحو كافٍ، فلربما يكون عاجزًا كذلك عن تمثيل تراجعها على نحو وافٍ. وبعبارة أخرى، إذا فرضنا بأن القيم التي حفزت البحث العلمي والإبداع كانت هي المسؤولة عن ذلك التراجع، فهذه الفرضية لا ترتقي إلا أن تكون مثالًا نموذجيًا على التنافر وعدم الترابط غير أنه تزامنًا مع مدى البساطة التي تحيط برفض السرد الكلاسيكي على أساس المنطق وحده، فما زلت أجد أنه من الضروري معالجة بعض النقاط الأساسية بشأن هذا التراجع، وذلك فحسب في سبيل إبراز فعالية نظريات بديلة.

من المتفق عليه بوجه عام أن عصر التبعية ظهر في القرن السادس عشر الميلادي، وكان ذلك بالتزامن مع بداية انهيار الإنتاجية العلمية في العالم الإسلامي بشكل ملحوظ. فضلًا عن التزامن الذي شهدته المراحل الأولى من التراجع بفعل زيادة التواكل على المؤسسات العلمية والتقنيات والنظريات العلمية المنبثقة من أوروبا، وبمرور الوقت، أصبحت هذه التبعية سمة دائمة ملازمة للحضارة الإسلامية، وبلغت ذروتها في انقيادها الفكري المطلق للقوى الأجنبية في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وحتى يومنا الحالي[55]، أصبح هذا الانقياد واقعًا جليًا يقر به المسلمون، وحتى الآن لم يحدد مؤرخو العلوم سبب حدوث ذلك، ربما يرجع إلى حد كبير إلى مجرد شكوك حديثة جدًا حول الاستنتاجات القاطعة التي يطرحها السرد الكلاسيكي. ولم يكن لهذا الاستنباط أن ينشأ من دون واقع يدعمه، فأبرز مثال على ذلك هو تصوير المستشرقين للغزالي المذكور آنفًا بأنه الخصم النموذجي في الدراما التاريخية بين “العقلانية” و”الدين”.

وعلى الرغم من أنه لم يتضح حتى الآن سبب اختيارهم لهذا العالِم البارز بأنه المُذنب الأساسي، فإن المروجين للسرد الكلاسيكي يقترحون بأن للأمر علاقة بتفنيده لفلسفة أرسطو في كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة”. وكما هو غني عن البيان، كان المسلمون منتجين علميًا نتيجة لاعتمادهم الإطار العقلاني للفكر الفلسفي اليوناني (تُقرأ “الغربي”). وعلى حين غفلة، جاء أحد العلماء وأعرب عن أفكاره، وكانت هذه نهاية الفكر المنطقي كما نعلمه الآن. وبصرف النظر عن الملابسات التي جعلت مجتمعًا عقلانيًا ينقاد إلى فرضية طرحها رجل واحد حول اللاعقلانية، فهناك عدد من الأمور التي يُنظر إليها من هذا المنظور: يتمثل أولها في نوايا الغزالي المعلنة وراء رسالته.

ففي مقدمة كتاب الغزالي “تهافت الفلاسفة”، قدّم قائمة مفصلة من الآراء التي أراد دحضها، حيث اتخذ طريقًا لتوضيح تلك الأفكار التي لم يعان أي مشكلة منها، فيذكر منها على وجه الخصوص علم الفلك وعلم الرياضيات وأمثلة على هذا الأخير، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فذهب إلى استنكار أي شخص يحاول أن يدحض هذه القائمة:

وثمة مثال آخر [لما نتفق عليه] لقولهم: “إن كسوف الشمس هو وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقيدتين على دقيقة واحدة. وهذا الفن أيضًا لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين، وضَعَّف أمره، فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية حسابيَّة لا يبقى معها ريبة. فمن تطلَّع عليها، ويتحقَّق أدلّتها، حتى يُخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء، إذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع، لم يسترب فيه، وإنما يستريب في الشرع، وضرر الشرع ممَّن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممّن يطعن فيه بطريقة، وهو كما قيل: عدوّ عاقل خير من صديق جاهل.[56]

لذا إذا كان الغزالي لا يناقض فهمنا التقليدي للعلم، إذن فما الذي كان يحاج فيه وكيف كان هو المسؤول عن بزوغ عصر التبعية؟ وللإجابة على السؤال الأول، يوضح الغزالي أن انتقاده للفلاسفة ليس سوى أكثر من انتقاد لمعتقداتهم المجردة التي لا يمكن التحقق منها تجريبيًا والتي تناقض الإسلام:

“فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضًا على هؤلاء الأغبياء، ابتدأت لتحرير هذا الكتاب، ردًا على الفلاسفة القدماء، مبينًا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم، فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفًا عن غوائل مذهبهم، وعوراته التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء. أعني: ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء. هذا مع حكاية مذهبهم على وجهه، ليتبين هؤلاء الملاحدة تقليدًا، اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر، على الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن الاختلافات راجعة إلى تفاصيل خارجة عن هذين القطبين، اللذين لأجلهما بعث الأنبياء المؤيدون بالمعجزات، وأنه لم يذهب إلى إنكارهما إلا شرذمة يسيرة، من ذوي العقول المنكوسة، والآراء المعكوسة، الذين لا يؤبه لهم ، ولا يعبأ بهم فيما بين النظار، ولا يعدون إلا من زمرة الشياطين الأشرار، وغمار الأغبياء والأغمار، ليكف عن غلوائه من يظن أن التجمل بالكفر تقليدً يدل على حسن رأيه؛ ويشعر بفطنته وذكائه ؛ إذ يتحقق أن هؤلاء الذين يشتبه بهم من زعماء الفلاسفة ورؤسائهم برءاء عما قذفوا به من جحد الشرائع، وأنهم مؤمنون بالله ، ومصدقون برسله  وأنهم اختيطوا في تفاصيل بعد هذه الأصول ، قد زلوا فيها، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. ونحن نكشف عن فنون ما انخدعوا به، من التخابيل والأباطيل؛ ونبين أن كل ذلك تهويل، ما وراءه تحصيل، والله تعالى ولي التوفيق، لإظهار ما قصدناه من التحقيق.[57]

هذا القول وحده يجب أن يجذب الشكوك نحو اتهامات السرد الكلاسيكي ضد الغزالي، وفيما يتعلق بالسؤال الثاني، يدعي النقاد أن وجهات نظره الميتافيزيقية هي التي غيرت فهم المسلمين للعقلانية والعلوم للأسوأ. وبشكل أكثر تحديدًا، غالبًا ما يتركز حنقهم على ثلاثة مواضع اعتمدها الغزالي في مواجهته لفلاسفة أرسطو في ذلك الوقت، ونورد فيما يلي هذه المواضع الثلاثة: 1) أنه لا توجد علاقة ضرورية بين الأسباب وآثارها؛2) أنه يمكن أن تؤثر دراسة الرياضيات سلبًا على معتقدات المرء: 3) أنه لا ينبغي اكتساب المعرفة وممارستها إلا إذا كانت لها فائدة (كالفلسفة الذرائعية).

  1. الغزالي و السببية

حتى يتسنى لنا البحث في آراء الغزالي حول السبب والنتيجة، يجب أن نبدأ بالنظر من خلال وجهة نظر منتقديه – أحدهم المؤيد المذكور آنفًا للسرد الكلاسيكي: برفيز هودبهوي.

في كتاب هودبهوي” الإسلام والعلم: الأرثوذكسية الدينية والمعركة من أجل العقلانية، يحاول شرح ذلك التراجع عن طريق ترديد صدى السرد الكلاسيكي في شكله الكامل؛ فإن جل حجته ترتكز على ذم العقيدة الدينية الإسلامية (التقليد العلمي الراسخ) من خلال استهداف الغزالي كنموذج أولي جلي أمامه، وقد خصص هودبهوي فصلًا للغزالي، حيث بدأ بتعقب وتلخيص آراء الغزالي حول السببية:

إن الحريق يسبب الاحتراق، والبرق يسبب الرعد، والرياح تسبب الموج، والجاذبية تسبب سقوط الأجسام. هذه الروابط بين التأثير وسببه تشكل حجر الزاوية في التفكير العلمي، سواء الحديث أو الكلاسيكي، ولكن هذه الفكرة عن السببية هي التي يرفضها الأشعرية على وجه التحديد، وكان أكثر معارضي السببية المادية وضوحًا وفعالية هو الغزالي. وحسب الغزالي، فإنه من غير المجدي أن نعتقد أن العالم يعمل وفقًا للقوانين المادية، فالله يمحق الخلق، ثم يعيده، المرة تلو المرة.

ومن ثم لا يمكن أن يكون هناك استمرارية بين لحظة والتي تليها، ولا يمكن للمرء أن يفترض أن تصرفًا ما سيؤدي بالتأكيد إلى نتيجة معينة، وعلى العكس من ذلك، من قبيل الخطأ أن نلحق أي سبب مادي بأي حدوث. في اللاهوت الذي يطرحه الغزالي، فإن الله هو السبب المباشر لجميع الأحداث والظواهر الفيزيائية، ويتدخل باستمرار في العالم.[58]

ويخلُص هودبهوي بعد ذلك إلى أن قبول وجهة نظر الغزالي تؤدي إلى “وضع مميت”، من شأنه أن يحول دون إمكانية التنبؤ ويثبط عزائم الناس عن البحث في خلق العالم.[59]ولكن على الرغم من أن الغزالي يعتقد أن العلاقة بين الأسباب وآثارها ليست سمة ضرورية أو دائمة لهذه العلاقات – لأن كل شيء قد حدده الله قبلًا – فإن فكرة أن مثل هذا الاعتقاد يؤدي إلى الخمول الفكري هو أمر مشكوك فيه، ونخص بالذكر أن استنتاج هودبهوي مشكوك فيه عندما نلاحظ إخفاقه في الرد على دحض الغزالي لآرائه، وبعبارة أخرى، نجح الغزالي في إثارة شيطانه، وتوقع هذا النقد في وقت مبكر في تهافت الفلاسفة:

قولهم: فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة فإنه إذا أنكرت لزوم المسببات عن أسبابها وأضيف إلى إرادة مخترعها ولم يكن للإرادة أيضًا منهج مخصوص متعين بل أمكن تفننه وتنوعه فليجوز كل واحد منا أن يكون بين يديه سباع ضارية ونيران مشتعلة وجبال راسية وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له. إذا وضعت كتابًا في بيتي أفلا أعلم أنه انقلب غلامًا ومن وضع كتابًا في بيته فليجوز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته غلامًا أمرد عاقلًا متصرفًا أو انقلب حيوانًا أو ترك غلامًا في بيته فليجوز انقلابه كلبًا أو ترك الرماد فليجوز انقلابه مسكًا وانقلاب الحجر ذهبًا والذهب حجرًا…بل إذا نظر إلى إنسان لم يره إلا الآن وقيل له: هل هذا مولود: فليتردد وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق قد انقلب إنسانًا وهو ذلك الإنسان فإن الله قادر على كل شيء ممكن وهذا ممكن فلا بد من التردد فيه.

وهذا فن يتسع المجال في تصويره. وهذا القدر قولنا: إن الله يخلق لنا علمًا بأن هذه الممكنات لم يعلمها والجواب أن نقول: إن ثبت أن الممكن كونه لا يجوز أن يخلق للإنسان علم بعدم كونه لزم هذه المحالات. ونحن لا نشك في هذه الصور التي أوردتموها فإن الله خلق لنا علمًا بأن هذه الممكنات لم يفعلها ولم ندع أن هذه الأمور واجبة بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز ألا تقع واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخًا لا تنفك عنه.

….

فإن خرق الله العادة بإيقاعها في زمان خرق العادات فيها انسلت هذه العلوم عن القلوب ولم يخلقها. فلا مانع إذن من أن يكون الشيء ممكنًا في مقدورات الله ويكون قد جرى في سابق علمه أنه لا يفعله مع إمكانه في بعض الأوقات ويخلق لنا العلم بأنه ليس يفعله في ذلك الوقت فليس في هذا الكلام إلا تشنيع محض.[60]

إن تفسير الغزالي لسخرية منتقديه يبين عددًا من السخافات التي يمكن أن تستمد من سوء فهم لموقفه، قوله: “من تغيرات جذرية في الإدراك إلى فاكهة تتحول تلقائيًا إلى إنسان” وعلى ما يبدو، بالنظر إلى أن هذه الاحتمالات لا حصر لها، أن هذا جعل من غير الممكن توقع أي نوع من أنواع التوافق يمكن أن نستمده من العالم المحيط بنا.

ومع ذلك، يجيب الغزالي خصومه الخياليين بالتأكيد بحقيقة أن هذه الاحتمالات ليست حقائق؛ لمجرد أن “شيئًا ما كان لا بد أن يحدث” يتطلب بالضرورة “أن يحدث“. فالغزالي يعزز وجهة نظره قائلًا إن هناك طبيعة معتادة تلازم الأشياء التي خلقها الله، مما يسمح للاكتساب غير المعتاد للمعرفة وأي عوار محتمل قد يحدث أو لا يحدث، وبعبارة أخرى، بغض النظر عما إذا كان المرء يعتقد أنه لا توجد صلة لازمة بين الأسباب وآثارها، فإن تصوره لتلك العلاقات المعتادة تظل كما هي، ويذهب الغزالي إلى أبعد من ذلك ليثبت علم الله اللامحدود، ويشير إلى أن معرفته – سبحانه وتعالي- التي تحد من وقوع كل إمكانية، وتمنع البشرية من التوقع ومن ثم يتوقف علمهم عند ذلك الحد.

ولكن حتى لو لم يجد المرء منطق الغزالي سائغًا، فإنه لا يحتاج إلا بذل القليل من المنطق لإثبات أن هذا الاتهام غير صحيح، وليس لنا إلا أن نتعرض لعدد الاحتمالات المعروفة التي يمكن أن تحدث لنا في أي يوم من الأيام؛ من اللحظة التي نستيقظ فيها إلى اللحظة التي ننام فيها، فإن الطرق المختلفة التي يمكن أن نتعرض من خلالها للضرر أو القتل لا يمكن قياسها، بدءًا من الاختناق أثناء تناول الطعام، أو التعثر وانكسار العنق، أو الإصابة بأزمة قلبية، أو الاصطدام بسيارة متحركة، أو التعرض لصعق البرق، أو التعرض للعض من حيوان بري أو محلي، أو سقوط جسم ثقيل علينا، أو الغرق، أو الجفاف، أو التسمم، أو الإصابة بمرض مميت، أو التعرض للقتل، وما إلى ذلك، وتظهر الطرق المختلفة لكل ما سبق –حتى لو لم يزل معظم الناس قادرين على عيش حياتهم دون تحفظ كبير – على الرغم من أنه ربما تنمو كل هذه الأمور إلي علمهم في أي لحظة معينة، وهكذا، فإن الزعم بأن هذا المنظور يمثل “وضعًا مميتًا” هو أمر لا مبرر له بالمرة، لأن البشر  هم فقط من يتنعتون في أن يأبهوا بالأمر بخلاف ذلك.

وربما كان هودبهوي ومجموعته قضوا وقتهم في قراءة “تهافت الفلاسفة” باستخدام مستوى سطحي من التحيز[61] بل استخدموا قليلًا من الحس السليم، وربما ظل الخصوم الخياليون للغزالي على ذلك الحال في نطاق الاحتمالية.

وحتى الدليل الأكثر تجريمًا ضد المدافعين عن السرد الكلاسيكي فقد تمثل في ادعائهم حول ما يتعلق بالسببية الغزالية. وفي حين جحدهم به لكونه “غير عقلاني”، فإنهم في نفس الوقت يعظمون شخصياتهم الفكرية التي كانت تحمل وجهات نظر مماثلة تمامًا، فعلى سبيل المثال، كان هودبهوي يشيد بالفيلسوف الفرنسي رينو ديكارت (d. 1650) باعتباره المفكر “الأكثر أهمية” وراء العلم الحديث؛ الذي ما زلنا ندين له بقدر كبير من حيث فهمنا للعلم اليوم.[62]وما يثير السخرية حول هذا الأمر هو أنه في حين كان يعتقد ديكارت بأن هناك صلة ضرورية بين الأسباب وآثارها، فهو لم يؤمن بأن هذه العلاقة كانت موجودة بين الإدراك والعلم -وهو ما يمكن القول بأنه عنصر أساسي أكثر أهمية في ازدهار العلم.

ومن أجل عرض موقف ديكارت حول هذه العلاقة الإدراكية، ليس لنا إلا أن نتعرض لعدد قليل من مقتطفات من أحد روائعه الفلسفية “تأملات في الفلسفة الأولى”، حيث يذهب إلى إن عدم جدوى الملاحظات والاستدلالات المجردة لا يمكن إلا أن تنشأ بالإيمان بالله أولًا:

حقيقة أن الملحد يمكن أن يكون مدركًا بوضوح أن الزوايا الثلاث لمثلث مساوية لزاويتين قائمتين، فلا وجه لاعتراضي هنا، لكنني أؤمن بأن إدراكه هذا ليس معرفة حقيقية، لأنه لا يبدو أن أي عمل إدراكي ربما يكون مشكوكًا فيه يبدو مناسبًا أن نطلق عليه “معرفة”. الآن، من منطلق أننا نفترض أن هذا الشخص ملحد، فإنه لا يمكن له أن يكون على يقين من أنه لا ينخدع بالمسائل التي تبدو له أن تكون واضحة للغاية… وعلى الرغم من أن هذا الشك قد لا يراوده أصلًا، فهو لا يزال يثار إذا ما طرحه شخص آخر أو إذا كان ينظر في هذه المسألة بنفسه .لذلك فالشك لن يهجره حتى يقر بأن الله موجود.[63]

وهنا يتسم كلام ديكارت بالوضوح التام بأن الملحدين غير قادرين على اكتساب “المعرفة الحقيقية” لأنهم لا يؤمنون بالله. وعلى الرغم من أنه يقدم العديد من الأسباب وراء هذا الاستنتاج، فلسنا بحاجة إلا أن نصب تركيزنا على كيفية الكشف عن مفارقة عميقة تنبع من اختيار  هودبهوي الفيلسوف كشخصية مركزية وراء العلم الحديث؛ فإن الفكرة القائلة بأن الملحدين عاجزون علميًا لا تتطابق تمامًا مع القول الذي يقترح العقلانية المتأصلة في التفكير المناهض للدين.

بل إن الأهم من ذلك، حتى لو كان علينا التسليم بفكر ديكارت، فإن نظرية المعرفة لديه تعاني من عدم الاتساق الصارخ الذي يجعل المعرفة في الواقع شيئًا لا يمكن الحصول عليه، ويتضح ذلك في فصله المعنون “التأمل الرابع”، حيث يقترح أنه فقط بعد التأكد من وجود الله بشكل واضح ومتفرد، فقد تتحقق أي معارف أخرى:

رضت نفسي كثيرًا، في الأيام الماضية، على تحرير ذهني من سيطرة الحواس، وقد ثبت لي أن ما نعرفه، حقًا، عن النفس البشرية يفوق، بكثير، ما نعرفه عن الأشياء الجسمية، أما الذي نعرفه عن الله، ذاته، فإنه يزيد عن هاتين المعرفتين، وهكذا يتيسر لي الآن، تحويل ذهني عن الأشياء المحسوسة، أو  المتخيلة، لأسدده نحو الأمور الصافية، الخالصة، من شوائب المادة، ثم حين أعتبر نفسي شاكًا، أي شيئًا ناقصًا يعتمد على سواه، تعرض لذهني، بقوة في الوضوح والتمييز، فكرة موجود كامل مستقل عن غيره… أي تعرض لي فكرة الله. أو مجرد كوني أنا (صاحب هذه الفكرة) كائنًا موجودًا، يجعلني وحده أتيقن من وجود الله، ومن أن وجودي يستند إليه، في جميع لحظات حياتي، بحيث لا أعتقد أن النفس البشرية تستطيع معرفة شيء، ببداهة وتأكيد، أكثر مما تستطيع أن تعرف وجود الله.

 وهكذا يخيل لي أني اهتديت إلى طريق ينقلنا، من التأمل في الإله الحق، الذي يشتمل على كل ذخائر العلم والحكمة، إلى معرفة الأشياء الأخرى في الكون.[64]

لدى تمحيص هذه الفقرة، نجد أنه يعرض تناقضًا منطقيًا للغاية يجعل كامل حجة ديكارت تشتبه في أنه: إذا كان للمرء حتى يؤمن بالله أن يتثبت يقينه، فكيف له يمكن أن يؤمن بالله بيقين دون أدنى شك؟

لم يستطع ديكارت الانفلات من هذه المعضلة، التي يشار إليها الآن باسم “الدائرة الديكارتية”، بل لم يحاول معالجة المشكلة من الأساس.[65]و مع ذلك لم يجد النقاد حلوله مقنعة، ومن ثم فإن نظرية المعرفة الت يطرحها ديكارت ستختفي في نهاية الأمر بفعل تفسيرات أكثر قابلية للتعبير. واستنادًا إلى ما سبق، يبدو أن الأمر غير ذي مغزى بشكل ملحوظ بالنسبة لاتهامه ودبهوي الغزالي بتعزيز “القدرية” عندما كان في نفس الوقت يدافع عن مفكر كان يحاج نفسه فيخض معجزِ فكري. وبعبارة أخرى، إذا كنا نستطيع التسليم بسذاجة بأن هذا الأخير مثال على الفكر العلمي الحديث، فمن قبيل السخرية أن نرى الأول عكسه في ذات الفكر.

  1. الغزالي والرياضيات

بعد تعرض هودبهوي للسببية الغزالية المشكوك فيها، فهو يتحول بتركيزه بسرعة عن كتاب تهافت الفلاسفة، ويمضي في فحص وجهات نظر العلماء حول الرياضيات، ويستمدها من سيرة الغزالي في كتاب “المنقذ من الضلال”.

وما يلبث هودبهوي حتى يبدأ تحليله وينهيه باقتباس فقرة من الغزالي ومن ثم يضيف إليه بعض التعليقات الموجزة:

[يقول الغزالي:] “هناك نوعان من العيوب التي تنشأ من الرياضيات. الأول هو أن كل طالب في مادة الرياضيات يُعجب ببراهينها بدقة ووضوح، فهذا يقوده إلى الاعتقاد في الفلاسفة ويشحذ أفكاره بأن كل ما لديهم من علوم يشبه ذلك في الوضوح والقوة البرهانية، كما أنه سمع بالفعل على شفاه الجميع بعدم إيمانهم، وإنكارهم لأسماء الله الحسنى، وازدرائهم الكشف عن الحقيقة؛ فمن يخالف ذلك يصبح كافرًا بمجرد قبوله أسماء الله الحسنى”.

فالحجة هنا تتمثل بوضوح في أن الرياضيات خطرة – ولكنها ليست كذلك بالضرورة، فالخطر موجود لأن أولئك الذين يدرسون هذا الموضوع قد يصبحون شغوفين بقوة المنطق الدقيق وبهائه، وبالتالي يتخلون عن الإيمان بالوحي.[66]

على الرغم مما قد يبدو وكأنه رفض جلي لدراسة الرياضيات بسبب انغماس الممسكين بـ “قوة المنطق الدقيق وبهائه” ورفضهم بعد ذلك للمعتقدات الدينية، فقد تم تحريف كلام الغزالي بوضوح، فاجتهادي لا ينصب حول اختلاف بسيط في التفسير، بل على العكس من ذلك، فهو ينصب نحو حالة من الانتباه الانتقائي، وسواء استند هودبهوي في ذلك إلى حقيقة أنه استمد الاقتباس من مصدر ثانوي[67]أو لأنه لم يشعر بالحاجة إلى تقديم السياق الكلي في الفقرة ذات الصلة، فمن الواضح أنه كان مراوغًا في حججه.

وبصرف النظر عما أوردناه من موافقة الغزالي على الرياضيات في كتابه تهافت الفلاسفة، فإن معارضته دراستها هنا تشير تحديدًا إلى ظاهرة ما انتشرت في عصره حيث أصر الفلاسفة على أن قيمة الرياضيات البحتة تظل حصرًا في مدح المذاهب الميتافيزيقية المحددة.[68]

وقد شمل ذلك – من بين مذاهب أخرى- مذهب “الخلود فيما قبل العالم”، ومذهب “الخلود فيما بعد العالم”، ومذهب “أن السماء حيوان يتحرك طوعًا”، ومذهب “أن فناء النفس البشرية مستحيل”[69]. وعلاوة على ذلك، كانت الرياضيات تستخدم أيضا كوسيلة لتبرير العلوم الثانوية للفلاسفة، مثل الأبحاث النجمية (أي التنجيم)، والتعويذات، وحتى السحر   [70]. وبعبارة أخرى، على الرغم من أن الرياضيات كانت مهمة للتعلم حول العالم الطبيعي، فقد كانت تُستخدم في الغالب من أجل أي شيء آخر. وعلى هذا النحو، حذر الغزالي من دراسة هذا المجال لأنه لم يخرج بالكلية من إطار خرافات الفلاسفة. بل إن مخاوفه وردت في الفقرة التي تلي مرجع هودبهوي مباشرة:

[…فيكفر بالتقليد المحض ويقول: لو كان الدين حقًا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجحدهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار  للدين.

وكم رأيت ممن يضل عن الحق بـهذا العذر  ولا مستند له سواه! وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقًا في كل صناعة… بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها [رتبة] البراعة والسبق، وإن كان الحمق والجهل (قد) يلزمهم في غيرها. فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني، وفي الإلهيات تخميني؛ لا يعرف ذلك إلا من جرّبه وخاض فيه، فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحَدَ بالتقليد، لم يقع منه موقع القبول، بل تحمله غلبة الهوى، والشهوة الباطلة، وحب التكايس، على أن يصر على تحسين الظن بـهم في العلوم كلها.

ومن المستغرب أن هودبهوي لم يكلف نفسه عناء الإشارة إلى النصف الآخر من قول الغزالي، ويخلص إلى استنتاج مختلف تمامًا عما كان عليه العالِم بالفعل، بل إن ما يكون أكثر تناقضًا مع اتهامات هودبهوي هو قول آخر  للغزالي، والذي يفسر السبب الثاني بأن دراسة الرياضيات قد تكون مشكلة حقًا:

الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم: فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها، حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع، فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه، ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فيزداد للفلسفة حبًّا وللإسلام بغضًا. ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات.[71]

مجمل القول، ذهب الغزالي أيضًا لنقد الطرف الآخر من أولئك الذين يرفضون الرياضيات تمامًا. على هذا النحو، عندما نتجاوز القراءة الصريحة للنصوص، نجد أن اهتمامه بدراسة الرياضيات لم يكن في معارضة متأصلة للدين أو العلم، بل في استئثار الفيلسوف لذلك فقط من أجل وجهات النظر الميتافيزيقية الواهية.

وهكذا، خلافًا لتأكيدات هودبهوي، لم يكن الغزالي يومًا ضد دراسة الرياضيات في حد ذاتها، بل إنه حاول تسهيلها من خلال الإشارة إلى سوء استخدامها من قبل معارضيه من المفكرين.

  1. الغزالي والفلسفة الذرائعية

وينتهي هودبهوي من نقده للأرثوذكسية الدينية من خلال اقتراح أن الفلسفة الذرائعية التي اعتمدها المسلمون في وقت مبكر  كانت عاملًا آخر أدى إلى تراجع الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية:

أما العامل الثاني الذي عرقل التعلم من أجل التعلم هو الطابع النفعي المتزايد للمجتمع الإسلامي بعد العصر الذهبي. إن النفعية تعبر عن الأشياء المرغوب فيها فقط وتلك التي تكون مفيدة، وهي لم تكن هاجسًا يراود المجتمع الإسلامي في الأيام الأولى من تطوره الفكري.[72]

وفي هذا المقام يواصل هودبهوي بشكل هجومه غير المباشر على الغزالي لمعارضته فلاسفة أرسطو، وكان على ما يبدو غير مدركٍ بأن الأخير قد خلط التخصصات العلمية مع مذاهبه الميتافيزيقية، وعلى الرغم من أن هذه الفلسفة الذرائعية كانت بالفعل هي القوة الدافعة وراء زيادة الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية، إلا أن هذا الاتهام كان يحمل معنى محدودًا، وعليه ينبغي لنا أن ننظر في الأساس الذي يستند إليه هودبهوي في استخلاص هذا الاستنتاج.

كان من أوائل منتقدي السرد الكلاسيكي المؤرخ عبد الحميد إبراهيم صبرا (d.2013)، الذي رأى أن أطروحة الصراع غير كافية، بل افترض أن “تراجع العلم حدث، ليس في سياق المعارضة (كما هو يعتقد عادة) ولكن في سياق القبول والتمييز.[73]

وعلى الرغم من أن صبرا قدّم وجهة نظر مختلفة حول هذا الموضوع، فلم تعد فرضيته كونها أكثر من تعديل على السرد الكلاسيكي، بل لم تكن نقدًا حقيقيًا.

فعلى سبيل المثال، في حين أنه يرى أن تراجع الإنتاجية العلمية في العالم الإسلامي ليس خطأ الدين المعارض للعلم، بل يعتقد أن ذلك حدث لأن العلم يلعب دورًا فرعيًا (أي الفلسفة الذرائعية).

وانطلاقا من اعتبار أن فرضية صبرا اقتبست جزء كبير من السرد الكلاسيكي للأحداث، فإنه ليس من المستغرب أن تحليله أيضا يعرض نظرة سلبية للتأثير الديني على البحث العلمي. وبشكل أكثر تحديدا، فهو لم يستطع مقاومة الإغواء الدائر في طرح نفس الشخصيات التاريخية مثل أسلافه. وعلى سبيل المثال، قال صبرا في بحثه، “الاعتماد وتطوير العلوم اليونانية على أيدي المسلمين في العصور الوسطى”:

في فصل خصصه ابن خلدون مؤرخ القرن الرابع عشر حول مقدمته المطولة بتفنيد الفلسفة، قال “إن مشاكل علم الفيزياء [إشارة إلى الفلسفة الطبيعية الأرسطية] ليست ذات أهمية بالنسبة لنا في شؤوننا الدينية أو في سبل عيشنا.

لذا علينا أن نتركهم وحدهم “. كان يردد مشاعر أعرب عنها الغزالي قبل ثلاثمائة سنة…

هناك مبدأ واحد فحسب ينبغي مناقشته كلما كان على المرء أن يقرر ما إذا كان هناك يمثل فرعاً معيناً من التعلم يستحق المتابعة أم لا: وهو كل ما يعنينا في الأمر: أن “هذا العالم يمثل أرض نابتة لما هو آتٍ”. وفي هذا، يقتبس الغزالي من السنة النبوية: “اللهم قنا العلم غير النافع” والنتيجة النهائية لكل ذلك هي وجهة نظر ذرائعية وموجهة دينيا لجميع المعارف العلمانية والمسموح بها… [التي من شأنها أن تضع حدا أمام البحث النظري.[74]

وها هنا نجد مرة أخرى أن الغزالي يتحمل عبء التراجع، إلا أنه في هذه المرة أعيد تفسير تأثير علمه بأنه محدود على وظيفة الدين، وذلك بدلا من معارضته. وحتى يدعم صبرا موقفه، فهو يربط بين وجهات نظر مؤرخ القرن الخامس أبو زيد بن عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي (d.1406) والغزالي، والحقها بأحد الأحاديث المنفردة. على الرغم من هذه الدليل الواهي لا يمكن أن يؤسس ما يكفي من البيانات التاريخية لدعم نظرية ما حول التراجع عن التقاليد العلمية، وذلك على الرغم من أن صبرا يعتبر “هذه الملاحظة حجة قوة مقترحة”.”.[75]

[76]من شأن ذلك أن يعزز حقيقة أن رفض الغزالي “للعلوم غير النافعة” لا يمكن أن ينظر إليه على أنه لا يرتقي إلى التبرير، خاصة إذا كنا نتذكر حقيقة أن الفيزياء الأرسطية (أي “الفلسفة الطبيعية”) قد شابهها الكثير من المفاهيم الخاطئة مثل التنجيم وثبات الأرض ووجهة النظر الخاطئة حول حركة الفلك.[77]

وبالنسبة للغزالي، فموضوعات مثل علم الفلك لم تكن مماثلة منهجيا لعلم الفلسفة الطبيعية؛ إذ أن الأول عُرف بالتخصص في متابعة علم الرياضيات وتم استخدامه بشكل دقيق- مثل الفيزياء المعاصرة – في حين أن الأخير كان يعتمد بشكل كامل تقريبا على التفكير التنظيري. وعلى الرغم من الخلافات بين الفلاسفة، كان هناك حداً فاصلاً أقل محدودية بين العِلمين السابقين قبل ظهور العلوم الإسلامية، وقد غدا هذا الحد أكثر وضوحا عندما شرع المسلمون في إجراء دراسة نقدية للنصوص اليونانية لاستخلاص مواد نافعة. وكما أشار جميل رجب:

ورث العلماء الإسلاميون علم الفلك من القدماء الذين سبق وأن تميزوا بدرجة أقل أو أكبر في الفلسفة الطبيعية.

إلا أن الفلكيين الإسلاميين ذهبوا بهذه العملية لأبعد من ذلك بكثير، ولا يبدو من غير المعقول أن نرى ذلك، على الأقل جزئيا، ردا على الاعتراضات الدينية الموجهة إلى الفيزياء الهيلينية والميتافيزيقا من ناحية، والحياد الديني نحو الرياضيات، من ناحية أخرى.[78]

فلا يشكل الأمر تحقيراً للمؤرخين إذ يريد الغزالي البحث عن بدائل أكثر عملية. ولربما لم يكن “صبرا” على علم بأن ابن خلدون تعرض لهذا التمييز كذلك. وهناك فقرات قليلة يقتبس منها ذلك الأخير، حيث يوضح أن “المعضلات” التي يشير إليها تدور حول افتراضات الفلاسفة بشأن علاقة لا لبس فيها بين الكون الأرسطي المجرد والإدراك:

أما ما كان منها في الموجودات الجسمانية و يسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود و الأقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها.

هي التي تنتجها القواعد العقلانية والمنطق والعالم الخارجي، ليست قاطعة.

ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلا ما لا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟[79]

إن ابن خلدون لم يكن ذات يوم ممثلًا للمشاعر العلمية المضادة، ربما كان أكبر دليل ضد تأكيدات صبرا – وبعد ذلك هودبهوي – هو التقدم العلمي الهائل منذ خمسة قرون بعد الغزالي، وعلى الرغم من أن هذه الاكتشافات ما هي إلا اجتهادات فردية ولا يبدو أنها ناجمة عن أية مبادرات مؤسسية، فإنها لا تزال تعكس عقلية علمية سائدة داخل المجتمع، ولا تكتنفها قيود حقيقية، ونضرب أمثلة لتلك الإنجازات التي حققها علماء مثل علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الحزم القرشي ابن النفيس (d.1288) الذي اكتشف الدورة الدموية الرئوية، وكمال الدين الفارسي ((d.1319 الذي اكتشف كيفية تشكيل ألوان قوس قزح[80] والملا فتح الله الشرواني (d.1450) وشمس الدين الخفيري (d.1550) اللذان ألفا معًا شروحات فلكية تنتقد النظام البطلمي، وغيرهم كُثر[81]وبعبارة أخرى، كان عصر ما بعد الغزالي مفعمًا بالاكتشافات العلمية والأطروحات التي أثرت بالتأكيد على العلماء الأوروبيين ومهدت الطريق نحو الثورة العلمية الغربية.

إيجازًا لما أوردنا من مناقشات آنفًا، يبدو جليًا أن السرد الكلاسيكي لم يخفق فحسب في تمثيل الأحداث والتأثيرات المؤدية إلى عصر الإنتاجية بشكل ملائم، بل أيضًا أساء تمثيل الأحداث والتأثيرات التي أدت إلى تراجع هذه الإنتاجية العلمية.

إن رأس المشكلة الذي اختير ليكون مثالًا للعقيدة الدينية التي تتعارض مع العلم ليس بريئًا فقط من الجرائم التي يُتهم بها، بل ثبت أنه مجرد كبش فداء لخرافات المستشرقين.

إرساء فهم جديد

لم يكن التحليل الذي أجريته حتى الآن بشأن تقدم الإنتاجية العلمية وتراجعها في الحضارة الإسلامية مجرد نقد، بل المقصود منه إرساء فهم جديد لهذا الموضوع بالكلية، فما تم تحديده حتى هذه اللحظة هو أن السرد الكلاسيكي لم يعد من الممكن اعتباره وسيلة صالحة ومتماسكة لفهم التاريخ العلمي للحضارة الإسلامية؛ إذ إن الفرضية التي في إطارها يتعارض الدين مع العلم أو يخضعه من خلالها في عدم القابلية للتطبيق هي فرضية لا يمكن تأييدها بهذه السهولة، بل إن ما نجده هو أن الفلسفة الذرائعية، التي تقودها العقيدة الدينية، عززت الإبداع العلمي فعليًا من خلال رفض الإطار النظري المُهمل في الفلسفة الأرسطية، ويبقى السؤال قائمًا: ماذا حدث؟

ازدهرت العلوم الإسلامية بشكل ملحوظ في القرن السادس عشر الميلادي، وبعد ذلك بدأت تتراجع إلى نقطة ما بدأ عندها المسلمون يعتمدون فقط على الأفكار والاختراعات الأوروبية، فعلى نحو ما وفي مكان ما قبل نهاية هذه الفترة، وقعت أحداث معينة في الحضارة الإسلامية حملت العلوم الإسلامية نحو مسار التدمير الذاتي؛ وتمثلت هذه الأحداث في التخلي عن قيمها العلمية بشكل تام، وكما يقول أكجينك:

… ويظل التقليد العلمي مستمرًا، وهو بذلك غير قابل للانقطاع. لأنه – إذا ما واجه أي انقطاع – قد لا يستمر بشكل إبداعي كما هو الحال في التقاليد العلمية الإسلامية الحالية، فالانقطاع سيؤدي حتمًا إلى نقل الذين يخوضون في هذا التقليد إلى حضارة أخرى حيث يمكنهم أن يجدوا تقليدًا مستدامًا.[82]

وتواكبًا مع المناقشات السابقة، كان الغزالي وأسلافه المفكرون لا يلقون باللوم على تقويض العلم؛ بل إنهم ببساطة كانوا يؤمنون بأن المعرفة العقلانية يجب أن تولد نتائج فعالة وألا تبقى في عالم مجرد[83].

وهكذا لا يقتصر الإبداع العلمي – خلافًا للسرد الكلاسيكي – على مجرد نقد أشكال معينة من التفكير التنظيري، إذ إن تمييز الأهواء النظرية بذات القيمة سيكون أمرًا غير واقعي وغير عملي، بل من باب أولى أن يكون القيد المقصود أكثر تقييدًا، إذ إن تقييد البحث النظري ليس عن طريق التبعية النفعية، بل من خلال شكل من أشكال المطلقية المانعة، ولو كانت الفلسفة الذرائعية للمسلمين الأوائل معرضة لهذه الأخيرة، لكانت النتيجة هي التخلي التام عن البحث العلمي، نظرًا للطبيعة المفرطة التي تكتنف الاستفسار عن مزيد من القضايا التي تم حلها بالفعل، بل على العكس من ذلك، نجد علماء مؤيدين للفلسفة الذرائعية يناضلون من أجل جعل أبحاثهم ذات صلة من خلال صياغة نماذج أكثر واقعية – كما هو الحال في القشجي وغيره – مما يتيح إمكانية إيجاد حلول بديلة في وقت لاحق، ومن ثم، استشهادًا بديوي، قد نكون قادرين على إيحاد أدلة نحو الكشف عن الجاني:

إن تاريخ تطور العلوم الفيزيائية هو قصة تدور حول توسع امتلاك البشرية لأدوات ذرائعية أكثر فعالية للتصدي لظروف الحياة والعمل، ولكن عندما يتجاهل المرء علاقة هذه المواد العلمية بشؤون التجربة الأولية، فستكون النتيجة هي صورة لعالم من الأمور غير المبالية بالمصالح الإنسانية لأنها بمنأى تام عن التجربة، بل إنها أكثر من مجرد معزولة، لأنها لزمت جانب النقد والمعارضة، وبالتالي عندما ينظر إليها على أنها ثابتة ونهائية في حد ذاتها فهو مصدر من مصادر القمع التي تقيد القلب وتشل الخيال.

….

منذ القرن السابع عشر، كان هذا المفهوم للتجربة – باعتباره معادلًا للوعي الخاص الذاتي – ضد الطبيعة، وهو يتكون في مجموعه من الأشياء المادية، وقد جلب الخراب للفلسفة[84].

ما يجذب انتباهنا حول هذه الفقرة هو أنها تقر بأيديولوجية ما من شأنها أن تربط بشكل وثيق الحضارة الإسلامية المضطربة بنظيرتها الغربية المهيمنة الآن؛ فإن ما بدأت تخوض فيه هذه الأخيرة بحلول القرن السابع عشر الميلادي، كان هو ذاته ما حدد مصير السابقة في نفس الفترة.

من هذه الفقرة بدأت رحلتي لاكتشاف كيفية تراجع الإنتاجية العلمية في الحضارة الإسلامية، كما أنها هي النقطة التي أعتقد أن الجواب المحدد يوجد في داخلها.

وفي الورقة التالية، سنتعرض للآثار الفعلية الكامنة وراء عصر التبعية وكيف يمكن للمسلمين إحياء عصر الإنتاجية العلمية.


[1]برفيز هودبهوي، ” كيف ضل الإسلام طريقه: إنجازات الأمس كانت ذهبية”، صحيفة واشنطن بوست، 30 ديسمبر 2001، أتيح في 21 أكتوبر 2016،https://www.washingtonpost.com/archive/opinions/2001/12/30/how-islam-lost-its-way-yesterdays-achievements-were-golden/d325ce2a-146f-4791-b5e7 8e662d991cbb/?utm_term=.08b85096dca1

[2]استيفنشانكلاند، “نيل ديغراس تايسون: الولايات المتحدة ليست بحاجة لفقدان مكانتها في العلوم،” موقع CNTE، 20يونيه 2014، أتيح في 21 أكتوبر 2016 http://www.cnet.com/news/neil-degrasse-tyson-the-us-doesnt-have-to-lose-its-edge-in-science/

[3] هذا هو المصطلح الرسمي المستخدم في الإشارة للغرب (أي أوروبا وأمريكا ومستعمراتهم والأقاليم التابعة لهم، وما إلى ذلك)

[4]عثمان بكر، مقدمة في التوحيد والعلم، المجلد الثاني. (شاه علام: مطبوعات أراه، 2008)، ثلاثون وواحد وثلاثون.

[5]أتشيق غنتش، التقاليد العلمية الإسلامية في التاريخ (كوالا لامبور: IKIM، 2014)، 12.

[6] نفس المرجع 13

[7]نفس المرجع 45

[8]نفس المرجع 15

[9]“العلم”، قواميس أكسفورد، أتم الولوج في 6 ديسمبر 2016، http://en.oxforddictionaries.com/definition/science

[10]زياد الدين سردار، كيف لنا أن نعرف؟ قراءة زياد الدين سردار حول الإسلام والعلم والعلاقات الثقافية (لندن: مطبعة بلوتو، 2006)، 170.

[11]كما يتسنى للقارئ أن يتأكد بسهولة، فإن عمل “كون” الكتابي كان العامل الرئيس وراء عنوان هذه الورقة البحثية.

[12]توماس كون، بنية الثورات العلمية، المجلد الثالث. (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1996)، 192

[13]علم القيم هو الدراسة الفلسفية للقيم، إذ تعتبر القيم أرقى معتقدات الأشخاص والتي تقودهم في جميع شؤونهم. (مثل الأخلاق والآداب).

[14]الثقافة” قواميس أوكسفورد، تم اعتمادها في 6 ديسمبر 2016 https://en.oxforddictionaries.com/definition/culture

[15]ولاستيعاب أعمق حول العلم في هذا الصدد، يرجى الاستعانة بعمل توماس كون الكتابي بنية الثورات العلمية.

[16]أتشيق غنتش، التقاليد العلمية الإسلامية في التاريخ (كوالا لامبور: IKIM، 12/2014).

[17]جورج ساليبا، العلوم الإسلامية ونشأة النهضة الأوروبية (كامبردج: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2007)، 248.

[18]توبي هوف، نهضة العلوم الحديثة المبكرة: في الدول الإسلامية والصين والدول الغربية، المجلد الثاني. (كامبردج: مطبعة جامعة كامبردج، 2003)، 19.

[19]19 ديفيد ديمينغ، العلوم والتكنولوجيا في تاريخ العالم، المجلد 2: المسيحية المبكرة، صعود الإسلام والعصور الوسطى (جيفرسون: مكفارلاند&كومباني، Inc.، (2010، 81-82.

[20]20 ديمتري غوتاس، الفكر اليوناني، الثقافة العربية: حركة الترجمة العربية-الإغريقية في بغداد والجمعية العباسية المبكرة (2-4/5 -10 ج) (نيويورك: روتليدج، 1998)، 11.

[21]-21ويعرف المستشرق بشكل عام بأنه “شخص يدرس الشرق [أي الشرق]”. ومع ذلك، فإنه يستخدم على وجه التحديد هنا للإشارة إلى أولئك الذين يفعلون ذلك من خلال تحيز الغرب، وعرض الثقافات والأديان الأخرى على أنها ثابتة، متخلفة، ومتدنية.

[22]22 صليبا، العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية، 1-2.

[23](23) المرجع نفسه، 234.

[24] (24) مظفر إقبال، صناعة العلوم الإسلامية (كوالالمبور: كتاب الكتاب الإسلامي، 2009)، 73.

[25]هوف، ريس أوف إيرليموديرنسسينس، 219.

[26]سونجابرينتجس، “مراجعة: المبالغة في تبسيط التقاليد العلمية السياسية “

“Reviews:OversimplifyingtheIslamicScientificTradition”، ميتاسانس 13 (2004): 83-86،

   انظر17 أكتوبر، 2016، دوي: 10.1023 / B: MESC.0000023270.62689.51

[27]انظر، سونجابرينتجس، “في موقع العلوم القديمة أو” العقلانية “في المناظر الطبيعية الإسلامية (500- 1100)،” نشرة المعهد الملكي للدراسات بين الأديان 4 (2002): 47-71.

[28] انظر، غوتاس، الفكر اليوناني، الثقافة العربية.

[29] انظر، أحمد دلال، الإسلام، العلوم، وتحدي التاريخ (نيو هافن: مطبعة جامعة ييل، 2010).

[30]صليبا، العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية، 13.

[31] المرجع نفسه (العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية)، 28.

[32] المرجع نفسه (العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية)، 40.

[33]محمد النديم، كتاب النديم: دراسة استقصائية للثقافة الإسلامية في القرن العاشر، ت. بايارد دودج (نيو يورك: كولومبيا ونيفرزيتي بريس، 1970)، 583.

[34] المرجع نفسه، 579 – 581.

[35] دلال، الإسلام، العلوم، وتحدي التاريخ، 10-11.

[36]سيد حسين نصر، الفلسفة الإسلامية من نشأتها إلى اليوم: الفلسفة في أرض النبوءة (نيويورك: صحافة جامعة ولاية نيويورك، 2006)، 121.

[37]المرجع نفسه، 122.

[38]المرجع نفسه، 124.

[39]صليبا، العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية، 13-14.

[40]ابن النديم، الفهرست، 581-583.

[41]صليبا، العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية، 50-51.

[42]المرجع نفسه، 53.

[43]المرجع نفسه، 54-55.

[44]سردار، كيف تعرف ؟، 137.

[45]جميل راجيب وعلي القوشجي. “تحرير علم الفلك من الفلسفة: جانب من جوانب التأثير الإسلامي في العلم”، أوزوريس إصدار 16، العلوم في سياقات إيمانية: الأبعاد المعرفية (2001)، 50.

[46]صليبا، العلوم الإسلامية والنهضة الأوروبية، 189-190.

[47]المرجع نفسه، 186.

[48]راغب، “تحرير علم الفلك”، 61.

[49]المرجع نفسه، 61-63.

[50]وفي الواقع، تم مناقشة أن قوشجي ربما يكون مسؤولاً بشكل مباشر عن النتائج التي توصل إليها كوبرنيكوس لاحقًا. ولمزيد من المعلومات، انظر: جميل جميل راغب و”علي قوشجيوريخيومونتانو: التحولات غير المركزية والثورات الكوبرنيكية”، مجلة في تاريخ علم الفلك 36/4 (2005): 359-371.

[51]سردار، كيف تعرف ؟، 184.

[52]أخطأ سردار في ترجمة كلمة “الإهدار” هنا باسم “ضحية”. وبالتالي، لقد غيرتها لتعكس المصطلح الصحيح.

[53]جون ديوي، مقدمة للخبرة والطبيعة (لندن: شركة جورج ألين وأونوين، المحدودة، 1929)، v.

[54]مايكل ليستون، “الواقعية العلمية واللاواقعية”، موسوعة الإنترنت للفلسفة، تم الوصول إليها في 12 يناير 2017،http://www.iep.utm.edu/sci-real/

[55]ساليبا، العلوم الإسلامية وعصر النهضة الأوروبي، 247

[56]محمد الغزالي، المقدمة الثانية لكتاب “تهافت الفلاسفة”، ترجمة: مايكل إي. مارمورا (بروفو، أوتاه: دار النشر بجامعة بريغهام يونغ، 2000)، 5-6

[57]المرجع نفسه، مقدمة دينية، 3.

[58]برفيز هودبهوي، الإسلام والعلم: الأرثوذكسية الدينية ومعركة العقلانية (لندن: زيد بوكس ليمتد، 1991)، 105.

[59]المرجع نفسه، مقدمة دينية، 120-121.

[60]المرجع نفسه، مقدمة دينية، 169-171.

[61]الميل للبحث عن أدلة لصالح الفرضية المثيرة للجدل وعدم البحث عن أدلة غير مؤكدة، أو إيلاء اهتمام كافٍ بها”. – برادلي دودن، “مغالطات”، الموسوعة الفلسفية عبر الإنترنت، في 21 فبراير 2017،http://www.iep.utm.edu/fallacy/#ConfirmationBias

[62]هودبهوي، الإسلام والعلم.

[63]رينيه ديكارت، تأملات في الفلسفة الأولى مع مقتطفات من الاعتراضات والردود، الطبعة، جون كوتنغهام (كامبريدج: دار النشر بجامعة كامبرج، 1996)، 103.

[64]المرجع نفسه، 37.

[65]65محاولة ديكارت التوفيق بين حججه الالتفافية ببساطة بلغ الفصل بين المعرفة المباشرة والمعرفة المجمعة:

وأخيرًا، فيما يتصل بحقيقة أنني لم أكن مدانًا بالتعميم عندما قلت إن السبب الوحيد لدينا للتأكد من أننا متيقنون من أننا مدركون بشكل واضح وصحيح حقيقة أن الله موجود، ولكن نحن على يقين من أن الله موجود فقط لأننا نرى هذا بوضوح: وقد قدمت بالفعل شرحًا وافيًا لهذه النقطة في ردي على الاعتراضات الثانية، حيث ميزت بين ما نتصوره بوضوح وما نتذكره بوضوح في موقف ما سابق. وبادئ ذي بدء، نحن على يقين من أن الله موجود لأننا نطرح الحجج التي تثبت ذلك؛ ولكن يكفي بعد ذلك أن نتذكر أننا أدركنا شيئًا واضحًا لكي نكون متأكدين من صحته. هذا لن يكون كافيًا إذا لم نكن نعرف أن الله موجود وليس خادعًا. – المرجع السابق، 106.

مجمل القول، يمكن التأكد من وجود الله في غضون لحظة، ولكن الوصول إلى هذا الاستنتاج لا يمكن إلا أن يكون مؤكدًا من خلال الإيمان بالله. غير أن الحل سطحي، حيث يفترض أن ذاكرة الشخص موثوق بها فعلياً بما فيه الكفاية لتذكر وجود الله مع اليقين قبل الإيمان به.

[66]برفيز هودبهوي، الإسلام والعلم، 105-106

[67]هودبهوي يقتبس من دبليو. مونتجومري وات، الإيمان وممارسة الغزالي (لندن: جورج ألين و انوين، 1953)، 33

[68]الغزالي، تهافت الفلاسفة، 8-9.

[69]المرجع السابق، 10-11.

[70]المرجع السابق، 162.

[71]المرجع السابق، 9.

[72]هودبهوي، الإسلام والعلوم، 121

[73]عبد الحميد إبراهيم صبرا، “”الاعتماد وتطوير العلوم اليونانية على أيدي المسلمين في العصور الوسطى: تمهيد “، تاريخ العلوم 25 (1987)، 240.

[74]المرجع السابق، 239-240.

[75]المرجع السابق، 239.

[76]لعل هذا لا يكون مفاجئًا بالنظر إلى أن صبرا لم يكن ينوي أن يُنظر إلى شمول بحثه أو أنه تحميل للغزالي المسؤولية الكاملة عن التراجع. كما يقول إن بحثه لم يكن يقصد منه سوى “أن يكون بمثابة رأي ذات صلة وربما ليسلط الضوء على المساعدة في البحوث المستقبلية من خلال توجيه اهتمامنا نحو اتجاه معين بدلًا من غيره” – المرجع نفسه،240-241

[77]جميل رجب، “تحرير علم الفلك من الفلسفة”، 59-60

[78]المرجع السابق، 60.

[79]ابن خلدون، المقدمة، المجلد الثالث، ترجمة فرانز روزنتال (نيو جيرسي: دار النشر بجامعة كامبردج، 1967)، 251.

[80]81ساليبا، العلوم الإسلامية وعصر النهضة الأوروبي، 239

[81]المرجع السابق، 240.

[82]أكجينك، التقاليد العلمية الإسلامية في التاريخ، 28

[83]للحصول على مناقشة أكثر شمولًا لما يعتبره الغزالي “مفيدًا” و “جديرًا بالتوبيخ”، راجع تشي زارينا سعاري، “تصنيف العلوم: دراسة مقارنه لكتاب “إحياء علوم الدين” و “الرسالة الدنيوية”، الخطاب الفكري 7 (1) (غومباك: دار النشر بالجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا)، 1999)، 53-77

[84]جون ديوي، الطبيعة البشرية والتجربة، 11

Avatar

Asadullah Ali

FELLOW | Asadullah Ali has a Bachelors of Arts from Benedictine University in Western Philosophy, Masters from the International Islamic University of Malaysia in Philosophy, Phd. Candidate at University of Georgia in Islamic Studies.